(ونراه قريباً) أي نعلمه كائناً قريباً لأن ما هو آت قريب، وقيل المعنى ونراه هيناً في قدرتنا غير متعسر ولا متعذر، والجملة تعليل للأمر بالصبر.
ثم أخبر سبحانه متى يقع بهم العذاب فقال:
стр. 10642
(يوم تكون السماء كالمهل) أي يقع بهم العذاب يوم كذا والمهل ما أذيب من النحاس والرصاص والفضة، وقال مجاهد: هو القيح من الصديد والدم، وقال عكرمة وغيره: هو دردي الزيت، وبه قال ابن عباس: وقد تقدم تفسيره في سورة الكهف والدخان.
стр. 10643
(وتكون الجبال كالعهن) أي كالصوف المصبوغ، ولا يقال للصوف عهن إلا إذا كان مصبوغاً، قال الحسن تكون الجبال كالصوف الأحمر، وهو أضعف الصوف، وقيل العهن الصوف ذو الألوان فشبه الجبال به في تكونها
стр. 10644
ألواناً كما في قوله: (جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ) فإذا بست وطيرت في الهواء أشبهت العهن المنفوش إذا طيرته الريح، وهذه الأقوال في معنى العهن في اللغة، وأول ما تتغير الجبال تصير رملاً مهيلاً ثم عهناً منفوشاً ثم هباء منثوراً.
стр. 10645
(ولا يسأل حميم حميماً) أي لا يسأل قريب قريبه عن شأنه في ذلك اليوم لما نزل بهم من شدة الأهوال التي أذهلت القريب عن قريبه، والخليل عن خليله كما قال سبحانه: (لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه) وقيل المعنى لا يسأل حميم عن حميم لشغله عنه فحذف الحرف ووصل الفعل.
قرأ العامة يسأل مبنياً للفاعل والمفعول الثاني محذوف أي لا يسأله نصره ولا شفاعته لعلمه أن ذلك مفقود، وقيل لا يسأل شيئاًً من حمل أوزاره، وقرىء على البناء للمفعول والمعنى لا يسأل حميم إحضار حميمه، وقيل هذه القراءة على إسقاط حرف الجر، أي لا يسأل حميم عن حميم بل كل إنسان يسأل عن نفسه وعن عمله، وقيل لا يطالب به ولا يؤخذ بذنبه.
وجملة
стр. 10646
(يبصرونهم) مستأنفة أو صفة لقوله حميماً أي يبصر كل حميم حميمه لا يخفى منهم أحد عن أحد، وليس في القيامة مخلوق إلا وهو نصب عين صاحبه ولا يتساءلون ولا يكلم بعضهم بعضاً لاشتغال كل أحد منهم بنفسه، وقال ابن زيد يبصر الله الكفار في النار الذين أضلوهم في الدنيا وهم الرؤساء المتبوعون، وقيل إن قوله:
(يبصرونهم) يرجع إلى الملائكة أي يعرفون أحوال الناس لا يخفون عليهم، وإنما جمع الضميرين في يبصرونهم وهما للحميمين حملاً على معنى العموم لأنهما نكرتان في سياق النفي، قاله السمين والزمخشري، قال الطيبي: وفيه دليل على أن الفاعل والمفعول الواقعين في سياق النفي يعمان كما التزم في قوله والله لا أشرب ماء من إداوة أنه يعم في المياه والأداوي، خلافاً لبعضهم في الأداوة.
стр. 10647
يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (١١) وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (١٢) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (١٣) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ (١٤) كَلَّا إِنَّهَا لَظَى (١٥) نَزَّاعَةً لِلشَّوَى (١٦) تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (١٧) وَجَمَعَ فَأَوْعَى (١٨) إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (٢٣)
قال ابن عباس (يبصرونهم) يعرف بعضهم بعضاً ويتعارفون ثم يفر بعضهم من بعض، قرأ الجمهور يبصرونهم بالتشديد وقرىء بالتخفيف.
(يود المجرم) أي الكافر أو كل مذنب يذنب ذنباً يستحق به النار (لو) بمعنى أن (يفتدي من عذاب يومئذ) أي العذاب الذي ابتلوا به يومئذ، قرأ الجمهور بإضافة العذاب وكسر الميم من يومئذ وقرىء بالتنوين وقطع الإضافة وبفتح الميم.
