← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 37456

نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر - ت الرحيلي ط 3

ابن حجر العسقلاني

Полный текст (205 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

[الفرق بين المنقطع والمرسل] وقريبٌ مِنْ هذا: اختلافُهم في المنقطعِ (١) والمرسَل هل هما متغايران أو لا؟ فأكثرُ المحدثين على التغاير (٢)، لكنه عند إطلاق الاسم، وأما عند استعمالِ الفعل المشتق فيَستعملون الإرسال فقط، فيقولون: أرسله فلان، سواء كان ذلك مرسلاً أم منقطعاً، ومِن ثَمَّ أَطلق غير واحدٍ ممن لم يلاحِظ مواقعَ استعمالهم على كثيرٍ مِن المحدثين أنهم لا يغايرون بين المرسل والمنقطع، وليس كذلك؛ لِما حرّرناه، وقلَّ مَنْ نَبَّه على النُّكتة في ذلك (٣)، والله أعلم. [أقسام الخبر المقبول] [الصحيح لذاته]: وخبرُ الآحاد: بنقلِ عدلٍ (٤) تامِّ الضبطِ، متصلَ السند، غيرَ مُعَلَّل ولا شاذٍّ هو الصحيحُ لِذاته (٥). وهذا أولُ تقسيمِ المقبول إلى أربعةِ أنواعٍ؛ لأنه إمّا أنْ يشتملَ من صفاتِ القبول على: ١ - أعلاها. … ٢ - أوْ لا.

стр. 72

الأول: الصحيحُ لذاته (١). والثاني: إنْ وُجِدَ ما يَجْبُرُ ذلك القُصور ككثرة الطرق (٢)، فهو الصحيح أيضاً (٣)، لكن، لا لذاته.

стр. 73

هو الضعيف ضعفاً محتَمَلاً إذا انجبر ضعفه بتعدد طرقه وهو الحسن لذاته إذا تعددت طرقه على وجهٍ يجبر بعضها بعضاً هو ما كان راويه عدلاً ضابطاً خَفَّ ضبطه ولم تتعدد طرقه على وجهٍ يرتقي بها إلى درجة الصحيح لغيره. ٣ - وحيث لا جُبْرَانَ فهو الحسن لذاته. ٤ - وإن قامت قرينةٌ ترجِّح جانبَ قبول ما يُتوقّف فيه فهو الحسن، أيضاً، لا لذاته. وقُدِّمَ الكلام على الصحيح لذاته لعلو رتبته. [العدالة] والمراد بالعدل (١): مَنْ له مَلَكَةٌ تَحْمِلُه على مُلازَمة [٦/ ب] التقوى والمروءة (٢). والمراد بالتقوى: اجتناب الأعمال السيئة مِن شِرْك أو فسقٍ أو بدعةٍ.

стр. 74

[تقسيم الضبط وتعريفه] والضبط: أ - ضبطُ صَدْرٍ: وهو أن يُثْبِت ما سمعه بحيث يتمكَّنُ مِن استحضاره متى شاء. ب- وضبطُ كتابٍ: وهو صِيانَتُهُ لديه منذ سمع فيه وصححه إلى أن يُؤَدِّيَ منه. وقُيِّدَ بالتام إشارةً إلى الرتبةِ العُليا في ذلك. [تعريف الحديث المتصل]: والمتصل: ما سَلِم إسنادُه مِنْ سقوطٍ فيه، بحيث يكون كلٌّ مِنْ رِجاله سمعَ ذلك المرويَّ مِن شيخه. والسند تقدَّمَ تعريفُهُ. [الحديث المعلل]: والمُعَلَّل لغةً: ما فيه عِلَّةٌ، واصطلاحاً: ما فيه عِلَّةٌ خَفَيّةٌ (١) قادحةٌ. [تعريف الحديث الشاذ]: والشاذُّ لغةً: المنفرد، واصطلاحاً: ما يخالِف فيه الراوي (٢) مَنْ هو أرجحُ منه. وله تفسير آخَرُ سيأتي.

стр. 75

تنبيه: [حول القيود في تعريف الصحيح لذاته] أ - قوله: ((وخبر الآحاد)): كالجنس، (١) وباقي قُيودِهِ كالفصْل (٢). ب- وقوله: ((بنقل عدل)): احترازٌ عما ينقله غيرُ عَدْلٍ. جـ- وقوله: ((هو)): يُسمى فَصْلاً (٣) يتوسط بين المبتدأ والخبر، يُؤْذِن بأنّ ما بعده خبرٌ عما قبله، وليس بنعتٍ له. د- وقوله: ((لذاته)): يُخرِج ما يُسمى صحيحاً بأمرٍ خارجٍ عنه، كما تقدم. [تفاوت مراتب الصحيح لتفاوت أوصاف الرواة] وتتفاوت رُتَبُه، أي الصحيح، بسببِ تفاوُتِ هذه الأوصاف المقتضيةِ للتصحيح في القوة، فإنها لَمّا كانت مفيدةً لغلبةِ الظنِّ الذي عليه مدارُ الصحة = اقتضت أنْ يكونَ لها درجاتٌ، بعضُها فوق بعضٍ، بحسب الأمور المقوِّية. وإذا كان كذلك فما تكون رُوَاتُه في الدرجة العليا مِن: العدالة، والضبط، وسائرِ الصفاتِ التي توجب الترجيح = كان أصحَّ مما دونَه. فَمِن الرتبة العليا في ذلك: ما أَطلق عليه بعضُ الأئمة أنه أصح الأسانيد (٤).

