← Тафсир

Тафсир · id 37458

فتح البيان في مقاصد القرآن

صديق حسن خان

Полный текст (12 043 стр.). Показаны 10501–10540 · переход к 10506.

стр. 10501

(إنا بلوناهم) يعني كفار مكة فإن الله ابتلاهم بالجوع والقحط بدعوة

стр. 10502

رسول الله ﷺ حتى أكلوا الجيف والرمم، والابتلاء الاختبار، والمعنى أعطيناهم الأموال ليشكروا لا ليبطروا فلما بطروا وعادوا محمداً ﷺ ابتليناهم ابتلاء. (كما بلونا أصحاب الجنة) المعروف خبرهم عندهم، وذلك أنها كانت بأرض اليمن على فرسخين من صنعاء لرجل يؤدي حق الله منها فمات وصارت إلى أولاده، فمنعوا الناس خيرها وبخلوا بحق الله فيها، قال الواحدي هم قوم من ثقيف كانوا باليمن مسلمين ورثوا من أبيهم ضيعة فيها جنات وزرع ونخيل، وكان أبوهم يجعل مما فيها من كل شيء حظاً للمساكين عند الحصاد والصرام، فقالت بنوه المال قليل والعيال كثير، ولا يسعنا أن نفعل كما كان يفعل أبونا وعزموا على حرمان المساكين فصارت عاقبتهم إلى ما قص الله في كتابه (١). وقال الحسن: كانوا كفاراً قال النسفي: والجمهور على الأول، وقال الكلبي: كان بينهم وبين صنعاء فرسخان، ابتلاهم الله بأن حرق جنتهم وقيل هي جنة كانت بصروان وصروان بالصاد المهملة على فراسخ من صنعاء وكان أصحاب هذه الجنة بعد رفع عيسى بزمن يسير، قاله الزوقاني: في شرح المواهب، وذكره القرطبي أيضاًً ومثله في حواشي البيضاوي، وقال ابن عباس: هم ناس من أهل الحبشة كان لأبيهم جنة وكان يطعم منها المساكين فمات أبوهم فقال بنوه: إن كان أبونا لأحمق كان يطعم المساكين.

стр. 10503

(إذ أقسموا) أي حلف معظمهم إلا الأوسط قال لهم لا تفعلوا واصنعوا من الإحسان ما كان يصنعه أبوكم، قال البقاعي وكأنه تعالى طواه لأنه مع الدلالة عليه بما يأتي لم يؤثر شيئاًً. (ليصرمنها مصبحين) أي ليقطعنها داخلين في وقت الصباح قبل انتشار الفقراء، والصرام القطع للثمر والزرع، يقال صرم العذق عن النخلة وأصرم النخل أي حان وقت صرامه، والانصرام الانقطاع والتصارم التقاطع والتصرم التقطع، وإذ تعليلية أو ظرفية بنوع تسمح لأن الإقسام كان قبل ابتلائهم، وليصرمنها جواب القسم.

стр. 10504

(ولا يستثنون) يعني ولا يقولون إن شاء الله وسمي استثناء وهو الشرط لأن معنى لأخرجن إن شاء الله، ولا أخرج إلا أن يشاء الله واحد قاله الزمخشري، وهذه الجملة مستأنفة لبيان ما وقع منهم أو حال، وقيل المعنى ولا يستثنون للمساكين من جملة ذلك القدر الذي كان يدفعه أبوهم إليهم قاله عكرمة، وقيل المعنى لا يثنون عزمهم عن الحرمان.

