نُزْهَةُ النَّظَرِ
فِي تَوضِيحِ نُخْبَةِ الْفِكَرِ
فِي مُصْطَلَحِ أَهْلِ الأَثَرِ
للإمام الحافظ أحمد بن علي بن محمد بن حجر العسقلاني
٧٧٣ - ٨٥٢ هـ رحمه الله تعالى
طبعة مصحَّحة ومنقحة ومزيدة
تحقيق وتعليق
أ. د. عبد الله بن ضيف الله الرحيلي
أستاذ في الحديث وعلومه، عضو هيئة التدريس بجامعة طيبة بالمدينة المنورة سابقًا
стр. 40
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
قال الشيخ العلامة الرُّحْلَةُ (١)، شيخ الإسلام، علَمُ الأعلام، شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد العسقلاني، الشهير بابن حجر، الشافعي، فسَح الله في مُدّته (٢)، وأعاد على المسلمين مِن بركته:
[مقدّمة المؤلف]
الحمد لله الذي لم يزل عالماً (٣) قديراً، حياً قيوماً سميعاً بصيراً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأُكَبِّرُه تكبيراً، وصلى الله على سيدنا محمد الذي أرسله إلى الناس كافة (٤) بشيراً ونذيراً، وعلى آل محمد وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
[المؤلفون في مصطلح الحديث ومؤلفاتهم]
أما بعد: فإنّ التصانيف في اصطلاح أهل الحديث، قد كثرت للأئمة في القديم والحديث.
فمِن أوّلِ مَن صَنَّفَ في ذلك (٥):
стр. 41
١ - القاضي أبو محمد الرامَهُرْمُزِي (١) في كتابه: "المحدِّثُ الفاصل" (٢)، لكنه لم يَستوعب.
٢ - والحاكم أبو عبد الله النيسابوريّ (٣)، لكنه لم يُهَذِّب، ولم يُرَتّب.
стр. 42
٣ - وتلاه أبو نعيم الأصْبهاني (١) فعَمِل على كتابه مستخْرَجاً وأبقى أشياءَ للمُتَعَقِّب.
٤ - ثم جاء بعدهم الخطيب أبو بكر البغداديُّ (٢) فصَنَّفَ في قوانين الرواية كتاباً سَمَّاهُ: "الكفاية" (٣)، وفي آدابها كتاباً سَمَّاهُ: "الجامع لآداب الشيخ والسامع" (٤)، وقَلَّ فَنٌّ مِن فنون الحديث إلا وقد صَنَّفَ فيه كتاباً مفْرَداً؛ فكان كما قال الحافظ أبو بكر بن نقطة (٥): ((كلُّ مَن أَنْصف عَلِم أنّ المحدِّثين بعد الخطيب عيالٌ على كُتُبِهِ)) (٦).
стр. 43
ثم جاء بعضُ مَنْ تأخر عن الخطيب، فأَخذ مِن هذا العلم بنصيبٍ:
٥ - فَجَمع القاضي عياض (١) كتاباً لطيفاً سَمَّاهُ: "الإلماع" (٢).
стр. 44
٦ - وأبو حفْصٍ الميانجي (١) جزءاً سَمَّاهُ: "ما لا يسعُ المحدِّثَ جَهْلُهُ" (٢). وأمثال ذلك مِن التصانيف التي اشتهرت، وبُسِطَتْ (٣)؛ لِيَتَوَفَّر علمها، واخْتُصِرَتْ؛ لِيَتَيَسَّر فهْمها، إلى أن جاءَ:
٧ - الحافظ الفقيه تقي الدين أبو عمرو عثمان بن الصلاح بن عبد الرحمن [٢/ ب] الشَّهْرَزُوْرِي نزيل دمشق (٤) فجمع -لَمّا وَلِيَ تدريس الحديث بالمدرسة الأشرفية- كتابَهُ المشهور (٥)، فهذَّب فُنُونَهُ، وأملاه شيئاً بعد
стр. 45
شيء؛ فلهذا لم يَحْصُل ترتيبُهُ على الوضع المتناسب (١)، واعتنى بتصانيف الخطيب المفرَّقة، فجمع شَتاتَ مقاصِدها، وضَمَّ إليها من غيرها نُخَبَ فوائدها، فاجتمع في كتابه ما تفرق في غيره؛ فلهذا عَكَف الناسُ عليه، وساروا بسيره، فلا يُحْصَى كم ناظمٍ له ومُخْتَصِرٍ، ومستدرِكٍ عليه ومُقْتَصِرٍ، ومعارِضٍ له ومنتَصِرٍ.
