← Тафсир

Тафсир · id 37458

فتح البيان في مقاصد القرآن

صديق حسن خان

Полный текст (12 043 стр.). Показаны 10256–10295 · переход к 10261.

стр. 10256

سبحوا الله تسبيحاً جديداً وأثر سلطنته على ظهره واسمه أحمد، وفي سفر الاستثناء قال: جاء الرب من سيناء، وأشرق لنا من ساعير، واستعلن من جبل فاران ومعه ألوف الأطهار في يمينه سنة من نار اهـ. وفاران جبل بمكة وبحيئُه من سيناء إعطاؤه التوراة لموسى، وإشراقه من ساعير إعطاؤه الإنجيل لعيسى، واستعلانه من جبل فاران إنزاله القرآن على محمد ﷺ ، ويؤيده ما في سفر التكوين في حال إسماعيل ﵇: وسكن برية فاران وأخذت له أمه امرأة من أرض مصر انتهى. ولا شك أن إسماعيل كان ساكناً بمكة المكرمة، زاد الله شرفها، إلى غير ذلك من الأدلة الصريحة التي ينكرها النصارى، ويؤولونها على غير محاملها، وكل من أسلم من علماء أهل الكتاب اليهود والنصارى في القرون الأولى، بل إلى الآن شهد بوجود البشارات المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة والتحية في كتب العهدين العتيق والجديد. وهكذا اعترف بصحة نبوته ﷺ وعموم رسالته من حمله الشقاء على عدم الإسلام، وقبول الإيمان، كهرقل عظيم الروم، ومقوقس صاحب مصر، وابن صوريا، وحُيَيُّ بن أخطب، وأبو ياسر بن أخطب، وأضرابهم، والله يتم نوره ولو كره الكافرون وفي هذا المقدار كفاية لمن له هداية. (فلما جاءهم) عيسى (بالبينات) أي بالمعجزات والآيات (قالوا هذا) الذي جاءنا به (سحر مبين) أي واضح ظاهر، وقيل: المراد محمد ﷺ لما جاءهم بذلك، قالوا هذه المقالة والأولى أولى، بل هو المتبادر من السياق، وهما قولان حكاهما المفسرون قرأ الجمهور: سحر، وقرىء ساحر، وهما سبعيتان.

стр. 10257

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٧) يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٨) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٩) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١٣)

стр. 10258

(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ) أي لا أحد أكثر ظلماً منه حيث يفتري على الله الكذب بنسبة الشريك والولد إليه ووصف آياته بالسحر (وهو يدعى إلى الإسلام) أي والحال أنه يدعى أي يدعوه ربه على لسان نبيه إلى دين الإسلام الذي هو خير الأديان وأشرفها، وفيه سعادة الدارين، لأن من كان كذلك فحقه أن لا يفتري على غيره الكذب، فكيف يفتريه على ربه؟ قرأ الجمهور يدعى من الدعاء مبنياً للمفعول، وقرىء يدعى من الادعاء مبنياً للفاعل، وإنما عدي بإلى لأنه ضمن معنى الانتماء والإنتساب (والله لا يهدي القوم الظالمين) جملة مقررة لمضمون ما قبلها، والمعنى لا يهدي من اتصف بالظلم، والمذكورون من جملتهم.

стр. 10259

(يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ) الإطفاء الإخماد، وأصله في النار. واستعير لا يجري مجراها من الظهور، والمراد بالنور القرآن أي يريدون إبطاله وتكذيبه بالقول، قاله ابن زيد، أو المراد الإسلام قاله السدي أو محمد ﷺ ، يريدون هلاكه بالأراجيف قاله الضحاك، أو الحجج والدلائل قاله ابن بحر، فنور الله استعارة تصريحية والإطفاء ترشيح،

стр. 10260

وقوله: (بأفواههم) فيه تورية وكذا قوله: (نوره)، ولكن قوله: (متم) تجريد لا ترشيح، أو المراد بالنور جميع ما ذكره، ومعنى بأفواههم بأقوالهم الخارجة من أفواههم التي لا منشأ لها غير الأفواه، دون الاعتقاد في القلوب، المتضمنة للطعن، مثلت حالهم بحال من ينفخ في نور الشمس بفيه ليطفئه، تهكماً بهم وسخرية. قال ابن عطية: اللام في (ليطفئوا) لام مؤكدة مزيدة دخلت على المفعول، لأن التقدير يريدون أن يطفئوا، وأكثر ما تلزم هذه اللام المفعول إذا تقدم كقولك: لزيد ضربت ولرؤيتك قصدت، وقيل: هي لام العلة، والمفعول محذوف، أي يريدون إبطال القرآن، أو دفع الإسلام، أو هلاك الرسول ليطفئوا، وقيل إنها بمعنى أن الناصبة، وأنها ناصبة بنفسها، قال الفراء: العرب تجعل لام كي في موضع أن في أراد وأمر، وإليه ذهب الكسائي، ومثل هذا قوله: يريد الله ليبين لكم. (والله متم نوره) بإظهاره في الآفاق وسائر في البلاد من المشارق إلى المغارب، وإعلائه على غيره، ومتم الحق، ومبلغه غايته، قرىء متم نوره بالإضافة سبعية وبتنوين (ولو كره الكافرون) ذلك فإنه كائن لا محالة.

