Полный текст (12 043 стр.). Показаны 10221–10260 · переход к 10226.
стр. 10221
(يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك) أي قاصدات لمبايعتك على
стр. 10222
الإسلام، أخرج البخاري والترمذي وغيرهما.
" عن عائشة أن رسول الله ﷺ كان يمتحن من هاجر إليه من المؤمنات بهذه الآية إلى قوله: (غفور رحيم)، فمن أقر بهذا الشرط من المؤمنات، قال لها رسول الله ﷺ : قد بايعتك -كلاماً- والله ما مست يده يد امرأة قط من المبايعات، ما بايعهن إلا بقوله قد بايعتك على ذلك "، وظاهر هذا التركيب أن النساء طلبن المبايعة مع أن المقرر في السير أنه ﷺ ابتدأهن بالمبايعة شارطاً عليهن الشروط الآتية، وبعد أن بايعهن التزمنها، ويمكن على بعد أن يقال: التقدير في الآية: إذا جاءك المؤمنات يبايعنك فبايعهن.
(على أن لا يشركن بالله شيئاً) من الأشياء كائناً ما كان، وهذا كان يوم فتح مكة، فإن نساء أهل مكة أتين رسول الله ﷺ يبايعنه فأمره الله تعالى أن يأخذ عليهن أن لا يشركن به (ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن) هو ما كانت تفعله الجاهلية من وأد البنات أي دفنهن أحياء لخوف العار والفقر.
(ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن) أي لا يلحقن بأزواجهن ولداً ليس منهم، قال الفراء كانت المرأة تلتقط المولود فتقول لزوجها. هذا ولدي منك، فذلك البهتان المفتري بين أيديهن وأرجلهن، وذلك أن الولد إذا وضعته الأم سقط بين يديها ورجليها، وليس المراد هنا أنها تنسب ولدها من الزنا إلى زوجها، لأن ذلك قد دخل تحت النهي عن الزنا، قال ابن عباس: كانت الحرة تولد لها الجارية فتجعل مكانها غلاماً وعنه قال في الآية لا يلحقن بأزواجهن غير أولادهم.
ْ (ولا يعصينك في معروف) أي في كل أمر هو طاعة لله، وإحسان إلى الناس، وكل ما أمر به الشرع ونهى عنه، والمعروف ما عرف حسنه من قبل الشرع، قال عطاء: في كل بر وتقوى، قال ابن عباس: إنما هو شرط
стр. 10223
شرطه الله النساء، وقال المقاتلان: عنى بالمعروف النهي على النوح، وتمزيق الثياب، وجز الشعر، وشق الجيوب، وخمش الوجوه، والدعاء بالويل، وكذا قال قتادة وسعيد بن المسيب ومحمد بن السائب وزيد بن أسلم، ومعنى القرآن أوسع مما قالوه مع دخول النوح فيه، قيل: ووجه التقييد بالمعروف مع كونه ﷺ لا يأمر إلا به التنبيه على أنه لا يجوز طاعة مخلوق في معصية الخالق.
أخرج أحمد والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجة.
" عن أميمة بنت رقيقة قالت: أتيت النبي ﷺ في نساء لنبايعه، فأخذ علينا ما في القرآن أن لا نشرك بالله شيئاًً، حتى بلغ (ولا يعصينك في معروف)، فقال فيما استطعتن وأطقتن، فقلنا: الله ورسوله أرحم بنا من أنفسنا يا رسول الله، ألا تصافحنا؟ قال: إني لا أصافح النساء إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة "، وفي الباب أحاديث، وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما:
" عن عبادة بن الصامت قال: كنا عند النبي ﷺ فقال: بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئاًً ولا تسرقوا ولا تزنوا وقرأ آية النساء، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئاًً فعوقب في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئاًً فستره الله فهو إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له ".
وأخرج أحمد والترمذي وحسنه وابن ماجة وغيرهم:
" عن أم سلمة الأنصارية قالت: قالت امرأة من النسوة: ما هذا المعروف الذي لا ينبغي لنا أن نعصيك فيه؟ قال: لا تنحن، قلت: يا رسول الله إن بني فلان أسعدوني على عمي لا بد لي من قضائهن، فأبى عليّ، فعاودته مراراً فأذن لي بقضائهن، فلم أنح بعد، ولم يبق من النسوة امرأة إلا وقد ناحت غيري ".
стр. 10224
وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما:
" عن أم عطية قالت: بايعنا رسول الله ﷺ فقرأ علينا أن لا نشرك بالله شيئاًً ونهانا عن النياحة، فقبضت امرأة منا يدها فقالت: يا رسول الله إن فلانة أسعدتني وأنا أريد أن أجزيها، فلم يقل لها شيئاًً. فذهبت ثم رجعت، فقالت: ما وفت منا امرأة إلا أم سليم وأم العلاء وبنت أبي سبرة امرأة معاذ أو بنت أبي سبرة وامرأة معاذ "، وقد وردت أحاديث كثيرة في النهي عن النوح.
(فبايعهن) هذا جواب إذا، والمعنى إذا بايعنك على هذه الأمور فبايعهن أي التزم لهن ما وعدناهن على ذلك من إعطاء الثواب في مقابلة ما ألزمن أنفسهن به من الطاعات، فهو بيع لغوي، والبيع في اللغة مقابلة شيء بشيء على وجه العوضية، وسميت المعاهدة مبايعة تشبيهاً لها بها، كأن كل واحد منهم باع ما عنده بما عند الآخر، ذكر الله ورسوله ﷺ في صفة البيعة خصالاً ستاً صرح فيهن بأركان النهي في الدين، ولم يذكر في بيعتهن أركان الأمر وهي ستة أيضاًً: الشهادتان والصلاة، والزكاة، والصيام: والحج، والاغتسال من الجنابة لوضوح كون هذه الأمور ونحوها من أركان الدين وشعائر الإسلام ولأن النهي دائم في كل الأزمان وكل الأحوال، فكان الاشتراط للتنبيه على الدائم آكد.
وقيل: إنما خص الأمور المذكورة لكثرة وقوعها من النساء، ولا يحجزهن عنها شرف النسب، قال ابن الجوزي: وجملة من أحصى من المبايعات إذ ذاك أربعمائة وسبعة وخمسون امرأة، ولم يصافح في البيعة امرأة وإنما بايعهن بالكلام بهذه الآية انتهى.
" وعن أسماء بنت يزيد بن السكن أنها قالت: كنت في النسوة المبايعات فقلت: يا رسول الله أبسط يدك نبايعك، فقال: إني لا أصافح النساء،
стр. 10225
ولكن آخذ عليهن ما أخذ الله عليهن "، رواه البخاري وقيل: صافحهن بحائل أي ثوب.
وروي أن النبي ﷺ كان إذا بايع النساء دعا بقدح من ماء، ثم غمس يده فيه فغمسن أيديهن فيه، والأول أولى وأصح، وهذا هو البيعة الثانية بالسنة في دين الإسلام، والتي أحللها الصوفية والمشايخ وجهلة المتصوفة، فلا تثبت بدليل شرعي، ولا اعتداد بها، بل هي مصادمة لما ثبت بالكتاب والسنة كما ترى.
(واستغفر لهن الله) أي اطلب من الله المغفرة لهن بعد هذه المبايعة لهن منك مما سلف، ومما يقع منهن (إن الله غفور رحيم) أي بليغ المغفرة بتمحيق ما سلف، وكثير الرحمة لعباده بتوفيق ما ائتنف.
стр. 10226
(يا أيها الذين آمنوا) لما افتتح السورة بالنهي عن اتخاذ الكفار أولياء، ختمها بمثل ذلك تأكيداً لعدم موالاتهم، وتنفيراً للمسلمين عنها، قاله أبو حيان وهذا على منوال رد العجز على الصدر من حيث المعنى (لا تتولوا قوماً غضب الله عليهم) هم جميع طوائف الكفر، وقيل: اليهود خاصة وقيل: المنافقون خاصة، وقال الحسن: اليهود والنصارى، والأول أولى، لأن جميع طوائف الكفر تتصف بأن الله سبحانه غضب عليها، قال ابن عباس في الآية: كان عبد الله بن عمر وزيد بن الحرث يوادان رجلاً من اليهود فأنزل الله هذه الآية.