[سبب تصنيف نزهة النظر]
فسألني بعض الإخوان أن أُلَخِّصَ له المهم مِن ذلك، فلخصته في أوراقٍ
стр. 46
لطيفةٍ، سَمّيتها: "نُخْبَةَ الْفِكَرِ في مصطلحِ أهلِ الأثرِ"، على ترتيبٍ ابتكَرْتُهُ، وسبيلٍ انْتَهَجْتُهُ، مع ما ضَمَمْتُ إليه من شوارِد الفرائدِ، وزوائدِ الفوائدِ (١). فَرَغِبَ إليَّ، ثانياً، أنْ أضَعَ عليها شرحاً يَحُلُّ رموزَها، ويفتحُ كنوزَها، ويوضِّح ما خَفِيَ على المبتدئ مِن ذلك، فأجبتُهُ إلى سؤاله؛ رجاءَ الاندراج في تلك المسالِك، فبالغتُ -في شرحها- في الإيضاح والتوجيه، ونَبَّهتُ على خفايا زواياها؛ لأنّ صاحبَ البيتِ أدرى بما فيه، وظهر لي أنّ إيرادَهُ على صورةِ الْبَسْطِ أَلْيَقُ (٢)، ودمْجَها ضِمْن توضيحها أوفقُ، فسلكتُ هذه الطريقةَ القليلةَ السالكِ (٣). فأقول طالباً من الله التوفيق فيما هنالك:
[الفرق بين الخبر والحديث]
١ - الخبر: عند علماءِ هذا الفنِّ مرادِفٌ للحديثِ.
٢ - وقيل: الحديثُ: ما جاء عن النبي ﷺ ، والخبر: ما جاء عن غيره، ومِن ثَمَّةَ قيل لمن يشتغل بالتواريخ وما شَاكَلَهَا: "الإِخْبَارِي" (٤)، ولمن يشتغل بالسنَّة النبوية: "المحدِّث".
٣ - وقيل: بينهما عمومٌ وخصوصٌ مُطْلَق (٥): فكلُّ حديثٍ خبرٌ، مِن غير
стр. 47
عكسٍ (١)، وعُبِّر هنا بـ"الخبر" ليكون أشمل (٢)(٣).
стр. 48
[أقسام الخبر باعتبار طرق وصوله إلينا]
فهو باعتبارِ وصوله إلينا:
إما أن يكون له طُرُقٌ، أي: أسانيدُ كثيرةٌ-لأنّ طُرُقاً جَمْعُ طَرِيق، و"فَعِيلٌ" في الكثرة يُجْمَع على "فُعُل" بضمَّتين، وفي القِلَّة على ["أَفْعِلَة"] (١) - والمراد بالطرق: الأسانيد.
والإسنادُ: حكايةُ طريقِ المتن.
[عددُ التواتر]:
وتلك الكثرةُ [٣/ أ] أحدُ شروطِ التواتر، إذا وردت- بلا حصرِ عددٍ مُعَيَّنٍ، بل تَكُوْن العادة قد أحالت تواطؤَهُم على الكذب، وكذا وقوعُهُ (٢) منهم اتِّفاقاً مِن غيرِ قصدٍ- فلا معنى لتعيين العدد على الصحيح.
ومِنْهم مَنْ عَيَّنه في الأربعة.
وقيل: في الخمسة.
وقيل: في السبعة.
وقيل: في العشرة.
стр. 49
وقيل: في الاثني عشر.
وقيل: في الأربعين.
وقيل: في السبعين.
وقيل غير ذلك.
وتَمَسَّك كلُّ قائلٍ بدليلٍ جاءَ فيه ذكرُ ذلك العدَدِ؛ فأفاد العلمَ. وليس بلازمٍ أن يَطَّرِدَ في غيره؛ لاحتمال الاختصاص (١).
[١ - تعريف المتواتر وشروطه]:
فإذا ورد الخبر كذلك، وانضاف إليه أن يستوي الأمر فيه في الكثرة المذكورة من ابتدائِه إلى انتهائه -والمراد بالاستواءِ: أن لا تنقصَ الكثرةُ المذكورةُ في بعض المواضع، لا أن لا تزيد؛ إذ الزيادة مطلوبةٌ هنا مِن بابِ الأَولى- وأن يكون مستندُ انتهائه الأمْرَ الْمُشَاهَدَ أو المسموعَ، لا ما ثبت بِقَضِيِّةِ العقلِ الصِّرْف، كالواحد نصف الاثنين.
