← Тафсир

Тафсир · id 37458

فتح البيان في مقاصد القرآن

صديق حسن خان

Полный текст (12 043 стр.). Показаны 10116–10155 · переход к 10121.

стр. 10116

(يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول) المناجاة المساررة، والمعنى إذا أردتم مساررة الرسول في أمر من أموركم (فقدموا بين يدي نجواكم) أي مساررتكم له (صدقة) في هذا الأمر تعظيم لرسول الله ﷺ ، وانتفاع الفقراء والنهي عن الإِفراط في السؤال، والميز بين المخلص والمنافق ومحب الدنيا والآخرة، واختلف في أنه للندب أو للوجوب، قال الحسن: نزلت بسبب أن قوماً من المسلمين كانوا يستخلون النبي ﷺ ، يناجونه فظن بهم قوم من المسلمين أنهم ينتقصونهم في النجوى، فشق عليهم ذلك فأمرهم الله بالصدقة عند النجوى ليقطعهم عن استخلائه. وقال زيد بن أسلم: نزلت بسبب أن المنافقين واليهود كانوا يناجون النبي ﷺ ، ويقولون: إنه أذن يسمع كل ما قيل له، وكان لا يمنع أحداً من مناجاته، وكان ذلك يشق على المؤمنين، لأن الشيطان كان يلقي في أنفسهم أنهم ناجوه بأن جموعاً اجتمعت لقتاله، فأنزل الله الآية الأولى فلم ينتهوا، فأنزل الله هذه الآية فانتهى أهل الباطل، لأنهم لم يقدموا بين يدي نجواهم صدقة، وشق ذلك على أهل الإيمان، وامتنعوا عن النجوى لضعف كثير منهم عن الصدقة، فخفف الله عنهم بالآية التي بعد هذه. وقال ابن عباس: إن المسلمين أكثروا المسائل على رسول الله ﷺ ، حتى شقوا عليه، فأراد الله أن يخفف عن نبيه صلى الله عليه

стр. 10117

وسلم، فلما قال ذلك: ضن كثير من الناس وكفوا عن المسألة. فأنزل الله بعد هذا (أأشفقتم) الآية فوسع الله عليهم ولم يضيق. " وعن علي بن أبي طالب قال: لما نزلت هذه الآية قال لي النبي ﷺ : ما ترى ديناراً؟ قلت: لا يطيقونه، قال: فنصف دينار قلت: لا يطيقونه، قال: فكم؟ قلت: شعيرة قال إنك لزهيد، قال: فنزلت (أأشفقتم) الآية في خفف الله عن هذه الأمة " والمراد بالشعيرة هنا وزن شعيرة من ذهب، وليس المراد الواحدة من حب الشعير، أخرجه الترمذي وحسنه أبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وغيرهم. وعنه رضي الله تعالى عنه قال ما عمل بها أحد غيري حتى نسخت، وما كانت إلا ساعة يعنى آية النجوى، وعنه ﵁ قال: إن في كتاب الله لآية ما عمل بها أحد قبلي، ولا يعمل بها أحد بعدى، آية النجوى كان عندي دينار فبعته بعشرة دراهم، فكنت كلما ناجيت رسول الله ﷺ قدمت بين يدي نجواي درهماً، ثم نسخت فلم يعمل بها أحد فنزلت (أأشفقتم) الآية، وعن سعد بن أبي وقاص قال: نزلت آية النجوى فقدمت شعيرة، فقال رسول الله ﷺ ، إنك لزهيد، فنزلت الآية الأخرى (أأشفقتم) الآية. (ذلك) أي ما تقدم من تقديم الصدقة بين يدي النجوى (خير لكم) لما فيه من طاعة الله، وتقييد الأمر بكون امتثاله خيراً لهم من عدم الامتثال (وأطهر) لنفوسهم، يدل على أنه أمر ندب لا أمر وجوب قوله: (فإن لم تجدوا فإن الله غفور رحيم) يعني من كان منكم لا يجد تلك الصدقة المأمور بها بين يدي النجوى، فلا حرج عليه في النجوى بدون صدقة.

стр. 10118

(أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات) أي أخفتم الفقر

стр. 10119

والعيلة لأن تقدموا ذلك؟ والإشفاق الخوف من المكروه، والاستفهام للتقرير. وقيل: المعنى أبخلتم، وجمع الصدقات هنا باعتبار المخاطبين، قال مقاتل بن حيان: إنما كان ذلك عشر ليال ثم نسخ، وقال الكلبي: ما كان ذلك إلا ليلة واحدة وقيل إنه لم يبق إلا يوماً واحداً وقال قتادة: ما كان إلا ساعة من نهار. (فإذا لم تفعلوا) ما أمرتم به من الصدقة بين يدي النجوى، وهذا خطاب لمن وجد ما يتصدق به ولم يفعل، وأما من لم يجد فقد تقدم الترخيص له بقوله: (فإن لم تجدوا فإن الله غفور رحيم) وإذ على بابها في الدلالة على المضي وقيل: هي بمعنى إذا وقيل: بمعنى إن (وتاب الله عليكم) رجع بكم عنها بأن رخص لكم في الترك (فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الله ورسوله) المعنى إذا وقع منكم التثاقل عن امتثال الأمر بتقديم الصدقة بين يدي النجوى فاثبتوا على إقامة الصلاة المفروضة وإيتاء الزكاة الواجبة وطاعة الله ورسوله فيما تؤمرون به وتنهون عنه. (والله خبير بما تعملون) لا يخفى عليه من ذلك شيء، فهو مجازيكم وليس في الآية ما يدل على تقصير المؤمنين في الامتثال أما الفقراء منهم فالأمر واضح، وأما من عداهم من المؤمنين فإنهم لم يكلموا بالمناجاة حتى تجب عليهم الصدقة، بل أمروا بالصدقة إذا أرادوا المناجاة، فمن ترك المناجاة فلا يكون مقصراً في امتثال الأمر بالصدقة على أن الآية ما يدل على أن الأمر للندب كما قدمنا، وقد استدل بهذه الآية من قال بأنه يجوز النسخ قبل إمكان الفعل وليس هذا الاستدلال بصحيح، فإن النسخ لم يقع إلا بعد إمكان الفعل، وأيضاًً قد فعل ذلك البعض فتصدق بين يدي نجواه كما تقدم.

