← Тафсир

Тафсир · id 37458

فتح البيان في مقاصد القرآن

صديق حسن خان

Полный текст (12 043 стр.). Показаны 10326–10365 · переход к 10331.

стр. 10326

بالضم ومالك بين الملك بالكسر (وهو على كل شيء قدير) لا يعجزه شيء.

стр. 10327

(هو الذي خلقكم) أي قدر خلقكم في الأزل، وكذا قوله: (فمنكم كافر ومنكم مؤمن) أي مقضي بكفره وإيمانه أزلاً، وقيل: إنه خلق الخلق، ثم كفروا وآمنوا، والتقدير هو الذي خلقكم ثم وصفكم فقال: (فمنكم كافر ومنكم مؤمن) كقوله: (وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ) الآية، قالوا: فإنه خلقهم والمشي فعلهم وهذا اختيار الحسين بن الفضيل قال: لو خلقهم مؤمنين وكافرين لما وصفهم بفعلهم في قوله (فمنكم كافر) إلخ واحتجوا: " بقوله ﷺ : كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه "، ذكره الخطيب، قال الضحاك: فمنكم كافر في السر مؤمن في العلانية كالمنافق، ومنكم مؤمن في السر وكافر في العلانية، كعمار ابن ياسر ونحوه مما أكره على الكفر. وقال عطاء: فمنكم كافر بالله مؤمن بالكواكب ومنكم مؤمن بالله، كافر بالكواكب. قال الزجاج: إن الله خلق الكافر، وكفره فعل له وكسب، مع أن الله خالق الكفر، وخلق المؤمن، وإيمانه فعل له وكسب، مع أن الله خالق الإيمان، والكافر يكفر ويختار الكفر بعد خلق الله إياه، لأن الله تعالى قدر ذلك عليه وعلمه منه، لأن وجود خلاف المقدر عجز، ووجود خلاف المعلوم جهل، هذا طريق أهل السنة، فمن سلك هذا أصاب الحق وسلم من مذهب الجبرية والقدرية، قال القرطبي: وهذا أحسن الأقوال، وهو الذي عليه جمهور الأمة وقدم الكافر على المؤمن لأنه الأغلب عند نزول القرآن، وفيه رد لقول من يقول بالمنزلة بين المنزلتين. (والله بما تعملون بصير) لا تخفى عليه من ذلك خافية، فهو مجازيكم بأعمالكم.

стр. 10328

" عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : العبد يولد مؤمناً، ويعيش مؤمناً، ويموت مؤمناً، والعبد يولد كافراً، ويعيش كافراً، ويموت كافراً، وإن العبد يعمل برهة من دهره بالسعادة، ثم يدركه ما كتب له، فيموت شقياً وإن العبد يعمل برهة من دهره بالشقاء، ثم يدركه ما كتب له فيموت سعيداً "، أخرجه ابن مردويه، ثم لما ذكر سبحانه خلق العالم الصغير اتبعه بخلق العالم الكبير فقال:

стр. 10329

(خلق السموات والأرض) خلقاً متلبساً (بالحق) أي بالحكمة البالغة، وقيل: خلق ذلك خلقاً يقينياً لاريب فيه، وقيل: الباء بمعنى اللام، أي خلق ذلك لإظهار الحق، وهو أن يجزي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، ثم رجع سبحانه إلى خلق العالم الصغير كذا قال مقاتل، وقيل: المراد جميع الخلائق وهو الظاهر، أي أنه سبحانه خلقهم في أكمل صورة وأحسن تقويم، وأجمل شكل وأبهاه، لا يتمنى الإنسان أن تكون صورته على خلاف ما يرى من سائر الصور قال بعض الحكماء شيئان لا غاية لهما، الجمال والبيان، والتصوير والتخطيط والتشكيل. قرأ الجمهور صوركم بضم الصاد وقرىء بكسرها. (وإليه المصير) في الدار الآخرة لا إلى غيره. " وعن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : إذا مكث المني في الرحم أربعين ليلة أتاه ملك النفوس، فعرج به إلى الرب فيقول: يا رب أذكر أم أنثى؟ فيقضي الله ما هو قاض، فيقول: أشقي أم سعيد؟ فيكتب ما هو لاق، وقرأ أبو ذر من فاتحه التغابن خمس آيات إلى قوله: (وإليه المصير) " أخرجه عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.

стр. 10330

(يعلم ما في السموات والأرض) لا تخفى عليه من ذلك خافية (ويعلم ما تسرون وما تعلنون) أي ما تخفونه وما تظهرونه، والتصريح به مع اندراجه فيما قبله لمزيد التأكيد في الوعد والوعيد (والله عليم بذات الصدور) جملة مقررة لما قبلها من شمول علمه لكل معلوم، وهي تذييلية، وقال الخطيب: كل واحدة من هذه الثلاث أخص مما قبلها وجمع بينها إشارة إلى أن علمه تعالى محيط بالجزئيات والكليات لا يعزب عنه شيء من الأشياء.

стр. 10331

(ألم يأتكم)؟ استفهام توبيخ أو تقرير (نبأ الذين كفروا من قبل) أي من قبلكم، وهم كفار الأمم الماضية، كقوم نوح وعاد وثمود والخطاب لكفار العرب، وقوله: (فذاقوا وبال أمرهم) معطوف عليه كفروا، عطف المسبب على السبب، وعبر عن العقوبة بالوبال إشارة إلى أنها كالشيء الثقيل المحسوس، وذلك لأن الوبال في الأصل الثقل والشدة، ومنه الوبيل للطعام الذي يثقل على المعدة، والوابل المطر الثقيل القطر، والمراد بأمرهم هنا ما وقع منهم من الكفر والمعاصي، والوبال ما أصيبوا به من عذاب الدنيا (ولهم عذاب أليم) في الآخرة وهو عذاب النار.

