← Тафсир

Тафсир · id 37458

فتح البيان في مقاصد القرآن

صديق حسن خان

Полный текст (12 043 стр.). Показаны 10291–10330 · переход к 10296.

стр. 10291

وأخرجوا كلهم أيضاًً عن ابن مسعود أنه كان يقرأ: فامضوا إلى ذكر الله. قال: ولو كان فاسعوا لسعيت حتى يسقط ردائي، وعن أبيّ أنه قرأ كذلك، والمراد من ذكر الله هنا صلاة الجمعة، وقيل: موعظة الإمام، والأول أولى، وقال الجمهور: الخطبة. وبه استدل أبو حنيفة على أن الخطيب إذا اقتصر على الحمد لله جاز. " وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة، وعليكم السكينة والوقار، ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا " أخرجه البخاري ومسلم، وهذا الحديث يعم كل صلاة ويدخل فيه صلاة الجمعة، فهو كالتفسير للآية. (وذروا البيع) أي اتركوا المعاملة به ويلحق به سائر المعاملات أو اتركوا عنده بتمامه، فالخطاب لكل من البائع والمشتري، قال الحسن: إذا أذن المؤذن يوم الجمعة لم يحل الشراء والبيع. " عن محمد بن كعب أن رجلين من أصحاب النبي ﷺ كانا يختلفان في تجارتهما إلى الشام، فربما قدما يوم الجمعة ورسول الله ﷺ يخطب، فيدعونه ويقومون، فنزلت الآية: (وذروا البيع) فحرم عليهم ما كان قبل ذلك "، أخرجه عبد بن حميد، والمراد بالآية ترك ما يذهل عن ذكر الله من شواغل الدنيا وإنما خص البيع من بينها لأن يوم الجمعة يتكاثر فيه البيع والشراء عند الزوال فقيل لهم: بادروا تجارة الآخرة واتركوا تجارة الدنيا واسعوا إلى ذكر الله الذي لا شيء أنفع منه وأربح وذروا البيع الذي نفعه يسير. (ذلكم) أي السعي إلى ذكر الله وترك البيع (خير لكم) من البيع والتكسب في ذلك الوقت لما في الامتثال من الأجر والجزاء وفي عدمه من عدم ذلك إذا لم يكن موجباً للعقوبة وتمسك بهذا الشافعية في أن البيع وقت أذان الخطبة إلى انقضاء الصلاة صحيح مع الحرمة، قال في الكشاف: عامة العلماء

стр. 10292

على أن ذلك لا يوجب الفساد، لأن البيع لم يحرم لعينه بل لما فيه من التشاغل عن الصلاة، فهو كالصلاة في الأرض المغصوبة، وقال مالك: ما وقع في الوقت المذكور يفسخ، وكذا سائر العقود (إن كنتم تعلمون) أي إن كنتم من أهل العلم، فإنه لا يخفى عليكم أن ذلكم خير لكم من مصالح أنفسكم.

стр. 10293

(فإذا قضيت الصلاة) أي إذا فعلتم الصلاة وأديتموها، وفرغتم منها (فانتشروا في الأرض) للتجارة فيما تحتاجون إليه من أمر معاشكم، والأمر للإباحة (وابتغوا) أي أطلبوا (من فضل الله) أن من رزقه الذي يتفضل به على عباده، بما يحصل لهم من الأرباح في المعاملات والمكاسب وقيل: المراد به ابتغاء ما عند الله من الأجر، بعمل الطاعات، واجتناب ما لا يحل، وقيل: هو طلب العلم. " عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ في الآية ليس بطلب دنيا، ولكن عيادة مريض، وحضور جنازة، وزيارة أخ في الله أخرجه ابن جرير. وعن ابن عباس قال: لم يؤمروا بشيء من طلب الدنيا، إنما هو عيادة مريض، وحضور جنازة وزيارة أخ في الله، وعن عراك بن مالك: أنه كان إذا صلى الجمعة انصرف، فوقف على باب المسجد وقال: اللهم أجبت دعوتك، وصليت فريضتك، وانتشرت كما أمرتني، فارزقني من فضلك، وأنت خير الرازقين. (واذكروا الله) ذكراً (كثيراً) بالشكر له على ما هداكم إليه من الخير الأخروي والدنيوي، وكذا اذكروه بما يقربكم إليه من الأذكار، كالحمد والتسبيح والتكبير والاستغفار ونحو ذلك، ولا تقصروا ذكره على حالة الصلاة (لعلكم تفلحون) أي لكي تفوزوا بخيري الدارين وتظفروا بهما.

стр. 10294

(وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها) سبب نزول هذه الآية أنه كان

стр. 10295

بأهل المدينة فاقة وحاجة، فأقبلت عير الشام، وضرب لقدومها الطبل، والنبي ﷺ يخطب يوم الجمعة، فانفتل الناس إليها حتى لم يبق إلا اثنا عشر رجلاً في المسجد كما سيجيء، قال قتادة: بلغنا أنهم فعلوا ذلك ثلاث مرات، كل مرة تقدم العير من الشام، ويوافق قدومها يوم الجمعة وقت الخطبة، وقيل ضربه أهل المدينة على العادة في أنهم كانوا يستقبلونها بالطبل والتصفيق، أو ضربه أهل القادم بها أقوال ثلاثة حكاها الخطيب. ومعنى انفضوا تفرقوا خارجين إليها، وقال المبرد: مالوا إليها والضمير للتجارة وخصت بإرجاع الضمير إليها دون اللهو، لأنها كانت أهم عندهم، وقيل: التقدير وإذا رأوا تجارة انفضوا إليها أو لهواً انفضوا إليه، فحذف الثاني لدلالة الأول عليه، وقيل: إنه اقتصر على ضمير التجارة لأن الانفضاض إليها إذا كان مذموماً مع الحاجة إليها فكيف بالانفضاض إلى اللهو؟ وقيل غير ذلك. (وتركوك) في الخطبة (قائماً) على المنبر، أخرج البخاري ومسلم وغيرهما. " عن جابر بن عبد الله قال: بينما النبي ﷺ ، يخطب يوم الجمعة قائماً إذ قدمت عير المدينة فابتدرها أصحاب النبي ﷺ ، حتى لم يبق منهم إلا اثنا عشر رجلاً أنا فيهم وأبو بكر وعمر، فأنزل الله: (وإذا رأوا تجارة) إلى آخر السورة "، " وعن ابن عباس في الآية قال جاءت عير عبد الرحمن بن عوف تحمل الطعام فخرجوا من الجمعة بعضهم يريد أن يشتري، وبعضهم يريد أن ينظر إلى دحية بن خليفة الكلبي، وتركوا رسول الله ﷺ قائماً على المنبر، وبقي في المسجد اثنا عشر رجلاً، وسبع نسوة، فقال رسول الله ﵌: لو خرج كلهم لاضطرم عليهم المسجد ناراً " أخرجه عبد بن حميد. وفي الباب روايات متضمنة لهذا المعنى، عن جماعة من الصحابة وغيرهم، والذي سوغ لهم الخروج وترك رسول الله ﷺ يخطب أنهم ظنوا أن الخروج بعد تمام الصلاة جائز لانقضاء المقصود وهو