стр. 10261

(هو الذي أرسل رسوله بالهدى) أي البيان الشافي بالقرآن أو المعجزات (ودين الحق) أي الملة الحقة، وهي ملة الإسلام (ليظهره على الدين كله) أي ليجعله ظاهراً على جميع الأديان المخالفة لها، عالياً عليها، غالباً لها، قال الخطيب: فإن قيل: قال أولاً: (ولو كره الكافرون)، وقال ثانيا: (ولو كره المشركون)، فما الحكمة في ذلك؟ أيقول بأنه تعالى أرسل رسوله، وهو من نعم الله تعالى، والكافرون كلهم في كفران النعم سواء، فلهذا قال: (ولو كره الكافرون)، لأن لفظ الكافر أعم من لفظ المشرك، فالمراد من الكافرين هنا اليهود والنصارى والمشركون، فلفظ الكافر

стр. 10262

أليق به، وأما قوله (ولو كره المشركون)، فذلك عند إنكارهم التوحيد، وإصرارهم عليه، لأنه ﷺ في ابتداء الدعوة أمر بالتوحيد بلا إله إلا الله فلم يقولوا فلهذا قال: (ولو كره المشركون) ذلك فإنه كائن لا محالة، ولعمري لقد فعل فما بقي دين من الأديان إلا وهو مغلوب مقهور بدين الإسلام، وقال مجاهد: ذلك إذا نزل عيسى، لم يكن في الأرض دين إلا دين الإسلام، والدين مصدر يعبر به عن الأديان المتعددة، وجواب لو في الموضعين محذوف، أي أتمه وأظهره، والجملة مستأنفة مقررة لما قبلها.

стр. 10263

(يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم)؟ الاستفهام إيجاب وإخبار في المعنى وذكر بلفظه تشريفاً لكونه أوقع في النفس، وقيل: المعنى سأدلكم، وهذا خطاب لجميع المؤمنين، وقيل لأهل الكتاب (على تجارة تنجيكم من عذاب أليم) جعل العمل المذكور بمنزلة التجارة لأنهم يربحون فيه كما يربحون فيها، وذلك بدخولهم الجنة ونجاتهم من النار، قرأ الجمهور تنجيكم من الإنجاء، وقرىء من التنجية، وهما سبعيتان. " عن أبي هريرة قال: قالوا لو كنا نعلم أي الأعمال أحب إلى الله؟ فنزلت هذه الآية فكرهوا فنزلت: (لم تقولون ما لا تفعلون) إلى قوله (بنيان مرصوص) أخرجه ابن مردويه، قال مقاتل: نزلت في عثمان بن مظعون قال: وددت يا نبي الله أعلم أي التجارات أحب إلى الله فأتجر فيها؟ ثم بين سبحانه هذه التجارة التي دل عليها فقال:

стр. 10264

(تؤمنون بالله ورسوله) أي تدومون على الإيمان لأن الخطاب مع المؤمنين، وتؤمنون خبر بمعنى الأمر للإيذان بوجوب الامتثال، فكأنه قد وقع، فأخبر بوقوعه، وقرأ ابن مسعود آمنوا وجاهدوا على الأمر، وقرىء تؤمنوا وتجاهدوا على إضمار لام الأمر، قال الأخفش تؤمنون عطف بيان لتجارة، والأولى أن تكون الجملة مستأنفة مبينة لما قبلها.

стр. 10265

(وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم) قدم ذكر الأموال على الأنفس لأنها هي التي يبدأ بها في الإنفاق والتجهز إلى الجهاد، أو لعزتها في ذلك الوقت، أو لأنها قوام النفس، وهذا بمنزلة الثمن الذي يدفعه المشتري (ذلكم) أي ما ذكر من الإيمان والجهاد (خير لكم) أي هذا الفعل خير لكم من أموالكم وأنفسكم، أو من كل شيء (إن كنتم تعلمون) أي إن كنتم ممن يعلم، فإنكم تعلمون أنه خير لكم إلا إذا كنتم من أهل الجهل فإنكم لا تعلمون ذلك.

стр. 10266

(يغفر لكم ذنوبكم) هذا بمنزلة المبيع الذي يأخذه المشتري من البائع في مقابلة الثمن المدفوع له، وهذا جواب الأمر المدلول بلفظ الخبر، ولهذا جزم. وقال الزجاج والمبرد: (تؤمنون) في معنى آمنوا، ولذلك جاء (يغفر لكم) مجزوماً، وقال الفراء؛ هذا جواب الاستفهام فجعله مجزوماً لكونه جوابه، وقد غلطه بعض أهل العلم، قال الزجاج: ليسوا إذا دلهم على ما ينفعهم يغفر لهم، إنما يغفر لهم، إذا آمنوا وجاهدوا، وقال الرازي في توجيه قول الفراء: إن (هل أدلكم) في معنى الأمر عنده، يقال: هل أنت ساكت؟ أي: أسكت؟ وبيانه أن هل بمعنى الاستفهام، ثم يتدرج إلى أن يصير عرضاً وحثاً، والحث كالإغراء، والإغراء أمر، وقيل: (يغفر لكم) مجزوم بشرط مقدر أي إن تؤمنوا يغفر لكم، وقرىء بالإدغام في يغفر لكم، والأولى تركه لأن الراء حرف متكرر فلا يحسن إدغامه في اللام. (ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار) قد تقدم بيان كيفية جري الأنهار من تحت الجنات مراراً، والمعنى: من تحت أشجارها وغرفها (ومساكن طيبة) أي قصوراً من لؤلؤة في ذلك القصر سبعون داراً من ياقوته حمراء، في كل دار سبعون بيتاً من زبرجدة خضراء، في كل بيت سبعون سريراً في كل سرير سبعون فراشاً، من

стр. 10267

كل لون، على كل فراش سبعون امرأة من الحور العين، في كل بيت سبعون مائدة، على كل مائدة سبعون لوناً من الطعام، في كل بيت سبعون وصيفاً أو وصيفة، فيعطي الله المؤمن من القوة في غداة واحدة يأتي على ذلك كله " رواه الحسن عن عمران بن حصين وأبي هريرة مرفوعاً ذكره الخطيب ولينظر في سنده وصحته. (في جنات عدن) أي في جنات إقامة وخلود (ذلك) المذكور من المغفرة وإدخال الجنات الموصوفة بما ذكر هو (الفوز العظيم) الذي لا فوز بعده والظفر الذي لا ظفر يماثله.

