← Тафсир

Тафсир · id 37458

فتح البيان في مقاصد القرآن

صديق حسن خان

Полный текст (12 043 стр.). Показаны 10466–10505 · переход к 10471.

стр. 10466

(ويقولون) من فرط عتوهم استهزاء وسخرية وتكذيباً (متى هذا الوعد) الذي تذكرون من الحشر والقيامة والنار والعذاب (إن كنتم صادقين) في ذلك والخطاب منهم للنبي ﷺ ولمن معه من المؤمنين لانهم كانوا مشاركين له في الوعد وتلاوة الآيات المتضمنة له، وجواب الشرط محذوف والتقدير إن كنتم صادقين فأخبرونا به أو فبينوا وقته لنا. ثم لما قالوا هذا القول أمر الله سبحانه رسوله ﷺ أن يجيب عليهم فقال

стр. 10467

(قل إنما العلم) أي أن وقت قيام الساعة علمه (عند الله لا يعلمه غيره ومثله قوله (إنما علمها عند ربي) ثم أخبرهم أنه مبعوث للإنذار لا للإخبار بالغيب فقال: (وإنما أنا نذير مبين) أي أنذركم عاقبة كفركم وأبين لكم ما أمرني الله ببيانه بإقامة الأدلة حتى يصير ذلك كأنه مشاهد، والإنذار يكفي له العلم بل الظن بوقوع المحذر منه.

стр. 10468

فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ (٢٧) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٨) قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ (٣٠) ثم ذكر سبحانه حالهم عند معاينة العذاب فقال

стр. 10469

(فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً) الفاء فصيحة معربة عن تقدير جملتين وترتيب الشرطية عليهما كأنه قيل وقد أتاهم الموعود به فرأوه فلما رأوه الخ، وزلفة مصدر بمعنى الفاعل أي مزدلفاً أو حال من المفعول أو ذا زلفة وقرب، أو رأوه في مكان ذا زلفة قال مجاهد: أي قريباً وقال الحسن: عياناً. وأكثر المفسرين على أن المراد عذاب الآخرة يوم القيامة، وقال مجاهد: المراد عذاب بدر وقيل رأوا ما وعدوا به من الحشر قريباً منهم كما يدل عليه قوله (وإليه تحشرون) وقيل لما رأوا عملهم السيء قريباً. (سيئت وجوه الذين كفروا) أي اسودت وعلتها الكآبة والقترة وغشيتها الذلة والسواد يقال ساء الشيء يسوء فهي سيء إذا قبح، والأصل ساء وجوههم العذاب ورؤيته أي حزنها، وساءت هنا ليست هي المرادفة لبئس. والمقام للضمير وأتى بالمظهر توصلاً لذمهم بالكفر وتعليل المساءة به، قال الزجاج المعنى تبين فيها السوء أي ساءهم ذلك العذاب فظهر عليه بسببه في وجوههم ما يدل على كفرهم كقوله (يوم تبيض وجوه وتسود وجوه) قرأ الجمهور سيئت بكسر السين بدون إشمام وقرىء بالإشمام. (وقيل) لهم توبيخاً وتقريعاً (هذا) المشاهد الحاضر من العذاب هو العذاب (الذي كنتم به تدعون) في الدنيا أي تطلبونه وتستعجلون به استهزاء، على أن معنى تدعون الدعاء قال الفراء: تدعون تفتعلون من

стр. 10470

الدعاء أي تتمنون وتسألون، وبهذا قال الأكثر من المفسرين، وقال الزجاج: تدعون الأباطيل والأحاديث. وقيل معنى تدعون تكذبون، هذا على قراءة الجمهور تدعون بالتشديد فهو إما من الدعاء كما قال الأكثر أو من الدعوى كما قال الزجاج ومن وافقه. والمعنى أنهم كانوا يدعون أنه لا بعث ولا حشر ولا جنة ولا نار، وقرىء تدعون مخففاً ومعناها ظاهر وهي مؤيدة للقول بأنها من الدعاء، قال قتادة: هو قولهم (رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا) وقال الضحاك: هو قولهم (اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء) الآية، قال النحاس تدَّعون وتدعون بمعنى واحد كما تقول قدر واقتدر، وغدى واغتدى، إلا أن افتعل معناه مضى شيئاًً بعد شيء وفعل يقع على القليل والكثير.