стр. 10296

الصلاة، لأنه كان ﷺ أول الإسلام يصلي الجمعة قبل الخطبة كالعيدين، فلما وقعت هذه الوقعة، ونزلت الآية قدم الخطبة وأخر الصلاة. " وعن ابن عمر قال: كان النبي ﷺ يخطب خطبتين يقعد بينهما " أخرجه الشيخان، وفيه دليل على أن الخطيب ينبغي أن يخطب قائماً، واتفقوا على أن هذا القيام كان في الخطبة للجمعة. ثم أمره الله سبحانه أن يخبرهم بأن العمل للآخرة خير من العمل للدنيا، فقال: قل لهم تأديباً وزجراً لهم عن العود لمثل هذا الفعل: (ما عند الله) من الجزاء العظيم على الثبات مع رسول الله ﷺ ، وهو الجنة (خير من اللهو ومن التجارة) اللذين ذهبتم إليهما، وتركتم البقاء في المسجد، وسماع خطبة النبي ﷺ لأجلها، وإنما كان خيراً لأنه محقق مخلد، بخلاف ما يتوهمونه من نفع التجارة واللهو، إذ نفع اللهو ليس بمحقق ونفع التجارة ليس بمخلد، ومنه يعلم وجه تقديم اللهو، فإن الأعدام تقدم على الملكات. (والله خير الرازقين) فمنه اطلبوا الرزق، وإليه توسلوا بعمل الطاعة فإن ذلك من أسباب تحصيل الرزق، وأعظم ما يجلبه. وتعددهم إنما هو على سبيل المجاز، من حيث إنه يقال: كل إنسان يرزق عائلته، أي من رزق الله تعالى، وإلا فالرازق بالحقيقة هو الله وحده.

стр. 10297

سورة المنافقون (هي إحدى عشرة آية بلا خلاف، وهي مدنية) قال القرطبي: في قول الجميع، قال ابن عباس: نزلت بالمدينة، وعن ابن الزبير مثله. وعن أبي هريرة قال: " كان رسول الله ﷺ يقرأ في صلاة الجمعة بسورة الجمعة، فيحرض بها المؤمنين، وفي الثانية بسورة المنافقين فيقرع بها المنافقين "، أخرجه سعيد بن منصور والطبراني في الأوسط قال السيوطي: بسند حسن، وأخرج البزار والطبراني عن أبي عتبة الخولاني مرفوعاً نحوه.

стр. 10298

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (٣) وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٤) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٥) سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٦)

стр. 10299

(إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ) أي إذا وصلوا إليك وحضروا مجلسك، قال ابن عباس: إنما سماهم الله منافقين لأنهم كتموا الشرك، وأظهروا الإيمان، والمراد بهم عبد الله بن أبيّ وأصحابه (قالوا) هذا جواب الشرط، وقيل محذوف، وقالوا: حال أي جاؤوك قائلين كيت وكيت، فلا تقبل منهم وقيل: الجواب اتخذوا أيمانهم جنة، وهو بعيد جداً كما لا يخفى (نشهد إنك لرسول الله) أكدوا شهادتهم بإن واللام للإشعار لأنها صادرة من صميم قلوبهم، مع خلوص اعتقادهم، ومعنى نشهد نحلف، فهو يجري مجرى القسم، ولذلك يتلقى بما يتلقى به القسم، وإنما عبر عن الحلف بالشهادة لأن كل واحد من الحلف والشهادة إثبات لأمر معين ويحتمل أن يكون ذلك محمولاً على ظاهره نفياً للنفاق عن أنفسهم، وهو الأشبه، ومثل نشهد نعلم فإنه أيضاًً يجري مجرى القسم، كما في قول الشاعر: ولقد علمت لتأتين منيتي ... إن المنايا لا تطيش سهامها (والله يعلم إنك لرسوله) جملة معترضة مقررة لمضمون ما قبلها، وهو ما أظهروه من الشهادة، وإن كانت بواطنهم على خلاف ذلك (والله يشهد

стр. 10300

إن المنافقين لكاذبون) أي في شهادتهم التي زعموا أنها من صميم القلب، وخلوص الاعتقاد، لا في منطوق كلامهم، وهو الشهادة بالرسالة، فإنه حق يعني أنهم لكاذبون فيما تضمنه كلامهم، من التأكيد الدال على أن شهادتهم بذلك صادرة عن خلوص اعتقاد، وطمأنينة قلب، وموافقة باطن لظاهر، أو إنهم كاذبون عند أنفسهم، لأنهم كانوا يعتقدون أن قولهم: إنك لرسول الله كذب، وخبر على خلاف ما عليه حال المخبر عنه.

