الآية الثانية وهي (ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى) فهذا كلام مبتدأ غير الأول لمستحق غير الأول وإن اشتركت هي والأولى في أن كل واحدة منهما تضمنت شيئاًً أفاءه الله على رسوله واقتضت الآية الأولى أنه حاصل بغير قتال، واقتضت آية الأنفال وهي الآية الثالثة أنه حاصل بقتال، وعريت الآية الثانية وهي ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى عن ذكر حصوله بقتال أو بغير قتال، فنشأ الخلاف من ههنا، فطائفة قالت: هي ملحقة بالأولى وهي مال الصلح، وطائفة قالت: هي ملحقة بالثالثة وهي آية الأنفال، والذين قالوا إنها ملحقة بآية الأنفال اختلفوا هل هي منسوخة أو محكمة؟ هذا حاصل كلامه.
وقال مالك: إن الآية الأولى من هذه السورة خاصة برسول الله ﷺ ، والآية الثانية هي في بني قريظة، ويعني أن معناها يعود إلى آية الأنفال، ومذهب الشافعي أن سبيل خمس الفيء سبيل خمس الغنيمة، وأن أربعة أخماسه كانت للنبي ﷺ ، وهي بعده لمصالح المسلمين.
(فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ) المراد بقوله: (لله) أنه يحكم فيه بما يشاء للرسول يكون ملكاً له، (ولذي القربى) وهم بنو هاشم وبنو المطلب، لأنهم قد منعوا من الصدقة، فجعل لهم حقاً في الفيء قيل: تكون القسمة في هذا المال على أن تكون أربعة أخماسه لرسول الله ﷺ ، وخمسه يقسم أخماساً للرسول خمس، ولكل صنف من الأصناف الأربعة المذكورة خمس، وقيل: يقسم أسداساً، السادس سهم الله سبحانه، ويصرف إلى وجه القرب، كعمارة المساجد ونحو ذلك.
وعن ابن عباس قال: كان ما أفاء الله على رسوله من خيبر نصف لله ورسوله، والنصف الآخر للمسلمين فكان الذي لله ورسوله من ذلك الكثبة والوطيح والسلالم ووحدوه وكان الذي للمسلمين الشق، والشق ثلاثة عشر سهماً، ونطاة خمسة أسهم، ولم يقسم رسول الله ﷺ ، من خيبر لأحد من المسلمين إلا لمن شهد الحديبية ولم يأذن رسول الله صلى الله
стр. 10152
عليه وسلم لأحد من المسلمين تخلف عنه عند مخرجه الحديبية أن يشهد معه خيبر إلا جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري.
وأخرج أبو داود عن عمر بن الخطاب قال: كان لرسول الله ﷺ ، صفايا في النضير وخيبر وفدك، فأما بنو النضير فكانت حبساً لنوائبه، وأما فدك فكان لابن السبيل. وأما خيبر فجزأها ثلاثة أجزاء، قسم منها جزءين بين المسلمين، وحبس جزءاً لنفسه ولنفقة أهله، فما فضل عن نفقة أهله رده على فقراء المهاجرين "، قال البقاعي: ومن زعم أن شيئاًً مما في هذه السورة نسخ بشيء مما في سورة الأنفال فقد أخطأ، لأن الأنفال نزلت في بدر، وهي قبل هذه بمدة.
(كيلا يكون) الفيء (دولة بين الأغنياء منكم) دون الفقراء، والدولة اسم لشيء يتداوله القوم بينهم، يكون لهذا مرة، ولهذا مرة، قال مقاتل: المعنى أنه يغلب الأغنياء الفقراء فيقسمونه بينهم، قرأ الجمهور يكون بالتحتية، ودولة بالنصب، وقرىء بالفوقية ودولة بالرفع، أي كيلا تقع أو توجد دولة، وكان تامة، وقرأ الجمهور دولة بضم الدال، وقرىء بفتحها، قال عيسى بن عمر، ويونس، والأصمعي: هما لغتان بمعنى واحد، وقال أبو عمرو بن العلاء: الدولة بالفتح الذي يتداول من الأموال، وبالضم الفعل وكذا قال أبو عبيدة وجمع المفتوح دول مثل قطعة وقصع، وجمع المضموم دول مثل غرفة وغرف، وقيل: بالضم في المال، وبالفتح في الحرب، ودالت الأيام تدول مثل دارت الأيام تدور وزناً ومعنى، وقيل: بالفتح من الملك بضم الميم، وبالضم من الملك بكسر الميم، قال عمر بن الخطاب ما على وجه الأرض مسلم إلا وله حق في هذا الفيء، إلا ما ملكت أيمانكم.
ثم لما بين سبحانه مصارف هذا المال أمرهم بالاقتداء برسوله ﷺ فقال:
(وما آتاكم الرسول) أي ما أعطاكم من مال الغنيمة والفيء (فخذوه وما نهاكم عنه) أي عن أخذه (فانتهوا) عنه ولا تأخذوه، قال الحسن والسدي: ما أعطاكم من مال الفيء فاقبلوه، وما منعكم منه فلا تطلبوه، وقال
стр. 10153
ابن جريج: ما أعطاكم من طاعتي فافعلوه، وما نهاكم من معصيتي فاجتنبوه والحق أن هذه الآية عامة في كل شيء يأتي به رسول الله ﷺ ، من أمر أو نهي، أو قول أو فعل، وإن كان السبب خاصاً فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وكل شيء أتانا به من الشرع فقد أعطانا إياه وأوصله إلينا، وما أنفع هذه الآية وأكثر فائدتها، قال الماوردي: إنه محمول على العموم في جميع أوامره ونواهيه، لا يأمر إلا بإصلاح، ولا ينهي إلا عن فساد قال المهدوي: هذا يوجب أن كل ما أمر به النبيّ ﷺ أمر من الله تعالى، وإن كانت الآية خاصة بالغنائم: فجميع أوامره ونواهيه داخلة فيها، ذكره القرطبي.
أخرج البخاري ومسلم وغيرهما.