стр. 10332

(ذلك) أي ما ذكر من العذاب في الدارين وهو مبتدأ وخبره (بأنه) أي بسبب أنها (كانت تأتيهم رسلهم) أي الرسل المرسلة إليهم (بالبينات) أي بالحجج الباهرة والمعجزات الظاهرة (فقالوا أبشر يهدوننا) أي قال قوم منهم لرسولهم هذا القول، منكرين أن يكون الرسول من جنس البشر، متعجبين من ذلك، كما قالت ثمود: (أبشراً منا واحداً نتبعه)، ومن غباوتهم أنهم أنكروا أن يكون الرسول بشراً وسلموا واعتقدوا أن الإله يكون حجراً، وأراد بالبشر الجنس ولهذا قال: يهدوننا وقد أجمل في الحكاية فأسند القول إلى جميع الأقوام كما أجمل الخطاب والأمر في قوله: (يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً). (فكفروا) بالرسل وبما جاؤوا به وقيل: كفروا بسبب هذا القول الذي

стр. 10333

قالوه للرسل، فالفاء للسببية لا للتعقيب (وتولوا) أي اعرضوا عنهم، ولم يتدبروا فيما جاؤوا به (واستغنى الله) أي أظهر غناه عن إيمانهم وعبادتهم حيث لم يلجئهم ولم يضطرهم إليه مع قدرته على ذلك، وقال مقاتل: استغنى الله بما أظهره لهم من البرهان، وأوضحه من المعجزات، وقيل: استغنى بسلطانه عن طاعة عباده، وقال الزمخشري: أي ظهر غناه فالسين ليست للطلب (والله غني حميد) أي غير محتاج إلى العالم ولا إلى عبادتهم له، محمود من كل مخلوقاته بلسان المقال والحال.

стр. 10334

(زعم الذين كفروا) الزعم هو القول بالظن، وادعاء العلم، ويطلق على الكذب، قال شريح: لكل شيء كنية وكنية الكذب زعموا، وهو يتعدى إلى مفعولين، وقوله: (أن لن يبعثوا) ساد مسدهما والمعنى زعم كفار العرب وهم أهل مكة كما قاله أبو حيان: أن الشأن لن يبعثوا أبداً. " عن ابن مسعود أنه قيل له: ما سمعت النبي ﷺ يقول في (زعموا)؟ قال: سمعته يقول: بئس مطية الرجل "، أخرجه أحمد والبيهقي وغيرهما، وعنه أنه كره زعموا، ثم أمر الله سبحانه رسوله ﷺ بأن يرد عليهم، ويبطل زعمهم فقال: (قل بلى) هي لإيجاب النفي، فالمعنى بلى تبعثون، ثم أقسم على ذلك بقوله (وربي) وجواب القسم (لتبعثن) أي لتخرجن من قبوركم، أكد الإخبار باليمين، فإن قلت: ما معنى اليمين على شيء أنكروه، قلت: هو جائز لأن التهدد به أعظم موقعاً في القلب، فكأنه قيل لهم: ما تنكرونه كائن لا محالة (ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ) أي لتخبرن بذلك إقامة للحجة عليكم، ثم تجزون به (وَذَلِكَ) البعث والجزاء (عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) إذ الإعادة أيسر من الابتداء.

стр. 10335

فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٨) يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٠) مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٢) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣)

стр. 10336

(فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) الفاء هي الفصيحة الدالة على شرط مقدر، أي إذا كان الأمر هكذا فصدقوا يا كفار مكة بالله ورسوله محمد ﷺ ، ولم يقل باليوم الآخر على ما هو المناسب لقوله: (زعم الذين كفروا) اكتفاء بقوله: (والنور الذي أنزلنا) فإنه مشتمل على البعث والحساب، وهو القرآن، لأنه نور يهتدى به من ظلمة الضلال (والله بما تعملون خبير) لا يخفى عليه شيء من أقوالكم وأفعالكم، فهو مجازيكم على ذلك:

стр. 10337

(يوم يجمعكم) العامل في الظرف لتنبؤن قاله النحاس، وقال غيره: هو خبير، وقيل: محذوف هو أذكر، وقال أبو البقاء: هو ما دل عليه الكلام أي تتفاوتون يوم يجمعكم، قرأ الجمهور بفتح الياء وضم العين وروي إسكانها ولا وجه لذلك إلا التخفيف وإن لم يكن هذا موضعاً له كما قرىء في (وما يشعركم) بسكون الراء، وقرىء نجمعكم بالنون ومعنى (ليوم الجمع) ليوم القيامة، فإنه يجمع فيه أهل المحشر للجزاء، ويجمع فيه بين كل عامل وعمله، وبين كل نبي وأمته، وبين كل ظالم ومظلومه، وبين الأولين