стр. 10301

(اتخذوا أيمانهم جنة) أي جعلوا حلفهم الذي حلفوا لكم به إنهم لمنكم، وإن محمداً رسول الله ﷺ ، وقاية تقيهم منكم، وسترة يستترون بها من القتل والأسر، قال النسفي: وفيه دليل على أن أشهد يمين، قال ابن عباس: اجتنبوا بأيمانهم من القتل والحرب، والجملة مستأنفة لبيان كذبهم وحلفهم عليه، قرأ الجمهور أيمانهم بفتح الهمزة وقرىء بكسرها، وقد تقدم تفسير هذا في سورة المجادلة، والجنة الترس ونحوه، وكل ما يقيك سوءاً ومن كلام الفصحاء جبة البرد جنة البرد. (فصدوا عن سبيل الله) أي منعوا الناس عن الإيمان والجهاد وأعمال الطاعة، بسبب ما يصدر منهم من التشكيك، والقدح في النبوة، وهذا معنى الصد الذي بمعنى الصرف، ويجوز أن يكون بمعنى الصدود، أي أعرضوا عن الدخول في سبيل الله وإقامة أحكامه (إنهم ساء ما كانوا يعملون) من النفاق والصد، و (ساء) هذه هي الجارية مجرى بئس، في إفادة الذم، ومع ذلك ففيها معنى التعجيب، وتعظيم أمرهم عند السامعين.

стр. 10302

(ذلك) أي ما تقدم ذكره من الكذب والصد وقبح الأعمال (بأنهم) أي بسبب أنهم (آمنوا) باللسان في الظاهر نفاقاً (ثم كفروا) بالقلب في الباطن، فثم للترتيب الإخباري لا الإيجادي، أو أظهروا الإيمان للمؤمنين وأظهروا الكفر للكافرين، وهذا صريح في كفر المنافقين، وقيل: نزلت الآية في قوم آمنوا ثم ارتدوا، والأول أولى كما يفيده السياق. (فطبع على قلوبهم) أي ختم عليها بسبب كفرهم، قرأ الجمهور طبع مبنياً للمفعول، وقرىء مبنياً للفاعل، والفاعل ضمير يعود إلى الله سبحانه،

стр. 10303

ويدل عليه قراءة الأعمش فطبع الله على قلوبهم (فهم لا يفقهون) ما فيه صلاحهم ورشادهم، وهو حقيقة الإيمان، ولا يعرفون صحته.

стр. 10304

(وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم) أي هيئاتهم ومناظرهم، يعني أن لهم أجساماً يعجب من يراها لما فيها من النضارة والرونق، قال ابن عباس: كان ابن أبيّ جسيماً صحيحاً فصيحاً ذلق اللسان، وكان قوم من المنافقين مثله وهم رؤساء المدينة، وكانوا يحضرون مجلس النبي ﷺ ، ويستندون فيه إلى الجدر وكان النبي ﷺ ومن حضر يعجبون بهياكلهم. (وإن يقولوا) أي يتكلموا في مجلسك (تسمع لقولهم) أي تستمع وتصغي وتميل، فلذلك عُدي باللام، والمعنى لتحسب أن قولهم حق وصدق لفصاحتهم وذلاقة ألسنتهم، قال الكلبي: المراد عبد الله بن أبيّ وجد بن قيس ومعتب بن قشير، كانت لهم أجسام ومنظر وفصاحة، والخطاب للنبي ﷺ ، وقيل: لكل من يصلح له، ويدل عليه قراءة يسمع على البناء للمفعول. وجملة (كأنهم خشب مسندة) خبر مبتدأ مضمر، أي هم كأنهم، أو مستأنفة لتقرير ما تقدم من أن أجسامهم تعجب الرائي وتروق الناظر، قالها الزمخشري أو في محل نصب على الحال، وصاحب الحال الضمير في قولهم، قاله أبو البقاء شبهوا في جلوسهم في مجالس النبي ﷺ مستندين بها بالخشب المنصوبة المسندة إلى الحائط، التي لا تفهم ولا تعلم، وهم كذلك لخلوهم عن الفهم النافع، والعلم الذي ينتفع به صاحبه، قال الزجاج: وصفهم بتمام الصور، ثم أعلم أنهم في ترك الفهم والاستبصار، وعظم الأجسام، بمنزلة الخشب قرأ الجمهور خشب بضمتين، وقرىء بإسكان الشين لأن واحدتها خشبة كبدنة وبدن، وهما سبعيتان، وقرىء بفتحتين. ومعنى مسندة أنها أسندت إلى غيرها، من قولهم: أسندت كذا إلى كذا والتشديد للتكثير، قال ابن عباس في الآية: كأنهم نخل قيام، وقيل: إنهم أشباح بلا أرواح وأجسام بلا أحلام وقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما " عن زيد بن أرقم قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في سفر

стр. 10305

فأصاب الناس شدة، فقال عبد الله بن أبيّ لأصحابه: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله، وقال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فأتيت النبي ﷺ فأخبرته بذلك، فأرسل إلى عبد الله بن أبيّ فسأله فاجتهد يمينه ما فعل فقالوا: كذب زيد رسول الله ﷺ ، فوقع في نفسي مما قالوا شدة، حتى أنزل الله تصديقي في: إذا جاءك المنافقون، فدعاهم النبي ﷺ ليستغفر لهم، فلووا رؤوسهم، وهو قوله: (كأنهم خشب مسندة) قال: كانوا رجالاً أجمل شيء " (١). وأخرجه عنه بأطول من هذا ابن سعد، وعبد بن حميد، والترمذي وصححه، وابن المنذر والطبراني والحاكم وصححه، وابن مردويه والبيهقي، ثم عابهم الله سبحانه بالجبن فقال: (يحسبون كل صيحة) يسمعونها واقعة (عليهم) نازلة بهم لفرط جبنهم ورعب قلوبهم، وفي المفعول الثاني للحسبان وجهان: أولهما أنه عليهم، ويكون جملة: (هم العدو) مستأنفة لبيان أنهم الكاملون في العداوة لكونهم يظهرون غير ما يبطنون. والوجه الثاني أن المفعول الثاني للحسبان هو قوله: (هم العدو)، ويكون قوله: (عليهم) متعلقاً بصيحة وإنما جاء بضمير الجماعة باعتبار الخبر، وكان حقه أن يقال: هو العدو، والوجه الأول أولى قال مقاتل والسدي: أي نادى مناد في العسكر، أو انفلتت دابة، أو أنشدت ضالة، ظنوا أنهم المرادون لما في قلوبهم من الرعب، وقيل: كان المنافقون على وجل من أن ينزل فيهم ما يهتك أستارهم، ويبيح دماءهم وأموالهم. ثم أمر الله سبحانه رسوله ﷺ بأن يأخذ حذره منهم فقال: (فاحذرهم) أن يتمكنوا من فرصة منك، أو يطلعوا على شيء من أسرارك، لأنهم عيون لأعدائك من الكفار، قال أبو السعود: الفاء لترتيب الأمر بالحذر على كونهم أعدى الأعداء، وعلى هذا جعل قوله: (هم العدو) مفعولاً ثانياً مما لا يساعده النظم الكريم أصلاً، ثم دعا عليهم بقوله:

стр. 10306

(قاتلهم الله) أي لعنهم الله، وقد تقول العرب هذه الكلمة على طريق التعجب، كقولهم: قاتله الله من شاعر، أو ما أشعره، وليس بمراد هنا، بل المراد ذمهم وتوبيخهم، وهو طلب من الله سبحانه طلبه من ذاته أن يلعنهم ويخزيهم، أو هو تعليم للمؤمنين أن يقولوا ذلك، وقيل: معناه أهلكهم وهذا ما جرى عليه أبو عيسى ومعنى (أنىَّ يؤفكون)؟ كيف يصرفون عن الحق؟ ويميلون عنه إلى الكفر بعد قيام البرهان على حقية الإيمان؟ قال قتادة: يعدلون عن الحق، وقال الحسن: معناه يصرفون عن الرشد.

стр. 10307

(وإذا قيل لهم تعالوا) أي إذا قال لهم القائل من المؤمنين: قد نزل فيكم ما نزل من القرآن فتوبوا إلى الله ورسوله وتعالوا (يستغفر لكم رسول الله لووا رؤوسهم) أي حركوها استهزاء بذلك، قال مقاتل: عطفوا رؤوسهم رغبة عن الاستغفار، وقيل: إعراضاً عنه واستكباراً، قرأ الجمهور: لووا بالتشديد وقرىء بالتخفيف، واختار الأولى أبو عبيد وهما سبعيتان. (ورأيتهم يصدون) أي يعرضون عن قول من قال لهم تعالوا إلخ، أو يعرضون عن رسول الله ﷺ وجملة: (وهم مستكبرون) في محل نصب على الحال من فاعل الحال الأولى، وهي يصدون لأن الرؤية بصرية، فيصدون في محل نصب على الحال، والمعنى رأيتهم صادين مستكبرين عن الاعتذار والإستغفار، ولما كان رسول الله ﷺ يحب صلاحهم، وأن يستغفر لهم، وربما ندبه إلى ذلك بعض أقاربهم، قال تعالى منبهاً له على أنهم ليسوا بأهل للاستغفار لأنهم لا يؤمنون:

стр. 10308

(سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم) أي الاستغفار وعدمه سواء لا ينفعهم ذلك لإصرارهم على النفاق، واستمرارهم على الكفر، وهذا تيؤس له من إيمانهم. (ولن يغفر الله لهم) أي ما داموا على النفاق (إن الله لا يهدي القوم الفاسقين) أي الكاملين في الخروج عن الطاعة، والانهماك في معاصي الله. ويدخل فيهم المنافقون دخولاً أولياً ثم ذكر سبحانه بعض قبائحهم فقال:

стр. 10309

هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ (٧) يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٩) وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١١)

стр. 10310

(هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ) استئناف جار مجرى التعليل لفسقهم أو لعدم هداية الله لهم والمعنى يقولون لأصحابهم من الأنصار المخلصين في الإيمان وصحبتهم للمنافقين بحسب ظاهر الحال. (لا تنفقوا على من عند رسول الله) الظاهر أنه حكاية ما قالوه بعينه، لأنهم منافقون مقرون برسالته ظاهراً؛ ولا حاجة إلى أنهم قالوه تهكماً أو لغلبته عليه حتى صار كالعلم كما قيل، ويحتمل أنهم عبروا بغير هذه العبارة فغيرها الله إجلالاً لنبيه ﷺ . (حتى ينفضوا) أي لأجل أن يتفرقوا عنه بأن يذهب كل واحد منهم إلى أهله وشغله الذي كان له قبل ذلك، يعنون بذلك فقراء المهاجرين، قرأ الجمهور ينفضوا من الانفضاض وهو التفرق، وقرىء ينفضوا من انفض القوم إذا فنيت أزوادهم، يقال: نفض الرجل وعاءه من الزاد فانفض، قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في عسيف لعمر بن الخطاب، وقرأ زيد بن أرقم

стр. 10311

وابن مسعود: حتى ينفضوا من حوله، ثم أخبر سبحانه بسعة ملكه فقال: (ولله خزائن السموات والأرض) أي أنه هو الرزاق لهؤلاء المهاجرين وغيرهم، لأن خزائن الرزق له، فيعطي من شاء ما شاء، ويمنع من شاء ما شاء، لا بأيديهم، وهذا رد وإبطال لما زعموا من أن عدم إنقاقهم يؤدي إلى انفضاض الفقراء من حوله، والجملة حالية، أي قالوا ما ذكر، والحال أن الرزق بيده تعالى، لا يقدر أحد على منع شيء من ذلك، لا مما في يده، ولا مما في يد غيره (ولكن المنافقين لا يفقهون) ذلك، ولا يعلمون أن خزائن الأرزاق بيد الله ، وأنه الباسط القابض، المعطي المانع. ثم ذكر سبحانه مقالة شنعاء قالوها فقال:

стр. 10312

(يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل) القائل لهذه المقالة هو عبد الله بن أبيّ رأس المنافقين، وعنى بالأعز نفسه ومن معه، وبالأذل رسول الله ﷺ ومن معه، والمراد بالرجوع رجوعهم من تلك الغزوة، وإنما أسند القول إلى المنافقين مع كون القائل فرداً من أفرادهم وهو ابن أبيّ لكونه رئيسهم، وصاحب أمرهم، وهم راضون بما يقوله السامعون له مطيعون. أخرج البخاري ومسلم وغيرهما. " عن جابر بن عبد الله قال: كنا مع النبي ﷺ في غزاة، قال سفيان: يرون أنها غزوة بني المصطلق فكسع رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار، فقال المهاجري: يا للمهاجرين، وقال الأنصاري: يا للأنصار، فسمع ذلك النبي ﷺ فقال: ما بال دعوة الجاهلية؟ قالوا: رجل من المهاجرين كسع رجلاً من الأنصار، فقال النبي

стр. 10313

صلى الله عليه وسلم: دعوها فإنها منتنة، فسمع ذلك عبد الله بن أبيّ فقال: أوقد فعلوها؟ والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فقام عمر فقال: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال النبي ﷺ دعه لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه، زاد الترمذي فقال له ابنه عبد الله بن عبد الله: والله لا تنقلب حتى تقرَّ أنك الذليل ورسول الله العزيز ففعل " (١) وكانت تلك الغزوة في السنة الرابعة، وقيل في السادسة، ثم رد الله سبحانه على قائل تلك المقالة فقال: (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين) الجملة حالية أي قالوا ما ذكر، والحال أن كل من له نوع بصيرة يعلم أن القوة والغلبة لله وحده، ولمن أفاضها عليه من رسله، وصالحي عباده، وعزة الله قهره وغلبته لأعدائه، وعزة رسوله إظهار دينه على الأديان كلها، وعزة المؤمنين نصر الله إياهم على أعدائهم، عن بعض الصالحات وكانت في هيئة رثة ألست على الإسلام وهو العز الذي لا ذل معه، والغنى الذي لا فقر معه؟ وعن الحسن بن علي أن رجلاً قال له: إن الناس يزعمون أن فيك تيهاً، قال: ليس بتيه ولكنه عزة، وتلا هذه الآية اللهم كما جعلت العزة للمؤمنين على المنافقين، فاجعل العزة للعادلين من عبادك، وأنزل الذلة على الجائرين الظالمين. (ولكن المنافقين لا يعلمون) بما فيه النفع فيفعلونه، وبما فيه الضر فيجتنبونه، بل هم كالأنعام لفرط جهلهم، ومزيد حيرتهم، والطبع على قلوبهم، ختم هذه الآية بلا يعلمون، وما قبلها بلا يفقهون. لأن الأول متصل بقوله: (ولله خزائن السموات والأرض)، وفي معرفتها غموض يحتاج إلى فطنة وفقه، فناسب نفي الفقه عنهم، والثاني متصل بقوله: (ولله العزة) الخ وفي معرفتها غموض زائد يحتاج إلى علم فناسب نفي العلم عنهم، فالمعنى لا يعلمون أن الله معز أولياءه ومذل أعداءه، قال الكرخي: والحاصل أنه لما أثبت المنافقون لفريقهم إخراج المؤمنين من المدينة أثبت الله

стр. 10314

تعالى في الرد عليهم صفة العزة لغير فريقهم، وهو الله ورسوله والمؤمنون. وفي شرح جمع الجوامع: ومن قوادح العلة القول بالموجب بفتح الجيم، وهو تسليم الدليل مع بقاء النزاع بأن يظهر المعترض عدم استلزام الدليل لمحل النزاع، وشاهده: (ولله العزة ولرسوله) في جواب (ليخرجن الأعز منها الأذل) ولما ذكر سبحانه قبائح المنافقين، رجع إلى خطاب المؤمنين مرغباً لهم في ذكره فقال:

стр. 10315

(يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم) أي لا تشغلكم (أموالكم) بالتصرف فيها، والسعي في تدبير أمرها بالنماء، وطلب النتاج، والاهتمام بها (ولا أولادكم) وسروركم بهم وشفقتكم عليهم، والقيام بمؤنتهم، حذرهم عن التشبه بالمنافقين في الاغترار عن أخلاق الذين ألهتهم أموالهم وأولادهم (عن ذكر الله) والمراد بالذكر فرائض الإسلام قاله الحسن، وقال الضحاك: الصلوات الخمس، وقيل: قراءة القرآن، وقيل: الحج والزكاة، وقيل: إدامة الذكر، وقيل: هو خطاب للمنافقين ووصفهم بالإيمان لكونهم آمنوا ظاهراً، والأول أولى. " وعن ابن عباس عن النبي صلى الله عمية وسلم في الآية قال: هم عباد من أمتي الصالحون منهم، لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، وعن الصلوات الخمس المفروضة " أخرجه ابن مردويه. (ومن يفعل ذلك) أي يَلْتَهِ بالدنيا عن الدين، ويشتغل بها عما ذكر (فأولئك هم الخاسرون) أي الكاملو الخسران في تجارتهم، حيث باعوا العظيم الباقي بالحقير الفاني. " وهو عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : الدنيا ملعونة: وملعون ما فيها، إلا ذكر الله وما والاه، وعالم ومتعلم "، أخرجه الترمذي.