(قد يئسوا من الآخرة) يرد على هذا أنهم طامعون في ثواب الآخرة، لأنهم يعتقدون أنهم على حق وأن تمسكهم بشريعة موسى ينفعهم فلا يكونوا آيسين، ويمكن أن يقال: المراد باليأس الحرمان أي قد حرموا من ثواب الآخرة و (من) لابتداء الغاية أي أنهم لا يوقنون بالآخرة البتة بسبب كفرهم، قال ابن مسعود: أي لا يؤمنون بها ولا يرجونها (كما يئس الكفار من أصحاب القبور) أي كيأسهم من بعث موتاهم، لاعتقادهم عدم البعث.
стр. 10227
وقيل: كما يئس الكفار الذين قد ماتوا منهم من خير الآخرة لأنهم قد وقفوا على الحقيقة، وعلموا أنه لا نصيب لهم في الآخرة، فيكون (من) على الوجه الأول ابتدائية، وعلى الثاني بيانية، والأول أولى، وقيل: تبعيضية أي حال كونهم بعض أصحاب القبور، إذ المقبورون فيهم المؤمن والكافر، قال ابن مسعود: كما يئس الكافر إذا مات وعاين ثوابه، واطلع عليه، وقال ابن عباس: هم الكفار أصحاب القبور الذين يئسوا من الآخرة، وعنه قال: من مات من الذين كفروا فقد يئس الأحياء من الذين كفروا أن يرجعوا إليهم أو يبعثهم الله تعالى.
стр. 10228
سورة الصف
(هي أربع عشرة آية وهي مدنية)
وهو المختار، ونسب إلى الجمهور، قال ابن عباس: نزلت بالمدينة، وعن ابن الزبير مثله، وعن ابن عباس أيضاً نزلت بمكة، ولعل هذا لا يصح عنه، وبه قال عكرمة والحسن وقتادة، وجزم به الزمخشري ويؤيد كونها مدنية ما أخرجه أحمد.
" عن عبد الله بن سلام قال: تذاكرنا أيكم يأتي رسول الله ﷺ فيسأله: أي الأعمال أحب إلى الله؟ فلم يقم أحد منا فأرسل رسول الله ﷺ إلينا رجلاً، فجمعنا وقرأ علينا هذه السورة يعني سورة الصف كلها " وأخرجه (١) ابن أبي حاتم، وقال في آخره فنزلت فيهم هذه السورة، وأخرجه أيضاً الترمذي وابن حبان والحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين، والبيهقي في الشعب والسنن. стр. 10229
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣) إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (٤) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٥) وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (٦)
стр. 10230
(سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) قد تقدم الكلام على هذا، ووجه التعبير في بعض السور بلفظ الماضي كهذه السورة، وفي بعضها بالمضارع، وفي بعضها بلفظ الأمر، الإرشاد إلى مشروعية التسبيح في كل الأوقات ماضيها ومستقبلها وحالها، وقد قدمنا نحو هذا في أول سورة الحديد، وأعاد الموصول هنا وفي الحشر والجمعة والتغابن جرياً على الأصل، وأسقطه في الحديد موافقة لقوله فيها: له ملك السموات والأرض.
وقوله: هو الذي خلق السموات والأرض، ولم يقل: سبح لله السموات والأرض وما فيهما، فيكون أكثر مبالغة لأن المراد بالسماء جهة العلو فيشمل السماء وما فيها، وبالأرض جهة السفل فيشمل الأرض وما فيها (وهو العزيز) أي الغالب الذي لا يغالب (الحكيم) في أفعاله وأقواله.
стр. 10231
(يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون)؟ هذا الاستفهام للتقريع والتوبيخ على جهة الإنكار، أي لم تقولون من الخير ما لا تفعلونه؟ ولم مركبة من اللام الجارة وما الاستفهامية. وحذفت ألفها تخفيفاً لكثرة استعمالها، كما
стр. 10232
في نظائرها قال النسفي: وهي لام الإضافة داخلة على ما الاستفهامية، كما دخل عليها غيرها من حروف الجر في قولك فيم وفيم ومم وعم وإلام وعلام، وإنما حذفت الألف لأن ما وحرف الجر كشيء واحد، ووقع استعمالهما كثيراً في كلام المستفهم محذوفة الألف، وقد جاء استعمال الأصل قليلاً كقول الشاعر:
على ما قام يشتمني جرير
عن ابن عباس قال: كان ناس من المؤمنين قبل أن يفرض الجهاد يقولون وددنا لو أن الله أخبرنا بأحب الأعمال فنعمل به فأخبر الله نبيه ﷺ ، بأن أحب الأعمال إيمان بالله لا شك فيه، وجهاد أهل معصية الذين خالفوا الإيمان. ولم يقروا به، فلما نزل الجهاد كره ذلك أناس من المؤمنين، وشق عليهم أمره، فقال الله (لم تقولون ما لا تفعلون)؟ قال النخعي: ثلاث آيات في كتاب الله منعتني أن أقضي على الناس، (أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم) (وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه)، وهذه الآية، ثم ذمهم سبحانه على ذلك فقال:
стр. 10233
(كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون) أي عظم ذلك في المقت، وهو أشد البغض، والمقت، والمقاية مصدران يقال: مقيت ومقوت إذا لم يحبه الناس، قال الكسائي: أن تقولوا في موضع رفع لأن كبر فعل بمعنى بئس، ومقتاً منتصب على التمييز، وعلى هذا فيكون في كبر ضمير مبهم مفسر بالنكرة. وأن تقولوا هو المخصوص بالذم، وقيل: إنه قصد بقوله كبر التعجب، وقد عده ابن عصفور من أفعال التعجب المبوب لها في النحو وإليه نحا الزمخشري. وقال: هذا من أفصح الكلام وأبلغه، ومعنى التعجب تعظيم الأمر في قلوب السامعين، لأن التعجب لا يكون إلا من شيء خارج عن نظائره وأشكاله، قال السمين: وهذه قاعدة مطردة، وهي أن كل فعل يجوز التعجب منه، يجوز أن يبنى على فعل بضم العين ويجري مجرى نعم وبئس في جميع الأحكام. وقيل: إنه ليس من أفعال الذم ولا من أفعال
стр. 10234
التعجب، بل هو مسند إلى (أن تقولوا)، ومقتاً تمييز محول عن الفاعل.
قال ابن عباس: هذه الآية في القتال وحده، وهم قوم كانوا يأتون النبي ﷺ ، فيقول الرجل: قاتلت وضربت بسيفي ولم يفعل فنزلت:
стр. 10235
(إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً) قال المفسرون: إن المؤمنين قالوا: وددنا أن الله يخبرنا بأحب الأعمال إليه، حتى نعمله، ولو ذهبت فيه أموالنا وأنفسنا، فأنزل الله هذه الآية، وانتصاب صفاً على المصدرية والمفعول محذوف أي يصفون أنفسهم صفاً، وقيل: هو مصدر في موضع الحال أي صافين أو مصفوفين قرأ الجمهور يقاتلون على البناء للفاعل، وقرأ زيد بن علي على البناء للمفعول، وقرىء يقتلون بالتشديد.
وجملة: (كأنهم بنيان مرصوص) في محل نصب على الحال من فاعل يقاتلون أو من الضمير في صفاً على تقدير أنه مؤول بصافين أو مصفوفين، ومعنى مرصوص ملتزق بعضه ببعض، يقال: رصصت البناء أرصه رصاً إذا ضممت بعضه إلى بعض، وقال الفراء: مرصوص بالرصاص، قال المبرد: هو مأخوذ من رصصت البناء إذا لا يمت بينه، وقاربت حتى يصير كقطعة واحدة، وقيل: هو من الرصيص وهو ضم الأشياء بعضها إلى بعض، والتراص التلاصق، وقيل: المتلائم الأجزاء المستويها، وقال ابن عباس في الآية: مثبث لا يزول، ملصق بعضه على بعض، وقيل: أريد استواء نياتهم في حرب عدوهم، حتى يكونوا في اجتماع الكلمة كالبنيان الذي رص بعضه إلى بعض، والأول أولى.
ولما ذكر تعالى الجهاد المشتمل على المشاق وأنه يحب المقاتلين في سبيله، ذكر قصتي موسى وعيسى تسلية لنبيه ﷺ ، ليصبر على أذى قومه، وبين أنهما أمرا بالتوحيد، وجاهدا في سبيل الله، وجعل العقاب لمن خالفهما مبتدئاً بقصة موسى لتقدمه في الزمان فقال:
стр. 10236
(وإذ قال موسى لقومه) أي أذكر يا محمد لهؤلاء المعرضين وقت قول موسى، ويجوز أن يكون وجه ذكر قصة موسى وعيسى بعد محبة المجاهدين في سبيل الله التحذير لأمة محمد ﷺ ، أن يفعلوا مع نبيهم ما فعله قوم موسى وعيسى معهما (يا قوم لم تؤذونني) هذا مقول القول، أي لم تؤذونني بمخالفة ما آمركم به من الشرائع التي افترضها الله عليكم، أو بالشتم والانتقاص ومن ذلك رميه بالأدرة، وقد تقدم بيان هذا في سورة الأحزاب.