عن " ابن مسعود قال: لعن الله الواشمات والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات لخلق الله، فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها أم يعقوب فجاءت إليه فقالت: بلغني أنك لعنت كيت وكيت، قال: وما لي لا ألعن من لعن رسول الله ﷺ ، وهو في كتاب الله قالت: لقد قرأت ما بين الدفتين فما وجدت فيه شيئاًً من هذا، قال: لئن كنت قرأته لقد وجدته، أما قرأت (ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا)؟ قالت: بلى، قال: فإنه قد نهى عنه ". ثم لما أمرهم بأخذ ما أمرهم بأخذه الرسول، وترك ما نهاهم عنه، أمرهم بتقواه، وخوفهم شدة عقوبته، فقال:
(واتقوا الله إن الله شديد العقاب) فهو معاقب من لم يأخذ ما أتاه الراسول، ولم يترك ما نهاه عنه.
" عن أبي رافع أن رسول الله ﷺ قال لا ألقين أحدكم متكئاً على أريكته يأتيه أمر مما أمرت به، أو نهيت عنه فيقول: لا أدري، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه "، أخرجه أبو داود والترمذي وقال: هذا حديث حسن، والأريكة كل ما اتكىء عليه من سرير أو فراش أو منصة أو نحو ذلك، وفي الباب أحاديث، ثم بين من له الحق في الفيء فقال:
(لِلْفُقَرَاءِ) قيل: بدل من لذي القربى وما عطف عليه، قاله أبو البقاء، ومقتضاه اشتراط الفقر فيه، وهو مذهب الإمام أبي حنيفة، ومن ثم جعله الزمخشري كذلك، وأطال الكلام فيه ولا يصح أن يكون بدلاً من الرسول وما بعده، لئلا يستلزم وصف الرسول ﷺ بالفقر، وقيل: التقدير لكيلا يكون دولة، ولكن يكون للفقراء وقيل: التقدير اعجبوا للفقراء، وبه فسر المحلي، وهو موافق لمذهب إمامه الشافعي وأصحابه من الاستحقاق بالقرابة، ولم يشترط الحاجة، فاشتراطها وعدم اعتبار القرابة يضاده ويخالفه، ولأن الآية نص في ثبوت الاستحقاق تشريفاً لهم، فمن علله بالحاجة فوت هذا المعنى والذي يؤيد تقدير فعل التعجب كما ذكره أبو البقاء وتبعه الكواشي مجيء قوله: (ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون) الآيات مصدراً بألم تر، وهي كلمة تعجب، لكون ذكرهم جاء مقابلاً لذكر أضدادهم، وقيل: التقدير: والله شديد العقاب للفقراء، أي للكفار بسبب الفقراء، وقيل: هو عطف ما مضى بتقدير الواو كما تقول: المال لزيد لعمرو لبكر.
стр. 10156
(المهاجرين) أي الذين هاجروا إلى رسول الله ﷺ رغبة في الدين ونصرة له، قال قتادة: هؤلاء المهاجرون هم الذين تركوا الديار والأموال والأهلين كما قال تعالى: (الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم) أي حيث أخرجهم كفار مكة منها، واضطروهم إلى الخروج وكانوا مائة رجل، قال النسفي: وفيه دليل على أن الكفار يملكون بالاستيلاء أموال المسلمين، لأن الله سمى المهاجرين فقراء مع أنه كانت لهم ديار وأموال.
(يبتغون فضلاً من الله ورضواناً) أي حال كونهم يطلبون منه أن يتفضل عليهم بالرزق في الدنيا وبالرضوان في الآخرة (وينصرون الله ورسوله) بالجهاد للكفار بأنفسهم وأموالهم، والمراد نصر دينه وإعلاء كلمته، وهذا حال مقدرة أي ناوين نصرتهما إذ وقت خروجهم لم تكن نصرة بالفعل.
(أولئك) المتصفون بتلك الصفات (هم الصادقون) أي الكاملون في الصدق، الراسخون فيه، قال قتادة: هم المهاجرون الذين تركوا الديار والأموال والعشائر، وخرجوا حباً لله ولرسوله، واختاروا الإسلام على ما كانوا فيه من شدة، حتى ذكر لنا أن الرجل كان يعصب الحجر على بطنه ليقيم به صلبه من الجوع، وكان الرجل يتخذ الحفيرة في الشتاء ما له دثار غيرها " وعن سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : أبشروا صعاليك المهاجرين بالنور التام يوم القيامة، يدخلون الجنة قبل أغنياء الناس بنصف يوم، وذلك خمسمائة سنة أخرجه أبو داود ثم لما فرغ من مدحهم مدح الأنصار بخصال حميدة فقال:
стр. 10157
(وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ) وهو كلام مستأنف، والمراد بالدار المدينة، وهي دار الهجرة ومعنى تبوّئهم أنهم اتخذوهما مباءة أي تمكنوا منهما تمكناً شديداً والتبوؤ في الأصل إنما يكون للمكان، ولكنه جعل الإيمان مثله
стр. 10158
لتمكنهم فيه تنزيلاً للحال منزلة المحل، وقيل: التقدير واعتقدوا الإيمان أو أخلصوا الإيمان كذا قال أبو علي الفارسي أو تبوأوا الدار وموضع الإيمان، ويجوز أن يكون تبوّأوا مضمناً معنى لزموا، أي لزموا الدار والإيمان ومعنى (من قبلهم) أسلموا في ديارهم، وآثروا الإيمان وابتنوا المساجد قبل هجرة المهاجرين، وقبل قدوم النبي ﷺ بسنتين، فلا بد من تقدير مضاف، لأن الأنصار إنما آمنوا بعد إيمان المهاجرين، وقيل: من قبل المهاجرين لأنهم سبقوهم في تبوّىء الدار.
وقد أخرج البخاري.
" عن عمر بن الخطاب أنه قال: أوصي الخليفة بعدي بالمهاجرين الأولين أن يعرف لهم حقهم، ويحفظ لهم حرمتهم، وأوصيه بالأنصار الذين تبوأوا الدار والإيمان من قبلهم، أن يقبل من محسنهم، ويتجاوز عن مسيئهم " (١).
(يحبون من هاجر إليهم) وذلك أنهم أحسنوا إلى المهاجرين، وأشركوهم في أموالهم ومساكنهم (ولا يجدون) أي لا يجد الأنصار (في صدورهم حاجة) أي حسداً وغيظاً وحزازة فالمراد بالحاجة هذه المعاني، وإطلاق لفظ الحاجة عليها من إطلاق الملزوم على اللازم على سبيل الكناية، لأن هذه المعاني لا تنفك عن الحاجة غالباً، وفي الكلام مضاف محذوف، أي لا يجدون في صدورهم من حاجة أو أثر حاجة، وكل ما يجده الإنسان في صدره مما يحتاج إليه فهو حاجة.