стр. 10471

(قل أرأيتم إن أهلكني الله) بموت أو قتل كقوله وإن أمرؤ هلك أو بالعذاب (ومن معي) من المؤمنين (أو رحمنا) بتأخير ذلك إلى أجل أو لم يعذبنا (فمن يجير الكافرين من عذاب أليم) أي فمن يمنعهم ويؤمنهم من العذاب. والمعنى أنه لا ينجيهم من ذلك أحد سواء أهلك الله رسوله والمؤمنين معه كما كان الكفار يتمنونه أو أمهلهم. وقيل المعنى إنا مع إيماننا بين الخوف والرجاء. فمن يجيركم مع كفركم من العذاب، ووضع الظاهر موضع المضمر للتسجيل عليهم بالكفر وبيان أنه السبب في عدم نجاتهم. وتعليل نفي الإجارة به؛ وأرأيتم بمعنى أخبروني كما ذكره بعض المفسرين وأنها إذا كانت كذلك تنصب مفعولين الأول مفرد والثاني جملة استفهامية ولا شيء منهما هنا؛ فكأن الجملة الشرطية سدت مسد الفعولين. وقوله (فمن يجير) الخ جواب الشرط وفي تسببه على الشرط بعد، وممكن أن يقال الجواب محذوف تقديره، فلا فائدة لكم في ذلك ولا نفع يعود عليكم لأنكم لا مجير لكم من عذاب الله.

стр. 10472

(قل هو الرحمن) أي الذي أدعوكم إلى عبادته مولى النعم كلها (آمنا به) وحده لا نشرك به شيئاًً لما علمنا أن كل ما سواه إما نعمة أو منعم عليه (وعليه) لا على غيره (توكلنا) أي فوضنا الأمور إليه لعلمنا بأن ما عداه كائناً ما كان بمعزل من النفع والضر. (فستعلمون) إذا نزل بكم العذاب (من هو في ضلال مبين) منا ومنكم، وفي هذا تهديد شديد مع إخراج الكلام مخرج الإنصاف. قرأ الجمهور فستعلمون بالفوقية على الخطاب وقرىء بالتحتية على الخبر. ثم احتج سبحانه عليهم ببعض نعمه وخوّفهم سلب تلك النعمة عنهم فقال

стр. 10473

(قل أرأيتم) أي أخبروني (إن أصبح ماؤكم) الذي تعدونه في أيديكم كما نبهت عليه الإضافة (غوراً) أي غائراً في الأرض بحيث لا يبقى له وجود فيها أو صار ذاهباً في الأرض إلى مكان بعيد بحيث لا تناله الدلاء، يقال غار الماء غوراً أي نضب والغور الغائر وصف بالمصدر للمبالغة، كما يقال رجل عدل، وقد تقدم مثل هذا في سورة الكهف، وكان ماؤهم من بئر زمزم وبئر ميمون؛ قال ابن عباس غوراً داخلاً في الأرض وعنه يرجع في الأرض. (فمن يأتيكم بماء معين) أي ظاهر تراه العيون وتناله الدلاء، وقيل هو من معن الماء إذا كثر، وقال قتادة والضحاك أي جار وقد تقدم معنى المعين في سورة المؤمنون، وقرأ ابن عباس بماء عذب. وعنه قال بماء معين أي الجاري، وعنه قال معين ظاهر وعنه قال عذب. والمقصود من الآية أن يجعلهم مقرين ببعض نعمه عليهم ويريهم قبح ما هم عليه من الكفر والعناد والكبر، قال المحلي ويستحب أن يقول القارىء عقب معين: " الله رب العالمين " كما ورد في الحديث، وتليت هذه الآية عند بعض المتجبرين فقال تأتي به الفؤوس والمعاول، فذهب ماء عينه وعمي، نعوذ بالله من الجرأة على الله وعلى آياته.