وجملة: (وقد تعلمون أني رسول الله إليكم) في محل نصب على الحال، وقد لتحقق العلم أو لتأكيده لا للتقريب ولا للتقليل، وصيغة المضارع للدلالة على الاستمرار، والمعنى كيف تؤذونني مع علمكم بذلك؟ والرسول يحترم ويعظم، ولم يبق معكم شك في الرسالة لما قد شاهدتم من المعجزات التي توجب عليكم الاعتراف برسالتي، وتفيدكم العلم بها علماً يقينياً.
(فلما زاغوا) عن الإيمان وأصروا على الزيغ واستمروا عليه (أزاغ الله قلوبهم) عن الهدى وصرفها عن قبول الحق، وقيل: صرفها عن الثواب قال مقاتل: لما عدلوا عن الحق أي بإيذاء نبيهم أمال الله قلوبهم عنه، جزاء بما ارتكبوا، أو المعنى لما تركوا أوامره نزع نور الإيمان من قلوبهم، أو فلما اختاروا الزيغ أزاغ الله قلوبهم، أي خذلهم وحرمهم توفيق اتباع الحق.
(والله لا يهدي القوم الفاسقين) هذه الجملة مقررة لمضمون ما قبلها، قال الزجاج: لا يهدي من سبق في علمه أنه فاسق، والمعنى أنه لا يهدي كل متصف بالفسق وهؤلاء من جملتهم وإن من أسلم منهم لم يكن كافراً في علمه، أي محتوماً عليه بالكفر بحيث يموت عليه.
стр. 10237
(وإذ قال عيسى بن مريم) معطوف على وإذ قال موسى، معمول لعامله، أو معمول لعامل مقدر معطوف على عامل الظرف الأول (يا بني إسرائيل) ولم يقل: يا قوم كما قال موسى لأنه لا نسب ولا أب له فيهم
стр. 10238
فيكونوا قومه، وأمه مريم من أشرفهم نسباً (إني رسول الله إليكم) أي أرسلت إليكم بالوصف الذي وصفت به التوراة حال كوني (مصدقاً لما بين يدي من التوراة) لأني لم آتكم بشيء يخالف التوراة، بل هي مشتملة على التبشير بي فكيف تنفرون عني وتخالفونني؟ وذكر أشهر الكتب الذي حكم به النبيون، وأشهر الرسل الذي هو خاتم المرسلين.
(ومبشراً برسول يأتي من بعدي) وإذا كنت كذلك في التصديق والتبشير فلا مقتضى لتكذيبي، وقرىء بعدي بفتح الياء وبإسكانها (اسمه أحمد) هو نبينا ﷺ ، وهو علم منقول من الصفة وهي تحتمل أن تكون مبالغة من الفاعل، فيكون معناها أنه أكثر حمد من غيره، أو من المفعول، فيكون معناها أنه يحمد بما فيه من خصال الخير أكثر مما يحمد غيره وبالاعتبار الأول قدم عيسى هذا الاسم على محمد، لأن كونه حامداً لله سابق على حمد الخلق له لأنهم لم يحمدوه إلا بعد وجوده في الخارج، وحمده لربه كان قبل حمد الناس له وقال الكرخي: إنه إنما خصه بالذكر لأنه في الإنجيل مسمى بهذا الاسم ولأنه في السماء أحمد فذكر باسمه السماوي لأنه أحمد الناس لربه، لأن حمده لربه بما يفتحه الله عليه يوم القيامة من المحامد قبل شفاعته لأمته سابق على حمدهم له تعالى.
أخرج البخاري ومسلم وغيرهما:
" عن جبير بن مطعم قال: قال رسول الله ﷺ : إن لي أسماء أنا محمد وأنا أحمد وأنا الحاشر الذي يحشر الله الناس على قدمي، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا العاقب والعاقب الذي ليس بعده نبي "، وفي بعض حواشي البيضاوي أن له أربعة آلاف اسم، وأن نحو سبعين منها من أسمائه تعالى انتهى، والحق أن أسماء الله ورسوله ﷺ ، توقيفية لا يزاد عليها، ولا يدعى ولا يسمى بغيرها، وفي الخازن تحت هذه الآية:
стр. 10239
" عن أبي موسى قال: أمر رسول الله ﷺ ، أصحابه أن يأتوا النجاشي، وذكر الحديث، وفيه قال: سمعت النجاشي يقول: أشهد أن محمداً رسول الله، وأنه الذي بشر به عيسى، ولولا ما أنا فيه من الملك وما تحملت من أمر الناس، لأتيته حتى أحمل نعليه "، أخرجه أبو داود.
" وعن عبد الله بن سلام ﵁ قال: مكتوب في التوراة صفة محمد وعيسى ابن مريم يدفن معه، قاك أبو داود المدني: قد بقي في البيت موضع قبر " أخرجه الترمذي، وعن كعب الأحبار أن الحواريين قالوا لعيسى: يا رسول الله هل بعدنا من أمة؟ قال: نعم يأتي بعدكم أمة حكماء علماء أبرار أتقياء، كأنهم في الفقه أنبياء، يرضون من الله باليسير من الرزق، ويرضى الله منهم باليسير من العمل انتهى. ومثله في الخطيب، وقال مكان قوله: يأتي بعدكم أمة لفظ: أمة أحمد.
وقال: " روي أنه ﷺ قال: اسمي في التوراة أحيد لأني أحيد أمتي عن النار، واسمي في الزبور الماحي محا الله بي عبدة الأوثان، واسمي في الإنجيل أحمد، وفي القرآن محمد، لأني محمود في أهل السماء والأرض " انتهى، ولينظر في سند هذا الحديث، قال القرطبي: واسم محمد مطابق لمعناه، والله سماه قبل أن يسمي به نفسه، فهذا علم من أعلام نبوته انتهى، وذكره عيسى ﵇ وقال: اسمه أحمد وذكره موسى ﵇ حين قال له ربه تلك أمة أحمد فقال: اللهم اجعلني من أمة محمد فبأحمد ذكره قبل أن يذكره بمحمد، لأن حمده لربه كان قبل حمد الناس له، فلما وجد وبعث كان محمداً بالفعل انتهى من الخطيب.
(تنبيه) قد راجعنا من التفاسير الموجودة عندنا الآن جلها كتفسير أبي السعود والمدارك للنسفي والبيضاوي وحاشيته من الخفاجي والجلالين وحاشية
стр. 10240
سليمان الجمل عليه والخطيب والخازن وأمثال ذلك في هذا المقام تحت هذه الآية فلم نجد أحداً من هؤلاء الأعلام ذكر هذه البشارة نقلاً عن الإنجيل، ولعل السبب في ذلك عدم رجوعهم إلى الكتب العتيقة والجديدة وتراجمها بالألسنة المختلفة، أو عدم وجودها في تلك الأزمنة أو لعدم الاعتماد عليها لما تطرق من التحريف إليها، ولكنا أحببنا أن نذكر في هذا المقام من النصوص الإنجيلية وغيرها بعضاً من الأدلة الدالة على بشارة عيسى ﵇ بإتيان رسول من بعده اسمه أحمد، فإن من منن الله سبحانه على عباده المؤمنين ومن تمام حجته على أهل الكتاب أن الإخبارات والأمثلة والبشارات الواردة في حق نبينا محمد ﷺ ، الناصة على ثبوت نبوته العامة، ورسالته الشاملة للخليقة، كلها توجد كثيراً في تلك الكتب إلى هذا الآن، مع ما وقع فيها من التحريفات اللفظية والمعنوية، كما نطق به الأحاديث والقرآن.