стр. 10316

(وأنفقوا مما رزقناكم) الظاهر أن المراد الإنفاق في الخير على عمومه، وقيل: المراد الزكاة المفروضة، ومن للتبعيض أي أنفقوا بعض ما رزقناكم في سبيل الخير، وفي التبعيض بإسناد الرزق منه تعالى إلى نفسه زيادة ترغيب في الامتثال، حيث كان الرزق له تعالى بالحقيقة، ومع ذلك اكتفى منهم ببعضه. (من قبل أن يأتي أحدكم الموت) بأن تنزل عليه مقدماته وأسبابه وأماراته، ويشاهد حضور علاماته ودلائله، ويتعذر عليه الإنفاق، وقدم المفعول على الفاعل للإهتمام (فيقول رب لولا أخرتني) أي يقول عند نزول ما نزل به منادياً لربه: هلا أمهلتني وأخرت موتي، فلولا بمعنى هلا التي معناها التحضيض وتختص بما لفظه ماض، وهو في تأويل المضارع كما هنا، إذ لا معنى لطلب التأخير في الزمن الماضي، أو لا زائدة، ولولا للتمني، وقضية كلام الكشاف أن لولا بمعنى هل الاستفهامية والأولى أولى. (إلى أجل) أي زمن واحد (قريب) قصير قليل بقدر ما أستدرك فيه ما فاتني (فأصدق) أي فأتصدق بمالي، أو بالزكاة، قرأ الجمهور بإدغام التاء في الصاد، وانتصابه على أنه جواب التمني، وقيل: إن لا في لولا زائدة، والأصل لو أخرتني، وقرىء فأتصدق بدون إدغام على الأصل (وأكن) قرأ الجمهور بالجزم على محل فأصدق، كأنه قيل: إن أخرتني أصدق وأكن، قال الزجاج: معناه هلا أخرتني؟ وجزم أكن على موضع فأصدق، لأنه على معنى إن أخرتني أصدق وأكن، وكذا قال أبو علي الفارسي وابن عطية وغيرهم، وقال سيبويه حاكياً عن الخليل: إنه جزم على توهم الشرط الذي يدل عليه التمني، وجعل سيبويه هذا نظير قول زهير: بدا لي أني لست مدرك ما مضى ... ولا سابق شيئاًً إذا كان جائياً فخفض ولا (سابق) عطفاً على (مدرك) هو خبر ليس على توهم زيادة الباء فيه، وقرىء وأكون بالنصب عطفاً على فأصدق، ووجهها واضح، ولكن

стр. 10317

قال أبو عبيدة: رأيت في مصحف عثمان وأكن بغير واو، وقرىء بالرفع على الاستئناف أي وأنا أكون. (من الصالحين) أي من المؤمنين، قال ابن عباس: أحج، وقال الضحاك: لا ينزل الموت بأحد لم يحج ولم يؤد زكاة إلا سأل الرجعة، وقرأ هذه الآية. " وقال ابن عباس: قال رسول الله ﷺ : من كان له مال يبلغه حج بيت الله، أو تجب عليه فيه الزكاة، فلم يفعل سأل الرجعة عند الموت فقال له رجل: يا ابن عباس اتق الله فإنما يسأل الكافر فقال: سأتلو عليكم بذلك قرآناً: يا أيها الذين آمنوا إلى آخر السورة " أخرجه الترمذي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والحسن ابن أبي الحسن في كتاب منهاج الدين إلى قوله الموت مرفوعاً ثم أجاب الله عن هذا المتمني فقال:

стр. 10318

(ولن يؤخر الله نفساً) أية نفس كانت عن الموت (إذا جاء أجلها) أي آخر عمرها الكتوب في اللوح المحفوظ ومن جملة النفوس التي شملها النفي نفس هذا القائل فلا يؤخر أيضاًً (والله خبير بما تعملون) قرىء بالتاء والياء ولكل وجه يعني أنه لو رد إلى الدنيا وأجيب إلى ما يسأل ما حج، وما زكّى وقيل: هو خطاب شائع لكل عامل عملاً من خير أو شر، وهو الأولى. واعلم أنه قد وقع الخلاف بين أهل العلم وطالت ذيوله وتشعبت أبحاثه في التعارض بين ما ورد من أن القضاء الأزلي من الله لا يتغير ولا يتبدل، وهو المعبر عنه بأم الكتاب، وبقوله: تعالى: (لا معقب لحكمه) وقوله: (ما يبدل القول لدي) وبين ما ورد من الإرشاد إلى الأدعية وطلب الخير من الله وسؤاله أن يدفع الضر ويرفع الضر، وسائر المطالب التي يطلبها العباد من ربهم سبحانه. " كقوله ﷺ : لا يرد القضاء إلا الدعاء، ولا يزيد في

стр. 10319

العمر إلا البر " أخرجه الترمذي من حديث سلمان وحسنه، وأبو حيان وصححه، والحاكم وصححه، والطبراني في الكبير، والضياء في المختارة. ومثله حديث ثوبان مرفوعاً بلفظ: لا يرد القدر إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر، وإن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه. " وكقوله ﷺ لا يغني حذر من قدر، والدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل وإن البلاء لينزل فيلقاه الدعاء فيعتلجان إلى يوم القيامة " أخرجه الحاكم في المستدرك والبزار والطبراني في الأوسط والخطيب قال الحاكم: صحيح الإِسناد من حديث عائشة مرفوعاً وقال في مجمع الزوائد: رواه أحمد وأبو يعلى بنحوه والبزار والطبراني في الأوسط ورجال أحمد وأبي يعلى وأحد إسنادي البزار رجاله رجال الصحيح غير علي بن علي الرفاعي وهو ثقة وقد ضعف هذا الحديث بزكريا بن منصور كما ذكره الشوكاني في شرحه للعدة. ومن ذلك ما أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجة وابن حبان وصححه " عن سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ إن ربكم حي كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه أن يردهما صفراً " وأخرجه أيضاًً الحاكم وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وله شاهد صحيح ثم رواه من " حديث أنس مرفوعاً: إن ربكم رحيم حي كريم يستحي من عبده أن يرفع إليه يديه ثم لا يضع فيهما خيراً " وأخرجه الطبراني وأبو يعلى ومن ذلك: " قوله ﷺ : لا تعجزوا في الدعاء فإنه لن يهلك مع الدعاء أحد " أخرجه ابن حبان من حديث أنس والحاكم في المستدرك وقال: صحيح الإسناد والضياء في المختارة وقد رد الشوكاني في شرحه للعمدة على من ضعفه. ومن ذلك ما أخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة والحاكم في المستدرك

стр. 10320

وقال صحيح الإسناد وأقره الذهبي وأخرجه أيضاًً من حديث سلمان وقال: صحيح الإسناد ومن ذلك ما أخرجه الحاكم في المستدرك. " من حديث أبي هريرة وقال صحيح الإسناد قال: قال رسول الله ﷺ : الدعاء سلاح المؤمن وعماد الدين ونور السموات والأرض " (١) وأخرجه أبو يعلى. " من حديث علي قال: قال رسول الله ﷺ ألا أدلكم على ما ينجيكم من عدوكم ويدر لكم أرزاقكم؟ تدعون الله في ليلكم ونهاركم فإن الدعاء سلاح المؤمن " (٢). وأخرج أحمد في المسند من " حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ما من مسلم ينصب وجهه لله في مسألة إلا أعطاه إياها إما أن يعجلها له وإما أن يدخرها له " (٣) قال المنذري في الترغيب والترهيب: لا بأس بإسناده وأخرجه البخاري في الأدب المفرد والحاكم وشهد لمعناه ما أخرجه أحمد والبزار وأبو يعلى قال المنذري: بأسانيد جيدة. " من حديث أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث إما أن يعجل له دعوته وإما أن يدخرها له في الآخرة وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها " (٤). وأخرج ابن أبي شيبة في مصنفه وأبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان " قال: قال رسول الله ﷺ الدعاء هو العبادة ثم تلا: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي) " الآية وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم في المستدرك.