стр. 10474

سورة نون وتسمى سورة القلم اثنتان وخمسون آية، وهي مكية في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر، وعن ابن عباس وقتادة أن من أولها إلى قوله: (أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) مدني، ومن بعد ذلك إلى قوله: (فَهُمْ يَكْتُبُونَ) مكي وممن بعد ذلك إلى قوله: (فَهُمْ يَكْتُبُونَ) مكي، كذا قال الماوردي، وعن ابن عباس قال كانت إذا نزلت فاتحة سورة بمكة كتبت بمكة ثم يزيد الله فيها ما شاء، وكان أول ما نزل من القرآن اقرأ باسم ربك ثم نون ثم المزمل ثم المدثر، وعنه نزلت نون بمكة وعن عائشة مثله.

стр. 10475

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ (٣) وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤) فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (٦)

стр. 10476

(ن) قرىء بإدغام النون الثانية من هجائها في الواو وقرىء بالإظهار وبالفتح على إضمار فعل وبكسرها على إضمار القسم، أو لأجل التقاء الساكنين، وبضمها على البناء؛ عن ابن عباس أنه قال نون: الدواة، أخرجه ابن المنذر وعبد بن حميد، وأخرج ابن مردويه عنه قال: قال رسول الله ﷺ " النون السمكة (١) التي عليها قرار الأرضين "، وقال مجاهد والسدي ومقاتل: هو الحوت الذي يحمل الأرض، وبه قال مرة الهمداني، وعطاء الخراساني والكلبي. وقيل إن نون آخر حرف من حروف الرحمن؛ وقال ابن زيد: هو قسم أقسم الله به؛ وقال ابن كيسان: هو فاتحة السورة وقال عطاء وأبو العالية: هي النون من نصر وناصر؛ وقال محمد بن كعب: أقسم الله بنصره المؤمنين، وقيل اسم للسورة وقيل اسم للقرآن وقيل هو حرف من حروف الهجاء كالفواتح الواقعة في أوائل السور المفتتحة بذلك، وقد اختاره المحلي حيث قال أحد حروف الهجاء؛ وأراد بذلك الرد على من قال أنه مقتطع من اسمه تعالى الرحمن أو النصير أو الناصر أو النور. وقال النسفي: الظاهر أن المراد به هذا الحرف من حروف المعجم؛ وأما قول الحسن أنه الدواة وقول ابن عباس أنه الحوت الذي عليه الأرض

стр. 10477

واسمه بهموت فمشكل سواء كان جنس أو إسم علم، فالسكون دليل على أنه من حروف المعجم انتهى وقد عرفناك ما هو الحق في مثل هذه الفواتح في أول سورة البقرة. (والقلم) الواو واو القسم أقسم الله بالقلم لما فيه من البيان وهو واقع على كل قلم يكتب به في الأرض والسماء، وقال جماعة من المفسرين ومنهم المحلي المراد به القلم الذي كتب به الكائنات في اللوح المحفوظ، أقسم الله به تعظيماً له، قال قتادة القلم من نعمة الله على عباده وعن عبادة بن الصامت سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن أول ما خلق الله القلم فقال له اكتب، فجرى بما هو كائن إلى الأبد " (١) أخرجه الترمذي وصححه وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن مردويه. وأخرج ابن جرير من حديث معاوية بن قرة عن أبيه مرفوعاً نحوه، وعن ابن عباس قال: " إن الله خلق النون وهي الدواة وخلق القلم فقال: اكتب، قال: وما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة " أخرجه ابن جرير وابن المنذر، وأخرج الحكيم الترمذي عن أبي هريرة مرفوعاً نحوه (٢). وعن ابن عباس أن أول شيء خلقه الله القلم فقال الله له اكتب فقال: يا رب ما أكتب؟ فقال: اكتب القدر، فجرى من ذلك اليوم بما هو كائن إلى أن تقوم الساعة ثم طوى الكتاب ورفع القلم وكان عرشه على الماء فارتفع بخار