(مما أوتوا) أي مما أوتي المهاجرون دونهم من الفيء بل طابت أنفسهم
стр. 10159
بذلك، وكان المهاجرون في دور الأنصار، فلما غنم النبي ﷺ بني النضير دعا الأنصار وشكرهم فيما صنعوا مع المهاجرين، من إنزالهم إياهم في منازلهم، وإشراكهم في أموالهم، ثم قال: إن أحببتم قسمت ما أفاء الله عليّ من بني النضير بينكم وبين المهاجرين، وكان المهاجرون على ما هم عليه من السكنى في مساكنكم، والمشاركة لكم في أموالكم، وإن أحببتهم أعطيتهم ذلك، وخرجوا من دياركم، فرضوا بقسمة ذلك في المهاجرين، وطابت أنفسهم.
(ويؤثرون على أنفسهم) أي في كل شيء من أسباب المعاش، والإيثار تقديم الغير على النفس في حظوظ الدنيا، رغبة في حظوظ الآخرة، وذلك ينشأ عن قوة اليقين، ووكيد المحبة، والصبر على المشقة، يقال: آثرته بكذا أي خصصته به وفضلته، والمعنى ويقدمون المهاجرين على أنفسهم في حظوظ الدنيا (ولو كان بهم خصاصة) أي حاجة وفقر، والخصاصة مأخوذة من خصاص البيت وهي الفروج التي تكون فيه وقيل: مأخوذة من الاختصاص وهو الإنفراد بالأمر، فالخصاصة الإنفراد بالحاجة.
أخرج البخاري ومسلم وغيرهما:
" عن أبي هريرة قال: أتى رجل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، أصابني الجهد، فأرسل إلى نسائه فلم يجد عندهن شيئاًً فقال: ألا رجل يضيف هذا الليلة ﵀؟ فقال رجل من الأنصار، وفي رواية: فقال أبو طلحة الأنصاري: أنا يا رسول الله، فذهب به إلى أهله فقال لامرأته أكرمي ضيف رسول الله ﷺ لا تدخريه شيئاًً، قالت: والله ما عندي إلا قوت الصبية، قال: فإذا أراد الصبية العشاء فنوميهم، وتعالي فأطفئي السراج ونطوي بطوننا الليل لضيف رسول الله ﷺ ففعلت، ثم غدا الضيف على رسول الله ﷺ فقال: لقد عجب الله من فلان وفلانة وأنزل الله فيها " هذه الآية " (١).
стр. 10160
وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الشعب:
عن " ابن عمر قال أهدي إلى رجل من أصحاب رسول الله ﷺ رأس شاة فقال: إن أخي فلاناً وعياله أحوج إلى هذا، فبعث به إليه، فلم يزل يبعث به واحد إلى آخر حتى تداولها أهل سبعة أبيات حتى رجعت إلى الأول فنزلت فيهم هذه الآية.
(ومن يوق شح نفسه) قرأ الجمهور يوق بسكون الواو وتخفيف القاف من الوقاية، وقرىء بفتح الواو وتشديد القاف، وقرأوا شح بضم الشين، وقرىء بكسرها، وهذا كلام عام، (ومن) شرطية، ويوق فعل الشرط، والشح البخل مع الحرص كذا في الصحاح، وقيل: الشح أشد من البخل، قال مقاتل: شح نفسه حرص نفسه. قال سعيد بن جبير: شح النفس هو أخذ الحرام ومنع الزكاة، قال ابن زيد: من لم يأخذ شيئاً نهاه الله عنه ولم يمنع شيئاًً أمره الله بأدائه فقد وقى شح نفسه، قال طاوس: البخل أن يبخل الإنسان بما في يده والشح أن يشح بما في أيدي الناس يُحبُّ أن يكون له ما في أيديهم بالحلال والحرام؛ لا يقنع. وقال ابن عيينة: الشح الظلم وقال الليث: ترك الفرائض وانتهاك المحارم.
(فأولئك هم المفلحون) جزاء الشرط المتقدم، وفيه رعاية معنى من بعد رعاية لفظها، والفلاح الفوز والظفر بكل مطلوب، أي الفائزون بما أرادوا والظاهر من الآية أن الفلاح مترتب على عدم شح النفس بشيء من الأشياء التي يقبح الشح بها شرعاً، من زكاة أو صدقة أو صلة رحم أو نحو ذلك، كما تفيده إضافة الشح إلى النفس، عن ابن مسعود أن رجلاً قال: إني أخاف أن أكون قد هلكت، قال: وما ذاك؟ قال: إني سمعت الله يقول (ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون)، وأنا رجل شحيح لا يكاد يخرج مني شيء، فقال له ابن مسعود: ليس ذلك بالشح، ولكنه البخل،
стр. 10161
ولا خير في البخل، وإن الشح الذي ذكره الله في القرآن أن تأكل مال أخيك ظلماً.
وعن ابن عمر في الآية قال: ليس الشح أن يمنع الرجل ماله، ولكنه البخل وإنه لشر، إنما الشح أن تطمح عين الرجل إلى ما ليس له، وعن علي ابن أبي طالب قال: من أدى زكاة ماله فقد وقي شح نفسه.
" وعن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : ما محق الإسلام محق الشح شيء قط " أخرجه أبو يعلى وابن مردويه، وأخرج أحمد والبخاري في الأدب ومسلم والبيهقي:
" عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم، واستحلوا محارمهم " (١).
" وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : لا يجتمع الشح والإيمان في قلب عبد أبداً ". رواه النسائي، وفي الجامع الصغير:
" الشحيح لا يدخل الجنة " رواه الخطيب في كتاب البخلاء عن ابن عمر، وقد وردت أحاديث في ذم الشح كثيرة.
ثم لما فرغ سبحانه من الثناء على المهاجرين والأنصار، ذكر ما ينبغي أن يقوله من جاء بعدهم فقال:
стр. 10162
(والذين جاؤوا من بعدهم) وهم التابعون بإحسان إلى يوم القيامة، وقيل: هم الذين هاجروا بعد ما قوي الإسلام والظاهر شمول الآية لمن جاء بعد السابقين من الصحابة، المتأخر إسلامهم في عصر النبوة، ومن تبعهم من المسلمين بعد عصر النبوة إلى يوم القيامة، لأنه يصدق على الكل أنهم جاؤوا
стр. 10163
بعد المهاجرين الأولين والأنصار، عن سعد بن أبي وقاص قال: الناس على ثلاث منازل، قد مضت منزلتان وبقيت منزلة، فأحسن ما أنتم كائنون عليه أن تكونوا بهذه المنزلة التي بقيت، ثم قرأ: (والذين جاؤوا من بعدهم) الآية.
(يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ) المراد بالأُخوّة هنا أخوة الدين، أمرهم الله أن يستغفروا لأنفسهم، ولمن تقدمهم من المهاجرين والأنصار، قال في المصباح: الأخ لامه محذوفة، وهي واو، وترد في التثنية على الأشهر، فيقال: أخوان، وفي لغة يستعمل منقوصاً فيقال: أخان وجمعه إخوة وإخوان بكسر الهمزة فيهما، وضمها لغة، وقيل: جمعه بالواو والنون، وعلى آخاء وزن آباء أقل: والأنثى أخت، وجمعها أخوات، وهو جمع مؤنث سالم.
(وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا) أي غشاً وحقداً وبغضاً وحسداً (لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) أي كثير الرأفة والرحمة، بليغهما لمن يستحق ذلك من عبادك، أمر الله سبحانه بعد الاستغفار للمهاجرين والأنصار أن يطلبوا من الله سبحانه أن ينزع من قلوبهم الغل للذين آمنوا على الإطلاق، فيدخل في ذلك الصحابة دخولاً أولياً، لكونهم أشرف المؤمنين، ولكون السياق فيهم، فمن لم يستغفر للصحابة على العموم ويطلب رضوان الله لهم فقد خالف ما أمره الله به في هذه الآية، فإن وجد في قلبه غلاً لهم فقد أصابه نزغ الشيطان، وحل به نصيب وافر من عصيان الله بعداوة أوليائه، وخير أمة نبيه ﷺ ، وانفتح له باب من الخذلان يفد به على نار جهنم، إن لم يتدارك نفسه بالالتجاء أو باللجإِ (١) إلى الله سبحانه، والاستغاثة به بأن ينزع عن قلبه ما طوّقه من الغل لخير القرون، وأشرف هذه الأمة، فإن جاوز
стр. 10164
ما يجده من الغل إلى شتم أحد منهم فقد انقاد للشيطان بزمام، ووقع في غضب الله وسخطه.
وهذا الداء العضال إنما يصاب به من ابتلى بمعلم من الرافضة، أو صاحب من أعداء خير الأمة، الذين تلاعب بهم الشيطان، وزين لهم الأكاذيب المختلفة، والأقاصيص المفتراة، والخرافات الموضوعة، وصرفهم عن كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وعن سنة رسول الله ﷺ المنقولة إلينا بروايات الأئمة الأكابر في كل عصر من العصور، فاشتروا الضلالة بالهدى، واستبدلوا الخسران العظيم، بالربح الوافر، وما زال الشيطان الرجيم ينقلهم من منزلة إلى منزلة، ومن رتبة إلى رتبة، حتى صاروا أعداء كتاب الله وسنة رسوله، وخير أمته وصالحي عباده، وسائر المؤمنين، وأهملوا فرائض الله، وهجروا شعائر الدين، وسعوا في كيد الإِسلام وأهله كل السعي، ورموا الدين وأهله بكل حجر ومدر، والله من ورائهم محيط.
قالت عائشة رضي الله تعالى عنها في الآية: أمروا أن يستغفروا لأصحاب النبي ﷺ فسبوهم، ثم قرأت هذه الآية، وقيل لسعيد بن المسيب: ما تقول في عثمان وطلحة والزبير؟ قال: أقول ما قولنيه الله، وتلا هذه الآية، وأخرج ابن مردويه:
" عن ابن عمر أنه سمع رجلاً وهو يتناول بعض المهاجرين فقرأ عليه: (للفقراء والمهاجرين)، ثم قال: هؤلاء المهاجرون أفمنهم أنت؟ قال: لا ثم قرأ عليه (والذين تبوأوا الدار والإيمان من قبلهم) الآية ثم قال: هؤلاء الأنصار أفأنت منهم؟ قال: لا. ثم قرأ عليه: (والذين جاؤوا من بعدهم) الآية، ثم قال: أفمن هؤلاء أنت؟ قال: أرجو، قال: ليس من هؤلاء من سبب هؤلاء.
ولما فرغ سبحانه من ذكر الطبقات الثلاث من المؤمنين ذكر ما جرى بين المنافقين واليهود من المقاولة لتعجيب المؤمنين من حالهم فقال:
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا)؟ هم عبد الله بن أبيّ وأصحابه وقال ابن عباس: ورفاعة بن تابوت وعبد الله بن نبتل وأوس بن قيظي وإخوانهم بنو النضير، والخطاب لرسول الله صلى عليه وسلم أو لكل من يصلح له (يقولون لإخوانهم) اللام لام التبليغ (الذين كفروا من أهل الكتاب) مستأنفة لبيان المتعجب منه، والتعبير بالمضارع لاستحضار الصورة، أو للدلالة على الاستمرار، وجعلهم إخواناً لهم لكون الكفر قد جمعهم، وإن اختلف نوع كفرهم فهم إخوان في الكفر، وقيل: هو من قول بني النضير لبني قريظة، والأول أولى لأن بني النضير وبني قريظة هم يهود، والمنافقون غيرهم.
(لئن أخرجتم) اللام هي الموطئة للقسم، وتسمى المؤذنة أيضاًً، أي والله لئن أخرجتم من دياركم (لنخرجن معكم) من ديارنا في صحبتكم وهذا جواب القسم (ولا نطيع فيكم) أي في شأنكم ومن أجلكم (أحداً) ممن يريد أن يمنعنا من الخروج معكم وإن طال الزمان، وهو معنى قوله: (أبداً) وهو ظرف للنفي لا للمنفي، ثم لما وعدوهم بالخروج معهم
стр. 10167
وعدوهم بالنصرة لهم، فقالوا: (وإن قوتلتم) حذف منه اللام الموطئة، وهو قليل في كلام العرب، والكثير إثباتها (لننصرنكم) على عدوكم ثم كذبهم الله سبحانه فقال:
(والله يشهد إنهم لكاذبون) فيما وعدهم به من الخروج معهم، والنصر لهم، وفيه دليل على صحة النبوة، ولأنه إخبار بالغيب، ووقع كما أخبر وهذا مبني على تقدم نزول الآية على الواقعة، وعليه يدل النظم، فإن كلمة إن للاستقبال وإعجاز القرآن من حيث الإخبار عن الغيب، عن ابن عباس قال: إن رهطاً من بني عوف بن الحرث منهم عبد الله بن أبي ابن سلول، ووديعة بن مالك، وسويد، وداعس، بعثوا إلى بني النضير أن أثبتوا وتمنعوا فإننا لا نسلمكم، وإن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن أخرجتم خرجنا معكم، فتربصوا ذلك من نصرهم فلم يفعلوا، وقذف الله في قلوبهم الرعب، فسألوا رسول الله ﷺ أن يجليهم ويكف عن دمائهم على أن لهم ما حملت الإبل إلى الحلقة ففعل فكان الرجل منهم يهدم بيته فيضعه على ظهر بعيره فينطلق به فخرجوا إلى خيبر، ومنهم من سار إلى الشام.