فإذا جَمَع هذه الشروطَ الأربعةَ، وهي:
١ - عددٌ كثير أحالت العادة تواطؤَهم، أو توافُقَهم، على الكذب.
٢ - رووا ذلك عن مثلهم مِن الابتداءِ إلى الانتهاءِ.
٣ - وكان مُسْتَنَدُ انْتِهائِهم الحِسَّ.
стр. 50
٤ - وانضاف إلى ذلك أن يَصْحبَ خبرَهم إفادةُ العلمِ لسامعه.
فهذا هو المتواتر.
وما تخلَّفتْ إفادة العلم (١) عنه كان مشهوراً فقط، فكلُّ متواترٍ مشهورٌ من غيرِ عكسٍ (٢).
[هذه الشروط تفيد حصول العلم غالباً]:
وقد يقال: إن الشروط الأربعة إذا حصَلتْ اسْتَلْزمتْ حصولَ العلم (٣)، وهو كذلك في الغالب، لكن، قد يتخلف عن البعض لمانعٍ.
стр. 51
وقد وَضَحَ بهذا تعريف المتواتر.
وخِلافُهُ (١) قد يَرِدُ:
أ- بلا حصرٍ، أيضاً، لكن، مع فَقْدِ بعض الشروط.
ب- أو مع حصرٍ:
٢ - بما فوق الاثنين، أي بثلاثةٍ فصاعداً، ما لم تجتمع شروط التواتر.
٣ - أو بهما، أي: باثنين فقط.
٤ - أو بواحدٍ.
والمراد بقولنا: ((أن يَرِدَ باثنين)): أن لا يَرِدَ بأقلَّ منهما، فإن وَرَدَ بأكثرَ في بعض المواضع من السند الواحد لا يضر؛ إذ الأقل في هذا يَقْضي على الأكثر.
[فالأول] (٢): المتواتر.
[حكم المتواتر]:
وهو المفيد للعلم اليقيني (٣) -فأَخرجَ النظريَّ، على ما يأتي تقريره- بشروطه
стр. 52
التي تقدمت.
واليقين: هو الاعتقاد [٣/ ب] الجازم المطابق.
وهذا هو المعْتَمَدُ أنّ خبر التواتر يفيد العلم الضروري.
[مفهوم العلم الضروري]
وهو الذي يُضْطر الإنسان إليه بحيث لا يُمْكنه دفعه.
وقيل: لا يفيد العلمَ إلا نظرياً. وليس بشيء؛ لأنّ العلم بالتواتر حاصلٌ لمن ليس له أهليةُ النظرِ كالعاميِّ؛ إِذِ النظر: ترتيبُ أمورٍ معلومةٍ أو مظنونةٍ يُتَوَصل بها إلى علومٍ أو ظنونٍ، وليس في العاميِّ أهليةُ ذلك، فلو كان نظرياً لَمَا حَصَلَ لهم (١).
[الفرق بين العلم الضروري والعلم النظري] [
ولاحَ بهذا التقريرِ الفرقُ بين العلم الضروريّ والعلم النظريّ:
١ - إِذِ الضروريّ يفيدُ العلمَ بلا استدلالٍ، والنظريّ يفيده، لكن، مع الاستدلال على الإفادة.
٢ - وأن الضروريَّ يَحْصُلُ لكلِّ سامعٍ، والنظريَّ لا يَحْصُلُ إلا لمن فيه أهليةُ النظر.
стр. 53
وإنما أُبْهِمَتْ شروط المتواتر في الأصل (١)؛ لأنه على هذه الكيفية ليس من مباحثِ علمِ الإسناد (٢).
[تعريف علم الإسناد]:
إذْ علمُ الإسنادِ يُبحث فيه عن صحة الحديث أو ضعفه؛ لِيُعْمَلَ به أو يُتْرَكَ من حيث: صفاتُ الرجال وصِيَغُ الأداءِ (٣)، والمتواتر لا يُبْحَث عن رجاله، بل يجِبُ العمل به من غير بحث (٤).