стр. 10478

الماء ففتقت منه السموات ثم خلق النون فبسطت الأرض عليه والأرض على ظهر النون فاضطرب النون فمادت الأرض فأثبتت الجبال، فإن الجبال لتفخر على الأرض إلى يوم القيامة ثم قرأ (ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ) أخرجه الحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات وأبو الشيخ وغيرهم. (وما يسطرون) ما موصولة والضمير عائد إلى أصحاب القلم المدلول عليهم بذكره لأن ذكر آلة الكتابة تدل على الكاتب، والمعنى والذي يكتبون كل ما يكتب أو الحفظة الكاتبون على بني آدم قال ابن عباس يسطرون يكتبون، ويجوز أن تكون ما مصدرية أي وسطرهم، وقيل الضمير راجع إلى القلم خاصة من باب إِسناد الفعل إلى الآلة وإجرائها مجرى العقلاء، وعن ابن عباس أيضاًً قال: (وما يسطرون) ما يعلمون.

стр. 10479

(ما أنت بنعمة ربك بمجنون) جواب القسم وما نافية أي انتفى عنك الجنون بنعمة ربك كما يقال أنت بحمد الله عاقل، قيل الباء متعلقة بمضمر هو حال كأنه قيل أنت بريء من الجنون متلبساً بنعمة الله التي هي النبوة والرسالة العامة، وقيل الباء للقسم أي ما أنت ونعمة ربك بمجنون، وقيل النعمة هنا الرحمة، والآية رد على الكفار حيث قالوا (يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون).

стр. 10480

(وإن لك لأجراً) أي ثواباً على ما تحملت من أثقال النبوة وقاسيت من أنواع الشدائد (غير ممنون) أي غير مقطوع، يقال مننت الحبل إذا قطعته وقال مجاهد غير محسوب، وقال الحسن غير مكدر بالمن، وقال الضحاك أجراً بغير عمل وقيل غير مقدر، وقيل غير ممنون به عليك من جهة الناس، وقيل غير منقوص.

стр. 10481

(وإنك لعلى خلق عظيم) قيل هو الإسلام والدين، حكاه الواحدي عن الأكثرين، قال الحفناوي أقسم أولاً بالقلم ثم بسطر الملائكة أو بمسطورهم، فالمقسم به شيئان على ثلاثة أشياء نفي الجنون عنه وثبوت الأجر

стр. 10482

له وكونه على دين الإسلام، وقيل هو القرآن، روي هذا عن الحسن والعوفي، وقال قتادة: هو ما كان يأتمر به من أمر الله وينتهي عنه من نهي الله، قال الزجاج المعنى أنك على الخلق الذي أمرك الله به في القرآن، وقيل هو لرفقه بأمته وإكرامه إياهم، وقيل المعنى إنك على طبع كريم، قال الماوردي وهذا هو الظاهر وحقيقة الخلق في اللغة ما يأخذ الإنسان نفسه به من الأدب. عن سعد بن هشام قال: أتيت عائشة فقلت: يا أم المؤمنين " أخبريني بخلق رسول الله ﷺ قالت: كان خلقه القرآن " (١) أما تقرأ القرآن (إنك لعلى خلق عظيم)، أخرجه مسلم وابن المنذر والحاكم وغيرهم، وعنها قالت: " ما كان أحد أحسن خلقاً من رسول الله ﷺ ، ما دعاه أحد من أصحابه ولا من أهل بيته إلا قال لبيك، فلذلك أنزل الله (وإنك لعلى خلق عظيم) " أخرجه ابن مردويه وابن نعيم في الدلائل والواحدي. وعن أبي الدرداء قال: " سئلت عائشة عن خلق رسول الله ﷺ فقالت: كان خلقه القرآن يرضى لرضاه ويسخط لسخطه " أخرجه البيهقي في الدلائل وابن مردويه وابن المنذر. وعن أبي عبد الله الحدلي قال: " قلت لعائشة: كيف خلق رسول الله صلى

стр. 10483

الله عليه وسلم قالت: لم يكن فاحشاً ولا متفاحشاً ولا صخاباً في الأسواق ولا يجزي بالسيئة السيئة. ولكن يعفو ويصفح ". أخرجه ابن أبي شيبة والترمذي وصححه وابن مردويه. وقيل غير ذلك مما يطول ذكره وهو في كتب الشمائل والسير مستوفى.