стр. 10268

(و) يؤتكم نعمة (أخرى تحبونها) وقال الأخفش والفراء: معطوفة على تجارة فهي في محل خفض، أي وهل أدلكم على خصلة أخرى تحبونها في العاجل مع ثواب الآخرة؟ وقيل: هي في محل رفع أي ولكم خصلة أخرى وقيل: في محل نصب أي ويعطيكم خصلة أخرى وفي (تحبونها) شيء من التعريض بأنهم يؤثرون العاجل على الآجل، ففيه شيء من التوبيخ على محبة العاجل، ثم بين سبحانه هذه الأخرى فقال:

стр. 10269

(نصر) أي هي نصر (من الله) لكم (وفتح قريب) يفتحه عليكم وقيل: نصر بدل من أخرى، على تقدير كونها في محل رفع، وقيل: التقدير ولكم نصر وفتح قريب، قال الكلبي: يعني النصر على قريش وفتح مكة، وقال عطاء: يريد فتح فارس والروم (وبشر المؤمنين) معطوف على محذوف، أي قل يا أيها الذين آمنوا وبشر، أو على تؤمنون لأنه في معنى الأمر، والمعنى آمنوا وجاهدوا أيها المؤمنون، وبشرهم يا محمد بالنصر والفتح وهذا ما جرى عليه في الكشاف، أو وبشرهم بالنصر في الدنيا والفتح وبالجنة في الآخرة، أو وبشرهم بالجنة في الآخرة، ووضع الإظهار موضع الإضمار للإشعار بأن صفة الإيمان هي التي تقتضي هذه البشارة، ثم حض سبحانه المؤمنين على نصرة دينه فقال:

стр. 10270

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ (١٤) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ) أي دوموا على ما أنتم عليه من نصرة الدين، قرىء أنصاراً لله بالتنوين، وبالإضافة، والرسم يحتمل القراءتين معاً، واختار أبو عبيدة الإضافة لقوله: (نحن أنصار الله) بالإضافة وهي سبعية، واللام يحتمل أن تكون مزيد في المفعول لزيادة التقوية، أو غير مزيدة والأول أظهر قال قتادة قد كان ذلك بحمد الله جاءه سبعون رجلاً فبايعوه عند العقبة وآووه ونصروه حتى أظهر الله دينه. (كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ)؟ أي انصروا دين الله مثل نصرة الحواريين، لما قال لهم عيسى: من أنصاري إلى الله؟ فقالوا نحن أنصار الله والكاف في كما نعمت مصدر محذوف، أي كونوا كوناً كما قال، قاله مكي، وفيه نظر، إذ لا يؤمرون بأن يكونوا كوناً، وقيل: الكاف في محل نصب على إضمار القول أي قلنا لهم ذلك كما قال عيسى، وقيل: هو كلام محمول على معناه دون لفظة وإليه نحا الزمخشري والمعنى كونوا أنصار الله كما كان الحواريون أنصار عيسى حين قال لهم من أنصاري إلى الله وإلى بمعنى مع أي مع الله وقيل: التقدير من أنصاري فيما يقرب إلى الله؟ قيل التقدير من أنصاري متوجهاً إلى نصرة الله وقد تقدم الكلام على هذا في سورة آل عمران. (قال الحواريون) هم أنصار المسيح وخلص أصحابه وأول من آمن به وكانوا اثني عشر رجلاً، وحواري الرجل صفيه وخالصه من الحور وهو البياض الخالص وقيل: كانوا قصارين يحورون الثياب أي يبيضونها وفي المختار التحوير تبييض الثياب.

стр. 10271

(نحن أنصار الله) من إِضافة الوصف إلى مفعوله أي نحن الذين ننصر الله أي ننصر دينه. " عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم قال: قال رسول الله ﷺ للنفر الذين لقوه بالعقبة: أخرجوا إليّ اثني عشر منكم يكونون كفلاء على قومهم كما كفلت الحواريون بعيسى بن مريم " أخرجه ابن سعد وابن إسحاق و " عن محمود بن لبيد قال: قال رسول الله ﷺ للنقباء: إنكم كفلاء على قومكم ككفالة الحواريين لعيسى ابن مريم وأنا كفيل قومي قالوا: نعم " أخرجه ابن سعد. (فآمنت طائفة من بني إسرائيل) بعيسى ﵇ (وكفرت طائفة) به وذلك لأنهم لما أختلفوا بعد رفعه تفرقوا وتقاتلوا فرقة قالت: كان الله فارتفع وفرقة قالت: كان ابن الله فرفعه إليه وفرقة قالت: كان عبد الله ورسوله فرفعه إليه وهم المؤمنون واتبع كل فرقة طائفة من الناس فاقتتلوا، وظهرت الفرقتان الكافرتان حتى بعث الله محمّداً ﷺ فظهرت الفرقة المؤمنة على الكافرة فذلك قوله تعالى: (فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم) أي قوينا المحقين منهم على المبطلين وقال ابن عباس: أي أيدنا الذين آمنوا بمحمد ﷺ وأمته على عدوهم وقيل: المعنى فأيدنا الآن المسلمين على الفرقتين جميعاً. (فأصبحوا ظاهرين) أي صاروا بعد ما كانوا فيه من الذل غالبين قاهرين في أقوالهم وأفعالهم لا يخافون أحداً ولا يستخفون منه.