стр. 54
فائدة:
ذَكَر ابن الصلاح (١) أن مثال المتواتر على التفسير المتقدم يَعِزُّ وجودُه، إلا أن يُدَّعَى ذلك في حديثِ: (مَنْ كَذَبَ عليَّ) (٢). وما ادّعاه من العِزَّةِ ممنوعٌ، وكذا ما ادعاه غَيْرُهُ مِن العدم؛ لأن ذلكَ نشأَ عن قلةِ اطِّلاعٍ على كثرةِ الطرقِ وأحوالِ الرجالِ وصفاتِهِم المقتضيةِ لإبعادِ العادةِ أن يَتَواطؤا على كذبٍ، أو يَحْصُلَ منهم اتِّفاقاً.
[الدليل على وجود الحديث المتواتر]:
ومِنْ أحسنِ ما يُقَرَّرُ به كونُ المتواتر موجوداً وجودَ كَثْرةٍ في الأحاديث: أن الكُتَبَ المشهورةَ الْمُتَدَاوَلَةَ بأيدي أهل العلم شرقاً وغرباً، المقطوعَ عندهم بصحةِ نسبتِها إلى مصنفِيها، إذا اجتمعتْ على إخراجِ حديثٍ، وتعددتْ طُرقُه تعدّداً تُحيل العادةُ تواطُؤَهم على الكَذِبِ، إلى آخر الشروط، أفاد العلمَ اليقينيَّ بصحته إلى قائله، ومثل ذلك في الكتب المشهورة كثير (٣)(٤).
стр. 55
[أقسام الآحاد]
[٢ - تعريف الحديث المشهور والمستفيض، ووجه الفرق بينهما]
والثاني (١) -وهو أول أقسام الآحاد-: ما لَهُ طرقٌ [٤/ أ] محصورةٌ بأكثرَ مِن اثنين، وهو المشهور عند المحدثين (٢).
سُمِّيَ بذلك لوضوحه، وهو المستفيض على رأيِ جماعةٍ مِن أئمةِ الفقهاء، سُمِّيَ بذلك لانتشاره، مِن: فاض الماءُ يَفِيض فيضاً، ومنهم مَنْ غاير بين المستفيض والمشهور، بأنّ المستفيض يكون في ابتدائه وانتهائه سواءً (٣)، والمشهور أعمُّ من ذلك.
ومنهم مَن غاير على كيفيةٍ أخرى، وليس مِن مباحث هذا الفن.
[أقسام المشهور]:
ثم المشهور يُطلَق:
стр. 56
١ - على ما حُرِّر هنا.
٢ - وعلى ما اشتهر على الألسنة؛ فَيَشمل ما له إسنادٌ واحدٌ فصاعداً، بل ما لا يوجد له إسنادٌ أصلاً (١).
[تعريف العزيز]:
والثالث (٢): العَزِيز: وهو أن لا يَروِيَه أقلُّ مِن اثنين عن اثنين (٣).
стр. 57
وسُمِّيَ بذلك إمّا لقلةِ وجودِهِ، وإمّا لكونه عَزَّ، أَيْ قَوِيَ بمجيئه من طريقٍ أخرى.
وليس شرطاً للصحيح، خلافاً لمن زَعَمَهُ، وهو أبو علي الجُبَّائِي (١) مِن المعتزلة، وإليه يومئُ كلام الحاكم أبي عبد الله في "علوم الحديث" (٢)، حيث قال: ((الصحيح أنْ يرويه الصحابيُّ الزائلُ عنه اسمُ الجَهالة؛ بأن يكون له راويان، ثم يتداوله أهل الحديث إلى وقتنا، كالشهادة على الشهادة)).
[دعوى ابن العربي: بأن العزيز من شرط البخاري في صحيحه]:
وصرّح القاضي أبو بكر بن العربي (٣) في "شرح البُخَارِيّ" بأنّ ذلك شرطُ البُخَارِيِّ، وأجاب عما أُوْرِدَ عليه مِن ذلك بجوابٍ فيه نظر؛ لأنه قال: فإن قيل: حديثُ: (الأعمال بالنيات) (٤) فَرْدٌ (٥)؛ لم يروه عن عُمر إلا علقمة؟ قال:
стр. 58
قلنا: قد خَطَبَ به عُمرُ على المنبر بحضرة الصحابة؛ فلولا أنهم يعرفونه لأنكروه.
-كذا قال-.