стр. 10120

(ألم تر إلى الذين تولوا قوماً) أي والوهم، قال قتادة: هم المنافقون

стр. 10121

تولوا اليهود، وقال السدي ومقاتل: هم اليهود تولوا المنافقين، ويدل على الأول قوله (غضب الله عليهم) فإن المغضوب عليهم هم اليهود ويدل على الثاني قوله (ما هو منكم ولا منهم) فإن هذا صفة المنافقين كما قال الله فيهم: (مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء) والجملة في محل نصب على الحال أو هي مستأنفة (ويحلفون على الكذب) أي أنهم مسلمون أو يحلفون أنهم ما نقلوا الأخبار إلى اليهود، والجملة عطف على تولوا، داخلة في حكم التعجيب من فعلهم (و) الحال أن (هم يعلمون) بطلان ما حلفوا عليه، وأنه كذب لا حقيقة له فيمينهم يمين غموس، لا عذر لهم فيها.

стр. 10122

(أعد الله لهم عذاباً شديداً) بسبب هذا التولي، والحلف على الباطل (إنهم ساء ما كانوا يعملون) من الأعمال القبيحة في الزمان الماضي أو هي حكاية ما يقال لهم في الآخرة

стр. 10123

(اتخذوا أيمانهم جنة) قرأ الجمهور أيمانهم جمع يمين وهي ما كانوا يحلفون عليه من الكذب بأنهم من المسلمين، توقياً من القتل، فجعلوا هذه الأيمان وقاية وسترة دون دمائهم، كما يجعل المقاتل الجنة وقاية له من أن يصاب بسهم أو رمح، وقرىء إيمانهم بكسر الهمزة أي جعلوا تصديقهم جنة من القتل، فآمنت ألسنتهم من خوف القتل ولم تؤمن قلوبهم. (فصدوا عن سبيل الله) أي منعوا الناس عن الإسلام بسبب ما يصدر عنهم من التثبيط، وتهوين أمر المسلمين، وتضعيف شوكتهم، وقيل المعنى فصدوا المسلمين عن قتالهم بسبب إظهارهم الإسلام (فلهم عذاب مهين) أي يهينهم ويخزيهم، قيل هو تكرير لقوله (أعد الله لهم عذاباً شديداً) للتأكيد، وقيل الأول عذاب القبر، وهذا عذاب الآخرة، ولا وجه للقول بالتكرير فإن العذاب الموصوف بالشدة غير العذاب الموصوف بالإهانة.

стр. 10124

لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٧) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٨) اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٩) إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (٢٠) كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١) لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢٢)

стр. 10125

(لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ) أي من عذابه (شيئاًً) من الإغناء، قال مقاتل: قال المنافقون: إن محمداً ﷺ ، يزعم أنه ينصر يوم القيامة لقد شقينا إذاً فوالله لننصرن يوم القيامة بأنفسنا وأموالنا وأولادنا إن كانت قيامة، فنزلت الآية (أولئك) الموصوفون بما ذكر (أصحاب النار) لا يفارقونها (هم فيها خالدون) لا يخرجون منها.

стр. 10126

(يوم) أي اذكر يوم (يبعثهم الله جميعاً فيحلفون له) أي لله يوم القيامة على أنهم مؤمنون (كما يحلفون لكم) في الدنيا، وهذا من شدة شقاوتهم ومزيد الطبع على قلوبهم، فإن يوم القيامة قد انكشفت فيه الحقائق، وصارت الأمور معلومة بضرورة المشاهدة فكيف يجترئون، على أن يكذبوا في ذلك الموقف، ويحلفون على الكذب. " عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ ، جالساً في ظل حجرة من حجره وعنده نفر من المسلمين فقال: إنه سيأتيكم إنسان فينظر

стр. 10127

إليكم بعين شيطان، فإذا جاءكم فلا تكلموه، فلم يلبثوا أن طلع عليهم رجل أزرق، فقال حين رآه: علام تشتمني أنت وأصحابك؟ فقال: ذرني آتيك بهم، فحلفوا واعتذروا "، فأنزل الله هذه الآية والتي بعدها. (ويحسبون) في الآخرة (أنهم) بتلك الأيمان الكاذبة (على شيء) مما يجلب نفعاً أو يدفع ضرراً، كما كانوا يحسبون ذلك في الدنيا (ألا إنهم هم الكاذبون) أي الكاملون في الكذب المتهالكون عليه، البالغون إلى حد لم يبلغ إليه غيرهم بإقدامهم عليه وعلى الأيمان الفاجرة، في موقف القيامة بين يدى الرحمن.