стр. 10272

سورة الجمعة (إحدى عشرة آية بلا خلاف، وهي مدنية) قال القرطبي: في قول الجميع، قال ابن عباس: نزلت بالمدينة، وعن ابن الزبير مثله، وأخرج مسلم وأهل السنن. عن أبي هريرة: " سمعت رسول الله ﷺ يقرأ في الجمعة سورة الجمعة، و (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ) "، وأخرجوا عن ابن عباس نحوه، وأخرج ابن حبان والبيهقي في سننه. عن جابر بن سمرة قال: " كان رسول الله ﷺ يقرأ في صلاة المغرب ليلة الجمعة: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ)، (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)، وكان يقرأ في صلاة العشاء الآخرة ليلة الجمعة سورة الجمعة والمنافقون ".

стр. 10273

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤) مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥)

стр. 10274

(يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) أي ينزهه فاللام زائدة، وفي ذكر (مَا) تغليب للأكثر وهو ما لا يعقل، وقال النسفي ﵀: التسبيح إما أن يكون تسبيح خلقه، يعني إذا نظرت إلى كل شيء دلتك خلقته على وحدانية الله وتنزيهه عن الأشياء، أو تسبيح معرفة بأن يجعل الله بلطفه في كل شيء ما يعرف به الله تعالى وينزهه، ألا ترى إلى قوله تعالى: (وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم)؟ أو تسبيح ضرورة بأن يجري الله التسبيح على كل جوهر من غير معرفة له بذلك. (الملك القدوس العزيز الحكيم) قرأ الجمهور بالجر في هذه الصفات الأربع على أنها نعت لله، وقيل: على البدل، والأول أولى، وقرىء بالرفع على إضمار مبتدأ، وقرأوا القدوس بضم القاف وقرىء بفتحها، وقد تقدم تفسيره عن ميسرة أن هذه الآية يعني أول سورة الجمعة مكتوبة في التوراة بسبعمائة آية.

стр. 10275

(هو الذي بعث) أرسل (في الأميين) أي إليهم والمراد بهم العرب من كان يحسن الكتابة منهم، ومن لا يحسنها لأنهم لم يكونوا أهل كتاب، والأمي في الأصل الذي لا يكتب ولا يقرأ المكتوب، وكان غالب العرب

стр. 10276

كذلك، وقال النسفي: الأمي منسوب إلى أمة العرب لأنهم كانوا لا يكتبون ولا يقرأون من بين الأمم، وقيل: بدأت الكتابة بالطائف وهم أخذوها من أهل الحيرة، وأهل الحيرة من أهل الأنبار انتهى. و" عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب " أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما. (رسولاً منهم) أي من أنفسهم ومن جنسهم ومن جملتهم، كما قوله: (لقد جاءكم رسول من أنفسكم) وما كان حي من أحياء العرب إلا ولرسول الله ﷺ ، فيهم قرابة، وقد والوه، ووجه الامتنان بكونه منهم أن ذلك أقرب إلى الموافقة لأن الجنس أميل إلى جنسه وأقرب إليه، وقيل: أمياً مثلهم وإنما كان أمياً لأن نعته في كتب الأنبياء النبي الأمي وكونه بهذه الصفة أبعد من توهم الاستعانة بالكتابة على ما أتى به من الوحي، والحكمة، ولكون حاله مشاكلة لحال أمته الذين بعث فيهم، وذلك أقرب إلى صدقه، والاقتصار هنا في المبعوث إليهم على الأميين لا ينافي أنه مرسل إلى غيرهم لأن ذلك مستفاد من دليل آخر كقوله: (وما أرسلناك إلا كافة للناس). (يتلو عليهم آياته) يعني القرآن مع كونه أمياً لا يقرأ ولا يكتب. ولا تعلم ذلك من أحد والجملة حال أو نعت لـ (رسولاً) وكذا قوله: (ويزكيهم) أي يطهرهم من دنس الكفر والذنوب قاله ابن جريج ومقاتل، وقيل: من الشرك وخبائث الجاهلية، وقال السدي: يأخذ زكاة أموالهم، وقيل: يجعلهم أزكياء القلوب بالإيمان، وقال الكرخي: يحملهم على ما يصيرون به أزكياء من حيث العقائد. (ويعلمهم الكتاب والحكمة) الجملة صفة ثالثة لـ (رسولاً)، والمراد

стр. 10277

بالكتاب القرآن وبالحكمة السنة كذا قال الحسن وقيل: الكتاب الخط بالقلم والحكمة الفقه في الدين، كذا قال مالك بن أنس، وقيل: المراد بالكتاب الفرائض (وإن كانوا من قبل) أي من قبل بعثته فيهم، ومجيئه إليهم (لفي ضلال مبين) أي في شرك وذهاب عن الحق وكفر وجهالة، وإن مخففة من الثقيلة واللام دليل عليها أي كانوا في ضلال واضح لا ترى ضلالاً أعظم منه.

стр. 10278

(وآخرين منهم) مجرور عطفاً على الأميين، أي بعثه في الأميين الذين على عهده، وبعثه في آخرين منهم، أو منصوب عطفاً على الضمير المنصوب في يعلمهم، أي ويعلم آخرين، وكل من يعلم شريعة محمد ﷺ إلى آخر الزمان، فرسول الله ﷺ معلمه بالقوة لأنه أصل ذلك الخير العظيم، والفضل الجسيم، أو عطفاً على مفعول يزكيهم أي يزكيهم ويزكي آخرين والمراد بالآخرين من جاء بعد الصحابة إلى يوم القيامة، وقيل: المراد بهم من أسلم من غير العرب، وقال عكرمة: هم التابعون، وقال مجاهد: الناس كلهم وكذا قال ابن زيد والسدي. (لما يلحقوا بهم) ذلك الوقت وسيلحقون بهم من بعد، وقيل: في السبق إلى الإسلام والشرف والدرجة وهذا النفي مستمر دائماً لأن الصحابة لا يلحقهم ولا يساويهم في شأنهم أحد من التابعين، ولا ممن بعدهم، فالمنفي هنا غير متوقع الحصول، ولذلك لما ورد عليه أن لما تنفي ما هو متوقع الحصول، والمنفي هنا ليس كذلك، فسرها المحلي بلم التي منفيها أعم من أن يكون متوقع الحصول أولاً فـ (لما) هنا ليست على بابها، والضمير في بهم ومنهم راجع إلى الأميين، وهذا يؤيد أن المراد بالآخرين هم من يأتي بعد الصحابة من العرب خاصة إلى يوم القيامة، وهو ﷺ وإن كان مرسلاً إلى جميع الثقلين فتخصيص العرب هنا لقصد الامتنان عليهم، وذلك لا ينافي عموم الرسالة ويجوز أن يراد بالآخرين العجم لأنهم