[الرد على جواب ابن العربي]:
وتُعُقِّبَ بأنه لا يَلْزم مِن كونهم سكتوا عنه أن يكونوا سمعوه مِن غيره، وبأنّ
стр. 59
هذا لو سُلِّمَ في عمر مُنِعَ في تَفَرُّدِ علقمةَ ثم تَفَرُّدِ محمد بن إبراهيم به عن علقمة، ثم تَفَرُّدِ يحيى بن سعيد به عن محمدٍ، على ما هو الصحيح المعروف عند المحدثين، وقد وردتْ لهم متابعاتٌ لا يُعْتَبَرُ بها (١)، وكذا لا يَسْلَمُ جوابُه في غيرِ حديثِ عُمرَ.
قال ابن رُشَيْدٍ (٢): ولقد كان يكفي القاضِيَ في بطلان ما ادّعَى أنه شرطُ البُخَارِيِّ أولُ حديثٍ مذكور فيه.
[دعوى لابن حبان]:
وادّعَى ابن حِبّان (٣) [٤/ ب] نقيضَ دعواه (٤)، فقال: إنّ رواية اثنين عن اثنين إلى أن ينتهي لا توجد أصلاً.
[الرد على ابن حبان]:
قلت: إن أراد أنّ رواية اثنين فقط عن اثنين فقط [إلى أن ينتهي] (٥) لا يُوجد أصلاً فَيُمْكِنُ أن يُسَلَّمَ، وأما صورة العزيز التي حررناها فموجودة بأنْ لا يرويَهُ أقلُّ مِن اثنين عن أقلَّ من اثنين.
[مثال العزيز]:
مثاله: ما رواه الشيخان مِن حديثِ أنس، والبخاريُّ مِن حديثِ أبي هريرة
стр. 60
أن رسول الله ﷺ قال: (لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ) (١) الحديث. ورواه عن أنس: قتادة وعبد العزيز بن صهيب، ورواه عن قتادة: شعبةُ وسعيد، ورواه عن عبد العزيز: إسماعيل بن عُليَّة وعبدُ الوارث، ورواه عن
كُلٍّ جماعة.
[تعريف الغريب]:
والرابع (٢): الغريب: وهو ما يتفرَّد بروايته شخصٌ واحد في أيِّ موضعٍ وَقَعَ التفردُ به مِن السند.
على ما سنقسم إليه الغريب المطلق والغريب النسبي (٣).
وكلها أي الأَقْسَامُ الأربعةُ المذكورةُ سِوى الأول -وهو المتواتر- آحادٌ، ويقال لكلٍّ منها: خَبَرُ واحدٍ.
[تعريف الآحاد وأقسامها وحكمها]
[تعريفها]:
وَخَبَرُ الواحدِ في اللغة: ما يرويه شخصٌ واحدٌ.
وفي الاصطلاح: ما لم يَجْمَعْ شروطَ التواتر (٤).
стр. 61
وفيها، أيْ: الآحاد:
[أقسامها من حيث القبول والردّ]:
أ - المقبول (١): وهو ما يجب العمل به عند الجمهور.
ب- وفيها المردود: وهو الذي لم يَرْجَحْ صِدْقُ المُخْبِرِ به؛ لتوقف الاستدلال بها على البحث عن أحوال رواتها، دون الأول، وهو المُتَوَاتِرُ، فكلُّهُ مقبولٌ؛ لإفادته القطعَ بصدْقِ مُخْبِرِهِ، بخلاف غيره من أخبار الآحاد.
[صُورُ القبول والردّ وأساسهما]
لكن إنما وجب العمل بالمقبول منها لأنها إما (٢):
стр. 62
١ - أن يوجد فيها أصْلُ صفة القبول، وهو ثبوتُ صِدْقِ الناقل.
٢ - أو أصْلُ صفة الرد، وهو ثبوتُ كَذِبِ الناقل.
٣ - أوْ لا.
فالأول: يَغْلبُ على الظن صدقُ الخبر؛ لثبوت صدقِ ناقله؛ فيؤخذُ به.
والثاني: يَغْلبُ على الظن كذبُ الخبر؛ لثبوتِ كذب ناقله؛ فَيُطْرَح.
والثالث: إنْ وُجِدَتْ قرينةٌ تُلْحِقه بأحدِ القسمين الْتَحق، وإلا فَيُتَوَقَّفُ فيه، فإذا تُوُقِّف عن العمل به صار كالمردود، لا لثبوتِ صفةِ الرد، بل لكونه لم توجد فيه صفةٌ توجب القبول، والله أعلم (١).