стр. 10505

(فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون) أي فنزل على تلك الجنة طائف من جهة الله سبحانه أي هلاك أو بلاء في حال نومهم، والطائف غلب في الشر، قال الفراء هو الأمر الذي يأتي ليلاً ورد عليه بقوله تعالى: (إذا مسهم طائف من الشيطان) وذلك لا يختص بليل ولا نهار، وقرىء طيف، والطائف قيل هو نار أحرقتها حتى صارت سوداء كذا قال مقاتل، وقيل الطائف جبريل اقتلعها، وقال ابن عباس طائف أي أمر من الله. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن مسعود قال: " قال رسول الله ﷺ إياكم والمعصية فإن العبد ليذنب الذنب الواحد فينسى به الباب من العلم، وإن العبد ليذنب الذنب فيحرم به قيام الليل وإن العبد ليذنب الذنب فيحرم به رزقاً قد كان هيىء له ثم تلا رسول الله ﷺ فطاف عليها الآية قد حرموا خير جنتهم بذنبهم ". وفي هذه الآية دليل على أن العزم مما يؤاخذ به الإنسان لأنهم عزموا على

стр. 10506

أن يفعلوا فعوقبوا قبل فعلهم، ونظيره قوله تعالى: (ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم). وفي الصحيح عن النبي ﵌: إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار قيل: يا رسول هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصاً على قتل صاحبه " (١) وهذا محمول على العزم المصمم. وأما ما يخطر بالبال من غير عزم فلا يؤاخذ به قاله القرطبي.

стр. 10507

(فأصبحت كالصريم) فعيل بمعنى مفعول أي صارت كالشيء الذي صرمت ثماره أي قطعت. وقال الفراء: كالصريم كالليل المظلم، والمعنى أنها حرقت فصارت كالليل الأسود قال: والصريم الرماد الأسود بلغة خزيمة، وقال الأخفش أي كالصبح الصريم من الليل يعني أنها يبست وابيضت بلا شجر، وقال المبرد: الصريم الليل والصريم النهار أي ينصرم هذا عن هذا وذاك عن هذا، وقيل سمي الليل صريماً لأنه يقطع بظلمته عن التصرف، وقال المؤرج: الصريم الرملة لأنها لا ينبت عليها شيء ينتفع به، وقال الحسن: صرم منها الخير أي قطع.

стр. 10508

(فتنادوا مصبحين) أي نادى بعضهم بعضاً داخلين في الصباح معطوف على أقسموا، وما بينهما اعتراض لبيان ما نزل بتلك الجنة، قال مقاتل لما أصبحوا قال بعضهم لبعض

стр. 10509

(أن اغدوا) أن هي المفسرة لأن في التنادي معنى القول أو هي المصدرية أي بأن اغدوا والمراد أخرجوا غدوة. (على حرثكم) وأقبلوا عليه باكرين، والغدو يتعدى بإلى وعلى فلا حاجة إلى تضمينه معنى الإقبال كما قيل، والمراد بالحرث الثمار والزرع والعنب (إن كنتم صارمين) أي قاصدين للصرم، وجواب الشرط محذوف أي إن كنتم مريدين صرامه فاغدوا، وقيل معنى صارمين ماضين في العزم من قولك سيف صارم.

стр. 10510

فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (٢٣) أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (٢٤) وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ (٢٥) فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (٢٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٢٧) قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (٢٨) قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٢٩) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ (٣٠) قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ (٣١)

стр. 10511

(فانطلقوا) أي ذهبوا إلى جنتهم (وهم يتخافتون) أي يسرون الكلام بينهم لئلا يعلم أحد بهم، يقال خفت يخفت إذا سكن ولم ينبس، قال ابن عباس الخفت الإسرار والكلام الخفي، وقيل المعنى يخفون أنفسهم من الناس حتى لا يروهم فيقصدوهم كما كانوا يقصدون أباهم وقت الحصاد، والأول أولى لقوله:

стр. 10512

(أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ) فإن " أن " هي المفسرة للتخافت المذكور لما فيه من معنى القول، والمعنى يسر بعضهم إلى بعض هذا القول وهو لا يدخل هذه الجنة اليوم عليكم مسكين فيطلب منكم أن تعطوه منها ما كان يعطيه أبوكم، وأوقع النهي على دخول المساكين لأنه أبلغ لأن دخولهم أعم من أن يكون بإدخالهم أو بدونه.