(ببنيه
стр. 10648
وصاحبته) زوجته (وأخيه) فإن هؤلاء أعز الناس عليه وأكرمهم لديه، فلو قبل منه الفداء لفدى بهم نفسه، وخلص مما نزل به من العذاب، والجملة مستأنفة لبيان أن اشتغال كل مجرم بنفسه بلغ بحد يود الافتداء من العذاب بمن ذكر، وقيل حال من الضمير المرفوع أو المنصوب من يبصرون.
стр. 10649
(وفصيلته التي تؤويه) أي عشيرته الأقربين الذين يضمونه في النسب أو عند الشدائد ويأوي إليهم، قال أبو عبيدة الفصيلة دون القبيلة، وقال ثعلب هم آباؤهم الأدنون، قال المبرد الفصيلة القطيعة من أعضاء الجسد وسميت عشيرة الرجل فصيلة تشبيهاً لها بالبعض منه، وقال مالك إن الفصيلة هي التي تربيه.
стр. 10650
(ومن) أي ويود المجرم لو افتدى بمن (في الأرض جميعاً) من
стр. 10651
الثقلين وغيرهما من الخلائق. وقوله (ثم ينجيه) معطوف على يفتدي أي يود لو يفتدي ثم ينجيه الافتداء، وكأن العطف بثم لدلالتها على استبعاد النجاة وقيل ثم ينجيه جواب يود، والأول أولى.
стр. 10652
(كلا) ردع للمجرم عن تلك الودادة، وبيان امتناع ما وده من الافتداء، وكلا يأتي بمعنى حقاً وبمعنى لا النافية مع تضمنها لمعنى الزجر والردع، وهي هنا تحتمل الأمرين (إنها لظى) الضمير عائد إلى النار المدلول عليها بذكر العذاب أو هو ضمير مبهم يفسره ما بعده، ويترجم عنه الخبر، قاله الزمخشري، ولظى علم لجهنم واشتقاقها من التلظي في النار، وهو التلهب، ولذلك منع من الصرف للعلمية والتأنيث، وقيل أصله لظظ بمعنى دوام العذاب فقلبت إحدى الظائين ألفاً، وقيل لظى هي الدركة الثانية من طباق جهنم.
стр. 10653
(نزاعة للشوى) قرأ الجمهور نزاعة بالرفع على أنه خبر ثان لأن، أو خبر مبتدأ محذوف أو تكون لظى بدلاً من الضمير المنصوب ونزاعة خبر " أن " أو على أن نزاعة صفة للظى على تقدير عدم كونها علماً أن يكون الضمير في (إنها) للقصة ويكون لظى مبتدأ ونزاعة خبره والجملة خبر " إن " وقرىء بالنصب على الحال وقال أبو علي الفارسي حمله على الحال بعيد لأنه ليس في الكلام ما يعمل في الحال، وقيل العامل فيها ما دل عليه الكلام من معنى التلظي أو النصب على الاختصاص والشوى الأطراف أو جمع شواة كنوى ونواة وهي جلدة الرأس.
وقال الحسن وثابت البناني: للشوى أي لمكارم الوجه وحسنه وكذا قال أبو العالية وقتادة، وقال قتادة: تبري اللحم والجلد عن العظم حتى لا تترك فيه شيئاً، وقال الكسائي: هي المفاصل وقال أبو صالح هي أطراف اليدين والرجلين، وقال ابن عباس: تنزع أم الرأس، وقيل الشوى الأعضاء التي ليست بمقتل، وقيل هو جلد الإنسان.
стр. 10654
(تدعو) لظى (من أدبر) عن الحق في الدنيا (وتولى) أي أعرض عنه قيل إنها تقول إلي يا مشرك إلي يا منافق ثم تلتقطهم التقاط الطير للحب، وقيل معنى تدعو تهلك تقول العرب دعاك الله أي أهلكك، وقيل ليس هو الدعاء باللسان، ولكن دعاؤها إياهم تمكنها من عذابهم، وقيل المراد إن خزنة جهنم تدعو الكافرين والمنافقين، فإسناد الدعاء إلى النار من باب إسناد ما هو للحال إلى المحل، وقيل هو تمثيل وتخييل ولا دعاء في الحقيقة.