ومن عرف طريق إخبار النبي المتقدم عن النبي المتأخر، ونظر بعين الإنصاف إلى هذه البشارات، وقابلها بالإخبارات التي نقلتها النصارى في عيسى ابن مريم ﵉، جزم بأن هذه الإخبارات عن نبينا محمد ﷺ ، في غاية من القوة، ونهاية من الصحة والشهرة والقبول، وهذه جملة صالحة منها تذكر هنا ونتكلم عليها بما يكشف عن حالها، والدلالة منها على هذا المقصود فأقول وبالله أجول وأصول: فمن تلك البشارات ما في الباب السابع عشر من سفر التكوين:
وعلى إسماعيل أستجيب لك هو ذا أباركه وأكبره، وأكثره جداً، فسيلد اثني عشر رئيساً، وأجعله لشعب كبير انتهى، فقوله: أجعله لشعب كبير مشير إلى محمد ﷺ ، لأنه لم يكن في ولد إسماعيل من كان لشعب كبير غيره وقد قال تعالى ناقلاً دعاء إبراهيم وإسماعيل ﵉ في كلامه المجيد: (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).
стр. 10241
قال الرازي: وفي الإصحاح الرابع عشر من إنجيل يوحنا هكذا: وأنا أطلب لكم إلى أبي حتى يمنحكم ويعطيكم الفارقليط حتى يكون معكم إلى الأبد والفارقليط هو روح الحق اليقين: هذا لفظ الإنجيل المنقول إلى العربي.
وذكر في الإصحاح الخامس عشر هذا اللفظ: وأما الفارقليط روح القدس يرسله أبي باسمي ويعلمكم ويمنحكم جميع الأشياء، وهو يذكركم ما قلت لكم، ثم ذكر بعد ذلك بقليل، وإني قد أخبرتكم بهذا قبل أن يكون حتى إذا كان ذلك تؤمنون، وذكر في الإصحاح السادس عشر هكذا، ولكن أقول لكم الآن حقاً يقيناً انطلاقي عنكم خير لكم، فإن لم أنطلق عنكم إلى أبي لم يأتكم الفارقليط وإن انطلقت أرسلته إليكم، فإذا جاء هو يفيد أهل العالم، ويدنيهم ويمنحهم، ويوقفهم على الخطبة والبر والدين، وذكر بعد ذلك بقليل هكذا فإن لي كلاما كثيراً أريد أن أقوله لكم ولكن لا تقدرون على قبوله والاحتفاظ له، ولكن إذا جاء روح الحق إليكم يلهمكم ويؤيدكم بجميع الحق، لأنه ليس يتكلم بدعة من تلقاء نفسه، هذا ما في الإِنجيل انتهى كلام الرازي.
وفي الزبور المائة والتاسع والأربعين: سبحوا الرب تسبيحاً جديداً سبحوه في مجمع الأبرار، فليفرح إسرائيل بخالقه، وبنو صهيون يبتهجون بملكهم، فليسبحوا اسمه بالمصياف بالطبل والمزمار، يرتلوا له لأن الرب يسر بشعبه ويشرف المتواضعين، بالخلاص تفتخر الأبرار بالمجد، ويبتهجون على مضاجعهم ترفيع الله في حلوقهم، وسيوف ذات فمين في أياديهم، ليضعوا انتقاماً في الأمم وتوبيخات في الشعوب، ليقيدوا ملوكهم بالقيود وأشرافهم بالأغلال من حديد، ليضعوا بهم حكماً مكتوباً، هذا المجد يكون لجميع الأبرار اهـ.
وهذا الزبور عبر عن المبشر به بالملك، وعن مطيعيه بالأبرار، وصدق
стр. 10242
جميع هذه الصفات على محمد ﷺ ، وأصحابه ﵃، ولا ينكر ذلك إلا من عمى الله عين بصيرته: وخذله عن سبيل هدايته، ومنها ما في إنجيل يوحنا وترجمته بالعربية: إن كنتم تحبوني فحافظوا على كلامي وأنا ألتمس الآب فيرسل إليكم فارقليطاء آخر ليمكث معكم إلى أبد الآبدين انتهى، وهذا من أعظم الدلائل الدالة على نبوته ﷺ ، وقد أعرض عنه النصارى إعراضاً كلياً.
والفارقليطاء، عجمية يونانية معناه الشافع والواسطة والمسلي والممجد وهذه المعاني تدل على الممدوح، بعضها بالمطابقة وبعضها بالتضمن وبعضها بالالتزام فإن التمجيد مرادف للحمد، والثلاثة الأخر مما توجب الحمد. فهذا هو معنى قوله سبحانه (وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ)، والدليل على ذلك وصفه بالمكث إلى الأبد والدوام، فإنه لم يأت بعد عيسى ﵇ أحد يتصف بهذه الصفة غيره، وفي التنكير دلالة على أن هذا الفارقليطاء، الذي هو الآن معكم أي المسيح زمني ولا يبقى إلى الأبد والذي يأتي بعده أبدي.
وإن فسره النصارى بالروح القدس فهذا خطأ لأن الروح القدس لم يبق معهم بعد يوم الدار ولا يوجد معهم في زماننا هذا غير روح إبليس شيء فيكون عدولهم عن اتباع أمره هو محافظتهم عليه، وإلا فإن كان الفارقليطاء عبارة عن الروح القدس الذي نزل على الحواريين يوم الدار لاستطاع أساقفة النصارى وقسوسهم أن يفعلوا الخوارق التي فعل المسيح، لكنهم لا يستطيعون على شيء من ذلك، فالفارقليطاء ليس بعبارة عن الروح القدس الذي نزل عليهم يوم الدار، أما المقدم فلأن الحواريين كانوا يعملون الخوارق التي كان يفعلها المسيح، وأما التالي فلأنه لم ينقل عنهم لا في الغابر ولا في الحال.
وأما قولنا: إن محمداً ﷺ ، هو المتصف بالمكث إلى
стр. 10243
الأبد فلأنه لم يأت بعد محمد ﷺ ، من يدعي النبوة، ويظهر المعجزة، فانحصرت فيه حتى يأتي غيره، ومعنى الدوام هو بقاء ملته على دعائهما الأصلية، وعدم تحريف كتابه العزيز، بل وسنته المطهرة، وعدم اختلال شريعته الحقة الصادقة، ولا ينقض ذلك باختلاف المذاهب، لأن هذا الاختلاف مما يتعلق بالفروع، وفي رومية وأشعياء: ها أنا واضع في صهيون حجرة عثرة، وصخرة شك، وكل من يؤمن بها لا يخجل انتهى. وتقييد عدم الخجالة بالإِيمان بها فيه دلالة على صحة نبوته ﷺ ، وأخذه النصارى وأولوه على عادتهم، واستدلوا به على ربوبية المسيح، وليس بشيء وصهيون جبل في أورشليم، وقيل: بل عقب: أسست عليها أورشليم، والحجرة والصخرة والعثرة والشك من المترادفات.
وسياق الكلام في رومية أن بولوس كان يعظ بعيسى، ويوبخ اليهود على عدم إيمانهم به وهو كلام طويل آخره قوله: وأما إسرائيل فإنه قد طلب شريعة العدل، ولم يظفر بها، ولم لم يظفر بها؟ لأنهم لم يطلبوها بالإِيمان، بل بأعمال الشريعة، وذلك لأنهم عثروا بحجرة كما حررها آنذا واضع حجرة تمعثر، وصخرة شك، وكل من يؤمن بها لا يخجل. يريد بذلك أن بني إسرائيل كانوا يطلبون الهدى فلم يصيبوه، لأنهم كانوا يطلبونه بمحض الأعمال لا بالإِيمان، وهذا يدل على أن غاية شريعة عيسى لم تكن إلا بالقوة النظرية، وسبب عدم صلبهم إياه بالإِيمان لأنهم عثروا بعيسى لأنهم لم يعرفوه، واستدل على عدم إيمانهم به بقول أشعياء، وهذا لا يدل على ربوبيته، بل ولا على نبوته.
وسياقه في أشعياء هو قوله: ألا لا تتكلموا على من تتكلم عليه هذه الأمة، ولا تخشوا ما يخشونه، ولا تخافوا، وقدسّوا رب الجنود وحده، واخشوه وخافوا منه، لأنه هو المقدس، وهو حجرة العثرة، وصخرة الشك، وهو لأهل بيت إسرائيل فخ، ولكنه أورشليم مصيدة، وسيعثرون ويسقطون وينكسرون ويقيدون ويؤسرون، فاطووا الشهادة واختموا الصحف التي عند
стр. 10244
تلاميذي، وأنا سأنتظر الرب الذي يغطي وجهه عن أهل بيت إسرائيل وأترقبه، وها أنا والأولاد الذين وهب لي ربي علامة عجيبة في إسرائيل لرب الجنود الذي يسكن في صهيون انتهى.