стр. 10513

(وغدوا) أي ساروا إليها غدوة (على حرد) الحرد يكون بمعنى المنع والغضب والقصد، قال قتادة ومقاتل والكلبي والحسن ومجاهد: الحرد هنا بمعنى القصد لأن القاصد إلى الشيء حارد، يقال حرد يحرد إذا قصد تقول حردت حردك أي قصدت قصدك وبابه ضرب، وقال أبو نصر صاحب الأصمعي: هو مخفف فعلى هذا بابه فهم، وقال ابن السكيت: وقد يحرك فعلى هذا بابه طرب فهو حارد وحردان انتهى، وقال أبو عبيدة والمبرد

стр. 10514

والقتيبي: على حرد على منع من قولهم حردت الإبل حرداً إذا قلت ألبانها، والحرود من النوق هي القليلة اللبن، وقال السدي وسفيان والشعبي: على حرد على غضب، وعن قتادة ومجاهد أيضاًً: على حرد على حسد، وقال الحسن أيضاًً: على حاجة وفاقة، وقيل على حرد على انفراد يقال حرد يحرد حرداً وحروداً إذا تنحى عن قومه ونزل منفرداً عنهم ولم يخالطهم. وبه قال الأصمعي وغيره. وقد فسرت الآية الكريمة بجميع ما ذكرت، وقال الأزهري " حرد " اسم قريتهم، وقال السدي اسم جنتهم، قرأ الجمهور حرد بسكون الراء وقرىء بفتحها. قال الفراء ومعنى (قادرين) قد قدروا أمرهم وبنوا عليه في ظنهم، وأما في الواقع فليس كذلك لهلاك الثمر عليهم وعلى الفقراء، ففي نفس الأمر لم يمنعوهم منه، وقال قتادة قادرين على جنتهم عند أنفسهم، وقال الشعبي يعني قادرين على المساكين. وقال ابن عباس ذوو قدرة أو من التقدير، وهو التضييق أي مضيقين على المساكين.

стр. 10515

(فلما رأوها) أي جنتهم وشاهدوا ما قد حل بها من الآفة التي أذهبت ما فيها (قالوا إنا لضالون) أي قال بعضهم لبعض بديهة وصولهم قبل التأمل قد ضللنا طريق جنتنا وليست هذه، قال ابن عباس: أي أضللنا مكان جنتنا وقيل معنى قولهم: (إنا لضالون) أنهم ضلوا عن الصواب بما وقع منهم، ثم لما تأملوا وعلموا أنها جنتهم وأن الله سبحانه قد عاقبهم بإذهاب ما فيها من الثمر والزرع قالوا مضربين إضراباً إبطالياً لكونهم ضالين.

стр. 10516

(بل نحن محرومون) أي حرمنا جنتنا بسبب ما وقع منا من العزم على منع المساكين من خيرها، فأضربوا عن قولهم الأول إلى هذا القول، قيل إن الحق الذي منعه أصحاب الجنة والمساكين يحتمل أنه كان واجباً عليهم، ويحتمل أنه كان تطوعاً والأول أظهر، والله أعلم.

стр. 10517

(قال أوسطهم) أي أمثلهم وأعقلهم وخيرهم رأياً وعقلاً ونفساً، وقال ابن عباس: أعدلهم وقيل أفضلهم فأنكر عليهم بقوله (ألم أقل لكم) إن ما فعلتموه لا ينبغي وإن الله لبالمرصاد لمن حاد وغير ما في نفسه. (لولا تسبحون) أي هلا تستثنون، وسمى الاستثناء تسبيحاً لأنه تعظيم لله وإقرار به، وهذا يدل على أن أوسطهم كان أمرهم بالاستثناء فلم يطيعوه، وقال مجاهد وأبو صالح وغيرهما: كان استثناؤهم تسبيحاً، قال النحاس: أصل التسبيح التنزيه لله فجعل التسبيح في موضع إن شاء الله لأنه ينزه عن أن يجري في ملكه ما لا يريده، وقيل المعنى هلا تستغفرون الله من فعلكم وتتوبون إليه من هذه النية التي عزمتم عليها، وكان أوسطهم قد قال لهم ذلك. وقيل المعنى هلا تتركون شيئاًً للمساكين من ثمر جنتكم والأول أولى. فلما قال لهم ذلك بعد مشاهدتهم للجنة على تلك الحالة

стр. 10518

(قالوا سبحان ربنا) أي تنزيهاً له عن أن يكون ظالماً فيما صنع بجنتنا، ثم أكدوا قباحة فعلهم هضماً لأنفسهم وتحقيقاً لتوبتهم بقوله (إنا كنا ظالمين) أي إن ذلك بسبب ذنبنا الذي فعلناه، قيل معنى تسبيحهم الاستغفار أي نستغفر ربنا من ذنبنا إنا كنا ظالمين لأنفسنا في منعنا للمساكين.