стр. 76

[مراتب أصح الأسانيد وأمثلته]: أ - كالزُّهْرِي، عن سالمِ بنِ عبد الله بن عمر، عن أبيه. وكمحمد بن سيرين، عن عَبِيدَةَ (١) بن عمرو، عن علي. وكإبراهيم النخعي (٢)، عن علقمة، عن ابن مسعود. ب- ودُونَها في الرتبة: كرواية بُرَيْد بن عبد الله بن أبي بُرْدَةَ، عن جَدِّه، عن أبيه، أبي موسى. وكحماد بن سَلَمَة، عن ثابتٍ، عن أنس. جـ- ودُونَها في الرتبة: كسُهَيل بن أبي صالحٍ، [٧/ أ] عن أبيه، عن أبي هريرة. وكالعلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة. فإن الجميع شَمَلَهم اسم "العدالة والضبط"، إلا أن المرتبة الأولى فيهم مِن الصفات المرجِّحة ما يقتضي تقديمَ رِوَايَتِهم على التي تليها، وفي التي تليها مِن قوّةِ الضبط ما يقتضي تقدِيْمَهَا على الثالثة، وهي -أي الثالثة- مقدَّمةٌ على روايةِ مَن يُعَدُّ ما يَنْفَرِدُ به حَسَناً: كمحمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر، عن جابر.

стр. 77

وعَمْرو بن شُعَيب، عن أبيه، عن جده. وقِسْ على هذه المراتب ما يُشْبِهُها. والمرتبةُ الأُولى هي التي أَطلقَ عليها بعضُ الأئمة أنها أصحُّ الأسانيدِ. والمعتَمدُ عدمُ الإطلَاقِ لترجمةٍ معيَّنةٍ منها. نعمْ يُسْتَفَاد مِن مجْموع ما أَطْلَق عليه الأئمة ذلك أَرْجَحِيَّتُهُ على ما لم يطلقوه. ويَلْتحِقُ بهذا التفاضلِ (١) ما اتفق الشيخانِ (٢) على تخريجه (٣) بالنسبة إلى ما انفرد به أحدهما، وما انفرد به البخاريُّ بالنسبة إلى ما انفرد به مسلمٌ؛ لاتفاق العلماء بعدهما على تلقِّي كتابيهما بالقبول، واختلافُ بعضهم في أيهما أرجحُ. فما اتفقا عليه أرجحُ -مِنْ هذه الحيثية- مما لم يتفقا عليه. [المفاضلة بين الصحيحين] وقد صَرَّح الجمهور بتقديم صحيح البُخَارِيّ في الصحة، ولم يُوجَد عن أحدٍ التصريحُ بنقيضه (٤).

стр. 78

وأما ما نُقِلَ عن أبي علي النيسابوري (١)، أنه قال: ((ما تحتَ أديمِ السماءِ أصحُّ مِن كتابِ مسلمٍ)) (٢)، فلم يُصرِّحْ بكونه أصحَّ مِن صحيحِ البُخَارِيِّ؛ لأنه إنما نَفَى وجودَ كتابٍ أصح مِن كتابِ مسلمٍ؛ إذ المنفي إنما هو ما تقتضيه صيغةُ "أَفْعَلَ"، مِن زيادةِ صحةٍ في كتابٍ شاركَ كتابَ مسلمٍ في الصحة، يمتاز بتلك الزيادة عليه، ولم يَنْفِ المساواةَ. وكذلك ما نُقِلَ عن بعضِ المغاربةِ أنه فَضّلَ صحيحَ مسلمٍ على صحيح البُخَارِيّ؛ فذلك فيما يَرْجعُ إلى حُسْن السياقِ، وجَوْدَةِ الوضع والترتيب، ولم يُفْصِحْ أحدٌ منهم بأن [٧/ ب] ذلك راجعٌ إلى الأصَحِّيَّة، ولو أفصحوا به لردَّهُ عليهم شاهدُ الوجود (٣).

стр. 79

فالصفاتُ التي تدور عليها الصحةُ في كتابِ البُخَارِيِّ أتمُّ منها في كتابِ مسلمٍ وأشدّ، وشَرْطُهُ فيها أقوى وأسدّ. أما رُجْحانه مِن حيثُ الاتصال: فلاشتراطه أن يكون الراوي قد ثبَتَ له لِقَاءُ مَنْ رَوى عنه، ولو مرّةً، واكتفى مسلمٌ بمطْلَقِ المعاصرة. وأَلزم البخاريَّ بأنه يَحتاج أن لا يَقبَل العنعنةَ أصلاً، وما ألزمه به ليس بلازمٍ؛ لأن الراوي إذا ثبَت له اللقاء مرّةً لا يجري في رواياته احتمالُ أن لا يكون سَمِع؛ لأنه يَلْزم مِن جَرَيَانِهِ أن يكون مدلِّساً، والمسألة مفروضة في غير المدلِّس. وأما رُجْحانُه مِنْ حيثُ العدالةُ (١) والضبطُ: فلأنّ الرجالَ الذين تُكُلِّمَ فيهم مِن رجالِ مسلمٍ أكثرُ عدداً مِن الرجال الذين تُكُلِّمَ فيهم مِنْ رجالِ البُخَارِيّ، مع أن البخاريَّ لم يُكْثِرْ مِن إخراج حديثهم، بل غالبُهم مِن شيوخه الذين أَخذ عنهم، ومارسَ حديثهم، بخلافِ مسلمٍ في الأمرين. وأما رُجْحانُه مِن حيثُ عدمُ الشذوذِ والإعلالِ: فلأنّ ما انْتُقِدَ على البُخَارِيّ مِن الأحاديث أقلُّ عدداً مما انْتُقِدَ على مسلمٍ، هذا مع اتفاق العلماء على أنّ البخاريَّ كانَ أجلَّ مِنْ مُسْلم في العلوم، وأعرفَ