والمعنى أن مصيرهم إليها والأول أولى لقوله (وتقول هل من مزيد) ولا موجب للصرف عن الظاهر، والله على كل شيء قدير.
стр. 10655
(وجمع فأوعى) أي جمع المال فجعله في وعاء ولم يؤد حق الله منه، وفي هذا ذم لمن جمع المال فأوعاه وكثره ولم ينفقه في سبيل الخير أو لم يؤد زكاته.
стр. 10656
(إن الإنسان) أي الجنس عبر به لما له من الإنس لنفسه والرؤية لمحاسنها والنسيان لربه ولدينه (خلق هلوعاً) قال في الصحاح الهلع في اللغة أشد الحرص وأسوأ الجزع وأفحشه، يقال هلوع بالكسر فهو هلع وهلوع، وقال عكرمة: هو الضجور، وقال ابن عباس: هو الشره، وقال الواحدي: والمفسرون يقولون تفسير الهلع ما بعده يعني قوله:
(إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا) وبه قال ابن عباس أي إذا أصابه الفقر والحاجة أو المرض أو نحو ذلك فهو كثير الجزع، وإذا أصابه الخير من الغنى والخصب والسعة ونحو ذلك فهو كثير المنع والإمساك، وسأل محمد بن عبد الله بن طاهر ثعلباً عن الهلع فقال قد فسره الله، ولا يكون تفسير أبين من تفسيره وهو الذي إذا أصابه شر أظهر شدة الجزع وإذا مسه الخير بخل به ومنعه الناس.
والعرب تقول ناقة هلوع وهلواع إذا كانت سريعة السير خفيفته، وقال أبو عبيدة الهلوع هو الذي إذا مسه الخير لم يشكر، وإذا مسه الشر لم يصبر،
стр. 10657
وانتصاب هلوعاً وجزوعاً ومنوعاً على أنها أحوال مقدرة لأنه ليس متصفاً بالصفات المذكورة وقت خلقه ولا وقت ولادته، أو محققة لكونها طبائع جبل الإنسان عليها والظرفان معمولان لجزوعاً ومنوعاً.
وقوله:
стр. 10658
(إلا المصلين) من قبيل استثناء الجمع من الواحد، لأن الإنسان واحد وفيه معنى الجمع أي المؤمنين المقيمين للصلاة لأن الصلاة الشرعية تستلزم الإيمان يعني أنهم ليسوا على تلك الصفات من الهلع والجزع والمنع، وإنهم على صفات محمودة وخلال مرضية لأن إيمانهم وما تمسكوا به من التوحيد ودين الحق يزجرهم عن الاتصاف بتلك الصفات، ويحملهم على الاتصاف بصفات الخير.
ثم بينهم سبحانه فقال:
стр. 10659
(الذين هم على صلاتهم دائمون) أي مواظبون أي لا يشغلهم عنها شاغل ولا يصرفهم عنها صارف، ولا يتركونها أداء ولا قضاء أي يفعلونها ولو قضاء (١) وليس المراد بالدوام أنهم يصلون أبداً.
قال الزجاج: هم الذين لا يزيلون وجوههم عن سمت القبلة وقال الحسن وابن جريج: هو التطوع منها قال النخعي: المراد بالمصلين الذين يؤدون الصلاة المكتوبة. وقال ابن مسعود: الذين يصلونها لوقتها.
وعن عمران بن حصين: قال الذي لا يلتفت في صلاته، وعن عقبة بن عامر قال: هم الذين إذا صلوا لم يلتفتوا، والمراد بالآية جميع المؤمنين وقيل الصحابة خاصة، ولا وجه لهذا التخصيص لاتصاف كل مؤمن بأنه من المصلين.
(وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ) قال قتادة ومحمد بن سيرين المراد الزكاة المفروضة، وقال مجاهد سوى الزكاة، وقيل صلة الرحم، وحمل الكل؛ والظاهر أنه الزكاة المفروضة لوصفه بكونه معلوماً ولجعله قريناً للصلاة.
стр. 10662
(للسائل) أي الذي يسأل الناس (والمحروم) أي الذي يتعفف عن السؤال فيحسب غنياً فيحرم على حد (يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف) وقد تقدم تفسير السائل والمحروم في سورة الذاريات وفي سورة المؤمنين مستوفى.