стр. 10279

وإن لم يكونوا من العرب فقد صاروا بالإسلام مثلهم، والمسلمون كلهم أمة واحدة، وإن اختلفت أجناسهم. و" عن أبي هريرة قال كنا جلوساً عند النبي ﷺ حين نزلت سورة الجمعة فتلاها، فلما بلغ (وآخرين منهم لما يلحقوا بهم) قال له رجل: يا رسول الله من هؤلاء الذين لم يلحقوا بنا؟ فوضع يده على سلمان الفارسي وقال: والذي نفسي بيده لو كان الإيمان بالثريا لناله رجال من هؤلاء " أخرجه البخاري وغيره، وأخرجه أيضاًً مسلم من حديثه مرفوعاً بلفظ: لو كان الإيمان عند الثريا لذهب به رجال من فارس أو قال من أبناء فارس. وعن قيس بن سعد بن عبادة أن رسول الله ﷺ قال: لو كان الإيمان بالثريا لناله ناس من أهل فارس "، أخرجه سعيد بن منصور وابن مردويه. و" عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله ﷺ : إن في أصلاب أصلاب رجال من أصحابي رجالاً ونساء من أمتي يدخلون الجنة بغير حساب، ثم قرأ (وآخرين منهم لما يلحقوا بهم) ". (وهو العزيز الحكيم) أي بليغ العزة والحكمة، في تمكينه رجلاً أمياً من ذلك الأمر العظيم، وتأييده عليه، واختياره إياه من بين كافة البشر.

стр. 10280

(ذلك) أي ما تقدم ذكره أو الإسلام قاله الكلبي أو الوحي والنبوة قاله قتادة أو إلحاق العجم بالعرب أو الدين قاله ابن عباس، والفضل الذي أعطاه محمداً ﷺ وهو أن يكون نبي أبناء عصره، ونبي أبناء العصور الغوابر قاله النسفي (فضل الله يؤتيه) أي يعطيه (من يشاء) إعطاءه، وتقتضيه حكمته (والله ذو الفضل العظيم) الذي لا يساويه فضل ولا يدانيه، ولما ترك اليهود العمل بالتوراة، ولم يؤمنوا بمحمد في ﷺ ، ضرب الله لهم مثلاً فقال:

стр. 10281

(مثل الذين حملوا التوراة) أي كلفوا القيام بها والعمل بما فيها، وقال الجرجاني: حملوا من الحملة بمعنى الكفالة، لا من الحمل على الظهر، والحميل هو الكفيل أي ضمنوا أحكام التوراة (ثم لم يحملوها) أي لم يعملوا بموجبها، ولا أطاعوا ما أمروا به فيها، ولم يؤدوا حقها (كمثل الحمار) الذي هو أبلد الحيوان فخص بالذكر، لأنه في غاية الغباوة. (يحمل أسفاراً) حال أو صفة للحمار، إذ ليس المراد به حماراً معيناً، فهو حكم النكرة، إذ المراد به الجنس، وقرأ المأمون بن هرون الرشيد يحمل مشدداً مبنياً للمفعول، والأسفار جمع سفر، وهو الكتاب الكبير، لأنه يسفر عن المعنى إذا قرىء قال ابن عباس: أسفاراً كتباً أي كباراً من كتب العلم، قال ميمون بن مهران: الحمار لا يدري أسفر على ظهره أم زبل، فهكذا اليهود، وكل من علم ولم يعمل بعلمه فهذا مثله، وهذا المثل يلحق من لم يفهم معاني القرآن ولم يعمل بما فيه وأعرض عنه إعراض من لا يحتاج إليه، ولهذا قال ميمون بن مهران: يا أهل القرون اتبعوا القرآن قبل أن يتبعكم، ثم تلا هذه الآية ثم ذم هذا المثل، والمراد منه ذمهم فقال: (بئس) مثلاً (مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله) على أن التمييز محذوف والفاعل المفسر به مضمر، ومثل القوم هو المخصوص بالذم، أو مثل القوم فاعل بئس، والمخصوص بالذم الموصول بعده على حذف المضاف، أي مثل الذين كذبوا ويجوز أن يكون الموصول صفة للقوم، فيكون في محل جر، والمخصوص بالذم محذوف، والتقدير بئس مثل القوم المكذبين، مثل هؤلاء والمراد بالآيات محمد ﷺ ، وما أتى به من آيات القرآن وقيل: المراد آيات التوراة لأنهم كذبوا بها حين تركوا الإيمان بمحمد ﷺ (والله لا يهدي القوم الظالمين) يعني الكافرين على العموم، فيدخل فيهم اليهود دخولاً أولياً والمراد بهم الذين سبق في علمه أنهم لا يؤمنون، وإلا فقد هدى كثيراً من الكفار.