стр. 80

بصناعةِ الحديث منه، وأن مسلماً تلميذه وخِرِّيجُهُ ولم يَزَلْ يستفيدُ منه ويَتَّبع (١) آثارَه، حتى لقد قال الدارقطنيُّ (٢): ((لولا البخاريُّ لَمَا راحَ مسلمٌ ولا جاء)) (٣). [مراتب الصحيح بحسب مصدره] ومِن ثَمَّ، أَيْ: ومِن هذه الحيثية -وهي أرجحية شرْط البُخَارِيّ على غيره- قُدِّمَ صحيحُ البُخارِيّ على غيره من الكتب المصنَّفة في الحديث. ثم صحيحُ مسلمٍ، لمشاركته للبُخَارِيّ في اتّفاق العلماء على تلقِّي كتابه بالقبول، أيضاً، سِوى ما عُلِّل (٤). ثم يُقَدَّمُ في الأرجحية، مِن حيثُ الأَصَحِّيَّةُ، ما وافقَه شَرْطُهُما؛ لأن المراد به رواتهما [٨/ أ] مع باقي شروطِ الصحيح، ورواتُهُما قد حصل الاتفاق على

стр. 81

القول بتعديلهم بطريق اللزوم (١)، فهُمْ مقدَّمون على غيرهم في رواياتهم، وهذا أصلٌ لا يُخْرَجُ عنه إلا بدليل (٢). فإن كان الخبرُ على شرطهما معاً كان دونَ ما أخرجه مسلم أو مثلَه (٣). وإن كان على شرط أحدهما فَيُقَدَّمُ شرطُ البُخَارِيّ وحدَه على شرطِ مسلمٍ وحْدَهُ تبعاً لأصلِ كلٍّ منهما. فخرج لنا مِن هذا ستةُ أقسامٍ تتفاوت درجاتها في الصحة. وثَمّ قِسمٌ سابع، وهو ما ليس على شرطهما اجتماعاً وانفراداً، وهذا التفاوتُ إنما هو بالنظر إلى الحيثية المذكورة. [قد يُقَدَّمَ الأدنَى على ما فَوقَه لأمور خارجية]: أمّا لو رَجَحَ قِسْمٌ على ما هو فوقه (٤) بأمورٍ أُخرى تقتضي الترجيح؛ فإنه

стр. 82

يُقَدَّمُ على ما فوقه؛ إذ قد يَعْرِضُ للمَفُوقِ ما يَجْعله فائقاً. كما لو كان الحديثُ عند مسلمٍ، مثلاً، وهو مشهورٌ قاصرٌ عن درجة التواتر، لكن، حَفَّتْه قرينةٌ صار بها يُفيدُ العلم، فإنه يُقَدَّم على الحديث الذي يُخرجُه البُخَارِيّ إذا كان فَرْداً مطلقاً. وكما لو كان الحديث الذي لم يخرِّجاه مِن ترجمةٍ وُصِفت بكونها أصحَّ الأسانيد، كمالك عن نافع عن ابن عمر، فإنه يُقدَّم على ما انفرد به أحدهما، مثلاً، لا سيما إذا كان في إسناده مَنْ فيه مقال (١). [الحسن لذاته] فإنْ خَفَّ الضبطُ، أي قَلَّ -يُقال: خَفَّ القومُ خُفوفاً: قَلُّوا- والمراد مع بقية الشروط المتقدمة في حدِّ الصحيح = فهو الحسنُ لذاته، لا لشيء خارجٍ، وهو الذي يكون حُسْنُه بسببِ الاعتضاد، نحوُ حديثِ المستُورِ إذا تعددت طُرُقُه (٢). وخَرَج باشتراطِ باقي الأوصافِ الضعيفُ.

стр. 83

وهذا القِسمُ مِن الْحَسَنِ مشاركٌ للصحيح في الاحتجاج به -وإِنْ كان دُونَهُ- ومشابِهٌ له في انقسامه إلى مراتبَ بعضُها فوقَ بعض. [الصحيح لغيره] وبكثرة طُرُقِه يُصَحَّحُ، وإنما نحكم له بالصحة عند تعدد الطرق (١)، لأن للصورة المجموعة قوّةً تَجْبرُ القدر الذي قَصُرَ به ضبط راوي الحَسَنِ عن راوي الصحيحِ، ومِن ثَمَّ (٢) تُطْلَقُ الصحةُ على الإسناد الذي يكون حسناً لذاته [/ ٨/ ب]-لو تفرد- إذا تعدد. وهذا حيثُ ينفردُ الوصف (٣). [معنى قولهم: "حديث حسنٌ صحيحٌ "]: فإن جُمِعا، أي: الصحيحُ والحسنُ، في وصفٍ واحدٍ، كقول الترمذي وغيره: "حديثٌ حسنٌ صحيحٌ"، فللتردد الحاصل مِن المجتهد في الناقل: هل اجتمعتْ فيه شروط الصحة أو قَصُرَ عنها؟ وهذا حيث يَحْصل منه التفرد بتلك الرواية. وعُرِفَ بهذا جوابُ مَنِ استشكلَ الجمعَ بين الوصفين؛ فقال: الحَسَنُ قاصرٌ عن الصحيحِ؛ ففي الجمع بين الوصفين إثباتٌ لذلك القصورِ ونَفْيُهُ! ومُحَصَّل الجواب: أنّ تردُّدَ أئمة الحديث في حال ناقلِهِ اقتضى للمجتهد أن لا يصفه بأحدِ الوصفين، فيُقال فيه: حَسَنٌ باعتبار وصْفِهِ عند قومٍ، صحيحٌ باعتبارِ وصْفِهِ عند قومٍ، وغايةُ ما فيه أنه حُذِف منه حرفُ التردد؛ لأنّ حقّه أن يقول:

стр. 84

"حسنٌ أو صحيحٌ "، وهذا كما حُذِفَ حرف العطف مِن الذي بعده (١). وعلى هذا فما قيل فيه: "حسنٌ صحيحٌ" دون ما قيل فيه: "صحيحٌ"؛ لأن الجزمَ أقوى مِن التردد، وهذا حيث التفرد (٢). وإلا إذا لم يحصل التفرد فإطلاق الوصفين معاً على الحديث يكون باعتبارِ إسنادين: أحدُهما صحيحٌ، والآخَرُ حسنٌ. وعلى هذا فما قيل فيه: "حسن صحيح" فوقَ ما قيل فيه: "صحيح" فقط -إذا كان فرداً- لأن كثرة الطرق تقوِّي. [الحسن عند الترمذي] فإن قيل: قد صرَّح الترمذي بأنَّ شرط الحسن أن يُرْوَى مِن غيرِ وجهٍ (٣)؛ فكيف يقول في بعض الأحاديث: "حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه"؟. فالجواب: أن الترمذي لم يُعرِّف الحسن مطلقاً، وإنما عَرَّفَ نوعاً خاصاً منه وَقَعَ في كتابه، وهو ما يقول فيه: "حسنٌ"، مِن غير صفةٍ أخرى؛ وذلك أنه:

стр. 85

يقول في بعض الأحاديث: "حسنٌ". وفي بعضها: "صحيحٌ". وفي بعضها: "غريبٌ". وفي بعضها: "حسنٌ صحيحٌ". وفي بعضها: "حسنٌ غريبٌ". وفي بعضها: "صحيحٌ غريبٌ". وفي بعضها: "حسنٌ صحيحٌ غريبٌ". وتعريفه إنما وقع على الأول فقط، وعبارته تُرْشِدُ إلى ذلك؛ حيث قال في آخر كتابه (١): ((وما قلنا في كتابنا: "حديثٌ [٩/ أ] حَسَنٌ"، فإنما أردنا به حُسْنَ إسناده عندنا. وكُلُّ (٢) حديثٍ يُرْوَى، لا يكون راويه متَّهَماً بكَذِبٍ، ويُرْوَى مِن غيرِ وجهٍ نحوُ ذلك، ولا يكون شاذّاً = فهو عندنا حديثٌ حسنٌ)). فَعُرِفَ بهذا أنه إنما عَرَّفَ الذي يقول فيه: "حسنٌ"، فقط، أمّا ما يقول فيه: "حسنٌ صحيحٌ"، أو: "حسنٌ غريبٌ"، أو: "حسنٌ صحيحٌ غريبٌ"، فلم يُعَرِّجْ على تعريفه، كما لم يُعَرِّجْ على تعريف ما يقول فيه: "صحيحٌ"، فقط، أو: "غريبٌ"، فقط، وكأنه تَرك ذلك استغناءً، لِشُهْرَتِه (٣) عند أهل الفن. واقتصر على تعريف ما يقول فيه في كتابه: "حسنٌ"، فقط؛ إمّا لغموضه، وإمّا لأنه

стр. 86

اصطلاحٌ جديدٌ؛ ولذلك قَيَّدَه بقوله: ((عندنا))، ولم ينسِبْه إلى أهل الحديث كما فعل الخطابي (١). وبهذا التقرير يندفع كثيرٌ مِن الإيرادات التي طال البحث فيها، ولم يُسْفِر وجْهُ توجيهِها، فلله الحمد على ما أَلْهَم وعَلَّم (٢). [زيادة الثقة وأقسامها] وزيادةُ راويهما، أَيْ: الصحيح والحسن، مقبولةٌ (٣)، ما لم تَقَع منافيةً لروايةِ مَنْ هو أوثق ممن لم يَذْكر تلك الزيادة؛ لأن الزيادة: ١ - إمّا أن تكون لا تَنافِيَ بينها وبين روايةِ مَن لم يَذْكُرْها؛ فهذه تُقْبَلُ مطلقاً؛ لأنها في حكم الحديث المستقل الذي ينفرد به الثقة ولا يرويه عن شيخه غيرُه. ٢ - وإمّا أن تكون منافيةً، بحيث يَلْزم مِن قبولها ردُّ الرواية الأخرى؛ فهذه التي يقع الترجيح بينها وبين مُعارِضها؛ فَيُقْبَلُ الراجحُ ويُرَدُّ المرجُوحُ. واشتهر عن جمعٍ من العلماء القولُ بقبول الزيادة مطلقاً، مِن غير تفصيلٍ، ولا يتأتّى ذلك على طريقِ المحدثين، الذين يشترطون في الصحيح أن لا يكون

стр. 87

شاذّاً، ثم يُفسِّرون الشذوذ بمخالفة الثقة مَن هو أوثقُ منه. والعَجَبُ ممن أَغفل ذلك منهم، مع اعترافه باشتراط انتفاءِ الشذوذ في حدّ الحديث الصحيح، وكذا الحسن! (١). [رأيُ الأئمةِ في قبول الزيادة المنافية لرواية الأوثق]: والمنقولُ عن أئمة الحديث المتقدمين: كعبد الرحمن بن مهدي (٢)، ويحيى القطانِ (٣)، وأحمدَ بنِ [٩/ ب] حنبل، ويحيى بن معين (٤)، وعليّ بن المدِيني (٥)، والبُخَارِيّ (٦)، وأبي زُرْعَة (٧)، وأبي حاتم (٨)، والنسائي (٩)،

стр. 88

والدارقطني (١)، وغيرهم، اعتبارُ الترجيح فيما يتعلقُ بالزيادة وغيرها، ولا يُعْرَفُ عن أحدٍ منهم إطلاقُ قبولِ الزيادةِ. وأَعْجَبُ مِن ذلك إطلاقُ كثيرٍ مِن الشافعية القولَ بقبولِ زيادةِ الثقة، مع أن نَصَّ الشافعي يدل على غير ذلك، فإنه قال (٢) -في أثناء كلامه على ما يُعْتَبَرُ به حالُ الراوي في الضبط- ما نصه: ((ويكونَ إذا شَرِكَ (٣) أحداً مِن الحُفَّاظِ لم يخالِفْه، فإنْ خالفه فَوُجِد حديثُه أَنقصَ كان في ذلك دليلٌ على صحة مَخْرَجِ حديثه. ومتى خالف ما وَصفتُ أضَرّ ذلك بحديثه))، انتهى كلامه، ومقتضاه أنه إذا خالف فوُجِد حديثُهُ أَزْيَدَ أَضرَّ ذلك بحديثه، فدل على أن زيادة العدل عنده لا يَلزم قبولها مطلقاً، وإنما تُقبَلُ مِن الحفاظ، فإنه اعْتَبَرَ أنْ يكون حديثُ هذا المخالف أنقصَ مِن حديث مَنْ خَالفه مِنَ الحُفّاظ، وجَعَلَ نقصانَ هذا الراوي مِن الحديث دليلاً على صحته؛ لأنه يدل على تحرّيه، وجَعَلَ ما عدا ذلك مضراً بحديثه؛ فدخلتْ فيه الزيادة؛ فلو كانت عنده مقبولةً مطلقاً لم تكن مضِرّةً بحديثِ (٤) صاحبها (٥).