стр. 10321

" من حديث أنس قال: قال رسول الله ﷺ : الدعاء مخ العبادة " (١) وأخرج الترمذي والحاكم في المستدرك: " من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : من لم يسأل الله يغضب عليه " (٢) وفي لفظ: من لم يدع الله يغضب عليه أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف والحاكم في المستدرك وصححه. ومن ذلك. " استعاذته ﷺ من سوء القضاء " كما في صحيح مسلم وغيره. " ومن ذلك ما ثبت في قنوت الوتر عنه ﷺ أنه قال فيه: وقني شر ما قضيت "، وهو حديث صحيح، وإن لم يخرجه الشيخان، وفيهما الاستعاذة من القضاء المشتمل على الشر والسوء ومن ذلك الأحاديث الواردة في صلة الرحم وأنها تزيد في العمر وهي أحاديث صحيحة ومن ذلك الأحاديث الواردة في إجابة دعاء المظلوم على ظالمه والأحاديث الواردة في دعاء الوالدين لولدهما والأحاديث الواردة في دعوة الإمام العادل والأحاديث الواردة في إجابة دعوة من دعا ربه باسمه الأعظم وغير ذلك كثير. وجميع ذلك على اختلاف دلالته متواتر فليت شعري كيف ذهب جماعة من أهل العلم إلى مخالفة ذلك كله، وقالوا: إن أحكام الله وقضاءه في سابق علمه لا تغير أصلاً فإن استدلوا بمثل قوله تعالى: (مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ)، وما ورد في اللوح المحفوظ، وما كتب فيه، وأنه قد جف القضاء، ونحو ذلك، فأي فائدة في مثل قوله : (أدعوني أستجب لكم)؟ فإن هذا أمر منه لعباده بدعائه، وأي فائدة في أمر رسول الله ﷺ بأن يخبر عباده أنه قريب مجيب يجيب دعوة الداعي إذا دعاه؟ وأي فائدة في قوله ، مخبراً لعباده (يمحو ما يشاء ويثبت وعنده أم

стр. 10322

الكتاب) وعلمنا سبحانه كيف ندعو في نحو قوله: (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) إلى آخر الآية. " وحكى لنا رسول الله ﷺ كما ثبت في الصحيح أن الله قال عند هذه الدعوات: قد فعلت "، وكذلك سائر ما قصه الله علينا في كتابه من إجابته لدعوة أنبيائه كما في قوله: (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا)، وفي مثل: (إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم) وما شابه ذلك من الآيات، وما شوهد من نبينا ﷺ من إجابة دعواته في مواطن يتعسر إحصاؤها، وما شوهد من صالحي هذه الأمة في كل قرن من القرون من إجابة دعواتهم في الحال. ومن جهل هذا أو بعضه نظر في مثل حلية الأولياء، ومثل رسالة القشيري، ومثل صفوة الصفوة لابن الجوزي، وغير ذلك مما يكثر تعداده، بل ينظر في الدعوات المجابة من الصحابة ﵃، وكما وقع من جماعة كثيرة من السلف رحمهم الله تعالى أنهم كانوا يقولون في أدعيتهم: اللهم إن كنت قد كتبتني في ديوان الأشقياء فانقلني إلى ديوان السعداء بعبارات مختلفة هذه إحداها، وبالجملة فالكتاب العزيز والسنة المتواترة ترد عليهم رداً أوضح من شمس النهار. وطائفة قالت: إن الأقضية نوعان مطلقة ومقيدة، فالمطلقة ما لم تكن مشروطة بشروط واقعة، وإلا فلا، وهذا القول وإن كان مردوداً مثل الأول إلا أنه أقل مفسدة منه، وإن كان رأياً بحتاً ليس عليه دليل، وبالجملة فالبحث يطول فلنقتصر على هذا المقدار، والحمد لله أولاً وآخراً، واستنبط بعضهم من هذه الآية عمر النبي ﷺ ، لأن السورة رأس ثلاث وستين سورة، وعقبت بالتغابن إشارة لظهور التغابن بوفاته ﷺ ، ذكره الكرخي، وليس هذا من تفسير الكتاب في شيء، بل من لطائف الكلام وتفنن المرام.

стр. 10323

سورة التغابن (هي ثماني عشرة آية بالاتفاق، وهي مدنية في قول الأكثر) وقال الضحاك، هي مكية، وقال الكلبي: هي مدنية ومكيّة، وقال ابن عباس: نزلت بالمدينة، وعن ابن الزبير مثله، وعن ابن عباس أيضاً قال: نزلت بمكة إلا آيات من آخرها نزلن بالمدينة في عوف بن مالك الأشجعي شكا إلى رسول الله ﷺ جفاء أهله وولده، فأنزل الله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ) إلى آخر السورة، وعن عطاء ابن يسار نحوه. أخرج البخاري في تاريخه. عن عبد الله بن عمرو قال: " ما من مولود يولد إلا مكتوب في تشبيك رأسه خمس آيات من أول سورة التغابن "، وأخرجه ابن حبان في الضعفاء والطبراني وابن مردويه وابن عساكر مرفوعاً عنه، قال ابن كثير: وهو غريب جداً بل منكر.