ثم لما أجمل سبحانه كذبهم فيما وعدوا به، فصل ما كذبوا فيه فقال:
стр. 10168
(لئن أخرجوا لا يخرجون معهم) هذا تكذيب للمقالة الأولى وقوله: (ولئن قوتلوا لا ينصرونهم) تكذيب للمقالة الثالثة، وأما الثانية فلم يذكر لها تكذيب في التفصيل، وقد كان الأمر كذلك، فإن المنافقين لم يخرجوا مع من أخرج من اليهود، وهم بنو النضير، ومن معهم، ولم ينصروا من قوتل من اليهود وهم بنو قريظة وأهل خيبر (ولئن نصروهم) أي جاؤوا لنصرهم قاله المحلي أو لو قدر وجود نصرهم إياهم، لأن ما نفاه الله لا يجوز وجوده، قال الزجاج: معناه لو قصدوا نصر اليهود وهذا من تمام تكذيبهم في المقالة الثالثة (ليولن الأدبار) منهزمين.
(ثم لا ينصرون) يعني اليهود، ولا يصيرون منصورين إذا انهزم
стр. 10169
ناصرهم وهم المنافقون، وقيل: يعني لا يصير المنافقون منصورين بعد ذلك، بل يذلهم الله ولا ينفعهم نفاقهم، وقيل: معنى الآية لا ينصرونهم طائعين، ولئن نصروهم مكرهين ليولن الأدبار، وقيل: معنى لا ينصرونهم لا يدومون على نصرهم، والأولى أولى، ويكون من باب قوله: (ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه).
стр. 10170
(لأنتم أشد رهبة في صدورهم) أي لأنتم يا معاشر المسلمين أشد خوفاً وخشية في صدور المنافقين أو صدور اليهود، أو صدور الجميع (من الله) أي من رهبة الله، والرهبة هنا بمعنى المرهوبية، لأنها مصدر من المبني للمفعول وفيه دلالة على نفاقهم، يعني أنهم يظهرون لكم في العلانية خوف الله، وأنتم أهيب في صدورهم منه (ذلك بأنهم قوم لا يفقهون) أي ما ذكر من الرهبة الموصوفة بسبب عدم فقههم بشيء من الأشياء، ولو كان لهم فقه لعلموا أن الله سبحانه هو الذي سلطكم عليهم، فهو أحق بالرهبة منه دونكم، ثم أخبر سبحانه بمزيد فشلهم وضعف نكايتهم فقال:
стр. 10171
(لا يقاتلونكم جميعاً) يعني لا يبرز اليهود والمنافقون مجتمعين لقتالكم، ولا يقدرون على ذلك (إلا في قرى محصنة) بالدروب والدور والخنادق (أو من وراء جدر) أي من خلف الحيطان التي يستترون بها لجبنهم ورهبتهم قرأ الجمهور جدر بالجمع، وقرىء جدار بالإفراد، واختار الأولى أبو عبيد وأبو حاتم، لأنها موافقة لقوله: (قرى محصنة)، وهما سبعيتان وقرىء جدر بفتح الجيم وإسكان الدال، وهي لغة في الجدار.
(بأسهم بينهم شديد) أي بعضهم فظ غليظ على بعض، وقلوبهم مختلفة، ونياتهم متباينة، قال السدي: المراد اختلاف قلوبهم حتى لا يتفقوا على أمر واحد، وقال مجاهد: (بأسهم بينهم شديد) بالكلام والوعيد، لنفعلن كذا، والمعنى أنهم إذا انفردوا نسبوا أنفسهم إلى الشدة والبأس، وإذا لاقوا عدواً ذلوا وخضعوا وانهزموا، وقيل: المعنى أن بأسهم بالنسبة إلى أقرانهم شديد، وإنما ضعفهم بالنسبة إليكم لما قذف الله في قلوبهم من
стр. 10172
الرعب، والأول أولى لقوله: (تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى) فإنه يدل على أن اجتماعهم إنما هو في الظاهر مع تخالف قلوبهم في الباطن، وهذا التخالف هو البأس الذي بينهم، الموصوف بالشدة، والجملة حالية أو مستأنفة للإخبار بذلك.
والعامة على أن شتى بلا تنوين لأنها ألف تأنيث، ومعنى شتى متفرقة، قال مجاهد: يعني اليهود والمنافقين، تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى، أي لافتراق عقائدهم، واختلاف مقاصدهم، وروي عنه أيضاًً أنه قال: المراد المنافقون، وقال الثوري: هم المشركون وأهل الكتاب، قال قتادة: (تحسبهم جميعاً) أي مجتمعين على أمر، ورأي، وقلوبهم متفرقة، فأهل الباطل مختلفة آراؤهم، مختلفة شهادتهم، مختلفة أهواؤهم، وهم يجتمعون في عداوة أهل الحق، وقرأ ابن مسعود وقلوبهم أشت أي: أشد اختلافاً، قال ابن عباس في الآية: هم المشركون، وهذا تجسير للمؤمنين، وتشجيع لقلوبهم على قتالهم.
(ذلك بأنهم) أي ذلك الاختلاف والتشتت بسب أنهم (قوم لا يعقلون) شيئاًً مما فيه صلاحهم، فإن تشتيت القلوب يوهن قواهم، ولو عقلوا لعرفوا الحق واتبعوه
стр. 10173
(كمثل) أي أن مثل المنافقين واليهود أي بني النضير كمثل (الذين من قبلهم) من كفار المشركين وأهل مكة (قريباً) يعني في زمان قريب وقيل: يشبهونهم في زمن قريب، وقيل العامل فيه: (ذاقوا) أي ذاقوا في زمن قريب، أي بين وقعة بدر ووقعة بني النضير نحو سنة ونصف، لأنها كانت في ربيع الأول من الرابعة، وبدر كانت في رمضان من الثانية.