стр. 63
[حكم أخبار الآحاد]:
[٥/ أ] وقد يقع فيها-أي في أخبار الآحاد المنقسمة إلى: مشهور، وعزيز، وغريب- ما يفيد العلمَ النظريَّ بالقرائن (١) على المختار، خلافاً لمن أبى ذلك (٢). والخلافُ في التحقيقِ لفظيٌّ (٣)، لأن مَنْ جَوَّزَ إطلاقَ العلمِ قَيّده بكونه نظرياً، وهو الحاصل عن الاستدلال، ومَن أَبَى الإطلاقَ خَصَّ لَفْظَ العلمِ
стр. 64
بالمتواتر (١)، وما عَدَاهُ عنده ظنيٌّ، لكنه، لا ينفي أنّ ما احْتَفَّ بالقرائن أرجحُ مما خلا عنها.
[أنواع الخبر المُحْتَفّ بالقرائن]:
والخبرُ الْمُحْتَفُّ بالقرائن أنواعٌ:
أ - منها: ما أخرجه الشيخانِ في صحيحيهما، مما لم يبلغ التواتر (٢)، فإنه احتفَّتْ به قرائنُ، منها:
- جلالتهما في هذا الشأن.
- وتقدُّمهما في تمييز الصحيح على غيرهما.
- وتلقِّي العلماء لكتابيهما بالقبول، وهذا التلقِّي وحده أقوى في إفادة العِلْم مِن مجردِ كثرةِ الطرق القاصرة عن التواتر.
[الشرط في تلقّي حديث الصحيحين بالقبول]:
إلا أنّ هذا:
١ - يختصُّ بما لم يَنتقدْه أحدٌ مِن الحفّاظ مما في الكتابين (٣).
стр. 65
٢ - وبما لم يقع [التّجاذبُ] (١) بين مدلوليه مما وقع في الكتابين، حيث لا ترجيح؛ لاستحالةِ أنْ يُفيد المتناقِضَان العلمَ بصدقهما مِن غير ترجيحٍ لأحدهما على الآخر (٢)، وما عدا ذلك فالإجماع حاصلٌ على تسليم صحته.
стр. 66
فإن قيل: ((إنما اتفقوا على وجوبِ العملِ به لا على صحته))، منعناه، وسَنَدُ المنعِ: أنهم متفقون على وجوب العمل بكل ما صح، ولو لم يخرّجه الشيخان؛ فلم يَبْقَ للصحيحين في هذا مزيةٌ، والإجماع حاصلٌ على أنَّ لهما مزيةً فيما يَرْجع إلى نفس الصحة.
وممن صرح بإفادة ما خَرّجه الشيخان العلمَ النظريَّ:
١ - الأستاذُ أبو إسحاق الإسفرائيني (١).
٢ - ومِن أئمة الحديث: أبو عبد الله الحميدي (٢).
٣ - وأبو الفضل ابن طاهر (٣)، وغيرهما (٤). ويُحْتمل أن يقال: المزية المذكورة كونُ أحاديثهما أصحَّ الصحيح.
ب- ومنها: (٥) المشهور إذا كانت له طرقٌ متباينةٌ سالمةٌ مِن ضعْف الرواة
стр. 67
والعلل، وممن صرَّح بإفادته العلمَ النظريَّ الأستاذُ أبو منصور [/ ٥/ ب] البغدادي (١)، والأستاذ أبو بكر بن فُوْرَك (٢)، وغيرهما.
جـ- ومنها: المسَلْسَلُ بالأئمةِ الحفاظِ المتقنين، حيث لا يكونُ غريباً، كالحديث الذي يرويه أحمدُ بن حنبل (٣)، مثلاً، ويشاركه فيه غيره عن الشافعي (٤)، ويشاركه فيه غيره عن مالك بن أنس (٥)، فإنه يفيد العلمَ عند سامعِهِ بالاستدلال مِن جهةِ جَلالةِ رواتِهِ وأنَّ فيهم مِن الصفاتِ اللائقةِ الموجِبةِ للقبولِ ما يقوم مقام العدد الكثير مِن غيرهم، ولا يَتشكك مَنْ له أدنى
стр. 68
ممارسةٍ بالعلم وأخبار الناس أنّ مالكاً، مثلاً، لو شافهه بخبرٍ (١) أنه صادقٌ فيه، فإذا انضاف إليه مَن هو في تلك الدرجة ازداد قوَّةً (٢)، وبَعُدَ ما يُخْشَى عليه مِن السهو.