стр. 10324

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢) خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣) يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٤) أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٥) ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٦) زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧)

стр. 10325

(يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) أي ينزهه سبحانه جميع مخلوقاته التي في سمواته وأرضه، عن كل نقص وعيب، وكررت (ما) هنا، وفي قوله: (وما تعلنون) تأكيداً وتعميماً، وللاختلاف لأن تسبيح ما في السموات مخالف لتسبيح ما في الأرض كثرة وقلة، وأسرارنا مخالفة لعلانيتنا، ولم تكرر في قوله: (يعلم ما في السموات والأرض) لعدم اختلاف علمه تعالى، إذ علمه بما تحت الأرض كعلمه بما فوقها وعلمه بما كان كعلمه بما يكون. (له الملك وله الحمد) أي يختصان به ليس لغيره منهما شيء، وما كان لعباده منهما فهو من فيضه، وراجع إليه وتقديم الظرف يفيد الاختصاص به تعالى من حيث الحقيقة لأنه مبدىء كل شيء ومبدعه فكان الملك له حقيقة دون غيره، ولأن أصول النعم وفروعها منه تعالى، فالحمد له بالحقيقة، وحمد غيره إنما يقع من حيث ظاهر الحال، وجريان النعم على يديه، والملك هو الاستيلاء، والتمكن من التصرف في كل شيء على حسب ما أراد في الأزل، قال الرازي. الملك تمام القدرة واستحكامها، يقال: ملك بين الملك

стр. 10326

بالضم ومالك بين الملك بالكسر (وهو على كل شيء قدير) لا يعجزه شيء.

стр. 10327

(هو الذي خلقكم) أي قدر خلقكم في الأزل، وكذا قوله: (فمنكم كافر ومنكم مؤمن) أي مقضي بكفره وإيمانه أزلاً، وقيل: إنه خلق الخلق، ثم كفروا وآمنوا، والتقدير هو الذي خلقكم ثم وصفكم فقال: (فمنكم كافر ومنكم مؤمن) كقوله: (وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ) الآية، قالوا: فإنه خلقهم والمشي فعلهم وهذا اختيار الحسين بن الفضيل قال: لو خلقهم مؤمنين وكافرين لما وصفهم بفعلهم في قوله (فمنكم كافر) إلخ واحتجوا: " بقوله ﷺ : كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه "، ذكره الخطيب، قال الضحاك: فمنكم كافر في السر مؤمن في العلانية كالمنافق، ومنكم مؤمن في السر وكافر في العلانية، كعمار ابن ياسر ونحوه مما أكره على الكفر. وقال عطاء: فمنكم كافر بالله مؤمن بالكواكب ومنكم مؤمن بالله، كافر بالكواكب. قال الزجاج: إن الله خلق الكافر، وكفره فعل له وكسب، مع أن الله خالق الكفر، وخلق المؤمن، وإيمانه فعل له وكسب، مع أن الله خالق الإيمان، والكافر يكفر ويختار الكفر بعد خلق الله إياه، لأن الله تعالى قدر ذلك عليه وعلمه منه، لأن وجود خلاف المقدر عجز، ووجود خلاف المعلوم جهل، هذا طريق أهل السنة، فمن سلك هذا أصاب الحق وسلم من مذهب الجبرية والقدرية، قال القرطبي: وهذا أحسن الأقوال، وهو الذي عليه جمهور الأمة وقدم الكافر على المؤمن لأنه الأغلب عند نزول القرآن، وفيه رد لقول من يقول بالمنزلة بين المنزلتين. (والله بما تعملون بصير) لا تخفى عليه من ذلك خافية، فهو مجازيكم بأعمالكم.

стр. 10328

" عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : العبد يولد مؤمناً، ويعيش مؤمناً، ويموت مؤمناً، والعبد يولد كافراً، ويعيش كافراً، ويموت كافراً، وإن العبد يعمل برهة من دهره بالسعادة، ثم يدركه ما كتب له، فيموت شقياً وإن العبد يعمل برهة من دهره بالشقاء، ثم يدركه ما كتب له فيموت سعيداً "، أخرجه ابن مردويه، ثم لما ذكر سبحانه خلق العالم الصغير اتبعه بخلق العالم الكبير فقال:

стр. 10329

(خلق السموات والأرض) خلقاً متلبساً (بالحق) أي بالحكمة البالغة، وقيل: خلق ذلك خلقاً يقينياً لاريب فيه، وقيل: الباء بمعنى اللام، أي خلق ذلك لإظهار الحق، وهو أن يجزي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، ثم رجع سبحانه إلى خلق العالم الصغير كذا قال مقاتل، وقيل: المراد جميع الخلائق وهو الظاهر، أي أنه سبحانه خلقهم في أكمل صورة وأحسن تقويم، وأجمل شكل وأبهاه، لا يتمنى الإنسان أن تكون صورته على خلاف ما يرى من سائر الصور قال بعض الحكماء شيئان لا غاية لهما، الجمال والبيان، والتصوير والتخطيط والتشكيل. قرأ الجمهور صوركم بضم الصاد وقرىء بكسرها. (وإليه المصير) في الدار الآخرة لا إلى غيره. " وعن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : إذا مكث المني في الرحم أربعين ليلة أتاه ملك النفوس، فعرج به إلى الرب فيقول: يا رب أذكر أم أنثى؟ فيقضي الله ما هو قاض، فيقول: أشقي أم سعيد؟ فيكتب ما هو لاق، وقرأ أبو ذر من فاتحه التغابن خمس آيات إلى قوله: (وإليه المصير) " أخرجه عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.

стр. 10330

(يعلم ما في السموات والأرض) لا تخفى عليه من ذلك خافية (ويعلم ما تسرون وما تعلنون) أي ما تخفونه وما تظهرونه، والتصريح به مع اندراجه فيما قبله لمزيد التأكيد في الوعد والوعيد (والله عليم بذات الصدور) جملة مقررة لما قبلها من شمول علمه لكل معلوم، وهي تذييلية، وقال الخطيب: كل واحدة من هذه الثلاث أخص مما قبلها وجمع بينها إشارة إلى أن علمه تعالى محيط بالجزئيات والكليات لا يعزب عنه شيء من الأشياء.
следующие страницы →