стр. 10338

والآخرين من الإنس والجن وجميع أهل السماء، وأهل الأرض. (ذلك) يعني أن يوم القيامة هو (يوم التغابن) وذلك أنه يغبن فيه بعض أهل المحشر بعضاً فيغبن فيه أهل الحق أهل الباطل، ويغبن فيه أهل الإيمان أهل الكفر، وأهل الطاعة أهل المعصية، ولا غبن أعظم من غبن أهل الجنة أهل النار عند دخول هؤلاء الجنة وهؤلاء النار، فتركوا منازلهم التي كانوا يستنزلونها، لو لم يفعلوا ما يوجب النار، فكأن أهل النار استبدلوا الخير بالشر، والجيد بالرديء، والنعيم بالعذاب، وأهل الجنة على العكس من ذلك يقال: غبنت فلاناً إذا بايعته أو شاركته، فكان النقص عليه، والغلبة والغبن فوت الحظ، كذا قال المفسرون، فالمغبون من غبن أهله ومنازله في الجنة، فإطلاق التغابن على ما يكون فيها إنما هو بطريق الاستعارة، وإن التفاعل ليس من اثنين، وكذا المغابنة على سبيل التجريد، قال ابن عباس يوم التغابن من أسماء يوم القيامة، وعنه قال: غبن أهل الجنة أهل النار. (ومن يؤمن بالله ويعمل صالحاً يكفر عنه سيئاته) أي من وقع منه التصديق مع العمل الصالح استحق تكفير سيئاته (ويدخله جنات تجري من تحتها الأنهار) قرأ الجمهور يكفر ويدخله بالتحتية وقرىء بالنون وفيه التفات من الغيبة إلى التكلم (خالدين فيها أبداً) حال مقدرة فيه مراعاة معنى من (ذلك) أي ما ذكر من التكفير والإدخال (الفوز العظيم) أي الظفر الذي لا يساويه ظفر، والعظيم أعلى حالاً من الكبير الذي ذكر في سورة البروج، لأن ما فيها قد رتب على إدخال الجنات فقط، وما هنا قد رتب على الأمرين المذكورين، فهو جامع للمصالح من دفع المضار وجلب المنافع.

стр. 10339

(وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) المراد بالآيات إما التنزيلية أو ما هو أعم منها، ذكر سبحانه حال السعداء وحال الأشقياء هنا لبيان ما تقدم من التغابن، وأنه يكون سبب التكفير وإدخال الجنة للطائفة الأولى، وسبب إدخال الطائفة الثانية النار وخلودهم فيها.

стр. 10340

(ما أصاب) كل أحد (من مصيبة) من المصائب (إلا بإذن الله) أي بقضائه وقدره قال الفراء: أي بأمر الله وقيل: بعلم الله وقيل وسبب نزولها أن الكفار قالوا: لو كان ما عليه المسلمون حقاً لصانهم الله عن المصائب في الدنيا، قال ابن مسعود في الآية: هي المصيبات تصيب الرجل فيعلم أنها من عند الله فيسلم لها ويرضى (ومن يؤمن بالله) أي من يصدق ويعلم أنه لا يصيبه إلا ما قدره الله عليه (يهد قلبه) للصبر والرضاء بالقضاء، قال مقاتل بن حيان: يهد قلبه عند المصيبة فيعلم أنها من الله فيسلم لقضائه، ويسترجع عند حلوله. وقال سعيد بن جبير: يهد قلبه عند المصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون وقال الكلبي: هو إذا ابتلى صبر، وإذا أنعم عليه شكر، وإذا ظلم غفر. وقال ابن عباس في الآية: يعني يهد قلبه لليقين، فيعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه. قرأ الجمهور يهد بفتح الياء وكسر الدال أي يهده الله وقرىء بضم الياء وفتح الدال على البناء للفعول ونهد بالنون ويهدأ بهمزة ساكنة ورفع قلبه أي يطمئن ويسكن (والله بكل شيء عليم) أي بليغ العلم لا تخفى عليه من ذلك خافية.

стр. 10341

(وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول) أي هونوا على أنفسكم المصائب واشتغلوا بطاعة الله وطاعة رسوله في جميع الأوقات، والعمل بكتابه العزيز وسنة رسوله المطهرة (فإن توليتم) أي أعرضتم عن الطاعة (فإنما على رسولنا البلاغ المبين) وليس عليه غير ذلك، وقد فعل، وجواب الشرط محذوف، والتقدير فلا بأس أو فلا ضرر على الرسول، وهذه الجملة تعليل للجواب المحذوف، ثم أرشد إلى التوحيد والتوكل فقال:

стр. 10342

(الله لا إله إلا هو) أي هو المستحق للعبودية دون غيره فوحدوه ولا تشركوا به (وعلى الله فليتوكل المؤمنون) أي فليفوضوا أموركم إليه ويعتمدوا عليه لا على غيره، حث للرسول على التوكل على الله، والتقوى به حتى ينصره على من كذبه، وتولى عنه.

стр. 10343

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤) إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٥) فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦) إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (١٧) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)

стр. 10344

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ) يدخل فيها الذكر والأنثى (وأولادكم عدواً لكم) يعني أنهم يعادونكم ويشغلونكم عن الخير وعن طاعة الله، أو يخاصمونكم في أمر الدين والدنيا، ويدخل في ذلك سبب النزول دخولاً أولياً (فاحذروهم) أن تطيعوهم في التخلف عن الخير كالجهاد والهجرة، فإن سبب نزول الآية الإطاعة في ذلك، والضمير يعود إلى العدو، وإنما جاز جمع الضمير لأن العدو يطلق على الواحد والاثنين والجماعة، أو إلى الأزواج والأولاد، ولكن لا على العموم، بل إلى المتصفين بالعداوة منهم، قال مجاهد: والله ما عادوهم في الدنيا ولكن حملتهم مودتهم على أن اتخذوا لهم الحرام فأعطوهم إياه، ثم أرشدهم إلى التجاوز فقال: (وإن تعفوا) عن ذنوبهم التي ارتكبوها بترك المعاقبة (وتصفحوا) بالإعراض وترك التثريب عليها (وتغفروا) بإخفائها وتمهيد معذرتهم فيها وتستروها (فإن الله غفور رحيم) بالغ المغفرة والرحمة لكم ولهم يعاملكم بمثل ما عملتم ويتفضل عليكم. " عن ابن عباس قال: هؤلاء رجال أسلموا من هل مكة وأرادوا أن يأتوا النبي ﷺ فأبى أزواجهم وأولادهم أن يدعوهم إلى أن