стр. 10519

(فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون) أي يلوم بعضهم بعضاً في منعهم للمساكين وعزمهم على ذلك، يقول هذا لهذا أنت أشرت علينا بهذا الرأي، ويقول ذاك لهذا أنت خوفتنا الفقر، ويقول الثالث لغيره أنت رغبتني في جمع المال، ثم نادوا على أنفسهم بالويل حيث:

стр. 10520

(قالوا يا ويلنا) هذا وقت حضورك إلينا ومنادمتك لنا فإنه لا نديم لنا الآن غيرك (إنا كنا طاغين) أي عاصين متجاوزين حدود الله بمنع الفقراء وترك الاستثناء، قال ابن كيسان أي طغينا نعم الله فلم نشكرها كما شكرها أبونا من قبل.

стр. 10521

عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ (٣٢) كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٣٣) إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٣٤) أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦) أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (٣٧) ثم رجعوا إلى الله وسألوه أن يعوضهم بخير منها فقالوا

стр. 10522

(عسى ربنا أن يبدلنا خيراً منها) قيل إنهم تعاقدوا فيما بينهم وقالوا إن أبدلنا الله خيراً منها لنصنعن كما صنع أبونا فدعوا الله وتضرعوا فأبدلهم من ليلتهم ما هو خير منها بأن أمر الله جبريل أن يقتلع تلك الجنة المحترقة فيجعلها بزغر من أرض الشام ويأخذ من الشام جنة فيجعلها بمكانها، قرأ الجمهور يبدلنا بالتخفيف وقرىء بالتشديد وهما لغتان وقراءتان سبعيتان، والتبديل تغيير ذات الشيء أو تغيير صفته، والإبدال رفع الشيء جملة ووضع آخر مكانه كما مضى في سورة سبأ. (إنا إلى ربنا راغبون) أي طالبون منه الخير راجون لعفوه راجعون إليه وعدّى بإلى وهو إنما يتعدى بعن أو بفي لتضمينه معنى الرجوع. عن ابن مسعود بلغني أنهم أخلصوا وعرف الله منهم الصدق فأبدلهم بها جنة تسمى الحيوان فيها عنب يحمل البغل منه عنقوداً واحداً، وقال اليماني أبو خالد: دخلت تلك الجنة فرأيت فيها كل عنقود منها كالرجل القائم الأسود، قال الحسن قول أهل الجنة: (إنا إلى ربنا راغبون) لا أدري أكان إيماناً منهم أو على حد ما يكون من المشركين إذا أصابتهم الشدة، فتوقف في كونهم مؤمنين، وسئل قتادة عن أصحاب الجنة أهم من أهل الجنة أم من أهل النار قال لقد كلفتني تعباً، والمعظم يقولون إنهم تابوا وأخلصوا، حكاه القشيري.

стр. 10523

(كذلك العذاب) أي مثل ذلك العذاب الذي بلوناهم به وبلونا أهل مكة عذاب الدنيا لمن سلك سبيلهم (ولعذاب الآخرة أكبر) أي أشد

стр. 10524

وأعظم من عذاب الدنيا (لو كانوا) أي المشركون (يعلمون) أنه كذلك ولكنهم لا يعلمون. ولما فرغ سبحانه من ذكر حال الكفار وتشبيه ابتلائهم بابتلاء أصحاب الجنة المذكورة ذكر حال المتقين وما أعده لهم من الخير فقال:

стр. 10525

(إن للمتقين) ما يوجب سخطه من الكفر والمعاصي (عند ربهم) في الدار الآخرة (جنات النعيم) الخالص الذي لا يشوبه كدر ولا ينغصه خوف زوال كما يشوب جنات الدنيا.