стр. 10484

(فستبصر ويبصرون) أي ستبصر يا محمد ويبصر الكفار إذا تبين الحق وانكشف الغطاء، وذلك يوم القيامة، قال ابن عباس: أي ستعلم ويعلمون يوم القيامة حين يتميز الحق من الباطل، وقيل في الدنيا بظهور عاقبة أمرك بغلبة الإسلام واستيلائك عليهم بالقتل والنهب، وهذا وعد له ووعيد لهم.

стр. 10485

(بأيكم المفتون) قال الخطيب: ترسم بأيكم ههنا بيائين انتهى، والباء زائدة للتأكيد أي أيكم المفتون بالجنون كذا قال الأخفش وأبو عبيدة وغيرهما إلا أنه ضعيف من حيث أن الباء لا تزاد في المبتدأ إلا في بحسبك فقط، وقيل ليست الباء زائدة، والمفتون مصدر جاء على مفعول كالمعقول والميسور، والتقدير بأيكم الفتون أو الفتنة، وقال الفراء ومجاهد: إن الباء بمعنى في فهي ظرفية أي في أيكم الفتون في الفريق الذي أنت فيه أم في الفريق الآخر، ويؤيد هذا قراءة ابن أبي عبلة بفي. وقيل في الكلام حذف مضاف أي بأيكم فتن المفتون فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، روي هذا عن الأخفش أيضاًً تكون الباء سببية وقيل المفتون المعذب. من قول العرب فتنت الذهب بالنار إذا أحميته ومنه قوله تعالى: (يوم هم على النار يفتنون) وقيل المفتون هو الشيطان، لأنه مفتون في دينه والمعنى بأيكم الشيطان، قال ابن عباس: كانوا يقولون إنه شيطان وإنه مجنون، وعنه قال: المفتون المجنون، وقال قتادة ومقاتل: هذا وعيد لهم بعذاب يوم بدر، والمعنى سترى ويرى أهل مكة إذا نزل بهم العذاب ببدر بأيكم المفتون.

стр. 10486

إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٧) فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (٨) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (٩) وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (١٣) أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (١٤)

стр. 10487

(إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ) تعليل للجملة التي قبلها فإنها تتضمن الحكم عليهم بالجنون لمخالفتهم لما فيه نفعهم في العاجل والآجل، واختيارهم ما فيه ضرهم فيهما، وتأكيد لما فيه من الوعد والوعيد، والمعنى هو أعلم بمن ضل عن سبيله الموصل إلى سعادة الدارين (وهو أعلم بالمهتدين) إلى سبيله الموصل إلى تلك السعادة الآجلة والعاجلة فهو مجاز كل عامل بعمله إن خيراً فخير وإن شراً فشر.

стр. 10488

(فلا تطع المكذبين) الفاء لترتيب النهي على ما ينبىء عنه ما قبله من اهتدائه ﵌ وضلالهم، أو على جميع ما فصل من أول السورة، وهذا تهييج للتصميم على مباينتهم، نهاه سبحانه عن ممايلة المشركين وهم رؤساء كفار مكة لأنهم كانوا يدعونه إلى دين آبائه فنهاه الله عن طاعتهم، أو هو تعريض لغيره عن أن يطيع الكفار أو المراد بالطاعة مجرد المداراة بإظهار خلاف ما في الضمير فنهاه الله عن ذلك كما يدل عليه قوله:

стр. 10489

(ودّوا لو تدهن فيدهنون) فإن الإدهان هو الملاينة والمسامحة والمداراة، قال الفراء المعنى لو تلين فيلينوا لك، وكذا قال الكلبي وقال الضحاك والسدي ودوا لو تكفر فيتمادوا على الكفر، وقال الربيع بن أنس ودوا لو تكذب فيكذبون، وقال قتادة لو تذهب عن هذا الأمر فيذهبون معك، وقال الحسن لو تصانعهم عن دينك فيصانعونك وقال مجاهد لو تركن إليهم وتترك ما أنت عليه من الحق فيمايلونك، قال ابن قتيبة كانوا أرادوه على أن يعبد آلهتهم مدة ويعبدوا الله مدة، وقال ابن عباس لو ترخص لهم فيرخصون.