стр. 10345

يأتوا النبي ﷺ ، فلما أتوا رسول الله ﷺ رأوا الناس قد فقهوا في الدين، فهموا أن يعاقبوهم، فأنزل الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا) الآية أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح، ثم أخبر سبحانه بأن الأموال والأولاد فتنة فقال:

стр. 10346

(إنما أموالكم وأولادكم فتنة) أي بلاء واختبار وشغل عن الآخرة ومحنة، يحملونكم على كسب الحرام وتناوله، ومنع حق الله، والوقوع في العظائم، وغصب مال الغير، وأكل الباطل ونحو ذلك، فلا تطيعوهم في معصية الله، ولم يذكر من هنا كما ذكر في: إن مِنْ أزواجكم، لأنهما لا يخلوان من الفتنة واشتغال القلب بهما، وقدم الأموال على الأولاد لأن فتنة المال أكثر، وترك ذكر الأزواج في الفتنة قال البقاعي: لأن منهن من تكون صلاحاً وعوناً على الآخرة. " وعن أبي بريدة قال: كان النبي ﷺ يخطب فأقبل الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران فنزل رسول الله ﷺ من المنبر فحملهما واحداً من ذا الشق وواحداً من ذا الشق، ثم صعد المنبر فقال صدق الله: إنما أموالكم وأولادكم فتنة، إني لما نظرت إلى هذين الغلامين يمشيان ويعثران لم أصبر أن قطعت كلامي ونزلت إليهما " (١) أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والحاكم وصححه وابن مردويه وابن أبي شيبة. (والله عنده أجر عظيم) أي الجنة، وهي لمن آثر طاعة الله وترك معصيته في محبة ماله وولده، ثم أمرهم سبحانه بالتقوى والطاعة فقال:

стр. 10347

(فاتقوا الله ما استطعتم) أي ما أطقتم وبلغ إليه جهدكم وقد ذهب جماعة من أهل العلم منهم قتادة والربيع بن أنس والسدي وابن زيد إلى أن

стр. 10348

هذه الآية ناسخة لقوله سبحانه: (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ)، لأن معناه أن يطاع فلا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر، فخفف الله عنهم وأنزل هذه الآية، وقال ابن عباس: هي محكمة ولا نسخ فيها، ولكن حق تقاته أن يجاهدوا فيه حق جهاده، ولا تأخذهم في الله لومة لائم، ويقوموا لله بالقسط ولو على أنفسهم وآبائهم وأبنائهم، وقد أوضحنا الكلام على هذا في قوله: (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ). (واسمعوا) ما تؤمرون به سماع قبول لأنه لا فائدة في مجرد السماع (وأطيعوا) الأوامر قال مقاتل: اسمعوا أي اصغوا إلى ما ينزل عليكم وأطيعوا الرسول فيما يأمركم وينهاكم (وأنفقوا) من أموالكم التي رزقكم الله إياها في وجوه الخير والطاعة ولا تبخلوا بها. وقوله: (خيراً لأنفسكم) منتصب بفعل مضمر دل عليه اتقوا، كأنه قال: ائتوا في الإنفاق خيراً لأنفسكم، أو قدموا خيراً لها، كذا قال سيبويه وقال الكسائي والفراء؛ هو نعت لمصدر محذوف، أي إنفاقاً خيراً وقال أبو عبيدة: هو خبر لكان المقدرة أي يكن الإنفاق خيراً لكم، وقال أهل الكوفة: نصبه على الحال، وقيل: هو مفعول به لأنفقوا أي فأنفقوا مالاً خيراً، والظاهر في الآية الإنفاق مطلقاً من غير تقييد بالزكاة الواجبة، وقيل: المراد زكاة الفريضة، وقيل: النافلة وقيل النفقة في الجهاد. (ومن يوق شح نفسه) فيفعل في ماله جميع ما أمر به من الإنفاق موقناً به مطمئناً إليه، ولم يمنعه ذلك منه (فأولئك هم المفلحون) أي الظافرون بكل خير، الفائزون بكل مطلوب، وقد تقدم تفسير هذه الآية مراراً.

стр. 10349

(إن تقرضوا الله قرضاً حسناً) فتصرفون أموالكم في وجوه الخير بإخلاص نية، وطيب نفس وسماه قرضاً من حيث التزام الله المجازاة عليه، وفي ذكر القرض أيضاًً تلطف في الاستدعاء، وترغيب في الصدقة حيث جعلها

стр. 10350

قرضاً لله، مع أن العبد إنما يقرض نفسه، لأن النفع عائد عليه قال القشيري: ويتوجه الخطاب بهذا إلى الأغنياء في بذل أموالهم، وإلى الفقراء في عدم إخلاء أوقاتهم عن مراد الحق ومراقبته على مراد أنفسهم، فالغني يقال له: آثر حكمي على مرادك في مالك وغيره، والفقير يقال له: آثر حكمي في نفسك وقلبك ووقتك، ذكره الخطيب. (يضاعفه لكم) فيجعل الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وقد تقدم تفسير هذه الآية في البقرة والحديد. " عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : يقول الله استقرضت عبدي فأبى أن يقرضني، ويشتمني عبدي وهو لا يدري، يقول: وادهراه، وادهراه، وأنا الدهر، ثم تلا أبو هريرة هذه الآية " أخرجه ابن جرير والحاكم وصححه (ويغفر لكم) أي يضم إلى تلك المضاعفة غفران ذنوبكم (والله شكور حليم) يثيب من أطاعه بأضعاف مضاعفة، ولا يعاجل من عصاه بالعقوبة.