стр. 10128

(استحوذ عليهم الشيطان) أي غلب عليهم واستعلى واستولى، قال المبرد: استحوذ على الشيء حواه وأحاط به، وقيل: قوي عليهم، وقيل: جمعهم، يقال: أحوذ الشيء أي جمعه وضم بعضه إلى بعض، والمعاني متقاربة لأنه إذا جمعهم فقد قوي عليهم وغلبهم، واستعلى عليهم واستولى وأحاط بهم (فأنساهم ذكر الله) أي أوامره والعمل بطاعاته، فلم يذكروا شيئاً من ذلك وقيل: زواجره في النهي عن معاصيه، وقيل: لم يذكروه بقلوبهم ولا بألسنتهم والإشارة بقوله (أولئك) إلى المذكورين الموصوفين بتلك الصفات (حزب الشيطان) أي جنوده وأتباعه ورهطه. (ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون) أي الكاملون في الخسران، حتى كأن خسران غيرهم بالنسبة إلى خسرانهم ليس بخسران، لأنهم باعوا الجنة بالنار، والهدى بالضلال وكذبوا على الله وعلى نبيه وحلفوا الأيمان الفاجرة في الدنيا والآخرة، وفوتوا على أنفسهم النعيم المؤبد، وعرضوها للعذاب المخلد.

стр. 10129

(إن الذين يحادون الله ورسوله) قد تقدم معنى المحادة لله ولرسوله ﷺ ، في أول هذه السورة والجملة تعليل لما قبلها (أولئك في الأذلين) أي أولئك المحادون لله ولرسوله المتصفون بتلك الصفات

стр. 10130

المتقدمة من جملة من أذله الله من الأمم السابقة واللاحقة، لا ترى أحداً أذل منهم لأنهم لما حادوا الله ورسوله صاروا من الذل بهذا المكان، قال عطاء: يريد الذل في الدنيا والخزي في الآخرة.

стр. 10131

(كتب الله) مستأنفة لتقرير ما قبلها من كونهم في الأذلين، أي كتب في اللوح المحفوظ، وقضى في سابق علمه، وقال الفراء: كتب بمعنى قال (لأغلبن أنا ورسلي) بالحجة والسيف أو بأحدهما، قال الزجاج: معنى غلبة الرسل على نوعين، من بعث منهم بالحرب فهو غالب في الحرب، ومن بعث منهم بغير الحرب فهو غالب بالحجة (إن الله قوي) على نصر أوليائه (عزيز) غالب لأعدائه لا يغلبه أحد.

стр. 10132

(لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر) إيماناً صحيحاً، بحيث يتوافق فيه الظاهر مع الباطن (يوادون من حاد الله ورسوله) الخطاب لرسول الله صلي الله عليه وسلم، أو لكل من يصلح له، أي يحبون ويوالون من عادى الله ورسوله وشاقهما، أي من الممتنع أن تجد قوماً من المؤمنين يوالون المشركين، والمراد أنه لا ينبغي أن يكون ذلك وحقه أن يمتنع ولا يوجد بحال مبالغة في التوصية بالتصلب في مجانبة أعداء الله ومباعدتهم، والاحتراز عن مخالطتهم ومعاشرتهم " عن عبد الله بن شوذب قال: جعل والد أبي عبيدة بن الجراح يتقصد لأبي عبيدة يوم بدر، وجعل أبو عبيدة يحيد عنه، فلما أكثر قصده أبو عبيدة فقتله، فنزلت هذه الآية "، أخرجه البيهقي في سننه والحاكم والطبراني وغيرهم ثم زاد ذلك تأكيداً وتشديداً بقوله: (وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ) أي ولو كان المحادون لله ورسوله آباء الموادين الخ، فإن الإيمان يزجر عن ذلك ويمنع منه ورعايته أقوى من رعاية الأبوة والنبوة والأخوة والعشيرة، وقدم أولاً الآباء لأنهم يجب طاعتهم، ثم ثنى بالأبناء لأنهم أعلق بالقلب، ثم ثلث بالإخوان لأنهم الناصرون بمنزلة العضد من الذراع، ثم ربع بالعشيرة لأن بها يستغاث وعليها يعتمد أفاده السمين، روي عن ابن مسعود في هذه الآية قال: ولو كانوا

стр. 10133

آباءهم يعني أبا عبيدة بن الجراح قتل أباه الجراح، أو أبناءهم يعني أبا بكر الصديق دعا ابنه يوم بدر للبراز، وقال: يا رسول الله دعني أكن في الرعلة الأولى، فقال له رسول الله ﵌: متعنا بنفسك يا أبا بكر أو إخوانهم يعني مصعب بن عمير، قتل أخاه عبيد بن عمير يوم أحد، أو عشيرتهم يعني عمر بن الخطاب قتل خاله العاصي بن هشام بن المغيرة يوم بدر وعلي بن أبي طالب وحمزة وأبو عبيدة قتلوا بني عمهم عتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة يوم بدر. (أُولَئِكَ) يعني الذين لا يوادون من حاد الله ورسوله (كَتَبَ) أي خلق، وقيل: أثبت وقيل: جعل، وقيل: حكم والمعاني متقاربة (في قلوبهم الإيمان) وإنما ذكر القلوب لأنها موضعه (وأيدهم بروح منه) أي قواهم بنصر منه على عدوهم في الدنيا، وسمى نصره لهم روحاً لأن به يحيي أمرهم، وقيل: هو نور القلب، وقال الربيع بن أنس: بالقرآن والحجة، وقيل: بجبريل، وقيل: بالإيمان، وقيل: برحمة، وقيل: بكتاب أنزله فيه حياة لهم، وقيل: بروح من الإيمان على أنه في نفسه روح لحياة القلوب، وعن الثوري أنه قال: كانوا يرون أنها نزلت فيمن يصحب السلطان، وعن عبد العزيز بن رواد أنه لقيه المنصور فلما عرفه هرب منه وتلاها، وقيل: هي في أهل البدع والأهواء. (ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها) على الأبد ﵃ أي قبل أعمالهم، وأفاض عليهم آثار رحمته العاجلة والآجلة (ورضوا عنه) أي فرحوا بما أعطاهم عاجلاً وآجلاً (أولئك حزب الله) أي جنده الذين يمتثلون أوامره، ويقاتلون أعداءه، وينصرون أولياءه، وفي إضافتهم إلى الله سبحانه تشريف لهم وتعظيم، وتكريم فخيم (ألا إن حزب الله هم المفلحون) أي الفائزون بسعادة الدنيا والآخرة، الكاملون في الفلاح الذين صار فلاحهم هو الفرد الكامل حتى كأن فلاح غيرهم بالنسبة إلى فلاحهم كلا فلاح.