стр. 10490

وقوله فيدهنون عطف على تدهن داخل في حيز لو أو هو خبر مبتدأ محذوف أي فهم يدهنون، قال سيبويه وزعم قالون أنها في بعض المصاحف ودوا لو تدهن فيدهنوا بغير نون والنصب على جواب التمني المفهوم من " ودوا " والظاهر من اللغة في معنى الإدهان هو ما ذكرناه أولاً (١).

стр. 10491

(ولا تطع كل حلاف) أي كثير الحلف بالباطل وكفى به مزجرة لمن اعتاد الحلف (مهين) فعيل من المهانة وهي القلة في الرأي والتمييز، وقال مجاهد: هو الكذاب، وقال قتادة: المكثار في الشر، وكذا قال الحسن: وقيل هو الفاجر العاجز وقيل هو الحقير عند الله، وقيل هو الذليل، وقيل هو الوضيع. وأخرج ابن مردويه عن أبي عثمان النهدي قال: قال مروان لما بايع الناس ليزيد: سنة أبي بكر وعمر، فقال: عبد الرحمن بن أبي بكر إنها ليست بسنة أبي بكر وعمر لكنها سنة هرقل، فقال مروان: هذا الذي أنزل فيه (والذي قال لوالديه أف لكما) الآية. قال فسمعت ذلك عائشة فقالت: إنها لم تنزل في عبد الرحمن. ولكن نزل في أبيك (ولا تطع كل حلاف مهين) (١).

стр. 10492

(هماز) هو المغتاب للناس، قال زيد هو الذي يهمز بأخيه، وقيل الهماز العياب، وقيل الهماز الذي يذكر الناس في وجوههم، واللماز الذي

стр. 10493

يذكرهم في مغيبهم، كذا قال أبو العالية والحسن وعطاء بن أبي رباح، وقال مقاتل: عكس هذا، وقيل الهماز الذي يهمز الناس بيده ويضربهم، واللمز باللسان، وقيل الهمز كاللمز وزناً ومعنى وبابه ضرب، وهمزات الشيطان خطراته التي يخطرها بقلب الإنسان. (مشّاء بنميم) هو الذي يمشي بالنميمة بين الناس ليفسد بينهم، يقال نم ينم إذا سعى بالفساد بين الناس، وقيل النميم جمع نميمة أي نقال للحديث من قوم إلى قوم على وجه السعاية والإفساد بينهم (١).

стр. 10494

(مناع للخير) أي بخيل بالمال لا ينفقه في وجهه، وقيل هو الذي يمنع أهله وعشيرته عن الإسلام، قال الحسن: يقول لهم من دخل منكم في دين محمد ﵌ لا أنفعه بشيء أبداً (معتد) أي متجاوز الحد في الظلم (١) (أثيم) كثير الآثام.

стр. 10495

(عتل) قال الواحدي: المفسرون يقولون هو الشديد الخلق الفاحش الخلق وقال الفراء: هو الشديد الخصومة في الباطل، وقال الزجاج: هو الغليظ الجافي في الطبع من عتله إذا قاده بعنف وغلظة، وقال الليث: هو الأكول المنوع، وقيل قاسي القلب وقيل الذي يعتل الناس أي يحملهم ويجرهم إلى ما يكرهون من حبس وضرب، ومنه (خذوه فاعتلوه) وقيل هو الفاحش اللئيم.

стр. 10496

(بعد ذلك زنيم) أي هو بعد ما عد من معايبه ومثالبه الثمانية دعيٌّ ملصق مستلحق بالقوم، وليس هو منهم، مأخوذ من الزنمة المتدلية في حلق الشاة أو الماعز، وقال سعيد بن جبير: الزنيم المعروف بالشر وقيل هو رجل من قريش كان له زنمة كزنمة الشاة. وقيل هو الظلوم، وقال ابن عباس: له زنمة كزنمة الشاة والعتل هو الدعي والزنيم هو المريب الذي يعرف بالشر وعنه قال: الزنيم الدعي وعنه الزنيم الذي يعرف بالشر كما تعرف الشاة بزنمتها وعنه قال هو الرجل يمر على القوم فيقولون رجل سوء، وقال: أيضاًً الزنيم الظلوم. وهذه البعدية في الرتبة لا في الخارج، قال الشهاب فبعد هنا كثم للتراخي في الرتبة قال أبو السعود وفيه دلالة على أن دعوته أشد معايبه وأقبح قبائحه؛ وقد قيل أن هذه الآيات نزلت في الأخنس بن شريق لأنه حليف ملحق في بني زهرة؛ وقيل في الوليد بن المغيرة وبه قال الجمهور، وقيل في أبي جهل بن هشام، وقيل في الأسود ابن عَبْد يغوث، قاله ابن عباس.