(وبال أمرهم) أي سوء عاقبة كفرهم في الدنيا، بقتلهم يوم بدر. وكان ذلك قبل غزوة بني النضير بستة أشهر، قاله مجاهد وغيره، وقيل: المراد بنو النضير حيث أمكن الله منهم، قاله قتادة: وقيل: قتل بني قريظة، قاله الضحاك، وقيل: هو عام في كل من انتقم الله منه بسبب كفره، والأول أولى (ولهم) مع ذلك (عذاب أليم) في الآخرة، ثم ضرب لليهود والمنافقين مثلاً آخر فقال:
(كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ) وقيل: المثل الأول خاص باليهود، والثاني بالمنافقين أي مثل المنافقين في إغراء اليهود على القتال، أو تخاذلهم وعدم تناصرهم، كمثل الشيطان، والمراد به حقيقته لا شيطان الإنس، وقيل: الثاني بيان للأول، ثم بين سبحانه وجه الشبه فقال: (إذ قال للإنسان اكفر) أي أغراه بالكفر: وزينه له وحمله عليه، والمراد بالإنسان هنا جنس من أطاع الشيطان من نوع الإنسان، كما قال مجاهد: المراد بالإنسان هنا جميع الناس في غرور الشيطان إياهم، وقيل: هو أبو جهل، وقيل: هو عابد كان في بني إسرائيل حمله الشيطان على الكفر فأطاعه وهو برصيصاً والأول أولى.
" عن علي بن أبي طالب أن رجلاً كان يتعبد في صومعة، وأن امرأة كان لها إخوة فعرض لها شيء فأتوه بها، فزينت له نفسه فوقع عليها، فحملت، فجاءه الشيطان فقال: اقتلها فإنهم إن ظهروا عليك افتضحت، فقتلها ودفنها، فجاؤوه فأخذوه فذهبوا به، فبينما هم يمشون إذ جاءه الشيطان فقال: إني أنا الذي زينت لك فاسجد لي سجدة أنجيك فسجد له، فذلك قوله: (كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر) الآية أخرجه أحمد في الزهد، والبخاري في تاريخه، والحاكم وصححه، والبيهقي وغيرهم، قلت: وهذا لا يدل على أن هذا الإنسان هو المقصود بالآية، بل يدل على أنه من جملة من
стр. 10176
تصدق عليه، وقد أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس بأطول من هذا، وليس فيه ما يدل على أنه المقصود بالآية، وأخرجه بنحوه ابن جرير عن ابن مسعود، وعنه قال: ضرب الله مثل الكفار والمنافقين الذين كانوا على عهد النبي ﷺ (كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر).
(فلما كفر) أي الإنسان مطاوعة للشيطان وقبولاً لتزيينه (قال) الشيطان (إني بريء منك) إن أريد بالإنسان الجنس فهذا التبرؤ من الشيطان يكون يوم القيامة، يتبرأ منه مخافة أن يشاركه في العذاب كما ينبىء عنه قوله: (إني أخاف الله رب العالمين) وإن أريد به أبو جهل فقوله: اكفر عبارة عن قول إبليس يوم بدر: (لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم) وتبرؤه قوله: يومئذ (إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ) الآية وهذا تعليل لبراءته من الإنسان بعد كفره، قيل: وليس قول الشيطان: إني أخاف الله على حقيقته، إنما هو على وجه التبرؤ من الإنسان كذباً ورياءً، وإلا فهو لا يخاف الله، فهو تأكيد لقوله: (إني بريء منك) قرىء إني بإسكان الياء وبفتحها.
стр. 10177
(فكان عاقبتهما أنهما في النار) أي فكان عاقبة الشيطان وذلك الإنسان الذي كفر أنهما صائران إلى النار (خالدين فيها) وقرىء خالدان على أنه خبر أن (وذلك) أي الخلود في النار (جزاء الظالمين) ويدخل هؤلاء فيهم دخولاً أولياً، ثم رجع سبحانه إلى خطاب المؤمنين بالموعظة الحسنة لأن الموعظة بعد المصيبة أوقع في النفس، لرقة القلوب والحذر مما يوجب العقاب، فقال:
стр. 10178
(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله) أي اتقوا عقابه بفعل ما أمركم به، وترك ما نهاكم عنه (ولتنظر نفس ما قدمت لغد) أي لتنظر أي شيء قدمت من الأعمال ليوم القيامة، والعرب تكني عن الزمان المستقبل بالغد، وهو في الأصل عبارة عن يوم بينك وبينه ليلة، وإنما أطلق اسم الغد على يوم القيامة تقريباً له، كقوله تعالى: (وما أمر الساعة إلا كلمح البصر) فكأنه لقربه
стр. 10179
شبه بما ليس بينك وبينه إلا ليلة واحدة، أو لأن الدنيا أي زمانها كيوم والآخرة كغده، لاختصاص كل منهما بأحكام وأحوال متشابهة، وتعقيب الثاني للأول، فلفظ الغد حينئذ استعارة، وفائدة تنكير النفس بيان، إن الأنفس الناظرة في معادها قليلة جداً، كأنه قيل: ولتنظر نفس واحدة في ذلك، وأين تلك النفس؟ وفائدة تنكير الغد تعظيمه، وإبهام أمره، كأنه قيل: لغد لا تعرف النفس كنه عظمته، وهو له. فالتنكير فيه للتعظيم، وفي النفس للتقليل أو للتعريض بغفلة كلهم عن هذا النظر الواجب أفاده الكرخي.
(واتقوا الله) كرر الأمر بالتقوى للتأكيد أو الأول في أداء الواجبات لأنه مقرون بالعمل، فإن ما قدمت لغد عبارة عن أعمال الخير، والثاني في ترك المحارم، لاقترانه بقوله: (إن الله خبير بما تعملون) ورجح هذا الوجه بفضل التأسيس على التأكيد، وأنت خبير بأن التقوى تشمل كليهما فإنها على ما مر في أول البقرة هي التجنب عن كل ما يؤثم من فعل أو ترك، ولا وجه للتوزيع، بل المقام مقام الاهتمام بأمر التقوى، فالتأكيد أولى وأقوى، ذكره الكرخي، والمعنى لا تخفى عليه من ذلك خافية، فهو مجازيكم بأعمالكم إن خيراً فخير وإن شراً فشر.