[القرائن هذه إنما تفيد العلم بصدق الحديث عند المختصين]:
وهذه الأنواع التي ذكرناها لا يَحْصل العلمُ بصدقِ الخبرِ منها إلا للعالِمِ بالحديثِ، المتبحرِ فيه، العارفِ بأحوالِ الرواةِ، المطَّلِعِ على العلل. وكونُ غيرِه لا يَحْصلُ له العلمُ بصدْقِ ذلك -لقصورِهِ عن الأوصاف المذكورة التي ذكرناها (٣) - لا يَنفي حصولَ العلمِ للمتبحّر المذكور.
ومحصَّلُ (٤) الأنواع الثلاثة، التي ذكرناها أنَّ:
الأول: يختص بالصحيحين.
والثاني: بما له طرقٌ متعددة.
والثالث: بما رواه الأئمة.
ويُمْكن اجتماع الثلاثة في حديثٍ واحد، ولا يَبْعُدُ حينئذ القطعُ بصدْقِهِ (٥)، والله أعلم.
стр. 69
[تقسيم الغريب]
ثم الغرابة إما أن تكون:
١ - في أصل السند (١): أيْ: في الموضع الذي يَدور الإسناد عليه ويَرْجِعُ، ولو تعددت الطرق إليه، وهو طَرَفُهُ الذي فيه الصحابي.
٢ - أو لا يكون كذلك، بأنْ يكون التفرُّد في أثنائه، كأَنْ يرويَه عن الصحابيّ (٢) أكثرُ مِن واحدٍ، ثم ينْفَرِدَ بروايته عن واحدٍ منهم شخصٌ واحد.
стр. 70
[الفرد المطلق وأمثلته]:
فالأول: الفرد المطْلَق:
كحديث النهي عن بيع الولاء وعن هبته (١)، تفرَّد به عبد الله بن دينار عن ابن عمر، وقد يَنْفَرِدُ به راوٍ عن ذلك المنْفَرد، كحديث شُعَبِ الإيمان (٢)، تفرَّدَ به أبو صالح عن أبي هريرة، وتفرَّدَ به عبد الله بن دينار عن أبي صالح، وقد يستمر [٦/ أ] التفرد في جميع رواته أو أكثرهم. وفي "مسند البزَّار" (٣)، و"المعجم الأوسط"، للطبراني (٤) أمثلةٌ كثيرة لذلك.
[الغريب النسبي والفرق بينه وبين الغريب المطلق]:
والثاني: الفرد النسبيّ:
سُمِّيَ بذلك لكون التفرد فيه حَصَلَ بالنسبة إلى شخصٍ مُعَيَّنٍ، وإن كان الحديث في نفسه مشهوراً، ويَقِلُّ إطلاقُ الفردِيّةِ عليه، لأن الغريب والفرد مترادفان لغةً واصطلاحاً، إلا أن أهلَ الاصطلاح غايروا بينهما مِن حيثُ كثرةُ الاستعمال وقِلَّتُه، فالفردُ أكثرُ ما يُطْلقونه على الفرد المطلق، والغريب أكثرُ ما يُطْلقونه على الفرد النسبي، وهذا مِن حيثُ إطلاقُ الاسم عليهما، وأمّا مِن حيثُ استعمالُهم الفعل المشتق فلا يُفَرِّقون، فيقولون في المطلق والنسبي: تفرَّد به فلان، أو أغرب به فلان.
стр. 71
[الفرق بين المنقطع والمرسل]
وقريبٌ مِنْ هذا: اختلافُهم في المنقطعِ (١) والمرسَل هل هما متغايران أو لا؟ فأكثرُ المحدثين على التغاير (٢)، لكنه عند إطلاق الاسم، وأما عند استعمالِ الفعل المشتق فيَستعملون الإرسال فقط، فيقولون: أرسله فلان، سواء كان ذلك مرسلاً أم منقطعاً، ومِن ثَمَّ أَطلق غير واحدٍ ممن لم يلاحِظ مواقعَ استعمالهم على كثيرٍ مِن المحدثين أنهم لا يغايرون بين المرسل والمنقطع، وليس كذلك؛ لِما حرّرناه، وقلَّ مَنْ نَبَّه على النُّكتة في ذلك (٣)، والله أعلم.
[أقسام الخبر المقبول]
[الصحيح لذاته]:
وخبرُ الآحاد: بنقلِ عدلٍ (٤) تامِّ الضبطِ، متصلَ السند، غيرَ مُعَلَّل ولا شاذٍّ هو الصحيحُ لِذاته (٥).