стр. 10134

سورة الحشر أربع وعشرون آية وهي مدنية، قال القرطبي: في قول الجميع، قال ابن عباس: نزلت بالمدينة وعن ابن الزبير مثله، وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما. عن سعد بن جبير قال قلت لابن عباس: سورة الحشر قال: سورة النضير، يعني أنها نزلت في بني النضير، كما صرح بذلك في بعض الروايات.

стр. 10135

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ (٢) وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ (٣) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٤)

стр. 10136

(سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) أي نزهه، فاللام مزيدة، وفي الإتيان بـ (ما) تغليب للأكثر (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) في ملكه وصنعه

стр. 10137

(هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ) اللام متعلقة بأخرج، وهي لام التوقيت، كقوله (لدلوك الشمس)، أي عند أول الحشر، قال الزمخشري: وهي كاللام في قوله تعالى (يا ليتني قدمت لحياتي) وقولك جئت لوقت كذا، والمراد من أهل الكتاب هم بنو النضير، وهم رهط من اليهود من ذرية هرون نزلوا المدينة في فتن بني إسرائيل انتظارا منهم لمحمد ﷺ ، فغدروا بالنبي ﷺ ، بعد أن عاهدوه وصاروا عليه مع المشركين، فحاصرهم رسول الله ﷺ ، حتى رضوا بالجلاء قال الكلبي: كانوا أول من أجلي من أهل الذمة من جزيرة العرب، ثم أجلى آخرهم في زمن عمر بن الخطاب، وكان جلاؤهم أول حشر من المدينة، وآخر حشر إجلاء عمر لهم. وقيل: إن أول الحشر إخراجهم من حصونهم إلى خيبر، وآخر الحشر إخراجهم من خيبر إلى الشام، وقيل: آخر الحشر هو حشر جميع الناس إلى أرض المحشر وهي الشام، قال عكرمة: من شك أن الحشر يوم القيامة في

стр. 10138

الشام فليقرأ هذه الآية، وأن النبي ﷺ ، قال لهم: أخرجوا، قالوا: إلى أين؟ قال: إلى أرض المحشر، وعن ابن عباس مثله، قال ابن العربي: للحشر أول وأوسط وآخر، فالأول إجلاء بني النضير، والأوسط إجلاء أهل خيبر، والآخر حشر يوم القيامة. وقد أجمع المفسرون على أن هؤلاء المذكورين في الآية هم بنو النضير، ولم يخالف في ذلك إلا الحسن البصري فقال: هم بنو قريظة وهو غلط؛ فإن بني قريظة ما حشروا، بل قتلوا بحكم سعد بن معاذ لما رضوا بحكمه، فحكم عليهم بأن يقتل مقاتلتهم، وتسبى ذراريهم، وتغنم أموالهم، فقال رسول الله ﷺ لسعد: لقد حكمت بحكم الله من فوق سبعة أرقعة. وقد أخرج الحاكم وصححه، وابن مردويه والبيهقي في الدلائل. " عن عائشة قالت كانت غزوة بني النضير، وهم طائفة من اليهود، على رأس ستة أشهر من وقعة بدر، وكان منزلهم ونخلهم في ناحية المدينة، فحاصرهم رسول الله ﷺ حتى نزلوا على الجلاء، وعلى أن لهم ما أقلت الإبل من الأمتعة والأموال إلا الحلقة، يعني السلاح، فأنزل الله فيهم: (سبح لله) إلى قوله (لأول الحشر)، فقاتلهم النبي ﷺ حتى صالحهم على الإجلاء وأجلاهم إلى الشام، وكانوا من سبط لم يصبهم جلاء فيما خلا، وكان الله قد كتب عليهم ذلك، ولولا ذلك لعذبهم في الدنيا بالقتل والسبب " (١)، وأما قوله (لأول الحشر) فكان إجلاؤهم ذلك أول حشر في الدنيا إلى الشام. وعن ابن عباس قال: كان النبي ﷺ قد حاصرهم حتى بلغ منهم كل مبلغ فأعطوه ما أراد منهم، فصالحهم على أن يحقن لهم