стр. 10526

(أفنجعل المسلمين كالمجرمين) الاستفهام للتقريع والتوبيخ للكفار على هذا القول الذي قالوه وقد وبخوا وقرعوا باستفهامات سبعة أولها هذا، والسابع (أم لهم شركاء) والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام أي أنحيف في الحكم فنجعل المسلمين كالكافرين، وكأن العبارة مقلوبة والأصل أفنجعل المجرمين كالمسلمين لأنهم جعلوا أنفسهم كالمسلمين بل أفضل لأنه كان صناديد كفار قريش يرون وفور حظهم في الدنيا وقلة حظوظ المسلمين فيها فلما سمعوا بذكر الآخرة وما يعطي الله المسلمين فيها قالوا إن صح ما يزعمه محمد لم يكن حالنا وحالهم إلا مثل ما هي في الدنيا، فقال الله مكذباً لهم راداً عليهم (أفنجعل) الآية والمعنى أفنجعل المجرمين مساوين للمسلمين في العطاء، لا، كما ذكر في آية أخرى (لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة) قاله علي القاري، وبعد ذلك ليس في الآية إلا نفي المساواة، والكفار ادعوا الأفضلية أو المساواة إلا أن يقال إذا انتفت المساواة انتفت الأفضلية بالأولى. ثم قال سبحانه على طريقة الالتفات

стр. 10527

(ما لكم كيف تحكمون) هذا الحكم الأعوج كأن أمر الجزاء مفوض إليكم تحكمون فيه بما شئتم

стр. 10528

(أم لكم كتاب فيه تدرسون) أي تقرأون فيه فتجدون المطيع كالعاصي، ومثل هذا قوله تعالى: (أم لكم سلطان مبين فأتوا بكتابكم) ثم قال سبحانه (إن) قرأ الجمهور بالكسر على أنها معمولة لتدرسون أي تدرسون في الكتاب.

стр. 10529

إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ (٣٨) أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ (٣٩) سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ (٤٠) أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (٤١) يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢)

стр. 10530

(إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ) فلما دخلت اللام كسرت الهمزة أو على الحكاية للمدروس، وقيل قد تم الكلام عند قوله (تدرسون) ثم ابتدأ فقال إن لكم الخ أي ليس لكم ذلك، وقرىء بفتح أن على العامل فيه تدرسون مع زيادة لام التأكيد، ومعنى تخيرون تختارون وتشتهون. ثم زاد سبحانه في التوبيخ فقال

стр. 10531

(أم لكم أيمان علينا بالغة) أي عهود مؤكدة بالأيمان موثقة متناهية إذ العهد كلام مؤكد بالقسم فأطلق الجزء وأريد الكل والمعنى أم لكم أيمان على الله استوثقتم بها في أن يدخلكم الجنة ثابتة لكم (إلى يوم القيامة) لا يخرج عن عهدتها حتى يحكمكم يومئذ، قرأ الجمهور (بالغة) بالرفع على النعت لأيمان وقرىء بنصبها على الحال من أيمان لأنها قد تخصصت بالعمل أو بالوصف أو من الضمير في لكم أو في علينا، وجواب القسم قوله: (إن لكم لما تحكمون) به لأنفسكم لأن معنى أم لكم أيمان أم أقسمنا لكم، وقيل قد تم الكلام عند قوله (إلى يوم القيامة) ثم ابتدأ فقال إن لكم الخ أي ليس الأمر كذلك.

стр. 10532

(سلهم) موبخاً لهم ومقرعاً (أيهم بذلك) الحكم الخارج عن الصواب (زعيم) أي كفيل لهم بأن لهم في الآخرة ما للمسلمين فيها، وقال ابن كيسان الزعيم هنا القائم بالحجة والدعوى، وقال الحسن الزعيم الرسول.