стр. 10351

(عالم الغيب والشهادة) أي ما غاب وما حضر لا تخفى عليه منه خافية وقيل ما استتر من سرائر القلوب وما انتشر من ظواهر الخطوب (العزيز الحكيم) أي الغالب القاهر بإظهار السيوب (١) ذو الحكمة الباهرة في الإخبار عن الغيوب، وفي صنعه، وقال ابن الأنباري: الحكيم هو المحكم لخلق الأشياء.

стр. 10352

سورة الطلاق (إحدى أو اثنتا أو ثلاث عشرة آية) وهي مدنية. قال القرطبي: في قول الجميع. وعن ابن عباس قال: نزلت بالمدينة.

стр. 10353

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١) فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)

стр. 10354

(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ) خطاب لرسول الله ﷺ ، بلفظ الجمع تعظيماً له، أو خطاب له ولأمته، والتقدير: يا أيها النبي وأمته، فحذف المعطوف لدلالة ما بعده عليه، أو خطاب لأمته فقط بعد ندائه ﵊، وهو من تلوين الخطاب خاطب به أمته بعد أن خاطبه، أو أنه على إضمار قول أي يا أيها النبي قل لأمتك، أو خص النبي ﷺ بالنداء وعم بالخطاب، لأن النبي إمام أمته وقدوتهم، كما يقال لرئيس القوم وكبيرهم: يا فلان افعلوا كيت وكيت اعتباراً لتقدمه وإظهاراً لترؤسه بكلام حسن قاله الزمخشري، قال السمين: وهذا هو معنى القول الثالث الذي تقدم. وقال المحلي: المراد أمته بقرينة ما بعده، قال الحفناوي: فكأنه قيل: يا أيها الأمة إذا طلقتم إلخ. وهذا الأسلوب سلكه الكازروني، وفي نسخة من تفسير المحلي المراد وأمته بزيادة الواو، يعني أن في الكلام اكتفاء على حد قوله تعالى: (سرابيل تقيكم الحر)، فعلى هذا لفظ النبي لا تجوز فيه، بل هو منادى مع أمته، وهذا الوجه قرره السمين كما تقدم، والمعنى إذا أردتم

стр. 10355

تطليقهن وعزمتهم عليه على تنزيل المقبل على الأمر المشارف له منزلة الشارع فيه، وإنما احتيج لهذا التجوز ليصح قوله: (فطلقوهن لعدتهن) لأن الشيء لا يترتب على نفسه، ولا يؤمر أحد بتحصيل الحاصل، والمراد بالنساء، المدخول بهن ذوات الأقراء، أما غير المدخول بهن فلا عدة عليهن بالكلية، وأما ذوات الأشهر فسيأتين في قوله (واللائي يئسن) الخ. ومعنى لعدتهن مستقبلات لعدتهن، أو في قبل عدتهن، أو لقبل عدتهن، أو لزمان عدتهن، وهو الطهر. وقال الجرجاني: اللام بمعنى في أي في عدتهن، وقال أبو حيان: أي لاستقبال عدتهن على حذف مضاف، واللام للتوقيت نحو لقيته لليلة بقيت من شهر كذا، والمراد أن يطلقوهن في طهر لم يقع فيه جماع، ثم يتركن حتى تنقضي عدتهن، فإذا طلقتموهن هكذا فقد طلقتموهن لعدتهن، وسيأتي بيان هذا من السنة. " عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قرأ في قبل عدتهن " رواه عبد الرزاق في المصنف وابن المنذر والحاكم وابن مردويه، وقرأ ابن لقبل عدتهن، وعن مجاهد أنه قرأ كذلك وعن ابن عباس مثله، وقال في الآية: أي طاهراً من غير جماع، وعن ابن مسعود من أراد أن يطلق للسنة كما أمره الله فليطلقها طاهراً في غير جماع. " وعن أنس قال: طلق رسول الله ﷺ حفصة فأتت أهلها فأنزل الله هذه الآية فقيل له: راجعها فإنها صوامة قوامة، وهي من أزواجك في الجنة " أخرجه ابن أبي حاتم وأخرجه ابن جرير عن قتادة مرسلاً. " وعن ابن عمر أنه طلق امرأته وهي حائض فذكر ذلك عمر لرسول الله ﷺ فتغيظ، ثم قال: ليراجعها ثم يمسكها حتى تطهر، ثم تحيض وتطهر، فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها طاهراً قبل أن يمسها فتلك

стр. 10356

العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء وقرأ النبي ﷺ (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن) في قبل عدتهن أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما. " وروي عن ابن عباس أنها نزلت في قصة طلاق عبد يزيد وقد أخرجها ابن أبي حاتم أثراً طويلاً قال الذهبي: إسناده واه والخبر خطأ فإن عبد يزيد لم يدرك الإسلام وفي الباب أحاديث. (وأحصوا العدة) أي احفظوها واحفظوا الوقت الذي وقع فيه الطلاق، حتى تتم العدة، وهي ثلاثة قروء مستقبلات كوامل لا نقصان فيهن، والخطاب للأزواج لغفلة النساء، وقيل: للزوجات، وقيل: للمسلمين على العموم، والأول أولى لأن الضمائر كلها لهم، ولكن الزوجات داخلات في هذا الخطاب بالإلحاق بالأزواج، لأن الزوج يحصي ليراجع وينفق أو يقطع ويسكن أو يخرج ويلحق نسبه أو يقطع. وهذه كلها أمور مشتركة بينه وبين المرأة، وقيل: أمر بإحصاء العدة لتفريق الطلاق على الإقراء إذا أراد أن يطلق ثلاثاً. وقيل: للعلم ببقاء زمان الرجعة ومراعاة أمر النفقة والسكنى. (واتقوا الله ربكم) في تطويل العدة عليهن والإضرار بهن وفي وصفه تعالى بربوبيته لهم تأكيد للأمر، ومبالغة في إيجاب الاتقاء (لا تخرجوهن من بيوتهن) أي التي كن فيها عند الطلاق ما دمن في العدة وأضاف البيوت إليهن وهي لأزواجهن لتأكيد النهي وبيان كمال استحقاقهن للسكنى في مدة العدة ومثله قوله: (واذكرن ما يتلى في بيوتكن) وقوله: (وقرن في بيوتكن) ثم لما نهى الأزواج عن إخراجهن من البيوت التي وقع الطلاق وهن فيها نهى الزوجات عن الخروج أيضاًً فقال: (ولا يخرجن) من تلك البيوت ما دمن في العدة إلا لأمر ضروري كما