стр. 10497

(أن كان ذا مال وبنين) متعلق بقوله تعالى: (ولا تطع) أي لا تطع من هذه مثالبه لأن كان متمولاً مستظهراً بالبنين، قاله الفراء والزجاج، وقيل متعلق بما دل عليه جملة

стр. 10498

(إذا تتلى) من معنى الجحود والتكذيب لا يقال الذي هو جواب الشرط لأن ما بعد الشرط لا يعمل فيما قبله كأنه قيل لكونه مستظهراً بالمال والبنين كذب بآياتنا، وفيه أنه يدل على أن مدار تكذيبه كونه ذا مال وبنين من غير أن يكون لسائر قبائحه دخل في ذلك. قرىء أن كان بهمزة واحدة على الخبر وقرىء بهمزة واحدة ممدودة على الاستفهام؛ والمراد به التوبيخ والتقريع حيث جعل مجازاة النعم التي خوَّله الله من المال والبنين أن كفر به وبرسوله، وقرىء بهمزتين مخففتين وقرأ نافع في رواية عنه بكسر الهمزة على الشرط وجوابه مقدر أي إن كان كذا يكفر وبحد دل عليه ما بعده.

стр. 10499

إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٥) سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (١٦) إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (١٧) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (١٨) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (١٩) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠) فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (٢١) أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ (٢٢) (إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا) أي القرآن (قال) هي (أساطير) أي أكذوبة (الأولين) والجملة مستأنفة جارية مجرى التعليل للنهي.

стр. 10500

(سنسمه على الخرطوم) أي سنكويه بالكي على أنفه مهانة له وعلامة يعير بها ما عاش، قال أبو عبيدة وأبو زيد والمبرد: الخرطوم الأنف وتخصيص الأنف بالذكر لأن الوسم عليه أبشع؛ وفي التعبير عن الأنف بالخرطوم استهجان واستهزاء باللعين، لأن الخرطوم أنف السباع وغالب ما يستعمل في أنف الفيل والخنزير، وفي القاموس الخرطوم كزنبور الأنف أو مقدمه أو ما ضممت عليه الحنكين كالخرطم كقنفذ. وفي السمين هو هنا عبارة عن الوجه كله من التعبير عن الكل باسم الجزء لأنه أظهر ما فيه وأعلاه، والأول أولى، وقد جرح أنف هذا اللعين يوم بدر فبقى أثر الجرح في أنفه بقية عمره. وقال مقاتل سنسمه بالسواد على الأنف وذلك أنه يسود وجهه قبل دخول النار وقال الزجاج: سنجعل له في الآخرة العلم الذي يعرف به أهل النار من اسوداد وجوههم، وقال قتادة: سنلحق به شيئاًً لا يفارقه. واختار هذا ابن قتيبة قال: والعرب تقول قد وسمه ميسم سوء يكون ألصق به عاراً لا يفارقه فالمعنى أن الله ألحق به عاراً لا يفارقه كالوسم على الخرطوم، وقيل معنى سنسمه سنحطمه بالسيف وقال النضر بن شميل: المعنى سنجده على شرب الخمر وقد يسمى الخمر بالخرطوم ومنه قول الشاعر: تظل يومك في لهو وفي طرب ... وأنت بالليل شراب الخراطيم