стр. 10533

(أم لهم شركاء) غيرهم يشاركونهم في هذا القول ويوافقونهم فيه،

стр. 10534

ويذهبون مذهبهم فيه وقيل معناه شهداء يشهدون بصدق ما ادعوه، وقيل المراد بهم الأصنام والأول أولى وأظهر، وقيل المعنى أم لهم شركاء يجعلونهم مثل المسلمين في الآخرة. (فليأتوا بشركائهم إن كانوا صادقين) فيما يقولون إذ لا أقل من التقليد وهو أمر تعجيز، وجواب الشرط محذوف، قال القاضي وقد نبه سبحانه في هذه الآيات على نفي جميع ما يمكن أن يتشبثوا به لدعواهم من عقل أو نقل أو وعد أو محض تقليد على الترتيب تنبيهاً على مراتب النظر وتزييفاً لما لا سند له.

стр. 10535

(يوم) ظرف لقوله فليأتوا أي فليأتوا بها يوم (يكشف عن ساق) ويجوز أن يكون ظرفاً لفعل مقدر أي اذكر يوم يكشف، قال الواحدي: قال المفسرون: في قوله (عن ساق) عن شدة من الأمر وصعوبة الخطب، قال ابن قتيبة: أصل هذا إن الرجل إذا وقع في أمر عظيم يحتاج إلى الجد فيه شمر عن ساقه فيستعار الكشف عن الساق في موضع الشدة قال: وتأويل الآية يوم يشتد الأمر كما يشتد ما يحتاج فيه إلى أن يكشف عن ساق، قال أبو عبيدة: إذا اشتد الحرب والأمر قيل كشف الأمر عن ساقه والأصل فيه من وقع في شيء يحتاج فيه إلى الجد شمر عن ساقه فاستعير الساق والكشف عن موضع الشدة وهكذا قال غيره من أهل اللغة، وقد استعملت ذلك العرب في أشعارها وكثر في كلامهم حتى صار كالمثل للأمر العظيم الشديد فهذا التركيب من قبيل الكناية أو الاستعارة التمثيلية. قال الزمخشري الكشف عن الساق والإبداء عن الحزام مثل في شدة الأمر وصعوبة الخطب، وقيل ساق الشيء أصله وقوامه كساق الشجرة وساق الإنسان أي يوم يكشف عن ساق الأمر فتظهر حقائقه، وقيل يكشف عن ساق جهنم، وقيل عن ساق العرش، وقيل هو عبارة عن القرب، وقيل يكشف عن ساق الرب سبحانه عن نوره.

стр. 10536

وقال النسفي: لا كشف ثمة ولا ساق ولكن كني به عن الشدة لأنهم إذا ابتلوا بشدة كشفوا عن الساق، وأما من شبه فلضيق عطنه وقلة نظره في علم البيان ولو كان الأمر كما زعم المشبه لكان من حق الساق أن تعرف لأنها ساق معهودة عنده انتهى وسيأتي ما هو الحق، قرأ الجمهور يكشف بالتحتية مبنياً للمفعول، وقرأ ابن مسعود وابن عباس وغيرهما بالفوقية مبنياً للفاعل أي الشدة أو الساعة، وقرىء بالفوقية مبنياً للمفعول وقرىء بالنون وقرىء بالفوقية المضمومة وكسر الشين من أكشف الأمر أي دخل في الكشف. عن أبي هريرة في الآية قال " يكشف الله عن ساقه " (١)، وعن ابن مسعود قال " يكشف عن ساقه ﵎ "، وعن ابن عباس قال يكشف عن أمر عظيم، وقال: قال ابن مسعود يكشف عن ساقه فيسجد كل مؤمن ويقسو ظهر الكافر فيصير عظماً واحداً. وعن ابن عباس أنه سئل عن قوله يوم يكشف عن ساق، قال إذا خفي عليكم شيء من القرآن فاتبعوه في الشعر فإنه ديوان العرب أما سمعتم قول الشاعر: وقامت الحرب بنا على ساق قال ابن عباس هذا يوم كرب شديد، وروي عنه نحو هذا من طرق أخرى وعنه هو أشد ساعة يوم القيامة وقد أغنانا الله سبحانه في تفسير هذه الآية بما صح عن رسول الله ﷺ . فقد أخرج البخاري وغيره عن أبي سعيد قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول " يكشف ربنا عن ساقه فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياء وسمعة فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقاً

стр. 10537

واحداً " وهذا الحديث ثابت من طرق في الصحيحين وغيرهما وله ألفاظ في بعضها طول وهو حديث مشهور معروف. وعن أبي موسى عن النبي ﷺ في الآية " قال عن نور عظيم فيخرون له سجداً " أخرجه أبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات وضعفه، وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل وذلك لا يستلزم تجسيماً ولا تشبيهاً فليس كمثله شيء. دعوا كل قول عند قول محمد ... فما آمن في دينه كمخاطر وهكذا تهيب القول فيه شيوخ الإسلام فأجروه على ظاهر لفظه، ولم يكشفوا عن باطن معناه، والتأويل هو مذهب المتكلمين ومنهم النسفي في المدارك والبيضاوى في أنوار التنزيل. قال الشيخ أحمد ولي الله المحدث في كتابه حجة الله البالغة واستطال هؤلاء الخائضون على معشر أهل الحديث وسموهم مجسمة ومشبهة وقالوا هم المستترون بالبلكفة (١) وقد وضح عليّ وضوحاً بيناً أن استطالتهم هذه ليست بشيء وأنهم مخطئون في مقالتهم رواية ودراية وخاطئون في طعنهم أئمة الهدى. (ويدعون إلى السجود) قال الواحدي قال المفسرون يسجد الخلق كلهم لله سجدة واحدة ويبقى الكفار والمنافقون يريدون أن يسجدوا (فلا يستطيعون) لأن أصلابهم تيبس فلا تلين للسجود، وقال الربيع ابن أنس: يكشف عن الغطاء فيقع من كان آمن بالله في الدنيا فيسجدون له، ويدعى الآخرون إلى السجود فلا يستطيعون لأنهم لم يكونوا آمنوا بالله في الدنيا، والدعاء إلى السجود يكون امتحاناً لإيمانهم لا تكليفاً بالسجود إذ تلك الدار ليسمت دار تكليف:

стр. 10538

خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ (٤٣) فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (٤٤) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (٤٥) أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٦) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤٧)

стр. 10539

(خاشعة أبصارهم) حال من ضمير يدعون ونسبة الخشوع إلى الأبصار وهو الخضوع والذلة لظهور أثره فيها (ترهقهم) أي تغشاهم (ذلة) شديدة وحسرة وندامة وصغار (وقد كانوا) في الدنيا (يدعون إلى السجود) دعوة تكليف. (وهم سالمون) أي معافون من العلل متمكنون من الفعل فلا يجيبون، قال إبراهيم التيمي يدعون بالأذان والإقامة فيأبون؛ وقال سعيد ابن جبير: يسمعون حي على الفلاح فلا يجيبون، قال كعب الأحبار: والله ما نزلت هذه الآية إلا في الذين يتخلفون عن الجماعات. وقال ابن عباس: هم الكفار يدعون في الدنيا وهم آمنون فاليوم يدعون وهم خائفون. وعنه قال: الرجل يسمع الأذان فلا يجيب الصلاة. أخرجه البيهقي في الشعب.

стр. 10540

(فذرني ومن يكذب بهذا الحديث) تسلية لرسول الله ﷺ وتهديد لهم. أي خل بيني وبينه وكل أمره إلي فأنا أكفيكه. قال الزجاج: معناه لا تشغل به قلبك بل كله إليّ فأنا أكفيك أمره. والفاء لترتيب ما بعدها من الأمر على ما قبلها من أحوالهم المحكية، والمراد بالحديث القرآن قاله السدي. وقيل يوم القيامة. (سنستدرجهم) مستأنفة لبيان كيفية التعذيب لهم المستفاد من قوله فذرني الخ .. والضمير عائد إلى (من) باعتبار معناها والمعنى سنأخذهم بالعذاب على غفلة ونسوقهم إليه درجة فدرجة حتى نوقعهم فيه (من حيث لا يعلمون) أن ذلك استدراج لأنهم يظنونه إنعاماً ولا يفكرون في عاقبته وما سيلقون في نهايته.
следующие страницы →