стр. 10357

سيأتي بيان ذلك، قال أبو السعود: ولو بإذن من الأزواج فإن الإذن بالخروج في حكم الإخراج، وقال الخطيب: لأن في العدة حقاً لله تعالى، فلا يسقط بتراضيهما، وقيل: المراد لا يخرجن من أنفسهن إلا إذا أذن لهن الأزواج فلا بأس، والأول أولى، وهذا كله عند عدم العذر، أما إذا كان لعذر كشراء من ليس لها على المفارق نفقة فيجوز لها الخروج نهاراً، قاله الخطيب، وإذا خرجت من غير عذر فإنها تعصي ولا تنتقض عدتها قاله القرطبي. (إلا أن يأتين بفاحشة مبينة) بفتح الياء وكسرها سبعيتان، وهذا الاستنثاء هو من الجملة الأولى، قال الواحدي: أكثر المفسرين على أن المراد بالفاحشة هنا الزنا، وبه قال ابن عباس، وذلك أن تزني فتخرج لإقامة الحد عليها، ثم ترد إلى منزلها، وقال الشافعي وغيره: هي البذاء في اللسان والاستطالة بها على من هو ساكن معها في ذلك البيت، وعن ابن عباس: الفاحشة المبينة أن تبذو المرأة على أهل الرجل، فإذا بذت عليهم بلسانها فقد حل لهم إخراجها لسوء خلقها، ويؤيد هذا ما قال عكرمة: إن في مصحف أبيّ إلا أن يفحشن عليكم، وقيل: الاستثناء من الجملة الثانية للمبالغة في النهي عن الخروج ببيان أن خروجها فاحشة قال الشوكاني ﵀: هو بعهد، قال ابن عمر: خروجها قبل انقضاء العدة من بيتها هي الفاحشة المبينة، وقيل: الفاحشة النشوز. (وتلك) أي ما ذكر من الأحكام وما في اسم الإشارة من معنى البعد مع قرب العهد المشار إليه للإيذان بعلو درجتها وبعد منزلتها (حدود الله) يعني أن هذه الأحكام التي بينها لعباده هي حدوده التي حدها لهم لا يحل لهم أن يتجاوزها إلى غيرها، (ومن يتعد حدود الله) أي يتجاوزها إلى غيرها أو يخل بشيء منها. (فقد ظلم نفسه) بإيرادها موارد الهلاك وأوقعها في مواقع الضرر

стр. 10358

بعقوبة الله على مجاوزته لحدوده وتعديه لرسمه، وقال البيضاوي: أي بأن عرضها للعقاب، وقال أبو السعود: تفسير الظلم بتعريضها للعقاب يأباه قوله: (لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً) فإنه استئناف مسوق لتعليل مضمون الشرطية، وقد قالوا: إن الأمر الذي يحدثه الله تعالى أن يقلب قلبه عما فعله بالتعدي إلى خلافه، فلا بد أن يكون الظلم عبارة عن ضرر دنيوي يلحقه بسبب تعديه، ولا يمكن تداركه، أو عن مطلق الضرر الشامل للدنيوي والأخروي، ويخص التعليل بالدنيوي لكون احتراز الناس منه أشد، واهتمامهم بدفعه أقوى والخطاب للمتعدي بطريق الالتفات لمزيد الاهتمام بالزجر عن التعدي لا للنبي ﵊ كما توهم، فالمعنى ومن يتعد حدود الله فقد أضر نفسه، فإنك لا تدري أيها المتعدي عاقبة الأمر لعل الله يحدث في قلبك بعد ذلك الذي فعلت من التعدي أمراً يقتضي خلاف ما فعلته، فيبدل ببغضها محبة وبالإعراض عنها إقبالاً إليها ويتسنى تلافيه رجعة واستئناف نكاح. قال القرطبي: قال جميع المفسرين: أراد بالأمر هنا الرغبة في الرجعة، والمعنى التحريض على طلاق الواحدة أو الاثنتين، والنهي عن الثلاث، فإنه إذا طلق ثلاثاً أضر بنفسه عند الندم على الفراق، والرغبة في الارتجاع. فلا يجد إلى المراجعة سبيلاً، وقال مقاتل: بعد ذلك أي بعد طلقة أو طلقتين أمراً بالمراجعة، قال الواحدي: الأمر الذي يحدث أن يوقع في قلب الرجل المحبة لرجعتها بعد الطلقة والطلقتين. قال الزجاج: إذا طلقها ثلاثاً في وقت واحد فلا معنى لقوله: (لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً) قالت فاطمة بنت قيس في الآية هي الرجعة. " عن محارب بن دثار أن رسول الله ﷺ قال: ما أحل الله شيئاًً أبغض إليه من الطلاق " أخرجه أبو داود مرسلاً.