стр. 89

[المحفوظ والشاذ] فإن خولف بأرجحَ منه: لِمَزِيد ضبطٍ، أو كثرةِ عددٍ، أو غير ذلك مِن وجوه الترجيحات، فالراجح يقال له: "المحفوظ". ومقابِلُهُ، وهو المرجوح، يقال له: "الشاذ". مثال ذلك: ما رواه الترمذي (١)، والنسائيّ، وابن ماجه (٢)، مِن طريقِ ابن عُيَيْنَةَ، عن عَمْرو بن دينار، عن عَوْسَجَةَ، عن ابن عباس: (أن رجلاً تُوُفِّيَ على عهد النبي ﷺ ، ولم يَدَعْ وارثاً إلا مولىً هو أعتقه … ) (٣)، الحديث، وتابع ابنَ عُيَيْنَةَ على وصله: ابنُ جُرَيْجٍ وغيرُهُ،

стр. 90

وخالفهم حمادُ بنُ زيدٍ؛ فرواه عن عمرو بن دينار، عن عوسجةَ. ولم يَذْكر ابنَ عباسٍ. قال أبو حاتم (١): ((المحفوظُ حديثُ ابْنِ عُيَيْنَةَ)). انتهى. فحمادُ بنُ زيد مِن أهل العدالة والضبط، ومع ذلك، رَجَّحَ أبو حاتمٍ روايةَ مَنْ هم أكثرُ عدداً منه. وعُرِفَ [١٠/ أ] مِن هذا التقريرِ أن الشاذ: ما رواه المقبول مخالفاً لِمَنْ هو أَولى منه، وهذا هو المعتمد في تعريف الشاذ، بحسَبِ الاصطلاح. [المعروف والمنكر] وإنْ وقَعَتِ المخالفة مع الضعف؛ فالراجح يقال له: "المعروف"، ومقابلُهُ يقال له: "المنكَر" (٢). مثاله: ما رواه ابن أبي حاتم (٣) من طريق حُبَيِّبِ بن حَبِيبٍ (٤) -وهو أخو حمزة بن حَبِيبٍ الزيّات المقْرئ- عن أبي إسحاقَ عَن العَيْزَار بن حُرَيْثٍ عن ابن

стр. 91

عباس عن النبي ﷺ قال: (من أقام الصلاة، وآتى الزكاة، وحج (١)، وصام، وقَرَى الضيفَ = دخل الجنة) (٢). قال أبو حاتم (٣): "هو منكرٌ؛ لأن غيره مِن الثقات رواه عن أبي إسحاقَ موقوفاً وهو المعروف". [الفرقُ بين الشّاذ والمنكر]: وعُرِفَ بهذا أن بين الشاذ والمنكر عموماً وخصوصاً مِن وجهٍ (٤)؛ لأن بينهما اجتماعاً في اشتراط المخالفة، وافتراقاً في أنّ الشاذَّ روايةُ (٥) ثقةٍ، أَوْ صَدُوْقٍ (٦)،

стр. 92

والمنكَر روايةُ ضعيفٍ. وقد غَفَلَ مَنْ سَوّى بينهما، والله تعالى أعلم. [المتابعة] وما تقدم ذِكْره من الفرد النِّسبي، إن وُجِد -بعد ظَنِّ كونه فرداً- قد وافقه غيرُهُ فهو المتابِع، بكسر الموحَّدة. والمتابَعَةُ على مراتبَ: - إن حصلت للراوي نفْسِهِ فهي التامة. - وإن حصلت لشيخه فَمَنْ فوقَهُ فهي القاصرة. ويُستفاد منها التقويةُ (١).

стр. 93

[أمثلة المتابعة التامة والقاصرة]: مثال المتابعةِ: ما رواه الشافعي في "الأم" (١)، عن مالك، عن عبد الله ابن دينار، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: (الشهرُ تِسْعٌ وعشرون، فلا تصوموا حتى تروا الهِلالَ، ولا تُفْطِرُوا حتى تَرَوْه، فإنْ غُمَّ عليكم فأَكْمِلوا العِدَّةَ ثلاثين). فهذا الحديث، بهذا اللفظ، ظَنَّ قوم أنّ الشافعي تفرد به عن مالك، فعدَّوْهُ في غرائبه؛ لأنّ أصحاب مالك رووه عنه بهذا الإسنادِ بلفظِ: (فإن غُمَّ علَيْكُم فاقْدُرُوا له) (٢). لكنْ وجدنا للشافعي متابِعاً، وهو عبدُ الله بن مَسْلَمَةَ القَعْنَبِيُّ (٣)، كذلك أخرجه البُخَارِيّ عنه، عن مالك (٤)، وهذه متابَعَةٌ تامة. ووجدنا له، أيضاً، متابَعَةً قاصِرَةً في "صحيح ابن خُزَيمَةَ" مِن روايةِ عاصمِ ابنِ محمدٍ، عن أبيه -محمد بن زيدٍ-[١٠/ ب] عن جده عبد الله بن عمر،