стр. 10663
(والذين يصدقون بيوم الدين) أي بيوم الجزاء وهو يوم القيامة لا يشكون فيه ولا يجحدونه، وقيل يصدقونه بأعمالهم فيتعبون أنفسهم في الطاعات، لأن التصديق به يستلزم الاستعداد له بالأعمال الصالحة
стр. 10664
(والذين هم من عذاب ربهم مشفقون) أي خائفون وجلون مع ما لهم من أعمال الطاعة استحقاراً لأعمالهم واعترافاً بما يجب لله سبحانه عليهم.
وجملة
стр. 10665
(إن عذاب ربهم غير مأمون) مقررة لمضمون ما قبلها مبينة أن ذلك مما لا ينبغي أن يأمنه أحد لجواز أن يحل به وإن بلغ في الطاعة ما بلغ، وأن حق كل أحد أن يخافه، ويكون مترجماً بين الخوف والرجاء.
стр. 10666
(وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٢٩) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ) من الإماء، ولشبههن في جريان التصرف عليهن عبر عنهن " بما " التي لغير العاقل (فإنهم غير ملومين) على ترك الحفظ
стр. 10667
(فمن ابتغى) أي طلب منكحاً (وراء ذلك) أي غير الزوجات والمملوكات.
(فأولئك هم العادون) أي المتجاوزون عن الحلال إلى الحرام والمتعدون ما حد لهم، وهذه الآية تدل على حرمة المتعة ووطء الذكران والبهائم والزنا والاستمناء بالكف، وقد تقدم تفسيرها في سورة المؤمنين مستوفى.
стр. 10668
(والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون) أي لا يخلون بشيء من الأمانات التي يؤتمنون عليها، ولا ينقضون شيئاًً من العهود التي يعقدونها على أنفسهم، قرأ الجمهور لأماناتهم بالجمع وقرىء بالإفراد وهما سبعيتان، والمراد الجنس وهي تتناول أمانات الشرع، وأمانات العباد، ويدخل فيها عهود الخلق والنذور والأيمان، وقيل الأمانات ما تدل عليه العقول. والعهود ما أتى بها الرسول.
стр. 10669
(والذين هم بشهاداتهم قائمون) أي يتحملونها ويؤدونها على غاية التمام وحسن الأداء، ويقيمونها عند الحكام على من كانت عليه من قريب أو بعيد، أو رفيع أو وضيع، بلا ترجيح للقوي على الضعيف، ولا يكتمونها ولا يغيرونها إظهاراً للصلابة في الدين، ورغبة في إحياء حقوق المسلمين.
وقد تقدم القول على الشهادة في سورة البقرة قرأ الجمهور بشهادتهم بالإفراد وقرىء بالجمع، قال الواحدي: والإفراد أولى لأنه مصدر، ومن جمع ذهب إلى اختلاف الشهادات، قال الفراء ويدل على قراءة التوحيد قوله تعالى: (وأقيموا الشهادة لله) وقيل أراد بالشهادة الشهادة بكلمة التوحيد، والأول أولى.
(وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ) أي على أذكارها وأركانها وشرائطها لا يخلون بشيء من ذلك قال قتادة: على وضوئها وركوعها وسجودها، قال ابن جريج: المراد التطوع، وكرر ذكر الصلاة للدلالة على فضلها وأنافتها على غيرها، ولاختلاف ما وصفهم به أولاً وما وصفهم به ثانياً فإن معنى الدوام هو أن لا يشتغل عنها بشيء من الشواغل كما سلف، ومعنى المحافظة أن يراعي الأمور التي لا تكون صلاة بدونها.
وقيل المراد يحافظون عليها بعد فعلها من أن يفعلوا ما يحبطها ويبطل ثوابها، وكرر الموصولات للدلالة على أن كل وصف من تلك الأوصاف لجلالته يستحق أن يستقل بموصوف منفرد، وقال الكرخي: وفي هذه الصلاة مبالغات لا تخفى وهي تقديم الضمير وبناء الجملة عليه وتقديم الجار والمجرور على الفعل، وجعل بعض الجمل اسميه مفيدة للدوام والثبات، وبعضها فعلية مفيدة للاستمرار التجددي.