وهذا لا دلالة فيه على عيسى ﵇، لأن أول صفاته رب الجنود ولم يكن المسيح كذلك، والصفة الثانية كونه حجرة عثرة ولا تقل إنهم قد عثروا بالمسيح أي شكوا فيه لأن مطلق الشك لا يكفي في صدقه عليه لقوله: يعثرون ويسقطون الخ والصفة الثالثة كونه يغطي وجهه عن إسرائيل وابن مريم كان مختصاً بدعوتهم، كما صرح به في متى، فلا يصدق عليه، والصفة الرابعة كونه ناسخاً لما قبله من الشرائع كلها لقوله: اطووا الشهادة واختموا الصحف وعيسى بن مريم يقول كما في متّى: وهؤلاء الاثنا عشر أرسلهم عيسى وأمرهم وهو يقول: لا تنطلقوا إلى طريق العوام ولا تدخلوا في أحد أمصار السامريين بل اذهبوا إلى غنم بيت إسرائيل الضالة، ويقول كما في متى أيضاًً، لكنك إن أردت أن تلج الحياة فحافظ على الأحكام الخ، وهذه كلها صريحة في خصوصية نبوته، وعدم نسخ ناموس موسى، فلا يصدق عليه، فلا دلالة له عليه.
وإذا فهمت هذا فقد علمت أن غاية هذا الفصل التبشير ببعثة محمد ﷺ ، وتقدير كلام أشعياء لا تكلموا علي، أي تسبوا وترفضوا من تتكلم عليه، أي من تسبه وترفضه هذه الأمة أي اليهود، ولا تخشوا من يخشوه، أي لا تتولوا من يتولوه ولا تعادوا من يعادوه، بل قدسوا استثناء منقطع من لا تتكلموا واخشوا رب الجنود وحده، واخشوه وخافوا منه، أي لا تحذروا سلاطين اليونانيين والفلسطينيين والرومانيين والمدينيين ولا تقدسوهم، بل اجعلوا جميع اتكالكم على رب الجنود، أي الملك العادل، والنبي الأمي الكامل لأنه أي رب الجنود، والرب بمعنى المربي والمولى، يقال: هو رب النعمة أي مفيضها، ورب البيت أي مولاه، وإذا أضيف إلى الضمير المتصل لا يكون إلا بمعنى المعبود على الأصح هو المقدس فقط لا غيره، لأن تعريف
стр. 10245
الخير يفيد الحصر. وهو حجرة العثرة، عطف على هو المقدس وخبر لأن وصخرة الشك خبر ثالث لأن أي رب الجنود هذا هو المنحصرة فيه هذه الصفات ولجميع الناس.
أما التقديس فلأنه لم يرتكب قبل نبوته ما يوجب الثلب، وأما العثرة والشك فلأنه من أولاد هاجر، ولم يبعث منهم قبله نبي، وأما أيوب فمن أعراب مدين وأما خالد بن سنان عند من يقول بنبوته فمن أعراب سامرة، وهو لأهل بيت إسرائيل فخ هذه صفة أخرى له ﷺ ، وهي أنه فخ يصيدهم ويأسرهم، فكما فعل بهم الفلسطينيون هكذا يفعل بهم هو أيضاًً، ولسكنة أورشليم مصيدة المصيدة هي الشبكة التي تصيد كل ما يوكر عليها مرة واحدة بخلاف الفخ فإنه لا يصيد مما يوكر عليه إلا ما ينقر العتلة ولا يكون إلا واحداً فكان مراد أشعياء ﵇ أنه يتسلط على اليهود ويقهرهم واحداً بعد واحد، لأنهم مشتتون.
وأما البلد فإنه يتسلط عليها مرة واحدة، وسيعثرون أي يشكون فيه ويسقطون إذا شكوا وينكسرون إذا سقطوا، ويقيدون إذا انكسروا إلا أنهم لا يستطيعون الفرار ويؤسرون إذا قيدوا فاطووا الشهادة التي عندكم أيها الأنبياء، واختموا الصحف أي أسفار التوراة، ونبوات الأنبياء التي عند تلاميذي أي بني إسرائيل لأنها ستنسخ وتترك إذا ظهر رب الجنود ﷺ ، ولا يحتاج إليها بعد، وأنا سأنتظر الرب الذي يغطي وجهه عن إسرائيل، وأترقبه، يعني به محمداً ﷺ ، يقول: إني لا أنتظر من يأتي قبله يعني عيسى الذي أشار إليه في غير هذا المكان لأنه نبي لبني إسرائيل، لكني أنتظر الذي يغطي وجهه عنهم وهو محمد ﷺ ، ولا يقال: إن نبوته ﷺ ، عامة، والعامة تلزم منها دعوة الكل، فكيف يغطي وجهه عنهم؟
لأن المراد بتغطية الوجه عدم ظهوره منهم واستقامته في ملكهم، ثم
стр. 10246
قال: وها أنا والأولاد يعني الأتقياء من بني إسرائيل، وإضافة الرب إلى الضمير المتصل إشارة إلى المعبود جل اسمه الذين وهبهم لي ربي، أي أعطاني إياهم ووفقهم لاتباع دعوتي علامة عجيبة في إسرائيل، أي نكون نحن علامة لهم حتى يعرفوا ما ضلوا عنه، ويندموا على ما فعلوه، ولرب الجنود الذي يسكن في صهيون إشارة إلى المهدي لأنه وصف محمداً ﷺ ، برب الجنود الذي يغطي وجهه عن إسرائيل فإذا كان كذلك لا يمكن أن يسكن في صهيون، وإلى هذا ذهب أكثر العلماء وصرحوا بأن المهدي يستقر في أورشليم ويعمرها بأموال الهند وفي هذا البرهان إقناع كامل لليهود والنصارى والمسلمين جميعاً.
أو المراد بالسكون في صهيون سكون دينه واستقرار أهل ملته فيه، وهذا أوضح مما قبله، وفي سفر التكوين: وأما أنت يا يهوذا فإنك أنت الذي تمدحه إخوته وستكون يدك في عنق أعدائك وستجثو لك أولاد أبيك ألا فإن القضيب لن ينصرف عن يهوذا، ولا واضعي الناموس من تحت قدميه حتى يأتي شيلو، وتصير إليه عوام الناس، وأبطأ إلى الجفن جحشه، وإلى منتخب الكروم أتانه غاسلاً بالخمر قميصه، وبدم الكرم لباسه، وسوف تكون عيناه أحمر من الخمر وأسنانه أبيض من اللبن. اهـ.
وهذا نص على نبوة محمد ﷺ ، وأوله النصارى وقالوا: إن شيلو هو المسيح ابن مريم، وقال اليهود: بل هو في شأن المسيح المزمع بالإِتيان، وسياق دعوى النصارى هو أن هذا الفصل في سفر التكوين يتضمن دعاء يعقوب لبنيه، وأنه تنبأ لكل واحد منهم بما يناسب شأنه، وتنبأ ليهوذا بأن السلطنة ستستقر في أولاده حتى يخرج شيلو، ووصفه بهذه الصفات التي أشار إليها في غير هذا المكان، والحق أنه يجيز صحة النهوض، وليس فيه ريبة إلا أن غايته ظهور محمد ﷺ ، لأنه قيد زوال الملك والنبوة من بني إسرائيل بظهور عيسى، ومن بعد ظهوره إلى هذا الآن لم
стр. 10247
يستقل منهم ملك، ولم يظهر فيهم نبي، وانتقلت السلطنة والنبوة إلى إسماعيل.
وقال اليهود: إن شيلو الذي هو عبارة عن المسيح المزمع بالإِتيان، وأنه لم يأت بعد لعدم وقوع الشرط لأن شرط ظهوره زوال السلطنة والنبوة منهم وقد زالت النبوة، لكن السلطنة لم تزل لأن بعض الممالك البعيدة عنا يوجد فيها منهم ملوك لم تبلغ إلينا أخبارهم، وأجيب بأن الواو في قوله: لا تزول السلطنة ولا واضعي الناموس للجمعية، فلا يمكن زوال أحدهما وبقاء الثاني وأن الأرض كلها محددة من مجاري ٦٥ درجة من الجنوب إلى جزيرة مندوسة ومن ٨١ درجة من الشمال من جزيرة سلامة إلى آخر ممالك الفرنج، وليس فيها بقعة مجهولة، وكذا الجزائر فالاعتراف بأن فيها مملكة تكون فيها ملوك وأمم مجهولة محمولة على الجهالة وهو ممنوع.