стр. 94

بلفظِ: (فكملوا ثلاثين) (١)، وفي "صحيح مسلم" مِن روايةِ عُبَيْد الله بن عُمَر، عن نافع، عن ابن عمر، بلفظِ: (فاقْدُرُوا ثلاثين) (٢). ولا اقتصار في هذه الْمُتَابَعَةِ -سواء كانت تامّة أمْ قاصِرة- على اللفظ، بل لو جاءت بالمعنى كفى، لكنها مختصّةٌ بكونها مِن رواية ذلك الصحابي. [الشاهد ومثاله] وإنْ وُجِدَ مَتْنٌ يُرْوَى مِن حديثِ صحابيّ آخر يُشْبِهُهُ في اللفظ والمعنى، أو في المعنى فقط = فهو "الشاهد". ومثاله في الحديث الذي قدمناه: ما رواه النسائي (٣) مِن رواية محمد بن حُنَين، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ فذكر مثلَ حديثِ عبد الله بن دينار عن ابن عمر سَواءٌ، فهذا باللفظ. وأما بالمعنى فهو ما رواه البُخَارِيّ من رواية محمد بن زياد، عن أبي هريرة، بلفظِ: (فإن غُمِّيَ عليكم فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شعْبانَ ثلاثين) (٤). وخَصَّ قومٌ المتابعةَ بما حصل باللفظ، سواءٌ كان مِن روايةِ ذلك الصحابي أم لا، والشاهدَ بما حصل بالمعنى كذلك. وقد تُطْلَقُ المتابعةُ على الشاهدِ، وبالعكس، والأمر فيه سهلٌ (٥).

стр. 95

[الاعتبار] واعْلم أنّ تَتَبُّعَ الطُرُقِ: من الجوامع (١)، والمسانيد، والأَجْزَاءِ، لذلك الحديث الذي يُظَنُّ أنه فَرْدٌ؛ ليُعْلَمَ: هل له متابِعٌ أم لا؟ هو "الاعتبار". وقول ابن الصلاح: ((معرفة الاعتبار والمتابعات والشواهد)) قد يُوهِم أنّ الاعتبار قَسِيمٌ لهما (٢)، وليس كذلك، بل هو هيئةُ التوصل إليهما. وجميع ما تقدم مِن أقسام المقبولِ تَحْصُلُ فائدةُ تقسيمِهِ باعتبارِ مراتِبهِ عند المعارضة (٣)، والله أعلم.

стр. 96

[المُحْكَم] ثم المقبولُ: ينقسم، أيضاً، إلى معمولٍ به وغيرِ معمولٍ به؛ لأنه إنْ سَلِم من المعارَضةِ، أَيْ: لم يأتِ خَبَرٌ يُضَادُّهُ، فهو "المُحْكم"، وأمثلته كثيرة. وإنْ عُورِضَ فلا يَخْلو: إما أنْ يكونَ مُعارِضُه مقبولاً مثلَه، أو يكونَ مردوداً. فالثاني لا أثرَ له؛ لأن القويّ لا يؤثر فيه مخالفةُ الضعيف. [مختلف الحديث، وطُرق دفَعِ التعارض بين الحديثين المتعارضين في الظاهر] وإن كانت المعارضة بمثله؛ فلا يَخْلو: إما أن يمكن الجمع بين مدلوليهما بغير تعسُّفٍ، أو لا، [١١/ أ] فإنْ أمكنَ الجمعُ فهو النوع المسمَّى: مختَلِفَ الحديث. ومَثَّلَ له ابنُ الصلاح بحديثِ: (لا عَدْوَى ولا طِيَرَةَ) (١)، مع حديثِ: (فِرَّ مِنَ المَجْذُوم فِرارَكَ مِنَ الأسد) (٢) وكلاهما في الصحيح وظاهرهما التعارض.

стр. 97

ووجْه الجمع بينهما: أنّ هذه الأمراضَ لا تُعْدِي بطبعها (١)، لكنّ الله جعلَ مخالَطَةَ المريضِ بها للصحيح سبباً لإعدائه مَرَضَه، ثم قد يتخلف ذلك عن سببه (٢) كما في غيره مِن الأسباب. كذا جمَعَ بينهما ابن

стр. 98

الصلاح (١)، تَبَعاً لغيره (٢). والأَولى في الجمع أنْ يُقال: إنَّ نَفْيَه ﷺ للعدوى باقٍ على عُمومه (٣)، وقد صح قولُهُ ﷺ : (لا يُعْدِي شيءٌ شَيئاً) (٤)، وقولُهُ ﷺ لمن عارضه بأن البعيرَ

стр. 99

الأجربَ يكون في الإبل الصحيحة فيخالِطها فتَجْربُ، حيث رَدَّ عليه بقوله: (فَمَنْ أَعْدَى الأول؟!) (١). يعني أن الله ابتدأ بذلك في الثاني كما ابتدأه في الأول. وأما الأمر بالفرار من المجذوم فمِن بابِ سدِّ الذرائع، لئلاّ يتفق للشخص الذي يخالِطه شيء مِن ذلك بتقدير الله تعالى ابتداءً، لا بالعدوى المنفية (٢)؛

стр. 100

فَيَظُنّ أنّ ذلك بسببِ مخالطته (١)؛ فَيَعْتَقِدَ صحةَ العدْوى؛ فيقعَ في الحرجِ (٢)؛ فأَمر بتجنبه حَسْماً للمادة. والله أعلم (٣).