стр. 10282

قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦) وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٧) قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩) فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠) وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١)

стр. 10283

(قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا) المراد بهم الذين تهودوا وتدينوا باليهودية، وهي ملة موسى ﵇، وذلك أن اليهود ادعوا الفضيلة على الناس، وقالوا: إنهم أولياء الله من دونهم، كما في قولهم: (نحن أبناء الله وأحباؤه) وقولهم: (لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً)، فأمر الله سبحانه رسوله ﷺ أن يقول لهم لما ادعوا هذه الدعوى الباطلة؛ (إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس) والولي يؤثر الآخرة ومبدأها وطريقها الموت. (فتمنوا الموت) لتصيروا إلى ما تصيرون إليه من الكرامة في زعمكم، قرأ الجمهور بضم الواو وقرىء بفتحها تخفيفاً، وحكى الكسائي: إبدال الواو همزة (إن كنتم صادقين) في هذا الزعم فإن من علم أنه من أهل الجنة أحب الخلوص من هذه الدار ثم أخبر سبحانه بما سيكون منهم في المستقبل من أنهم لا يفعلون ذلك أبداً بسبب ذنوبهم، فقال:

стр. 10284

(ولا يتمنونه أبداً بما قدمت أيديهم) أي بسبب ما عملوا من الكفر

стр. 10285

والمعاصي، الموجبة لدخول النار والتحريف والتبديل، قال الزمخشري: ولا فرق بين لا ولن في أن كل واحدة منهما نفي للمستقبل، إلا أن في لن تأكيداً وتشديداً ليس في لا فأتى مرة بلفظ التأكيد في (ولن يتمنوه)، ومرة بغير لفظه في (ولا يتمنونه) قال أبو حيان: وهذا رجوع منه عن مذهبه وهو أن لن تقتضي النفي على التأبيد إلى مذهب الجماعة، وهو أنها لا تقتضيه، قلت: ليس فيه رجوع، غاية ما فيه أنه سكت عنه، وتشريكه بين لا ولن في نفي المستقبل لا ينفي اختصاص لن بمعنى آخر. (والله عليم بالظالمين) يعني على العموم، وهؤلاء اليهود داخلون فيهم دخولا أولياً، ثم أمر الله سبحانه رسوله أن يقول لهم: إن الفرار من الموت لا ينجيهم، وأنه نازل بهم فقال:

стр. 10286

(قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم) لا محالة، ونازل بكم بلا شك، والفاء في فإنه داخلة لتضمن الاسم معنى الشرط، قال الزجاج: لا يقال إن زيداً فمنطلق، وههنا قال: فإنه ملاقيكم لما في معنى الذي من الشرط والجزاء، أي إن فررتم منه فإنه ملاقيكم، ويكون مبالغة في الدلالة على أنه لا ينفع الفرار منه، وقيل: إنها مزيدة محضة لا للتضمن المذكور، وقيل: إن الكلام قد تم عند قوله: (تفرون منه) ثم ابتدأ فقال: (فإنه ملاقيكم)، ولما كان المقام في البرزخ أمراً مهولاً لا بد منه نبه عليه وعلى طوله، بأداة التراخي فقال: (ثم تردون إلى عالم الغيب) السر (والشهادة) العلانية وذلك يوم القيامة (فينبئكم بما كنتم تعملون) من الأعمال القبيحة ويجازيكم عليها، وفيه وعيد وتهديد.

стр. 10287

(يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة) أي وقع النداء لها، والمراد به الأذان إذا جلس الخطيب على المنبر يوم الجمعة، لأنه لم يكن على عهد رسول الله ﷺ نداء سواه، ثم كان أبو بكر وعمر وعلي بالكوفة على

стр. 10288

ذلك حتى كان عثمان وكثر الناس وتباعدت المنازل زاد أذاناً آخر، فأمر بالتأذين أولاً على داره التي تسمى الزوراء، فإذا سمعوا أقبلوا حتى إذا جلس على المنبر أذن المؤذن ثانياً، ولم يخالفه أحد في ذلك الوقت. " لقوله ﷺ : عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي ". (من يوم الجمعة) بيان لإذا وتفسير لها قاله الزمخشري، وقال أبو البقاء إن من بمعنى في كما في قوله: (أروني ماذا خلقوا من الأرض) أي في الأرض وجمع الكواشي بينهما، وقرأ الجمهور الجمعة بضم الميم وقرىء بإسكانها تخفيفاً، وهما لغتان، وجمعها جمع وجمعات قال الفراء: يقال الجمعة بسكون الميم وبفتحها وبضمها، وهي صفة لليوم، أي يوم يجمع الناس وقال الفراء أيضاًً وأبو عبيدة: التخفيف أخف وأقيس، نحو غرفة وغرف؛ وطرفة وطرف، وحجرة وحجر وفتح الميم لغة عقيل، وقيل: إنما سميت جمعة لأن الله سبحانه جمع فيها خلق آدم، وقيل: لأن الله تعالى فرغ فيها من خلق كل شيء، فاجتمعت فيها جميع المخلوقات وقيل: لاجتماع الناس فيها للصلاة. " وعن أبي هريرة قال: قلت: يا رسول الله لأي شيء سمي يوم الجمعة؟ قال لأن فيه جمعت طينة أبيكم آدم، وفيه الصعقة والبعثة، وفي آخره ثلاث ساعات منها ساعة من دعا الله فيها بدعوة استجاب له "، أخرجه سعيد بن منصور، وابن مردويه. و" عن سلمان قال: قال لي رسول الله ﷺ : أتدري ما يوم الجمعة؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قالها ثلاث مرات، ثم قال في الثالثة: هو اليوم الذي جمع الله فيه أباكم آدم، أفلا أحدثكم عن يوم الجمعة "؟ الحديث رواه أحمد والنسائي وسعيد بن منصور وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه. و" عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : خير يوم