стр. 10139

دماءهم، وأن يخرجهم من أرضهم وأوطانهم، وأن يسيروا إلى أذرعات الشام، وجعل لكل ثلاثة منهم بعيراً وسقاء (ما ظننتم أن يخرجوا) هذا خطاب للمسلمين أي ما ظننتم أيها المسلمون أن بني النضير يخرجون من ديارهم لعزتهم ومنعتهم، وذلك أنهم كانوا أهل حصون مانعة، وعقار ونخيل واسعة، وأهل عدد وعدة. (وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله) أي وظن بنو النضير أن حصونهم تمنعهم من بأس الله، والفرق بين هذا التركيب، وبين النظم الذي جاء عليه، أن في تقديم الخبر على المبتدأ دليلاً على فرط وثوقهم بحصانتها، ومنعها إياهم، وفي تصيير ضميرهم اسماً لأن وإسناد الجملة إليه دليل على اعتقادهم في أنفسهم أنهم في عزة ومنعة، لا يبالي معها بأحد يتعرض لهم أو يطمع في مغارتهم، وليس ذلك في قولك: وظنوا أن حصونهم تمنعهم. (فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا) أي أتاهم أمر الله من حيث لم يخطر ببالهم أنه يأتيهم أمره من تلك الجهة، وهو أنه سبحانه أمر نبيه ﷺ ، بقتالهم وإجلائهم، وكانوا لا يظنون ذلك وقيل: هو قتل رئيسهم كعب بن الأشرف قاله ابن جريج والسدي وأبو صالح، فإن قتله أضعف شوكتهم، وقيل: إن الضمير في أتاهم ولم يحتسبوا للمؤمنين أي فأتاهم نصر الله من حيث لم يحتسبوا والأول أولى لقوله (وقذف في قلوبهم الرعب) فإن قذف الرعب كان في قلوب بني النضير، لا في قلوب المسلمين، قال أهل اللغة: الرعب الخوف الذي يرعب الصدر، أي يملأه، وقذفه إثباته فيه، قيل: وكان قذف الرعب في قلوبهم بقتل سيدهم كعب بن الأشرف والأولى عدم تقييده بذلك وتفسيره به (١)، بل المراد بالرعب الذي قذفه الله في قلوبهم هو الذي ثبت في الصحيح. " من قوله ﷺ : نصرت بالرعب مسيرة شهر ".

стр. 10140

(يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين) وذلك أنهم لما أيقنوا بالجلاء حسدوا المسلمين أن يسكنوا منازلهم، فجعلوا يخربونها من داخل، والمسلمون من خارج، قال قتادة والضحاك: كان المؤمنون يخربون من خارج ليدخلوا، واليهود من داخل ليبنوا به ما خرب من حصنهم، قال الزجاج: معنى تخريبها بأيدي المؤمنين أنهم عرضوها لذلك، قرأ الجمهور يخربون بالتخفيف، وقرىء بالتشديد، قال أبو عمرو: وإنما اخترت القراءة بالتشديد لأن الإخراب ترك الشيء خراباً، وإنما خربوها بالهدم، وليس ما قاله بمسلم، فإن التخريب والإخراب عند أهل اللغة بمعنى واحد، قال سيبويه: إن معنى فعلت وأفعلت يتعاقبان نحو أخربته وخربته، وأفرحته وفرحته، واختار الأولى أبو عبيد وأبو حاتم. قال الزهري وابن زيد وعروة بن الزبير: لما صالحهم النبي ﷺ على أن لهم ما أقلت الإبل، كانوا يستحسنون الخشبة أو العمود، فيهدمون بيوتهم ويحملون ذلك على إبلهم، ويخرب المؤمنون بالمقاتلة، وقال أبو عمرو: بأيديهم في تركهم لها وبأيدي المؤمنين في إجلائهم عنها، والجملة مستأنفة لبيان ما فعلوه، أو في محل نصب على الحال. (فاعتبروا يا أولي الأبصار) أي اتعظوا وتدبروا، وانظروا فيما نزل بهم يا أهل العقول والبصائر، قال الواحدي: ومعنى الاعتبار النظر في الأمور ليعرف بها شيء آخر من جنسها، قال النسفي: وهو دليل على جواز القياس انتهى. والاعتبار مأخوذ من العبور، والمجاوزة من شيء إلى شيء، ولهذا سميت العبرة عبرة لأنها تنتقل من العين إلى الخد، وسمي علم التعبير لأن صاحبه ينقل من المتخيل إلى المعقول، وسميت الألفاظ عبارات لأنها تنقل المعاني من لسان القائل إلى عقل المستمع، ويقال: السعيد من اعتبر بغيره، لأنه ينقل بواسطة عقله من حال ذلك الغير إلى حال نفسه ومن لم يعتبر بغيره

стр. 10141

اعتبر به غيره، ولهذا قال القشيري: الاعتبار هو النظر في حقائق الأشياء وجهات دلالتها ليعرف بالنظر فيها شيء آخر.

стр. 10142

(ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء) أي الخروج من أوطانهم على ذلك الوجه مع الأهل والولد، وقضى به عليهم (لعذبهم) بالقتل والسبي (في الدنيا) كما فعل ببني قريظة، والجلاء مفارقة الوطن، يقال: جلا بنفسه جلاء، وأجلاه غيره إجلاء، والفرق بين الجلاء والإخراج -وإن كان معناهما في الإبعاد واحداً- من جهتين إحداهما أن الجلاء ما كان مع الأهل والولد، والإِخراج قد يكون مع بقاء الأهل والولد، الثاني أن الجلاء لا يكون إلا لجماعة والإِخراج يكون لجماعة ولواحد كذا قال الماوردي. (ولهم في الآخرة عذاب النار) مستأنفة غير متعلقة بجواب لولا، متضمنة لبيان ما يحصل لهم في الآخرة من العذاب، وإن نجوا من عذاب الدنيا.

стр. 10143

(ذلك) أي ما تقدم ذكره من الجلاء في الدنيا والعذاب في الآخرة (بأنهم شاقوا الله ورسوله) أي بسبب المشاقة منهم لله ولرسوله لعدم الطاعة والميل مع الكفار ونقض العهد (ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب) اقتصر ههنا على مشاقة الله لأن مشاقته شاقة لرسوله قرأ الجمهور يشاق بالإدغام وقرىء يشاقق بالفك.