стр. 101

[الكتب المؤلفة في مختَلِف الحديث] وقد صَنَّفَ في هذا النوع الشافعي كتابَ "اختلاف الحديث" (١)، لكنه لم يَقصد استيعابَه، وصَنَّفَ فيه بعده ابنُ قُتَيْبَةَ (٢)، والطّحاوِيُّ (٣)،

стр. 102

وَغَيْرُهما (١). وإن لم يُمْكن الجمع فلا يخلو: إمّا أن يُعْرَف التاريخ، أو لا، فإنْ عُرِفَ وثَبَتَ المتأخر -به (٢)، أو بأصرح منه- فهو الناسخ، والآخَرُ المنسوخ (٣). [النَّسْخ وعلاماته] والنَّسْخُ: رَفْعُ تَعَلُّقِ حُكْمٍ شرعيٍّ بدليلٍ شرعيٍّ متأخرٍ عنه. والناسخ: ما دل على الرفع المذكور. وتسميته ناسخاً مجاز؛ لأنّ الناسخ في الحقيقة هو الله تعالى. ويُعْرَفُ النسخُ بأمور: ١ - أصْرَحُها: ما ورد في النص، كحديث بُرَيْدَة في "صحيح مسلم": (كنتُ نَهيتُكم عن زيارة القبورِ، فَزُورُوها فإنها تُذَكِّرُ الآخرة) (٤).

стр. 103

٢ - ومنها [١١/ ب] ما يَجْزِمُ الصحابي بأنه متَأَخِّرٌ (١)، كقول جابرٍ: (كان آخرُ الأَمْرين مِن رسول الله ﷺ تركَ الوضوءِ ممّا مَسَّتِ النَّارُ)، أخرجه أصحاب السنن (٢). ٣ - ومنها ما يُعْرَفُ بالتاريخ، وهو كثير. - وليس منها ما يرويه الصحابي المتأخر الإسلام معارِضاً لمتقدمٍ عنه؛ لاحتمالِ أن يكون سَمِعه مِن صحابيٍّ آخر أقْدَمَ مِن المتقدم المذكور، أو مِثْلِه فأرسله، لكن إنْ وقَع التصريح بسماعه له مِن النبي ﷺ فيتَّجِهُ أنْ يكون ناسخاً، بشرطِ أنْ يكونَ لم يتحملْ عن (٣) النبي ﷺ شيئاً قبل إسلامه. وأما الإجماع فليس بناسخٍ، بل يَدُلّ على ذلك (٤).

стр. 104

وإنْ لم يُعْرَف التاريخُ فلا يخلو: إما أن يُمْكِنَ ترجيحُ أحدهما على الآخر، بوجهٍ مِن وجوهِ الترجيح المتعلقة بالمتن، أو بالإسناد، أوْ لا. فإنْ أَمكن الترجيحُ تَعَيَّن المصيرُ إليه، وإلا فلا. فصار ما ظاهره التعارض واقعاً على هذا الترتيب: ١ - الجَمْعُ إنْ أمكن. ٢ - فاعتبار الناسخ والمنسوخ. ٣ - فالترجيح إنْ تَعَيّن. ٤ - ثم التوقف عن العمل بأَحَدِ الحديثين (١). والتعبير بالتوقفِ أَوْلى مِن التعبير بالتساقط؛ لأنّ خَفاءَ ترجيحِ أحدِهما على الآخر إنما هو بالنسبة لِلمُعْتَبِرِ في الحالة الراهنة، مع احتمالِ أن يَظْهر لغيره ما خَفِيَ عليه. والله أعلم (٢). [المردود وأقسامه] ثم المردود (٣): ومُوجِبُ الردِّ: إما أن يكون لسقطٍ من إسنادٍ، أو طعنٍ في راوٍ، (٤) على اختلافِ وجوه الطعن (٥)، أعمُّ مِن أنْ يكون لأمرٍ يَرْجع إلى ديانةِ الراوي، أو إلى ضبطه. [المردود للسقط] فالسَّقْطُ إما أَنْ يكون:

стр. 105

١ - مِن مبادئ السند مِن تَصَرُّفِ مُصَنِّفٍ. ٢ - أو مِن آخره، أيْ: الإسناد، بعد التابعي. ٣ - أو غير ذلك. [المُعَلَّق] [الفرق بين المعلق والمعضل]: فالأول (١): المُعَلَّق، سواءٌ كان الساقطُ واحداً، أم أكثر. وَبَيْنَهُ وبين المُعْضَل، الآتي ذكْره، عمُومٌ وخصوصٌ مِن وجهٍ: فَمِن حيث تعريفُ المُعْضَل بأنه: سَقَط منه اثنان فصاعداً؛ يَجتمع مع بعضِ صُوَرِ المُعَلَّق، ومِن حيثُ تَقْييدُ المُعَلَّقِ بأنه مِن تَصرُّف مصنِّفٍ مِن مبادئ السند يَفْترقُ [١٢/ أ] منه؛ إذ هو أعمُّ مِن ذلك. ومِن صُوَرِ المُعَلَّق: أنْ يُحْذَفَ جميعُ السند، ويقال مثلاً: قال رسول الله ﷺ . ومنها: أن يُحْذَفَ إلا الصحابي، أو إلا التابعي والصحابي معاً. ومنها: أن يَحْذِفَ مَنْ حَدَّثَه، ويُضِيفَه إلى مَن هو فَوْقه. فإن كان مَنْ فوقه شيخاً لذلك المصنِّف فقد اخْتُلِفَ فِيْهِ: هل يُسَمّى تعليقاً، أو لا؟، والصحيح في هذا: التفصيلُ (٢)؛ فإنْ عُرِفَ بالنص أو الاستقراء أنَّ فاعلَ ذلك مُدَلِّسٌ قُضِيَ به، وإلا فتعليقٌ. وإنما ذُكِرَ التعليق في قِسْمِ المردود للجهل بحالِ المحذوف (٣).