فمن أين حصل لكم العلم بهذا المجهول؟ فينتقض اعتراضهم، وإذا تحقق لك ذلك، اعلم أنه ﵇ قيد زوال السلطنة والنبوة لظهور شيلو وصيرورة عوام الناس إليه وقوله حتى يأتي شيلو يدل على أنه لا بد للملك والنبوة بعد ظهوره أن تزولا من اليهود وتنتقلا إلى غيرهم وهم العرب، وقال اليهود: إن كان صحة ظهور شيلو التجاء عوام الناس إليه فلا يمكن أن يظهر شيلو، ولا تلجىء عوام الناس إليه، لكن عيسى ابن مريم قد خرج ولم تلتجىء عوام الناس إليه، فعيسى ابن مريم ليس بشيلو.
وأجيب عن ذلك بمنع الصغرى، لأن قوله: وتصير عوام الناس إليه أي إلى أمره وكلامه، وقد اتبع عوام الناس أمره في تبشيره بمحمد ﷺ ، وفيه إشارة إلى أن الذين ينقادون إلى شريعته ﷺ ، هم عوام الناس، أي ليسوا بيهود كالعرب والفرس والروم والهنود والسنود وحبشة وبعض أهل الصين، وأما اليهود فمنهم من يؤمن به، ويصير إلى كلامه، ويتبع محمداً ﷺ ، ومنهم من يمكث راكساً في
стр. 10248
بحيرة جهله وهواه، لأن إثبات الشيء لا ينفي ما عداه، فخلاصة هذا أن موسى ﵇ قد نقل عن يعقوب أنه قال: لا تزول السلطنة والنبوة عن أولاد يهودا حتى يخرج شيلو ويبشر بمحمد ﷺ ، ويؤمن به عوام الناس، ويستعبروا كلامه، وبعد ذلك تستقر المملكة والنبوة المتباينتان في قبيلة أخرى، وهي العرب، لما مر في هذا البرهان، وفي اجتماع كلتا الصفتين في ذاته ﷺ إشارة إلى تبجيله.
وفي نشيد الإنشاد: هذا صوت محبوبي فإنه أتى يقفز على الجبال ويظفر على الأتلال، إن محبوبي كالغزال، أو كخشف الأوعال، هذا هو واقف خلف جدارنا يطل من الكوة، ويظهر نفسه من الشباك، فكلمتني محبوبتي وقالت لي: قم يا محبوبي وجميلي، وتعال، فإن الشتاء قد مضى، والمطر قد انقضى، وظهر الزهر على الأرض، وقرب زمان الترنم، وقد سمع صوت اليمامة في أرضنا، وأبدت الظمخة تبنها، والكرمة عنبها الغض، فقم يا محبوبي وجميلي وتعال. انتهى.
وهذا من عمدة الأمثال التي تخص محمداً ﷺ ، وتبشر به، وقد غفل عنه اليهود والنصارى ولم يتوجهوا له ولا لما قبله وبعده من هذا السفر، والحق أحق أن يعترف به، فإن جميع آياته تتعلق بمحمد ﷺ ، ولكني اكتفيت منه بهذا المثال ونقلت لفظة محبوبي من الأصل الانكتاري على ما كانت عليه، وهو لفظ لو بفتح اللام وسكون الواو الانكتارية الساكنة وهي تارة تطلق على العشق وتارة على المعشوق، وكان الكاتودكيون قد ترجموها بابن أخي وأجمعوا على ذلك امتثالاً لأمر البابا سركيس، وهي في الأصل العبراني دوو كفلس بإمالة الواو، ومعناها العم أخو الأب كما ورد في أشمويل، وبنو العم كما ورد في الخروج، وابن العم، كما ورد في أرميا، ولم يفسرها أحد من اليهود بابن الأخ فعلى ترجمة الانكتاريين يكون محبوب سليمان ﵇ محمداً ﷺ ، لأنه تنبىء عليه ولأنه خاتم الرسل، وعلى ترجمة الباب سركيس يكون ابن أخيه لأن محمداً صلى الله
стр. 10249
عليه وسلم من أولاد إسماعيل، وسليمان من أولاد إسحاق وهما ابنا إبراهيم ﵈، فيكون كل واحد من محمد وسليمان ﵉ ابن أخ لصاحبه، وعلى لغة اليهود فعلى الأول فيكون سليمان قد عبر بنفسه عن بني إسرائيل وعن محمد ﷺ بنفس إسماعيل فيكون عمه، وعلى الثاني يكون قد عبر عن نفسه ببني إسرائيل وعن محمد ﷺ ببني إسماعيل فيكون قد عبر عنه بأولاد عمه، وعلى الثالث يكون قد عبر عن نفسه ببني إسرائيل، وعن محمد ﷺ بابن إسماعيل فيكون ابن عمه، وتأنيث الضمير لأنه عبر عن نفسه بالقبيلة.
والمعنى أن هذا صوت محبوبي يسمع فاسمعوه، فإنه أتى يقفز على الجبال لأنه تولد في الحجاز، وهي أرض وعرة كثيرة الجبال، ويظفر على الأتلال لأنه ربي في البر مع بني تميم، إن محبوبي كالغزال، جملة استئنافية تتضمن بعض صفاته ﷺ ، وذلك إشارة إلى أنه كان طويل العنق أسمر العينين، أو كخشف الأوعال عطف على كالغزال وتأكيد لها، هذا هو واقف خلف جدارنا، هذا للتحضيض في الاصطفاء لكلامه، وخلف جدارنا إشارة إلى قرب زمانه أو إلى ضرورة إتيانه، يطل من الكوة ويظهر نفسه من الشباك، إشارة إلى علو مكانه وسمو مقامه، وإلى أنه يأتي إلى بلدهم لكن لا يتوقف فيها، بل يكون فيها كالذي ينظر من الشباك، وفيه إشارة إلى المعراج الجسماني لأن قوله: يطل وينظر فيهما إشارة إلى غاية انتهاء النظر، وهو يدل على التحدُّد الجسماني وعلى ارتفاع مكان الناظر، وفيه رد على من ينكر معراجه بالجسم.
فتكلمت محبوبتي وقالت، اطراد من المتكلم إلى المخاطب، والتأنيث باعتبار القبيلة أو البلد، قم يا محبوبي وجميلي وتعال، إظهار للرغبة في ظهوره ﷺ ، فإن الشتاء قد مضى، يريد بالشتاء مدة ما بينهما من الزمان، أو زمان الفترة بينه وبين عيسى ﵇، والمطر قد انقضى،
стр. 10250
يريد به الحاجب عن الظهور إما ما هو من جهة غلبة الجهل والفساد، أو ما هو من جهة تغير أحوال الخلق وانتقالهم من العيافة إلى السذاجة، وذلك لأن المطر يمنع الرجل من الخروج من كنه، وظهر الزهر على الربى، ترغيب له في الإتيان، وبيان نهي القوم لقبول دعوته، وقرب زمان الترنم، تأكيد لقوله: ظهر الزهر إلخ، وفيه إشارة إلى بيان رغبة الناس في تلاوة المصحف، وذلك مما لم يتفق لأحد من الأنبياء، فإني لم أر أمة من الأمم يتعاطون حفظ ناموسهم على الخاطر كما يفعل المسلمون من حفظ القرآن، وقد سمع صوت اليمامة في أرضنا الخ، هذا كله ماض بمعنى المستقبل الضروري الوقوع، فقم يا محبوبي وجميلي وتعال.
هذا كله ظاهر الدلالة على الطلب، فإن قلت: يمكن أن لا يكون مطلب سليمان من هذا التنبيء محمداً ﷺ ، قلت: فحينئذ إما أن يكون كلامه يخص نبياً آخر أو معشوقاً مجازياً أو يكون مهملاً، ولا سبيل إلى كل واحد منها أما إلى الشق الأخير فلأنه كلام الله أو كلام النبي، والإهمال ممتنع عليهما أما على الأول فظاهر، وأما على الثاني فلأن النبي رجل يختصه الله بتبليغ كلامه من بين أهل عصره، فيجب أن يكون عاقلاً، والعاقل لا يتكلم بالمهمل، وإلا فإذا حصل الشك في صحة بعض أنبائه يفسد اليقين بها في الكل، ولأن أكثر القوم ذهبوا إلى عصمة الأنبياء مما هو يخل بالعصمة، وأما أنه لا سبيل إلى كونه معشوقاً مجازياً، فلأنه لا يجوز للنبي أن يدخل سائر كلامه في الوحي، وإن فعله فقد عصى، ولأنه إما أن يكون ذكراً أو أنثى وعلى كلا الوجهين يلزم منه تفسيق النبي وهو باطل.