стр. 10289

طلعت فيه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة " أخرجه أحمد ومسلم والترمذي وابن مردويه وفي الباب أحاديث مصرحة بأنه خلق فيه آدم، وورد في فضل يوم الجمعة أحاديث كثيرة، وكذلك في فضل صلاة الجمعة وعظيم أجرها، وفي الساعة التي فيها وأنه يستجاب الدعاء فيها. وقد أوضح شيخنا الشوكاني في شرحه المنتقى بما لا يحتاج الناظر فيه إلى غيره. وأول جمعة جمعها رسول الله ﷺ في دار لبني سالم بن عوف وذلك أنه لما قدم المدينة نزل بقباء، وأقام بها إلى الجمعة، ثم دخل المدينة وصلى الجمعة في تلك الدار، والجمعة فريضة من فرائض الله بهذا النص من كتاب الله، وبما صح في السنة المطهرة، وهي الكثير الطيب، وقد واظب عليها النبي ﷺ من الوقت الذي شرعه الله تعالى فيه إلى أن قبضه، وحكى ابن المنذر الإجماع على أنها فرض عين، وزاد ابن العربي: ومن نازع في فرضية الجمعة فقد أخطأ ولم يصب، وهي كسائر الصلوات لا يخالفها إلا في مشروعية الخطبتين قبلها، ومن تأمل فيما وقع في هذه العبادة الفاضلة من الأقوال الساقطة، والمذاهب الزائغة، والاجتهادات الداحضة، قضى من ذلك العجب. ولا يوجد في كتاب الله ولا في سنة رسوله حرف واحد يدل على ما ادعوه من كون تلك الأمور كالمصر الجامع، والعدد المخصوص، والإمام الأعظم، والحمام ونحوها، شروطاً لصحة الجمعة أو فرضاً من فرائضها، أو ركناً من أركانها فيالله العجب ما يفعل الرأي بأهله، ومن يخرج من رؤوسهم هذه الخزعبيلات الشبيهة بالقصص، والأحاديث الملفقة، وهي عن الشريعة المطهرة بمعزل، وكل من ثبت قدمه ولم يتزلزل عن طريق الحق بالقيل والقال يعرف هذا أحسن المعرفة، ومن جاء بالغلط فغلطه رد عليه، مضروب به في

стр. 10290

وجهه، وتفصيل ذلك في النيل والسيل للشوكاني. هذا وقد قال الشيخ الرحماني في حاشيته على التحرير: إن أفضل الليالي ليلة المولد، ثم ليلة القدر ثم ليلة الإسراء فعرفة، فالجمعة، فنصف شعبان، فالعيد، وأفضل الأيام يوم عرفة، ثم يوم نصف شعبان، ثم يوم الجمعة، والليل أفضل من النهار. (فاسعوا إلى ذكر الله) قال عطاء: يعني الذهاب والمشي إلى الصلاة، وقال الفراء: المضي والسعي والذهاب في معنى واحد، ويدل على ذلك قراءة عمر بن الخطاب وابن مسعود ﵄: فامضوا إلى ذكر الله، كما سيجيء وقيل: المراد القصد، قال الحسن: والله ما هو سعي على الأقدام، ولكنه قصد بالقلوب والنيات. وقيل: المراد به السعي على الأقدام، وذلك فضيلة وليس بشرط، والأول أولى، وقيل: هو العمل قال ابن عباس: يعني ليس المراد به السرعة في المشي، كقوله: (من أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن) وقوله: (إن سعيكم لشتى) وقوله: (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى)، وقول الداعي: وإليك نسعى ونحفد. قال القرطبي: وهذا قول الجمهور، أي فاعملوا على المضي إلى ذكر الله واشتغلوا بأسبابه من الغسل والوضوء والتوجه إليه، وعن خرشة بن الحر قال رأى معي عمر بن الخطاب لوحاً مكتوباً فيه: (فامضوا إلى ذكر الله) فقال: من أملى عليك هذا؟ قلت: أبيّ بن كعب قال: إن أبياً أقرأنا المنسوخ أقرأها فامضوا إلى ذكر الله؟ رواه ابن المنذر وابن الأنباري وابن أبي شيبة وأبو عبيدة في فضائله وسعيد بن منصور. وروى هؤلاء غير أبي عبيد. " عن ابن عمر قال: لقد توفي رسول الله ﷺ وما نقرأ هذه الآية التي هي في سورة الجمعة إلا: فامضوا إلى ذكر الله "، وأخرجه عنه أيضاًً الشافعي في الأم، وعبد الرزاق والفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم،

стр. 10291

وأخرجوا كلهم أيضاًً عن ابن مسعود أنه كان يقرأ: فامضوا إلى ذكر الله. قال: ولو كان فاسعوا لسعيت حتى يسقط ردائي، وعن أبيّ أنه قرأ كذلك، والمراد من ذكر الله هنا صلاة الجمعة، وقيل: موعظة الإمام، والأول أولى، وقال الجمهور: الخطبة. وبه استدل أبو حنيفة على أن الخطيب إذا اقتصر على الحمد لله جاز. " وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة، وعليكم السكينة والوقار، ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا " أخرجه البخاري ومسلم، وهذا الحديث يعم كل صلاة ويدخل فيه صلاة الجمعة، فهو كالتفسير للآية. (وذروا البيع) أي اتركوا المعاملة به ويلحق به سائر المعاملات أو اتركوا عنده بتمامه، فالخطاب لكل من البائع والمشتري، قال الحسن: إذا أذن المؤذن يوم الجمعة لم يحل الشراء والبيع. " عن محمد بن كعب أن رجلين من أصحاب النبي ﷺ كانا يختلفان في تجارتهما إلى الشام، فربما قدما يوم الجمعة ورسول الله ﷺ يخطب، فيدعونه ويقومون، فنزلت الآية: (وذروا البيع) فحرم عليهم ما كان قبل ذلك "، أخرجه عبد بن حميد، والمراد بالآية ترك ما يذهل عن ذكر الله من شواغل الدنيا وإنما خص البيع من بينها لأن يوم الجمعة يتكاثر فيه البيع والشراء عند الزوال فقيل لهم: بادروا تجارة الآخرة واتركوا تجارة الدنيا واسعوا إلى ذكر الله الذي لا شيء أنفع منه وأربح وذروا البيع الذي نفعه يسير. (ذلكم) أي السعي إلى ذكر الله وترك البيع (خير لكم) من البيع والتكسب في ذلك الوقت لما في الامتثال من الأجر والجزاء وفي عدمه من عدم ذلك إذا لم يكن موجباً للعقوبة وتمسك بهذا الشافعية في أن البيع وقت أذان الخطبة إلى انقضاء الصلاة صحيح مع الحرمة، قال في الكشاف: عامة العلماء