стр. 10180
(ولا تكونوا كالذين نسوا الله) أي تركوا أمره وطاعته، أو ما قدروه حق قدره أو لم يخافوه أو جميع ذلك (فأنساهم أنفسهم) أي جعلهم ناسين لها بسبب نسيانهم له، فلم يشتغلوا بالأعمال التي تنجيهم من عذاب الله ولم يكفوا عن المعاصي التي توقعهم فيه، ففي الكلام مضاف محذوف، أي أنساهم حظوظ أنفسهم أو تقديم خير لأنفسهم قال سفيان: نسوا حق الله فأنساهم حق أنفسهم وقيل: نسوا الله في الرخاء فأنساهم في الشدائد وقيل نسوا الله بترك شكره وتعظيمه فأنساهم أنفسهم أن يذكر بعضهم بعضاً حكاه ابن عيسى وقال سهل ابن عبد الله: نسوا الله عند الذنوب فأنساهم أنفسهم
стр. 10181
عند التوبة ونسب الله تعالى الفعل إلى نفسه في أنساهم إيذاناً بأن ذلك بسبب أمره ونهيه كقوله: أحمدت الرجل إذا وجدته محموداً وأصل نسوا نسيوا يقال نسي ينسى كرضي يرضى (أولئك هم الفاسقون) أي الكاملون في الخروج عن طاعة الله.
стр. 10182
(لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة) في الفضل والرتبة والمراد الفريقان على العموم فيدخل في فريق أهل النار من نسي الله منهم دخولاً أولياً ويدخل في فريق أهل الجنة الذين اتقوا دخولاً أولياً لأن السياق فيهم، وقد تقدم الكلام في معنى مثل هذه الآية في سورة المائدة وفي سورة السجدة وفي سورة ص وفيه مزيد الترغيب فيما يزلفهم إلى الله ويدخلهم دار كرامته ويجعلهم من أصحابها ومن ثم دق ولطف استدلال الشافعية بهذه الآية على أن المسلم لا يقتل بالكافر، وأن الكافر لا يملك مال المسلم بالاستيلاء، وحسن كلام القاضي حيث قال: لا يستوي الذين استكملوا نفوسهم فاستأهلوا الجنة، والذين استمهنوا نفوسهم أي استعملوها في المهنة والشهوات، فاستحقوا النار، قاله الكرخي.
ثم أخبر عن أصحاب الجنة، بعد نفي التساوي بينهم وبين أهل النار، فقال:
(أصحاب الجنة هم الفائزون) أي الظافرون بكل مطلوب، الناجون من كل مكروه، وفي الآية تنبيه للناس وإيذان بأنهم لفرط غفلتهم، وقلة فكرهم في العاقبة، وتهالكهم على إيثار العاجلة، واتباع الشهوات، كأنهم لا يعرفون الفرق بين الجنة والنار والبون العظيم بين أصحابهما، وأن الفوز العظيم مع أصحاب الجنة، والعذاب الأليم مع أصحاب النار فمن حقهم أن يعلموا ذلك وينبهوا عليه، ولما فرغ سبحانه من ذكر أهل الجنة وأهل النار، وبين عدم التساوي بينهم في شيء من الأشياء، ذكر تعظيم كتابه الكريم وأخبر عن جلالته، وأنه حقيق بأن تخشع له القلوب، وترق له الأفئدة فقال:
(لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ) أي من شأنه وعظمته، وجودة ألفاظه، وقوة مبانيه وبلاغته، واشتماله على المواعظ التي تلين لها القلوب، أنه لو أنزل على جبل من الجبال الكائنة في الأرض، وجعل فيه تمييز كالإنسان على قساوته، ثم أنزلنا عليه القرآن (لرأيته) مع كونه في غاية القسوة وشدة الصلابة، وضخامة الجرم (خاشعاً متصدعاً) أي متشققاً.
(من خشية الله) سبحانه حذراً من عقابه، وخوفاً من أن يؤدي ما يجب عليه من تعظيم كلام الله، وهذا تمثيل وتخييل، يقتضي علو شأن القرآن، وقوة تأثيره في القلوب، قال ابن عباس في الآية: يقول: لو أني أنزلت هذا القرآن على جبل وحملته إياه لتصدع وخشع من ثقله، ومن خشية الله، فأمر الناس إذا نزل عليهم القرآن أن يأخذوه بالخشية الشديد، والتخشع والخاشع الذليل المتواضع.
" وعن علي وابن مسعود مرفوعاً في الآية قال: هي رقية الصداع " ورواه الديلمي بإسنادين لا ندري كيف رجالهما، وأخرج الخطيب في تاريخه بإسناده إلى إدريس بن عبد الكريم الحداد مسلسلاً إلى ابن مسعود مرفوعاً، قاله الذهبي: هو باطل، قيل: الخطاب للنبي ﷺ أي لو أنزلنا هذا القرآن يا محمد على جبل لما ثبت، ولتصدع من نزوله عليه وقد
стр. 10185
أنزلناه عليك وثبتناك له وقويناك عليه، فيكون على هذا من باب الامتنان على النبي ﷺ ، لأن الله سبحانه ثبته لما لا تثبت له الجبال الرواسي، وقيل الخطاب للأمة.
(وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون) فيما يجب عليهم التفكر فيه ليتعظوا بالمواعظ، وينزجروا بالزواجر، وفيه توبيخ وتقريع للكفار حيث لم يخشعوا للقرآن، ولا اتعظوا بمواعظه، ولا انزجروا بزواجره، ثم أخبر سبحانه بربوبيته وعظمته فقال:
стр. 10186
(هو) أي الذي وجوده من ذاته فلا عدم له بوجه من الوجوه، فلا شيء يستحق الوصف بِهُوَ غيره، لأنه الموجود دائماً أزلاً وأبداً، فهو حاضر في كل ضمير، غائب بعظمته عن كل حس، فلذلك تصدع الجبل من خشيته، ولما عبر عنه بأخص أسمائه أخبر عنه لطفاً بنا، وتنزيلاً لنا بأشهرها الذي هو مسمي الأسماء كلها بقوله: (الله) أي المعبود الذي لا تنبغي العبادة والألوهية إلا له (الذي لا إله إلا هو) فإنه لا مجانس له ولا يليق ولا يصح ولا يتصور أن يكافئه أو يدانيه شيء.