стр. 10144

مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ (٥) وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)

стр. 10145

(مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ) قال مجاهد: إن بعض المهاجرين وقعوا في قطع النخل، فنهاهم بعضهم وقالوا إنما هي مغانم المسلمين، وقال الذين قطعوا بل هو غيظ للعدو فنزل القرآن بتصديق من نهى عن قطع النخل وتحليل من قطعه من الإثم فقال (ما قطعتم من لينة) قال قتادة والضحاك: إنهم قطعوا من نخيلهم وأحرقوا ست نخلات، وقال محمد بن إسحق إنهم أحرقوا نخلة وقطعوا نخلة فقال بنو النضير وهم أهل الكتاب يا محمد ألست تزعم أنك نبي تريد الصلاح؟ أفمن الصلاح قطع النخل وحرق الشجر؟ وهل وجدت فيما أنزل عليك إباحة الفساد في الأرض؟ فشق ذلك على رسول الله ﷺ ، ووجد المسلمون في أنفسهم فنزلت الآية ومعنى الآية أي شيء قطعتم من ذلك أو تركتم فبإذن الله، والضمير في تركتموها عائد إلى (ما) لتفسيرها باللينة وكذا في قوله (قائمة على أصولها) ومعنى على أصولها أنها باقية على ما هي عليه. واختلف المفسرون في تفسير اللينة فقال الزهري ومالك وسعيد بن جبير وعكرمة والخليل: إنها النخل كله، إلا العجوة، وقال مجاهد: إنها النخل كله ولم يستثن عجوة ولا غيرها، وقال الثوري: هي كرام العجل وقال أبو

стр. 10146

عبيدة: إنها جميع ألوان التمر سوى العجوة والبرني وقال جعفر بن محمد: إنها العجوة خاصة، وقيل: هي ضرب من النخل يقال لثمره: اللون، تمره أجود التمر، وقال الأصمعي: هي الدقل وأصل اللينة لونه فقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، وجمع اللينة لين، وقيل: ليان، وقرأ ابن مسعود: ولا تركتم قوماً على أصولها، أي قائمة على سوقها، وقرىء على أصلها، وقائماً على أصوله، وفي البخاري ومسلم وغيرهما: " عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ ، حرق نخل بني النضير، وقطع وهي البويرة "، ولها يقول حسان رضي الله تعالى عنه: وهان على سراة بني لؤي ... حريق بالبويرة مستطير فأنزل الله ما قطعتم الآية، وأخرج الترمذي وحسنه والنسائي وابن أبي حاتم وابن مردويه: " عن ابن عباس في الآية قال: اللينة النخلة، قال: استنزلوهم من حصونهم، وأمروا بقطع النخل فحك في صدورهم، فقال المسلمون: قد قطعنا بعضاً وتركنا بعضاً، فلنسألن رسول الله ﷺ ، هل لنا فيما قطعنا من أجر؟ وهل علينا فيما تركنا من وزر؟ فأنزل الله (ما قطعتم من لينة) الآية "، وفي الباب أحاديث، والكلام في صلح بني النضير مبسوط في كتب السير. (وليخزي الفاسقين) أي ليذل الخارجين عن الطاعة، وهم اليهود، ويغيظهم، في قطعها وتركها لأنهم إذا رأوا المؤمنين يتحكمون في أموالهم كيف شاؤوا، من القطع والترك ازدادوا غيظاً، قال الزجاج: وليخزي الفاسقين بأن يريهم أموالهم يتحكم فيها المؤمنون كيف أحبوا من قطع وترك، والتقدير وليخزي الفاسقين، أذن في ذلك، يدل على المحذوف قوله: (فبإذن الله)، وقد استدل بهذه الآية على أن حصون الكفار وديارهم لا بأس أن تهدم وتحرق وترمى بالمجانيق، وكذلك قطع أشجارهم ونحوها، وعلى

стр. 10147

جواز الاجتهاد، وعلى تصويب المجتهدين، والبحث مستوفى في كتب الأصول.

стр. 10148

(وما أفاء الله على رسوله منهم) أي ما رده عليه من أموال الكفار، يقال: فاء يفيء إذا رجع، والضمير في منهم راجع إلى بني النضير (فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب) يقال: وجف الفرس والبعير يجف وجفاً وهو سرعة السير، وأوجفه صاحبه إذا حمله على السير السريع، و (ما) في (ما أوجفتم) نافية، والفاء جواب الشرط إن كانت (ما) في (ما أفاء الله) شرطية، وإن كانت موصولة فالفاء زائدة و (من) في (من خيل) زائدة للتأكيد، والركاب ما يركب من الإبل خاصة، قال الرازي: العرب لا يطلقون لفظ الراكب إلا على راكب البعير، ويسمون راكب الفرس فارساً، والمعنى أن ما رد الله على رسوله من أموال بني النضير لم تركبوا لتحصيله خيلاً ولا إبلاً، ولم تقطعوا إليها مسافة، ولا تجشمتم لها شقة، ولا لقيتم بها حرباً ولا مشقة، وإنما كانت من المدينة على ميلين، قاله الفراء، فجعل الله سبحانه أموال بني النضير لرسوله ﷺ ، خاصة لهذا السبب فإنه افتتحها صلحاً، وأخذ أموالها، وقد كان يسأله المسلمون أن يقسم لهم فنزلت الآية. أخرج البخاري ومسلم وغيرهما: " عن عمر بن الخطاب قال: كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله ﷺ ، ومما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب، وكانت لرسول الله ﷺ ، خاصة، فكان ينفق على أهله منها نفقة سنة، ثم يجعل ما بقي في السلاح والكراع عدة في سبيل الله ". ْ " وعن ابن عباس قال: جعل ما أصاب رسول الله ﷺ ، يحكم فيه ما أراد ولم يكن يومئذ خيل ولا ركاب يوجف بها، قال: والإِيجاف أن يوضعوا السير وهي لرسول الله فكان من ذلك خيبر وفدك، وقرى عرينة، وأمر رسول الله ﷺ أن يعمد لينبع فأتاها