وأما أنه لا سبيل إلى كونه نبياً آخر فلوجوه:
الأول أن النصوص المشتبهة قد أخذها القوم من اليهود والنصارى، ولم يبق إلا ما شبهة فيه.
والثاني أنه لم يتنبأ إلا على اثنين فقط، وهما يحيى بن زكريا وعيسى ابن
стр. 10251
مريم، والمثال لا يصدق على كل واحد منهما، لأن صفاته لا توجد فيهما، فلا يكون إلا محمداً ﷺ ، جعلني الله وإياك ممن يقتص آثاره، ويتمسك بأخباره.
وفي سفر الرؤيا ما ترجمته: من كانت له أذن سامعة فليستمع ما تقول الروح للكنائس، إني سأطعم المظفر من شجرة الحياة التي هي في جنة الله، وفيه: من كانت له أذن سامعة فليستمع ما تقول الروح للكنائس، فإن المظفر لا تظهره الموتة الثانية. اهـ.
وفيه أيضاًً: من كانت له أذن سامعة فليستمع ما تقول الروح للكنائس إني سأطعم المظفر من المن المكنون، وأعطيه حجرة بيضاء مكتوباً عليها اسم مرتجل لا يفهمه إلا من يناله، وفيه أيضاًً: وسأعطي المظفر الذي يحفظ جميع أفعالي سلطاناً على الأمم فيرعاهم بقضيب من حديد، ويسحقهم كآنية الفخار كما أخذت أنا من أبي وأعطيه أيضاًً نجمة الصبح، فمن كانت له أذن سامعة فليستمع ما تقول الروح للكنائس. وفيه: المظفر يلبس ثياباً بيضاء، ولا أمحو اسمه من سفر الحياة، وأعترف باسمه أمام أبي وأمام ملائكته، فمن كانت له أذن سامعة فليستمع ما تقول الروح للكنائس. وفيه: المظفر أجعله عموداً في هيكل الإلهي، ولا يخرج خارجاً، وأكتب عليه اسم إلهي واسم مدينة إلهي أورشليم الجديدة التي نزلت من السماء من عند إلهي، وأكتب عليه اسمي الجديد فمن كانت له أذن سامعة فليستمع ما تقول الروح للكنائس. وفيه: المظفر أهب له الجلوس معي على كرسي كما ظفرت أنا أيضاًً، وجلست مع أبي على كرسيه، فمن كانت له أذن سامعة فليستمع ما تقول الروح للكنائس. أهـ.
وهذه سبعة بشارات متواترة مترادفة في الإصحاح الأولى والثانية من رؤيا يوحنا بن زبدي تدل دلالة صريحة على بعثة محمد ﷺ وعلى
стр. 10252
نبوته العامة وقبلته الجديدة وعلو درجته، تغافل النصارى عنها وأولوها تأويلات سخيفة، وتسويلات واهية، لا تستقيم على شيء منها حجة ولا يثبت برهان، وكان الأحرى بها أن يكتب كل واحد منها على حدة. لكني أعرضت عن ذلك وكتبتها في موضع واحد، روماً للاختصار، وأحلت تفصيلها على الكتب الكبار.
وقوله: فمن كانت له أذن سامعة الخ مثل قوله في سورة المرسلات: (ويل يومئذ للمكذبين) حيث تكررت مرات، وكان يوحنا في جزيرة أطموس في يوم الأحد فأتاه الوحي وحل عليه روح القدس، وسمع صوتاً عظيماً يقول له: إني أنا الألف والياء الأول والآخر، فاكتب ما تراه وأرسله إلى الكنائس السبع المشهورة. أعني كنيسة أفسيس وكنيسة سيمرنا وبيرغاموس وشاتيرا وسارديس دفيلا ولفية ولاذقية، وفي آخر كل كتاب كتب إلى الكنائس السبع قوله: فمن كانت له أذن سامعة الخ، وهذا ملخص الفصول المشتملة على الحجج، وإن أردت الاطلاع على العبارة جميعها فارجع إلى سفر الرؤيا وهذه الرؤيا هي ما يعتقده النصارى رؤيا رآها يوحنا تشتمل على الأخبار التي حدثت في العالم من ارتفاع المسيح إلى بعثة محمد ﷺ ، بل من وفاته إلى ظهور المهدي، ومن وفاة المهدي إلى قيام الساعة، ولا شك أنها تدل على ذلك وأنها كلام الله لكني لست بمطمئن من تحريفها، ومع ذلك لا شك أن أماكن الاستدلال فيها قائمة على دعائمها الأصلية.
فمن جملة ذلك هذه الآيات الشريفة ولفظ المظفر في الأصل اليوناني يدل على الغالب والغازي والقاهر في الحرب، والموتة الثانية عبارة عند النصارى عن موت الإنسان في الذنب، أي انهماكه فيه لا غير، وأما البعث فإنهم يعترفون بقيام جميع الناس عند ظهور المسيح، وبخلود أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار، ولم يتعرضوا للبحث في هذا المقام، وعند اليهود
стр. 10253
عبارة عن الموتة التي لا تكون بعدها موتة، وأورشليم الجديدة عبارة عن مكة المعظمة على بادىء الرأي، لقوله: النازلة من السماء لأن أهل الإسلام قد ذهبوا إلى أن قوله أم القرى ومن حولها يفيد العموم، وقالوا: إن الحجر الأسود كان قد نزل من السماء أشد بياضاً من اللبن فسودته خطايا بني آدم، وقد رواه الترمذي وصححه، فيكون قوله: أورشليم الجديدة النازلة من السماء كناية عن مكة، وهذا من قبيل إقامة الظرف مقام المظروف، وهي في جزيرة العرب قريبة من ساحل البحر الأحمر في مجاري طول ٤٠ درجة من الطول الجديد وعرض ٢٠ درجة من الشمال.
وفي سفر الرؤيا: ورأيت سماء جديدة وأرضاً جديدة لأن السماء الأولى والأرض الأولى قد جازتا، والبحر لن يوجد بعد، وأنا يوحنا رأيت المدينة المقدسة أورشليم الجديدة، نازلة من السماء، مهيأة كعروس مزينة لزوجها انتهى.
وهذا من أجل البشارات الدالة على نبوته ﷺ ، لأن جدة الأرض والسماء تدل على تحول الأحوال، وتبدل الأمثال، وإلا فلا معنى لزوالهما قبل يوم القيامة، ولا معنى لوجود غيرهما وأما البحر فإنه قد كنى به عن الضلال الذي كان يعرض في ذلك الزمان من بعض كهنة اليهود، فإنهم لم يزالوا يدعون النبوة بالكذب وهم أول من خاض في ذلك البحر. وقوله: كالعروس الخ بيان لحسن انتظام مكة شرفها الله وزوجها هو رب الجنود ﷺ .
وفي أشعيا: وستخرج من قنس الأسى عصى، وينبت من عروقه غصن وستستقر عليه روح الرب أعني روح الحكمة والمعرفة والروح الشورى والعدل وروح العلم وخشية الله وتجعله ذا فكرة وقادة مستقيماً في خشية الرب فلا يقضي بمحاباة الوجوه ولا يدين بمجرد السمع. انتهى. وهذه صفات رب
стр. 10254
الجنود ﷺ ، بأبي هو وأمي.
وفي سفر الرؤيا: فأخذتني الروح إلى جبل عظيم شامخ وأرتني المدينة العظيمة أورشليم المقدسة نازلة من السماء من عند الله وفيها مجد الله وضوؤها كالحجر الكريم كحجر اليشم والبلور وكان لها سور عظيم عال واثنا عشر باباً وعلى الأبواب اثنا عشر ملكاً وكان قد كتب عليها أسماء أسباط إسرائيل الاثني عشر انتهى.
ولا تأويل لهذا النص بحيث أن يدل على غير مكة شرفها الله تعالى، والمراد بمجد الله بعثة محمد ﷺ ، وفيه أيضاًً: ولسور المدينة اثنا عشر أساساً وعليها أسماء رسل الحمل الاثني عشر انتهى. وهذا تأكيد صريح لما قبله والاثنا عشر الأساس لعلهم الخلفاء الاثنا عشر من قريش، وفيه إشارة إلى انقياد جميع المذاهب العيسوية لشريعة خير البرية صلى الله عليهم وسلم، ولو بعد حين، وبعد ظهور المهدي، ونزول عيسى ﵇، وهذه الرؤية طويلة جداً وفيها دلائل على صحة نبوة محمد ﷺ وأحوال أمته المرحومة، ولكل جملة منها تأويل حسن، ومحمل صريح، ومعنى صحيح، بحيث لا تدل إلا على هذه الأمة ونبيها ﷺ .