стр. 106

[قد يكون المعلقُ صحيحاً]: وقد يُحْكَمُ بصحته إنْ عُرِفَ، بأنْ يجيءَ مُسَمّىً مِن وجهٍ آخر. فإنْ قال: جميعُ مَن أَحْذِفُهُ ثِقَاتٌ، جاءت مَسْأَلَةُ التعديل على الإبهام (١)، والجمهور: لا يُقْبَلُ حتى يُسَمَّى (٢). لكن، قال ابنُ الصلاح (٣) هنا: إنْ وقَعَ الحذف في كتابٍ اُلْتُزِمَتْ صِحَّتُه، كالبُخَارِيّ، فما أتَى فيه بالجزْم دلَّ على أنه ثَبتَ إسنادُه عنده، وإنما حُذِفَ لغرضٍ مِن الأغراض، وما أَتى فيه بغير الجزم ففيه مقال (٤). وقد أوضَحْتُ

стр. 107

أمثلةَ ذلك في "النُّكَتِ على ابن الصلاح" (١) (٢). [المُرْسَل ومثاله] والثاني: وهو ما سقَط مِن آخره مَنْ بَعدَ التابعي (٣)، هو "المرسل". وصورتُهُ: أن يقول التابعي -سواءٌ كان كبيراً أم صغيراً (٤) (٥) -: قال رسول الله ﷺ كذا، أو فعل كذا، أو فُعِلَ بحضرته كذا، ونحو ذلك. وإنما ذُكِرَ في قِسْم المردود للجهل بحالِ المحذوفِ؛ لأنه يُحتمل أن يكون

стр. 108

صحابياً، ويُحتمل أن يكون تابعياً. وعلى الثاني يُحتمل أن يكون ضعيفاً، ويُحتمل أن يكون ثقةً، وعلى الثاني (١) يُحتمل أن يكون حَمَل عن صحابي، ويُحتمل أن يكون حَمَل عن تابعي آخر، وعلى الثاني فيعود الاحتمالُ السابقُ، ويَتعدد. أمّا بالتجويز العقليّ فإلى ما لا نهاية له، وأمّا بالاستقراء فإلى ستةٍ أو سبعةٍ، وهو أكثرُ ما وُجِدَ مِن روايةِ بعضِ التابعين عن بعض. [حكم المرسل]: فإنْ عُرِفَ مِن عادةِ التابعي أنه لا يُرْسِل إلا عن ثقةٍ، فذهب جمهور المحدثين إلى التوقف؛ لبقاء الاحتمال، وهو أحَدُ قَوْلَي أحمد، وثانيهما- وهو قول [١٢/ ب] المالكيِّين والكوفيين-: يُقْبَلُ مطلقاً، وقال الشافعي (٢): يُقْبَلُ إنْ اعْتَضَد بمجيئه مِن وجهٍ آخرَ يُبايِنُ الطريقَ الأُولى (٣)، مسنَداً أو مرسَلاً، لِيَرْجَحَ احتمالُ كونِ المحذوفِ ثقةً في نفسِ الأمر. ونَقل أبو بكر الرازي (٤) مِن الحنفية، وأبو الوليد الباجي (٥) مِن المالكية: أنّ الراوي إذا كان يُرْسِل عن الثقات وغيرهم لا يُقْبَلُ مُرْسَلُه اتّفاقاً.

стр. 109

والقِسْمُ الثالث من أقسام السَّقط مِن الإسناد: [المعضل] إن كان باثنين فصاعداً، مع التوالي، فهو "المُعْضَل". [المنقطع] وإلا، فإنْ كان الساقط (١) باثنين (٢) غير متواليين، في موضعين مثلاً، فهو المنقطع، وكذا إنْ سَقَط واحدٌ، فقط، أو أكثر مِن اثنين، لكن، يُشْتَرَطُ (٣) عدم التوالي. [أقسام السقط] ثم إن السَّقْط مِن الإسناد قد: ١ - يكونُ واضحاً يَحْصل الاشتراك في معرفته، ككون الراوي، مثلاً، لم يعاصِرْ مَنْ رَوى عنه. ٢ - أو يكونُ خفيّاً فلا يُدْرِكه إلا الأئمة الْحُذّاقُ المطَّلِعون على طرقِ الحديث وعِلل الأسانيد. فالأول: وهو الواضح، يُدْرَكُ بعدم التلاقي بين الراوي وشيخِه، بكونه لم يُدْرِكْ عَصْرَه، أو أدركه لكن (٤)، لم يجتمعا، وليست له منه إجازةٌ، ولا وِجَادة. ومِنْ ثَم، احْتِيْجَ إلى التاريخ؛ لِتَضَمُّنِهِ تحريرَ مواليدِ الرواةِ ووفِياتِهم، وأوقاتِ

стр. 110

طلبهم وارتحالهم. وقد افْتَضَح أقوامٌ ادَّعَوْا الرواية عن شيوخٍ ظهرَ بالتاريخ كذِبُ دعواهم (١). [المُدَلَّس] والقِسْم الثاني: وهو الخفي: الْمُدَلَّس -بفتح اللام- سُمِّيَ بذلك لكون الراوي لم يُسَمِّ مَنْ حدثه، وأَوْهَمَ سماعَه للحديث ممَّنْ لم يحدِّثْه به. واشتقاقُه من الدَّلَسِ -بالتحريك-، وهو اختلاط الظلام (٢)، سُمِّيَ بذلك لاشتراكهما في الخَفَاءِ. ويَرِدُ المُدَلَّسُ بصيغةٍ من صِيَغ الأداء تحتمل وقوع اللُّقيِّ بين المُدلِّس ومَنْ أَسنَد عنه، كـ"عن"، وكذا "قال". ومتى وقع بصيغةٍ صريحةٍ لا تَجَوُّزَ فيها كان كَذِباً. [حكم رواية المُدَلِّس]: وحُكم مَنْ ثبت عنه التدليس-إذا كان عَدْلاً-: أن لا يُقْبَلَ منه إلا ما صَرَّح فيه بالتحديث، على الأصح (٣). [المُرْسَل الخفيّ] وكذا المرسَلُ الخفي، إذا صَدَرَ من معاصرٍ (٤) لَمْ يَلْقَ مَنْ حدَّث عنه، بل بينه وبينه واسطةٌ.
следующие страницы →