стр. 10149

رسول الله ﷺ فاحتواها كلها، فقال ناس: هلا قسمها الله؟ فأنزل الله عذره، فقال: (ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى) الآية " وفي الكرخي: وهذا وإن كان كالغنيمة لأنهم خرجوا أياماً وقاتلوا وصالحوا، لكن لقلة تعبهم أجراه الله تعالى مجرى الفىء. (ولكن الله يسلط رسله على من يشاء) أي سنته تعالى جارية على أن يسلطهم على من يشاء من أعدائه تسلطاً غير معتاد، من غير أن يقتحموا مضايق الخطوب، ويقاسوا شدائد الحروب، وفي هذا بيان أن تلك الأموال كانت خاصة لرسول الله ﷺ دون أصحابه، لكونهم لم يوجفوا عليها بخيل ولا ركاب، بل مشوا إليها مشياً (والله على كل شيء قدير) يسلط من يشاء على من أراد. ويعطي من يشاء ويمنع من يشاء، (لا يسأل عما يفعل وهم يسألون)، فلا حق لكم فيه ويختص به النبي ﷺ ، ومن ذكر معه في الآية الثانية من الأصناف الأربعة على ما كان يقسمه.

стр. 10150

(ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى) هذا بيان لمصارف الفيء بعد بيان أنه لرسول الله ﷺ ، خاصة، والتكرير لقصد التقرير والتأكيد، ووضع أهل القرى موضع منهم أي من بني النضير للإشعار بأن هذا الحكم لا يختص ببني النضير وحدهم بل هو حكم على كل قرية يفتحها رسول الله ﷺ ، صلحاً ولم يوجف عليها المسلمون بخيل ولا ركاب قيل: والمراد بالقرى بنو النضير وقريظة وهما بالمدينة وفدك وهي على ثلاثة أميال من المدينة وخيبر وقرى عرينة وينبع وقد تكلم أهل العلم في هذه الآية والتي قبلها هل معناهما متفق أو مختلف؟ فقيل: متفق، كما ذكرنا وقيل: مختلف، وفي ذلك كلام طويل لأهل العلم. قال ابن العربي: لا إشكال أنها ثلاثة معان في ثلاث آيات، أما الآية الأولى وهي قوله: (وما أفاء الله على رسوله منهم) فهي خاصة برسول الله ﷺ ، خالصة له وهي أموال بني النضير، وما كان مثلها وأما

стр. 10151

الآية الثانية وهي (ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى) فهذا كلام مبتدأ غير الأول لمستحق غير الأول وإن اشتركت هي والأولى في أن كل واحدة منهما تضمنت شيئاًً أفاءه الله على رسوله واقتضت الآية الأولى أنه حاصل بغير قتال، واقتضت آية الأنفال وهي الآية الثالثة أنه حاصل بقتال، وعريت الآية الثانية وهي ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى عن ذكر حصوله بقتال أو بغير قتال، فنشأ الخلاف من ههنا، فطائفة قالت: هي ملحقة بالأولى وهي مال الصلح، وطائفة قالت: هي ملحقة بالثالثة وهي آية الأنفال، والذين قالوا إنها ملحقة بآية الأنفال اختلفوا هل هي منسوخة أو محكمة؟ هذا حاصل كلامه. وقال مالك: إن الآية الأولى من هذه السورة خاصة برسول الله ﷺ ، والآية الثانية هي في بني قريظة، ويعني أن معناها يعود إلى آية الأنفال، ومذهب الشافعي أن سبيل خمس الفيء سبيل خمس الغنيمة، وأن أربعة أخماسه كانت للنبي ﷺ ، وهي بعده لمصالح المسلمين. (فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ) المراد بقوله: (لله) أنه يحكم فيه بما يشاء للرسول يكون ملكاً له، (ولذي القربى) وهم بنو هاشم وبنو المطلب، لأنهم قد منعوا من الصدقة، فجعل لهم حقاً في الفيء قيل: تكون القسمة في هذا المال على أن تكون أربعة أخماسه لرسول الله ﷺ ، وخمسه يقسم أخماساً للرسول خمس، ولكل صنف من الأصناف الأربعة المذكورة خمس، وقيل: يقسم أسداساً، السادس سهم الله سبحانه، ويصرف إلى وجه القرب، كعمارة المساجد ونحو ذلك. وعن ابن عباس قال: كان ما أفاء الله على رسوله من خيبر نصف لله ورسوله، والنصف الآخر للمسلمين فكان الذي لله ورسوله من ذلك الكثبة والوطيح والسلالم ووحدوه وكان الذي للمسلمين الشق، والشق ثلاثة عشر سهماً، ونطاة خمسة أسهم، ولم يقسم رسول الله ﷺ ، من خيبر لأحد من المسلمين إلا لمن شهد الحديبية ولم يأذن رسول الله صلى الله