стр. 10359

" وروى الثعلبي من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ إن من أبغض الحلال إلى الله الطلاق ". " وعن علي عن النبي ﷺ قال: تزوجوا ولا تطلقوا فإن الطلاق يهتز منه العرش ". " وعن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : لا تطلقوا النساء إلا من ريبة فإن الله لا يحب الذواقين ولا الذواقات ". " عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : ما حلف بالطلاق ولا استحلف به إلا منافق " أهـ. أقول أما حديث ابن عمر فقد رواه أبو داود وابن ماجة عن عبد الله بن عمر بن الخطاب موصولاً وصححه الحاكم وغيره، ورواه أبو داود أيضاًً والبيهقي مرسلاً عن محارب بن دثار وليس فيه ابن عمر، ورجح أبو حاتم والدارقطني والبيهقي إرساله. وقال الخطابي: إنه المشهور، ورواه الدارقطني عن معاذ بلفظ: ما خلق الله شيئاًً أبغض إليه من الطلاق، قال الحافظ ابن حجر: وإسناده ضعيف ومنقطع أهـ، وأما حديث علي فرواه ابن عدي في كتابه الكامل في معرفة الضعفاء عنه ﵁ بإسناده ضعيف. بل قيل: موضوع ورواه الخطيب عن علي أيضاًً مرفوعاً، وفي إسناده عمر بن جميع يروي الموضوعات عن الأثبات. وأما حديث أبي موسى فقد رواه الطبراني عنه ﵁ مرفوعاً، وكذا الدارقطني في الأفراد، ورواه الطبراني في الكبير أيضاًً عن عبادة بلفظ إن الله لا يحب الذواقين ولا الذواقات، وفي سنده راو لم يسم، وبقية رجال إسناده ثبات، وأما حديث أنس فرواه ابن عساكر في تاريخه عن أنس ﵁ وسنده ضعيف جداً. " وعن ثوبان أن رسول الله ﷺ قال: أيما امرأة سألت

стр. 10360

زوجها الطلاق من غير بأس به حرام عليها رائحة الجنة " أخرجه أبو داود والترمذي.

стр. 10361

(فإذا بلغن أجلهن) أي قاربن انقضاء أجل العدة وشارفن آخرها (فأمسكوهن بمعروف) أي راجعوهن بحسن معاشرة، وإنفاق مناسب، ورغبة فيهن من غير قصد إلى مضارة لهن بطلاق آخر، لأجل إيجاب عدة أخرى، وغير ذلك (أو فارقوهن بمعروف) أي اتركوهن حتى تنقضي عدتهن، فيملكن نفوسهن مع إيفائهن بما هو لهن عليكم من الحقوق، وترك المضارة لهن بالفعل والقول، فقد ضمنت الآية بإفصاحها الحث على فعل الخيرات وبإفهامها اجتناب المنكرات. (وأشهدوا ذويْ عدل منكم) أي صاحبي عدالة، فإن العدل ضد الجور وهو يرجع إلى معنى العدالة، وهذه شهادة على الرجعة، وقيل: على الطلاق، وقيل: عليهما قطعاً للتنازع وحسماً لمادة الخصومة، والأمر للندب لئلا يقع بينهما التجاحد، كما في قوله: (وأشهدوا إذا تبايعتم) وقيل: إنه للوجوب وإليه ذهب الشافعي، قال: الإشهاد واجب في الرجعة مندوب إليه في الفرقة، وإليه ذهب أحمد بن حنبل، وفي قول الشافعي: إن الرجعة لا تفتقر إلى الإشهاد كسائر الحقوق، وروي نحو هذا عن أبي حنيفة وأحمد، وعن ابن سيرين أن رجلاً سأل عمران بن حصين عن رجل طلق ولم يشهد، قال: بئسما صنع طلق في بدعة وارتجع في غير سنة، فيشهد على طلاقه وعلى مراجعته ويستغفر الله. (وأقيموا الشهادة لله) هذا أمر للشهود بأن يأتوا بما شهدوا به تقرباً إلى الله. وإنما حث على أداء الشهادة لما فيه من العسر على الشهود، لأنه ربما يؤدي إلى أن يترك الشاهد مهماته ولما فيه من عسر لقاء الحاكم الذي يؤدي عنده، وربما بعد مكانه، وكان للشاهد عوائق، وقيل: الأمر للأزواج بأن يقيموا الشهادة أي الشهود عند الرجعة فيكون قوله: (وأشهدوا ذوي عدل

стр. 10362

منكم) أمراً بنفس الإشهاد، (وأقيموا الشهادة) أمر بأن تكون خالصة لله لا لمشهود عليه، أوْ لَهُ، ولا لغرض من الأغراض سوى إقامة الحق ودفع الضرر. (ذلكم) أي ما تقدم من الأمر بالإشهاد وإقامة الشهادة لله، أو ما ذكر من أول السورة إلى هنا (يوعظ به) أي يلين ويرقق به (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر) خص المؤمن لأنه المنتفع بذلك دون غيره. (ومن يتق الله يجعل له مخرجاً) مما وقع فيه من الشدائد والمحن، والجملة اعتراضية مؤكدة لما سبق من إجراء أمر الطلاق على السنة، والمعنى ومن يتق الله فطلق للسنة ولم يضار المعتدة، ولم يخرجها من مسكنها، واحتاط فأشهد، يجعل الله له مخرجاً مما في شأن الأزواج من الغموم والوقوع في المضايق، ويفرج عنه ويعطيه الخلاص. قال ابن مسعود: مخرجه أن يعلم أنه من قبل الله، وأن الله هو الذي يعطيه، وهو يمنعه، وهو يبتليه، وهو يعافيه، وهو يدفع عنه. وقال ابن عباس ينجيه من كل كرب في الدنيا والآخرة. " وعن جابر قال: نزلت هذه الآية في رجل من أشجع كان فقيراً خفيف ذات اليد كثير العيال، فأتى رسول الله ﷺ فسأله فقال: اتق الله واصبر، فلم يلبث إلا يسيراً حتى جاء ابن له بغنم كان العدو أصابوه فأتى رسول الله ﷺ فسأله عنها وأخبره خبرها فقال: كلها فنزلت: (ومن يتق الله الآية) " أخرجه (١) الحاكم وصححه وضعفه الذهبي. " وعن ابن عباس قال: جاء عوف بن مالك الأشجعي إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إن ابني أسره العدو، وجزعت أمه