(عالم الغيب والشهادة) أي عالم ما غاب عن الإحساس وما حضر، وقيل: عالم السر والعلانية وقيل: ما كان وما يكون، وقيل: الآخرة والدنيا، وقيل: المعدوم والموجود، وقدم الغيب على الشهادة لكونه متقدماً وجوداً (هو الرحمن الرحيم) قد تقدم تفسير هذين الاسمين.
стр. 10187
(هو الله الذي لا إله إلا هو) كرره للتأكيد والتقرير لكون التوحيد حقيقاً بذلك (الملك) الذي لا يزول ملكه المتصرف بالأمر والنهي في جميع خلقه، المالك لهم فهم تحت ملكه وقهره وإرادته (القدوس) أي الطاهر من كل عيب المنزه عن كل نقص، وقيل: هو الذي كثرت بركته، والقدس بالتحريك في لغة أهل الحجاز السطل لأنه يتطهر به، ومنه القادوس لواحد الأواني التي يستخرج بها الماء، قرأ الجمهور القدوس بضم القاف، وقرىء
стр. 10188
بفتحها، وكان سيبويه يقول: سبوح قدوس بفتح أولهما، وحكى أبو حاتم عن يعقوب أنه سمع عند الكسائي أعرابياً فصيحاً يقرأ القدوس بفتح القاف قال ثعلب: كل اسم على فعول فهو مفتوح الأول إلا السبوح والقدوس، فإن الضم فيهما أكثر وقد يفتحان.
(السلام) قال ابن العربي: اتفق العلماء على أن معنى قولنا في الله السلام النسبة، تقديره: ذو السلامة، ثم اختلفوا في ترجمة النسبة على ثلاثة أقوال:
الأول: معناه الذي سلم من كل عيب وبرىء من كل نقص.
الثاني: معناه ذو السلام أي المسلم على عباده في الجنة، كما قال: (سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ).
الثالث: أن معناه الذي سلم الخلق من ظلمه، وهذا قول الخطابي، وبه قال الأكثر وعليه والذي قبله يكون صفة فعل وعلى أنه البريء من العيوب والنقائص يكون صفة ذات وقيل: السلام معناه السلم لعباده وهو مصدر وصف به للمبالغة.
(المؤمن) أي الذي وهب لعباده الأمن من عذابه وقيل: المصدق لرسوله بإظهار المعجزات وقيل: المصدق للمؤمنين بما وعدهم به من الثواب والمصدق للكافرين بما أوعدهم به من العذاب وقيل: المؤمن الذي يأمن أولياؤه من عذابه ويأمن عباده من ظلمه يقال آمنه من الأمان الذي هو ضد الخوف كما قال تعالى: (وآمنهم من خوف) فهو مؤمن وقال مجاهد: المؤمن الذي وجد نفسه بقوله: (شهد الله أنه لا إله إلا هو) قرأ الجمهور المؤمن بكسر الميم اسم فاعل من آمن بمعنى أمن، وقرىء بفتحها بمعنى المؤمن به على الحذف كقوله: (واختار موسى قومه)، وقال أبو حاتم: لا تجوز هذه القراءة لأن معناه أنه كان خائفاً فأمنه غيره.
(المهيمن) من هيمن يهيمن إذا كان رقيباً على الشيء، أي الشهيد
стр. 10189
على عباده بأعمالهم الرقيب عليهم، كذا قال مجاهد وقتادة ومقاتل، قال الواحدي: وذهب كثير من المفسرين إلى أن أصله مؤيمن من آمن يؤمن فيكون بمعنى المؤمن، والأول أولى، وقيل: القائم على خلقه برزقه، وقيل: هو الرقيب الحافظ، وقيل: هو المصدق، وقيل: هو القاضي، وقيل: هو الأمين والمؤيمن، وقيل: هو العلي، وقيل: اسم من أسماء الله وهو أعلم بتأويله، وقد قدمنا الكلام على المهيمن في سورة المائدة.
(العزيز) الذي لا يوجد له نظير، وقيل: القاهر. وقيل: الغالب غير الغلوب، وقيل: القوي.
(الجبار) جبروت الله عظمته، فعلى هذا هو صفة ذات، والعرب تسمي الملك الجبار، ويجوز أن يكون من جبر إذا أغنى الفقير، وأصلح الكسير، وعلى هذا هو صفة فعل أو من جبره على كذا إذا أكرهه على ما أراد، فهو الذي جبر خلقه على ما أراد منهم، وبه قال السدي ومقاتل واختاره الزجاج والفراء قال: هو من أجبره على الأمر أي قهره، قال: ولم أسمع فعالاً من أفعل إلا في جبار من أجبر، ودراك من أدرك، قلت: وإنه يستعمل ثلاثياً أيضاًً، وقيل: الجبار الذي لا تطاق سطوته، وقيل: هو القهار الذي إذا أراد أمراً فعله لا يحجزه عنه حاجز، وقيل: الجبار هو الذي لا ينال ولا يدانى، والجبر في صفة الله مدح، وفي صفة الناس ذم.
(المتكبر) أي الذي تكبر عن كل نقص، وتعظم عما لا يليق به وأصل التكبر الامتناع وعدم الانقياد والكبر في صفات الله مدح لأن له جميع صفات العلو والعظمة والعز والكبرياء فإن أظهر ذلك كان ذلك ضم كمال إلى كمال وفي صفات العلو والعظمة والعز والكبرياء فإن أظهر ذلك كان ذلك ضم كمال إلى كمال وصفات المخلوقين ذم لأن المتكبر هو الذي يظهر من نفسه الكبر وذلك نقص في حقه لأنه ليس له كبر ولا علو بل له الحقارة والذلة فإذا أظهر الكذب كان كاذباً في فعله فكان مذموماً في حق الناس قال قتادة: هو الذي تكبر عن كل سوء قال ابن الأنباري: المتكبر ذو الكبرياء وهو الملك.
стр. 10190
وقيل: هو الذي تكبر بربوبيته فلا شيء مثله وقيل هو المتعظم عما لا يليق بجلاله وجماله وقيل: هو المتكبر عن ظلم عباده.
ثم نزه سبحانه نفسه الكريمة عن شرك المشركين فقال (سبحانه الله عما يشركون) أي عما يشركونه أو عن إشراكهم به.