стр. 10152

عليه وسلم لأحد من المسلمين تخلف عنه عند مخرجه الحديبية أن يشهد معه خيبر إلا جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري. وأخرج أبو داود عن عمر بن الخطاب قال: كان لرسول الله ﷺ ، صفايا في النضير وخيبر وفدك، فأما بنو النضير فكانت حبساً لنوائبه، وأما فدك فكان لابن السبيل. وأما خيبر فجزأها ثلاثة أجزاء، قسم منها جزءين بين المسلمين، وحبس جزءاً لنفسه ولنفقة أهله، فما فضل عن نفقة أهله رده على فقراء المهاجرين "، قال البقاعي: ومن زعم أن شيئاًً مما في هذه السورة نسخ بشيء مما في سورة الأنفال فقد أخطأ، لأن الأنفال نزلت في بدر، وهي قبل هذه بمدة. (كيلا يكون) الفيء (دولة بين الأغنياء منكم) دون الفقراء، والدولة اسم لشيء يتداوله القوم بينهم، يكون لهذا مرة، ولهذا مرة، قال مقاتل: المعنى أنه يغلب الأغنياء الفقراء فيقسمونه بينهم، قرأ الجمهور يكون بالتحتية، ودولة بالنصب، وقرىء بالفوقية ودولة بالرفع، أي كيلا تقع أو توجد دولة، وكان تامة، وقرأ الجمهور دولة بضم الدال، وقرىء بفتحها، قال عيسى بن عمر، ويونس، والأصمعي: هما لغتان بمعنى واحد، وقال أبو عمرو بن العلاء: الدولة بالفتح الذي يتداول من الأموال، وبالضم الفعل وكذا قال أبو عبيدة وجمع المفتوح دول مثل قطعة وقصع، وجمع المضموم دول مثل غرفة وغرف، وقيل: بالضم في المال، وبالفتح في الحرب، ودالت الأيام تدول مثل دارت الأيام تدور وزناً ومعنى، وقيل: بالفتح من الملك بضم الميم، وبالضم من الملك بكسر الميم، قال عمر بن الخطاب ما على وجه الأرض مسلم إلا وله حق في هذا الفيء، إلا ما ملكت أيمانكم. ثم لما بين سبحانه مصارف هذا المال أمرهم بالاقتداء برسوله ﷺ فقال: (وما آتاكم الرسول) أي ما أعطاكم من مال الغنيمة والفيء (فخذوه وما نهاكم عنه) أي عن أخذه (فانتهوا) عنه ولا تأخذوه، قال الحسن والسدي: ما أعطاكم من مال الفيء فاقبلوه، وما منعكم منه فلا تطلبوه، وقال

стр. 10153

ابن جريج: ما أعطاكم من طاعتي فافعلوه، وما نهاكم من معصيتي فاجتنبوه والحق أن هذه الآية عامة في كل شيء يأتي به رسول الله ﷺ ، من أمر أو نهي، أو قول أو فعل، وإن كان السبب خاصاً فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وكل شيء أتانا به من الشرع فقد أعطانا إياه وأوصله إلينا، وما أنفع هذه الآية وأكثر فائدتها، قال الماوردي: إنه محمول على العموم في جميع أوامره ونواهيه، لا يأمر إلا بإصلاح، ولا ينهي إلا عن فساد قال المهدوي: هذا يوجب أن كل ما أمر به النبيّ ﷺ أمر من الله تعالى، وإن كانت الآية خاصة بالغنائم: فجميع أوامره ونواهيه داخلة فيها، ذكره القرطبي. أخرج البخاري ومسلم وغيرهما. عن " ابن مسعود قال: لعن الله الواشمات والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات لخلق الله، فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها أم يعقوب فجاءت إليه فقالت: بلغني أنك لعنت كيت وكيت، قال: وما لي لا ألعن من لعن رسول الله ﷺ ، وهو في كتاب الله قالت: لقد قرأت ما بين الدفتين فما وجدت فيه شيئاًً من هذا، قال: لئن كنت قرأته لقد وجدته، أما قرأت (ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا)؟ قالت: بلى، قال: فإنه قد نهى عنه ". ثم لما أمرهم بأخذ ما أمرهم بأخذه الرسول، وترك ما نهاهم عنه، أمرهم بتقواه، وخوفهم شدة عقوبته، فقال: (واتقوا الله إن الله شديد العقاب) فهو معاقب من لم يأخذ ما أتاه الراسول، ولم يترك ما نهاه عنه. " عن أبي رافع أن رسول الله ﷺ قال لا ألقين أحدكم متكئاً على أريكته يأتيه أمر مما أمرت به، أو نهيت عنه فيقول: لا أدري، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه "، أخرجه أبو داود والترمذي وقال: هذا حديث حسن، والأريكة كل ما اتكىء عليه من سرير أو فراش أو منصة أو نحو ذلك، وفي الباب أحاديث، ثم بين من له الحق في الفيء فقال:

стр. 10154

لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩) وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)

стр. 10155

(لِلْفُقَرَاءِ) قيل: بدل من لذي القربى وما عطف عليه، قاله أبو البقاء، ومقتضاه اشتراط الفقر فيه، وهو مذهب الإمام أبي حنيفة، ومن ثم جعله الزمخشري كذلك، وأطال الكلام فيه ولا يصح أن يكون بدلاً من الرسول وما بعده، لئلا يستلزم وصف الرسول ﷺ بالفقر، وقيل: التقدير لكيلا يكون دولة، ولكن يكون للفقراء وقيل: التقدير اعجبوا للفقراء، وبه فسر المحلي، وهو موافق لمذهب إمامه الشافعي وأصحابه من الاستحقاق بالقرابة، ولم يشترط الحاجة، فاشتراطها وعدم اعتبار القرابة يضاده ويخالفه، ولأن الآية نص في ثبوت الاستحقاق تشريفاً لهم، فمن علله بالحاجة فوت هذا المعنى والذي يؤيد تقدير فعل التعجب كما ذكره أبو البقاء وتبعه الكواشي مجيء قوله: (ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون) الآيات مصدراً بألم تر، وهي كلمة تعجب، لكون ذكرهم جاء مقابلاً لذكر أضدادهم، وقيل: التقدير: والله شديد العقاب للفقراء، أي للكفار بسبب الفقراء، وقيل: هو عطف ما مضى بتقدير الواو كما تقول: المال لزيد لعمرو لبكر.
следующие страницы →