وقد أنزل بعضهم هذه الرؤيا على ما يوافق مذاهب الإمامية ولا عبرة به، لأن التبشير إنما وقع في الكتب القديمة ببعثة محمد النذير البشير ﷺ ، لا بغيره من عترته ﷺ الكائنة إلى يوم القيامة إلا ما ورد في القرآن الكريم من كون مثل أصحابه عموماً في التوراة والإنجيل، لا على الخصوص، فلا دلالة لها على شيء من ذلك في تلك النصوص، وقد بلغ بعض الناس هذه البشارات إلى ثلاث وعشرين بشارة، وفي بعضها نظر واضح، وبعضهم إلى ثمان عشرة بشارة منها ما تقدم في هذا المقام، وفي
стр. 10255
غيره من هذا التفسير، وجلها صحيحة، ويظهر من الرجوع إلى أصول الكتب نقادة ألفاظ تراجمها نقادة عظيمة لا ينبغي مثلها في الكتب الإلهية المقدسة، ولذلك لا ترى نسخة من نسخ التوراة والإنجيل المطبوعة. لهذا العهد أو لما قبله من الزمان الكثير إلا وهي مختلفة العبارة عربية كانت أو افرنجية أو فارسية أو هندية أو تركية وهذا التفاوت والاختلاف يقضي بالتحريف والتصحيف، ويقضي منه العجب، ولا عجب على الحقيقة فإن الله سبحانه، وتعالى قد أخبرنا بذلك من قبل أن نقف عليه وننظر فيه بعين الإمعان.
وقد مَنَّ الله في هذا الزمان على عباده المؤمنين حيث انتهض عصابة منهم للرد على النصارى باللسان والبيان، والعمل بالأركان، وأفحموهم إفحاماً يبقى عاراً عليهم إلى آخر الدهر إن شاء الله تعالى، وفن البشارات أيضاًً ما في ترجمة القرآن المجيد للقسيس سيل نقله من إنجيل برنابا ولفظه: اعلم يا برنابا أن الذنب وإن كان صغيراً يجزي الله عليه، لأن الله غير راض عن الذنب، ولما حبتني أمي وتلاميذي لأجل الدنيا أسخط الله لأجل هذا الأمر، وأراد باقتضاء عدله أن يجزيهم في هذا العالم على هذه العنيدة غير اللائقة، ليحصل لهم النجاة من عذاب جهنم، ولا يكون لهم أذية هناك. وإني وإن كنت بريئاً لكن بعض الناس لما قالوا في حقي: إنه الله وابن الله هذا القول، واقتضت مشيئته بأن لا تضحك الشياطين يوم القيامة علي، ولا يستهزئون بي، فاستحسن بمقتضى لطفه ورحمته أن يكون الضحك والاستهزاء في الدنيا بسبب موت يهوذا، ويظن كل شخص أني صلبت لكن هذه الإهانة والاستهزاء تبقيان إلى أن يجيء محمد رسول الله، فإذا جاء في الدنيا ينبه كل مؤمن على هذا الغلط، وترتفع هذه الشبهة من قلوب الناس انتهى.
وهذه بشارة صريحة عظيمة، وإن قال النصارى: إن هذا الإنجيل رده مجالس علمائنا المتقدمين، وفي ترجمة كتاب أشعياء باللسان الأرمني:
стр. 10256
سبحوا الله تسبيحاً جديداً وأثر سلطنته على ظهره واسمه أحمد، وفي سفر الاستثناء قال: جاء الرب من سيناء، وأشرق لنا من ساعير، واستعلن من جبل فاران ومعه ألوف الأطهار في يمينه سنة من نار اهـ.
وفاران جبل بمكة وبحيئُه من سيناء إعطاؤه التوراة لموسى، وإشراقه من ساعير إعطاؤه الإنجيل لعيسى، واستعلانه من جبل فاران إنزاله القرآن على محمد ﷺ ، ويؤيده ما في سفر التكوين في حال إسماعيل ﵇: وسكن برية فاران وأخذت له أمه امرأة من أرض مصر انتهى.
ولا شك أن إسماعيل كان ساكناً بمكة المكرمة، زاد الله شرفها، إلى غير ذلك من الأدلة الصريحة التي ينكرها النصارى، ويؤولونها على غير محاملها، وكل من أسلم من علماء أهل الكتاب اليهود والنصارى في القرون الأولى، بل إلى الآن شهد بوجود البشارات المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة والتحية في كتب العهدين العتيق والجديد.
وهكذا اعترف بصحة نبوته ﷺ وعموم رسالته من حمله الشقاء على عدم الإسلام، وقبول الإيمان، كهرقل عظيم الروم، ومقوقس صاحب مصر، وابن صوريا، وحُيَيُّ بن أخطب، وأبو ياسر بن أخطب، وأضرابهم، والله يتم نوره ولو كره الكافرون وفي هذا المقدار كفاية لمن له هداية.
(فلما جاءهم) عيسى (بالبينات) أي بالمعجزات والآيات (قالوا هذا) الذي جاءنا به (سحر مبين) أي واضح ظاهر، وقيل: المراد محمد ﷺ لما جاءهم بذلك، قالوا هذه المقالة والأولى أولى، بل هو المتبادر من السياق، وهما قولان حكاهما المفسرون قرأ الجمهور: سحر، وقرىء ساحر، وهما سبعيتان.
стр. 10257
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٧) يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٨) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٩) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١٣)
стр. 10258
(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ) أي لا أحد أكثر ظلماً منه حيث يفتري على الله الكذب بنسبة الشريك والولد إليه ووصف آياته بالسحر (وهو يدعى إلى الإسلام) أي والحال أنه يدعى أي يدعوه ربه على لسان نبيه إلى دين الإسلام الذي هو خير الأديان وأشرفها، وفيه سعادة الدارين، لأن من كان كذلك فحقه أن لا يفتري على غيره الكذب، فكيف يفتريه على ربه؟ قرأ الجمهور يدعى من الدعاء مبنياً للمفعول، وقرىء يدعى من الادعاء مبنياً للفاعل، وإنما عدي بإلى لأنه ضمن معنى الانتماء والإنتساب (والله لا يهدي القوم الظالمين) جملة مقررة لمضمون ما قبلها، والمعنى لا يهدي من اتصف بالظلم، والمذكورون من جملتهم.
стр. 10259
(يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ) الإطفاء الإخماد، وأصله في النار. واستعير لا يجري مجراها من الظهور، والمراد بالنور القرآن أي يريدون إبطاله وتكذيبه بالقول، قاله ابن زيد، أو المراد الإسلام قاله السدي أو محمد ﷺ ، يريدون هلاكه بالأراجيف قاله الضحاك، أو الحجج والدلائل قاله ابن بحر، فنور الله استعارة تصريحية والإطفاء ترشيح،
стр. 10260
وقوله: (بأفواههم) فيه تورية وكذا قوله: (نوره)، ولكن قوله: (متم) تجريد لا ترشيح، أو المراد بالنور جميع ما ذكره، ومعنى بأفواههم بأقوالهم الخارجة من أفواههم التي لا منشأ لها غير الأفواه، دون الاعتقاد في القلوب، المتضمنة للطعن، مثلت حالهم بحال من ينفخ في نور الشمس بفيه ليطفئه، تهكماً بهم وسخرية.
قال ابن عطية: اللام في (ليطفئوا) لام مؤكدة مزيدة دخلت على المفعول، لأن التقدير يريدون أن يطفئوا، وأكثر ما تلزم هذه اللام المفعول إذا تقدم كقولك: لزيد ضربت ولرؤيتك قصدت، وقيل: هي لام العلة، والمفعول محذوف، أي يريدون إبطال القرآن، أو دفع الإسلام، أو هلاك الرسول ليطفئوا، وقيل إنها بمعنى أن الناصبة، وأنها ناصبة بنفسها، قال الفراء: العرب تجعل لام كي في موضع أن في أراد وأمر، وإليه ذهب الكسائي، ومثل هذا قوله: يريد الله ليبين لكم.
(والله متم نوره) بإظهاره في الآفاق وسائر في البلاد من المشارق إلى المغارب، وإعلائه على غيره، ومتم الحق، ومبلغه غايته، قرىء متم نوره بالإضافة سبعية وبتنوين (ولو كره الكافرون) ذلك فإنه كائن لا محالة.
следующие страницы →