стр. 10363

فما تأمرني؟ قال: آمرك وإياها أن تستكثرا من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله، فقالت المرأة: نعم ما أمرك، فجعلا يكثران منها فتغفل عنه العدو فاستاق غنمهم، فجاء بها إلى أبيه فنزلت هذه الآية " أخرجه (١) ابن مردويه من طريق الكلبي عن أبي صالح عنه، وفي الباب روايات تشهد لهذا، وعن عائشة في الآية قالت: يكفيه هم الدنيا وغمها. " وعن أبي ذر قال: جعل رسول الله ﷺ يتلو هذه الآية فجعل يرددها حتى نعست، ثم قال: يا أبا ذر لو أن الناس كلهم أخذوا بها لكفتهم "، وفي الباب أحاديث، وقال الكلبي: ومن يتق الله بالصبر عند المصيبة يجعل له مخرجاً من النار إلى الجنة، وقال الحسن. مخرجاً مما نهى الله عنه، قال أبو العالية مخرجاً من كل شيء ضيق على الناس، قال الشعبي والضحاك: هذا في الطلاق خاصة أي من طلق كما أمره الله يكن له مخرجاً في الرجعة في العدة، وأنه يكون كأحد الخطاب بعد العدة.

стр. 10364

(ويرزقه) فرجاً وخلفاً (من حيث لا يحتسب) قال ابن مسعود: أي من حيث لا يدري، يعني من وجه لا يخطر بباله، ولا يكون في حسابه وقال الحسين بن الفضل: ومن يَتّق الله في أداء الفرائض يجعل له مخرجاً من العقوبة، ويرزقه الثواب من حيث لا يحتسب، أي يبارك له فيما آتاه وقال سهل بن عبد الله: ومن يتق الله في اتباع السنة يجعل له مخرجاً من عقوبة أهل البدع، ويرزقه الجنة من حيث لا يحتسب، وقيل غير ذلك، وظاهر الآية العموم، ولا وجه للتخصيص بنوع خاص. ويدخل في ذلك، ما فيه السياق دخولاً أولياً، فإن قيل: نرى كثيراً من الأتقياء مضيقاً عليه في الرزق، أجيب بأنه لا يخلو عن رزق، والآية لم تدل على أن المتقي يوسع له في الرزق، بل دلت على أنه يرزق من حيث لا يحتسب، وهذا أمر مطرد في الأتقياء أفاده الكرخي.

стр. 10365

(ومن يتوكل على الله فهو حسبه) أي ومن وثق بالله فيما نابه كفاه ما أهمه، قال ابن مسعود في الآية: ليس المتوكل الذي يقول تقضي حاجتي، وليس كل من يتوكل على الله كفاه ما أهمه، ودفع عنه ما يكره، وقضى حاجته، ولكن الله جعل فضل من توكل على من لم يتوكل أن يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجراً. (إن الله بالغ أمره) فلا بد من كونه ينفذه، سواء حصل توكل أو لا قال ابن مسعود، قاضٍ أمره على من توكل وعلى من لم يتوكل، ولكن المتوكل يكفر عن سيئاته ويعظم له أجراً قرأ الجمهور بتنوين بالغ ونصب أمره وقرىء بالإضافة وهي سبعية، وقرىء بتنوين بالغ ورفع أمره، لأنه فاعل بالغ، أو على أن أمره مبتدأ مؤخر وبالغ خبر مقدم، قال الفراء في توجيه هذه القراءة: أي أمره بالغ، وقرىء بالغاً بالنصب على الحال، ويكون خبر إن قوله: (قد جعل الله لكل) الخ، والمعنى على الأولى والثانية أن الله سبحانه بالغ ما يريده من الأمر لا يفوته شيء ولا يعجزه مطلوب، وعلى الثالثة أن الله نافذ أمره لا يرده شيء. (قد جعل الله لكل شيء قدراً) أي تقديراً وتوقيتاً أو مقداراً لا يتعداه وإن اجتهد جميع الخلائق في أن يتعداه فقد سجل سبحانه للشدة أجلاً تنتهي إليه، وللرخاء أجلاً ينتهي إليه، وهذا بيان لوجوب التوكل على الله وتفويض الأمر إليه: لأنه إذا علم أن كل شيء من الرزق ونحوه لا يكون إلا بتقديره وتوقيته لم يبق إلا التسليم للقدر والتوكل، قال السدي: هو قدر الحيض والعدة، وقال ابن مسعود: يعني أجلاً ومنتهى ينتهي إليه. " وعن عمر بن الخطاب قال: قال ﷺ : لو أنكم توكلتم على الله حق توكله لرزقتم كما ترزق الطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً " أخرجه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة والحاكم وصححه وغيرهم.
следующие страницы →