стр. 10501

(إنا بلوناهم) يعني كفار مكة فإن الله ابتلاهم بالجوع والقحط بدعوة

стр. 10502

رسول الله ﷺ حتى أكلوا الجيف والرمم، والابتلاء الاختبار، والمعنى أعطيناهم الأموال ليشكروا لا ليبطروا فلما بطروا وعادوا محمداً ﷺ ابتليناهم ابتلاء. (كما بلونا أصحاب الجنة) المعروف خبرهم عندهم، وذلك أنها كانت بأرض اليمن على فرسخين من صنعاء لرجل يؤدي حق الله منها فمات وصارت إلى أولاده، فمنعوا الناس خيرها وبخلوا بحق الله فيها، قال الواحدي هم قوم من ثقيف كانوا باليمن مسلمين ورثوا من أبيهم ضيعة فيها جنات وزرع ونخيل، وكان أبوهم يجعل مما فيها من كل شيء حظاً للمساكين عند الحصاد والصرام، فقالت بنوه المال قليل والعيال كثير، ولا يسعنا أن نفعل كما كان يفعل أبونا وعزموا على حرمان المساكين فصارت عاقبتهم إلى ما قص الله في كتابه (١). وقال الحسن: كانوا كفاراً قال النسفي: والجمهور على الأول، وقال الكلبي: كان بينهم وبين صنعاء فرسخان، ابتلاهم الله بأن حرق جنتهم وقيل هي جنة كانت بصروان وصروان بالصاد المهملة على فراسخ من صنعاء وكان أصحاب هذه الجنة بعد رفع عيسى بزمن يسير، قاله الزوقاني: في شرح المواهب، وذكره القرطبي أيضاًً ومثله في حواشي البيضاوي، وقال ابن عباس: هم ناس من أهل الحبشة كان لأبيهم جنة وكان يطعم منها المساكين فمات أبوهم فقال بنوه: إن كان أبونا لأحمق كان يطعم المساكين.

стр. 10503

(إذ أقسموا) أي حلف معظمهم إلا الأوسط قال لهم لا تفعلوا واصنعوا من الإحسان ما كان يصنعه أبوكم، قال البقاعي وكأنه تعالى طواه لأنه مع الدلالة عليه بما يأتي لم يؤثر شيئاًً. (ليصرمنها مصبحين) أي ليقطعنها داخلين في وقت الصباح قبل انتشار الفقراء، والصرام القطع للثمر والزرع، يقال صرم العذق عن النخلة وأصرم النخل أي حان وقت صرامه، والانصرام الانقطاع والتصارم التقاطع والتصرم التقطع، وإذ تعليلية أو ظرفية بنوع تسمح لأن الإقسام كان قبل ابتلائهم، وليصرمنها جواب القسم.

стр. 10504

(ولا يستثنون) يعني ولا يقولون إن شاء الله وسمي استثناء وهو الشرط لأن معنى لأخرجن إن شاء الله، ولا أخرج إلا أن يشاء الله واحد قاله الزمخشري، وهذه الجملة مستأنفة لبيان ما وقع منهم أو حال، وقيل المعنى ولا يستثنون للمساكين من جملة ذلك القدر الذي كان يدفعه أبوهم إليهم قاله عكرمة، وقيل المعنى لا يثنون عزمهم عن الحرمان.

стр. 10505

(فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون) أي فنزل على تلك الجنة طائف من جهة الله سبحانه أي هلاك أو بلاء في حال نومهم، والطائف غلب في الشر، قال الفراء هو الأمر الذي يأتي ليلاً ورد عليه بقوله تعالى: (إذا مسهم طائف من الشيطان) وذلك لا يختص بليل ولا نهار، وقرىء طيف، والطائف قيل هو نار أحرقتها حتى صارت سوداء كذا قال مقاتل، وقيل الطائف جبريل اقتلعها، وقال ابن عباس طائف أي أمر من الله. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن مسعود قال: " قال رسول الله ﷺ إياكم والمعصية فإن العبد ليذنب الذنب الواحد فينسى به الباب من العلم، وإن العبد ليذنب الذنب فيحرم به قيام الليل وإن العبد ليذنب الذنب فيحرم به رزقاً قد كان هيىء له ثم تلا رسول الله ﷺ فطاف عليها الآية قد حرموا خير جنتهم بذنبهم ". وفي هذه الآية دليل على أن العزم مما يؤاخذ به الإنسان لأنهم عزموا على
следующие страницы →