стр. 10292

على أن ذلك لا يوجب الفساد، لأن البيع لم يحرم لعينه بل لما فيه من التشاغل عن الصلاة، فهو كالصلاة في الأرض المغصوبة، وقال مالك: ما وقع في الوقت المذكور يفسخ، وكذا سائر العقود (إن كنتم تعلمون) أي إن كنتم من أهل العلم، فإنه لا يخفى عليكم أن ذلكم خير لكم من مصالح أنفسكم.

стр. 10293

(فإذا قضيت الصلاة) أي إذا فعلتم الصلاة وأديتموها، وفرغتم منها (فانتشروا في الأرض) للتجارة فيما تحتاجون إليه من أمر معاشكم، والأمر للإباحة (وابتغوا) أي أطلبوا (من فضل الله) أن من رزقه الذي يتفضل به على عباده، بما يحصل لهم من الأرباح في المعاملات والمكاسب وقيل: المراد به ابتغاء ما عند الله من الأجر، بعمل الطاعات، واجتناب ما لا يحل، وقيل: هو طلب العلم. " عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ في الآية ليس بطلب دنيا، ولكن عيادة مريض، وحضور جنازة، وزيارة أخ في الله أخرجه ابن جرير. وعن ابن عباس قال: لم يؤمروا بشيء من طلب الدنيا، إنما هو عيادة مريض، وحضور جنازة وزيارة أخ في الله، وعن عراك بن مالك: أنه كان إذا صلى الجمعة انصرف، فوقف على باب المسجد وقال: اللهم أجبت دعوتك، وصليت فريضتك، وانتشرت كما أمرتني، فارزقني من فضلك، وأنت خير الرازقين. (واذكروا الله) ذكراً (كثيراً) بالشكر له على ما هداكم إليه من الخير الأخروي والدنيوي، وكذا اذكروه بما يقربكم إليه من الأذكار، كالحمد والتسبيح والتكبير والاستغفار ونحو ذلك، ولا تقصروا ذكره على حالة الصلاة (لعلكم تفلحون) أي لكي تفوزوا بخيري الدارين وتظفروا بهما.

стр. 10294

(وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها) سبب نزول هذه الآية أنه كان

стр. 10295

بأهل المدينة فاقة وحاجة، فأقبلت عير الشام، وضرب لقدومها الطبل، والنبي ﷺ يخطب يوم الجمعة، فانفتل الناس إليها حتى لم يبق إلا اثنا عشر رجلاً في المسجد كما سيجيء، قال قتادة: بلغنا أنهم فعلوا ذلك ثلاث مرات، كل مرة تقدم العير من الشام، ويوافق قدومها يوم الجمعة وقت الخطبة، وقيل ضربه أهل المدينة على العادة في أنهم كانوا يستقبلونها بالطبل والتصفيق، أو ضربه أهل القادم بها أقوال ثلاثة حكاها الخطيب. ومعنى انفضوا تفرقوا خارجين إليها، وقال المبرد: مالوا إليها والضمير للتجارة وخصت بإرجاع الضمير إليها دون اللهو، لأنها كانت أهم عندهم، وقيل: التقدير وإذا رأوا تجارة انفضوا إليها أو لهواً انفضوا إليه، فحذف الثاني لدلالة الأول عليه، وقيل: إنه اقتصر على ضمير التجارة لأن الانفضاض إليها إذا كان مذموماً مع الحاجة إليها فكيف بالانفضاض إلى اللهو؟ وقيل غير ذلك. (وتركوك) في الخطبة (قائماً) على المنبر، أخرج البخاري ومسلم وغيرهما. " عن جابر بن عبد الله قال: بينما النبي ﷺ ، يخطب يوم الجمعة قائماً إذ قدمت عير المدينة فابتدرها أصحاب النبي ﷺ ، حتى لم يبق منهم إلا اثنا عشر رجلاً أنا فيهم وأبو بكر وعمر، فأنزل الله: (وإذا رأوا تجارة) إلى آخر السورة "، " وعن ابن عباس في الآية قال جاءت عير عبد الرحمن بن عوف تحمل الطعام فخرجوا من الجمعة بعضهم يريد أن يشتري، وبعضهم يريد أن ينظر إلى دحية بن خليفة الكلبي، وتركوا رسول الله ﷺ قائماً على المنبر، وبقي في المسجد اثنا عشر رجلاً، وسبع نسوة، فقال رسول الله ﵌: لو خرج كلهم لاضطرم عليهم المسجد ناراً " أخرجه عبد بن حميد. وفي الباب روايات متضمنة لهذا المعنى، عن جماعة من الصحابة وغيرهم، والذي سوغ لهم الخروج وترك رسول الله ﷺ يخطب أنهم ظنوا أن الخروج بعد تمام الصلاة جائز لانقضاء المقصود وهو
следующие страницы →