وهذا أولُ تقسيمِ المقبول إلى أربعةِ أنواعٍ؛ لأنه إمّا أنْ يشتملَ من صفاتِ القبول على:
١ - أعلاها. … ٢ - أوْ لا.
стр. 72
الأول: الصحيحُ لذاته (١).
والثاني: إنْ وُجِدَ ما يَجْبُرُ ذلك القُصور ككثرة الطرق (٢)، فهو الصحيح أيضاً (٣)، لكن، لا لذاته.
стр. 73
هو الضعيف ضعفاً محتَمَلاً إذا انجبر ضعفه بتعدد طرقه
وهو الحسن لذاته إذا تعددت طرقه على وجهٍ يجبر بعضها بعضاً
هو ما كان راويه عدلاً ضابطاً خَفَّ ضبطه ولم تتعدد طرقه على وجهٍ يرتقي بها إلى درجة الصحيح لغيره.
٣ - وحيث لا جُبْرَانَ فهو الحسن لذاته.
٤ - وإن قامت قرينةٌ ترجِّح جانبَ قبول ما يُتوقّف فيه فهو الحسن، أيضاً، لا لذاته.
وقُدِّمَ الكلام على الصحيح لذاته لعلو رتبته.
[العدالة]
والمراد بالعدل (١): مَنْ له مَلَكَةٌ تَحْمِلُه على مُلازَمة [٦/ ب] التقوى والمروءة (٢). والمراد بالتقوى: اجتناب الأعمال السيئة مِن شِرْك أو فسقٍ أو بدعةٍ.
стр. 74
[تقسيم الضبط وتعريفه]
والضبط:
أ - ضبطُ صَدْرٍ: وهو أن يُثْبِت ما سمعه بحيث يتمكَّنُ مِن استحضاره متى شاء.
ب- وضبطُ كتابٍ: وهو صِيانَتُهُ لديه منذ سمع فيه وصححه إلى أن يُؤَدِّيَ منه. وقُيِّدَ بالتام إشارةً إلى الرتبةِ العُليا في ذلك.
[تعريف الحديث المتصل]:
والمتصل: ما سَلِم إسنادُه مِنْ سقوطٍ فيه، بحيث يكون كلٌّ مِنْ رِجاله سمعَ ذلك المرويَّ مِن شيخه. والسند تقدَّمَ تعريفُهُ.
[الحديث المعلل]:
والمُعَلَّل لغةً: ما فيه عِلَّةٌ، واصطلاحاً: ما فيه عِلَّةٌ خَفَيّةٌ (١) قادحةٌ.
[تعريف الحديث الشاذ]:
والشاذُّ لغةً: المنفرد، واصطلاحاً: ما يخالِف فيه الراوي (٢) مَنْ هو أرجحُ منه. وله تفسير آخَرُ سيأتي.
стр. 75
تنبيه: [حول القيود في تعريف الصحيح لذاته]
أ - قوله: ((وخبر الآحاد)): كالجنس، (١) وباقي قُيودِهِ كالفصْل (٢).
ب- وقوله: ((بنقل عدل)): احترازٌ عما ينقله غيرُ عَدْلٍ.
جـ- وقوله: ((هو)): يُسمى فَصْلاً (٣) يتوسط بين المبتدأ والخبر، يُؤْذِن بأنّ ما بعده خبرٌ عما قبله، وليس بنعتٍ له.
د- وقوله: ((لذاته)): يُخرِج ما يُسمى صحيحاً بأمرٍ خارجٍ عنه، كما تقدم.
[تفاوت مراتب الصحيح لتفاوت أوصاف الرواة]
وتتفاوت رُتَبُه، أي الصحيح، بسببِ تفاوُتِ هذه الأوصاف المقتضيةِ للتصحيح في القوة، فإنها لَمّا كانت مفيدةً لغلبةِ الظنِّ الذي عليه مدارُ الصحة = اقتضت أنْ يكونَ لها درجاتٌ، بعضُها فوق بعضٍ، بحسب الأمور المقوِّية. وإذا كان كذلك فما تكون رُوَاتُه في الدرجة العليا مِن: العدالة، والضبط، وسائرِ الصفاتِ التي توجب الترجيح = كان أصحَّ مما دونَه.
فَمِن الرتبة العليا في ذلك: ما أَطلق عليه بعضُ الأئمة أنه أصح الأسانيد (٤).