стр. 10672
(أولئك) الموصوفون بتلك الصفات مستقرون (في جنات مكرمون) بأنواع الكرامات وهما خبران.
стр. 10673
(فمال الذين كفروا قبلك مهطعين) أي أيّ شيء ثبت لهم فهم
стр. 10674
حواليك مسرعين، قال الأخفش مهطعين مسرعين، وقيل المعنى ما بالهم يسرعون إليك ويجلسون حواليك ولا يعملون بما تأمرهم، وقيل ما بالهم مسرعين إلى التكذيب، وقيل ما بال الذين كفروا يسرعون إلى السماع إليك فيكذبونك ويستهزئون بك، وقال الكلبي إن معنى مهطعين ناظرين إليك، وقال قتادة عامدين، وقيل مسرعين إليك مادي أعناقهم مديمي النظر إليك.
стр. 10675
(عن اليمين وعن الشمال عزين) أي عن يمين النبي ﷺ وعن شماله جماعات متفرقة وعزين جمع عزة وهي العصبة من الناس، وقيل أصلها عزوة من العزو، وكأن كل فرقة تعتزي إلى غير من تعتزي إليه الفرقة الأخرى وقال في الصحاح العزة الفرقة من الناس، والهاء عوض عن الياء والجمع عزى وعزون، قال ابن عباس عزين العصب من الناس معرضين يستهزئون به، وأخرج مسلم وغيره عن جابر قال دخل علينا رسول الله ﷺ المسجد ونحن حلق متفرقون فقال ما لي أراكم عزين " (١).
стр. 10676
(أيطمع كل امرىء منهم أن يدخل جنة نعيم) كالمؤمنين المسلمين قال المفسرون: كان المشركون يقولون لئن دخل هؤلاء الجنة لندخلن قبلهم، فنزلت الآية، قرأ الجمهور ويدخل مبنياً للمفعول، وقرىء مبنياً للفاعل.
ثم رد الله سبحانه عليهم فقال:
стр. 10677
(كلا إنا خلقناهم مما يعلمون) أي من القذر الذي يعلمون به يعني من النطفة المذرة، وأبهم إشعاراً بأنه منصب يستحي من ذكره فلا ينبغي فم هذا التكبر، وهذا استدلال بالنشأة الأولى على إمكان النشأة الثانية التي بنوا الطمع على فرضها فرضاً محالاً عندهم بعد ردعهم
стр. 10678
عنه، وقيل المعنى إنا خلقناهم من أجل ما يعلمون وهو امتثال الأمر والنهي وتكميل النفس بالعلم والعمل، وتعريضهم للثواب والعقاب كما في قوله: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ).
أخرج أحمد وابن ماجة وابن سعد وابن أبي عاصم والبارودي وابن قانع والحاكم والبيهقي في الشعب والضياء عن بشر بن جحاش قال: " قرأ رسول الله ﷺ (فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا -إلى قوله- مِمَّا يَعْلَمُونَ) ثم بزق رسول الله ﵌ على كفه ووضع عليها أصبعه وقال: " يقول الله ابن آدم أنىّ تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه حتى إذا سويتك وعدلتك مشيت بين بردين وللأرض منك وئيد فجمعت ومنعمشا حتى إذا بلغت التراقي قلت أتى أوان الصدقة " (١).
قال ابن العربي في الفتوحات خلق الله تعالى الناس على أربعة أقسام قسم لا من ذكر ولا من أنثى وهو آدم ﵇ وقسم من ذكر فقط وهو حواء وقسم من أنثى فقط وهو عيسى ﵇ وقسم من ذكر وأنثى وهو بقية الناس.
стр. 10679
(فلا أقسم) لا زائدة كما تقدم قريباً والمعنى فأقسم (برب المشارق والمغارب) قرأهما الجمهور بالجمع يعني مشرق كل يوم من أيام السنة ومغربه، وقال ابن عباس للشمس كل يوم مطلع تطلع فيه وكل يوم مغرب تغرب فيه غير مطلعها بالأمس. وغير مغربها بالأمس، وقيل مشرق كل نجم ومغربه وقرىء بالإفراد، وقوله:
(إنا لقادرون