← Тафсир

Тафсир · id 37458

فتح البيان في مقاصد القرآن

صديق حسن خان

Полный текст (12 043 стр.). Показаны 10606–10645 · переход к 10611.

стр. 10606

(فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا) أي يوم القيامة في الآخرة (حميم) أي قريب ينفعه أو يشفع له يحرق له قلبه لأنه يوم يفر فيه القريب من قريبه، ويهرب عنده الحبيب من حبيبه

стр. 10607

(ولا طعام إلا من غسلين) أي وليس له طعام يأكله إلا من صديد أهل النار وما ينغسل من أبدانهم من القيح والصديد، وغسلين فعلين من الغسل أو الغسالة فنونه وياؤه زائدتان. قال أهل اللغة هو ما يجري من الجراح إذا ما غسلت، وقال الضحاك والربيع بن أنس: هو شجر يأكله أهل النار، وقال قتادة: هو شر الطعام، وقال ابن زيد: لا يعلم ما هو ولا ما الزقوم إلا الله تعالى، وعن ابن عباس قال: الغسلين الدم والماء والصديد الذي يسيل من لحومهم. وعن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: " لو أن دلواً من غسلين يهراق في الدنيا لانتن أهل الدنيا (١) أخرجه الحاكم وصححه، وعن ابن عباس أيضاًً قال الغسلين اسم طعام من أطعمة أهل النار، وقال سبحانه في موضع آخر. (ليس لهم طعام إلا من ضريع) فيجوز أن يكون الضريع هو الغسلين، وقيل في الكلام تقديم وتأخير، والمعنى فليس له اليوم ههنا حميم

стр. 10608

إلا من غسلين، على أن الحميم هو الماء الحار، ولا طعام أي ليس لهم طعام يأكلونه، قاله أبو البقاء، ولا ملجىء لهذا التقديم والتأخير. والتوفيق بين ما هنا وبين قوله في محل آخر (إلا من ضريع) وفي موضع آخر (إن شجرة الزقوم طعام الأثيم) وفي موضع آخر (ما يأكلون في بطونهم إلا النار) أنه يجوز أن يكون طعامهم جميع ذلك وأن العذاب أنواع والمعذبين طبقات فمنهم أكلة الغسلين ومنهم أكلة الضريع ومنهم أكلة الزقوم ومنهم أكلة النار لكل باب منهم جزء مقسوم.

стр. 10609

(لا يأكله إلا الخاطئون) المراد بهم أصحاب الخطايا وأرباب الذنوب، قال الكلبي: المراد أهل الشرك، قرأ الجمهور الخاطئون مهموزاً وهو اسم فاعل من خطىء يخطأ من باب علم إذا فعل غير الصواب متعمداً والمخطىء من يفعله غير متعمد، وقرىء الخاطيون بالياء المضمومة بدل الهمزة وقرىء بالطاء المضمومة بدون همزة.

стр. 10610

(فلا أقسم بما تبصرون) من المخلوقات

стр. 10611

(وما لا تبصرون) منها قال قتادة أقسم بالأشياء كلها ما يبصر منها وما لا يبصر، فيدخل في هذا جميع المخلوقات، والإقسام بغير الله إنما نهى عنه في حقنا وأما هو تعالى فيقسم بما شاء على ما شاء، وهذا رد لكلام المشركين كأنه قال ليس الأمر كما تقولون، و (لا) زائدة والتقدير فأقسم بما تشاهدونه وما لا تشاهدونه. وقيل إن (لا) ليست بزائدة بل هي أصلية لنفي القسم أي لا أحتاج إلى قسم لوضوح الحق في ذلك والأول أولى، وقال البيضاوي: فلا أقسم لظهور الأمر واستغنائه عن التحقيق بالقسم. أو فلا، رد لإنكارهم البعث و (أُقْسِمُ) مستأنف، قال الكرخي: وأما حمله على معنى نفي الإقسام لظهور الأمر فيرده تعيين المقسم به بقوله بما تبصرون الخ أهـ.

стр. 10612

(إنه لقول رسول كريم) أي أن القرآن لتلاوة رسول كريم على الله فهو في غاية الكرم الذي هو البعد عن مساوىء الأخلاق، على أن المراد

стр. 10613

بالرسول محمد ﵌، أو أنه لقول يبلغه رسول كريم، قال الحسن والكلبي ومقاتل يريد به جبريل، دليله قوله: (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ) وعلى كل حال فالقرآن ليس من قول محمد ﷺ ولا من قول جبريل ﵇، بل هو من قول الله ، فلا بد من تقدير التلاوة أو التبليغ، وفي لفظ الرسول ما يدل على ذلك فاكتفى به عن أن يقول عن الله تعالى.

стр. 10614

(وما هو بقول شاعر) كما تزعمون لأنه ليس من أصناف الشعر ولا مشابهاً لها والشاعر هو الذي يأتي بكلام مقفى موزون بقصد الوزن (قليلاً ما تؤمنون) أي إيماناً قليلاً تؤمنون وتصديقاً يسيراً تصدقون، وقال البغوي أراد بالقليل نفي إيمانهم وتذكرهم أصلاً كقولك لمن لا يزورك قلما تأتينا، وأنت تريد لا تأتينا أصلاً.

стр. 10615

(ولا بقول كاهن) كما تزعمون فإن الكهانة أمر آخر لا جامع بينها وبين هذا (قليلاً ما تذكرون) قرىء بالتاء وقرىء بالياء التفاتاً عن الخطاب إلى الغيبة أي تذكراً أو زماناً تتذكرون و (ما) زائدة في الموضعين. وذكر الإيمان مع نفي الشعر، والتذكر مع نفي الكهانة لأن عدم مشابهة القرآن للشعر أمر بين لا ينكره إلا معاند كافر بخلاف مباينته للكهانة فإنها تتوقف على تذكر أحواله ﵌ وتذكر معاني القرآن المنافية لطريقة الكهانة ومعاني أقوالهم، قال أبو جهل إن محمداً ﵌ شاعر وقال الوليد بن المغيرة ساحر، وقال عقبة كاهن؛ فنزلت هذه الآية كذا قال مقاتل

стр. 10616

(تنزيل من رب العالمين) أي هو تنزيل منه على لسانه.

стр. 10617

(ولو تقول علينا بعض الأقاويل) قرأ الجمهور مبنياً للفاعل وقرىء مبنياً للمفعول مع رفع بعض، وقرىء (ولو يقول) على صيغة المضارع،

стр. 10618

والتقول تكلف القول وسمي الافتراء تقولاً لأنه قول متكلف وكل كاذب يتكلف ما يكذبه؛ والأقاويل جمع أقوال وهي جمع قول فهو نظير أبابيت جمع أبيات جمع بيت، وسميت الأقوال المنقولة أقاويل تصغيراً لها وتحقيراً كقولك الأعاجيب والأضاحيك كأنها جمع أقوولة من القول، والمعنى ولو تقول ذلك الرسول وهو محمد ﵌ أو جبريل ﵇ على ما تقدم وجاء به من جهة نفسه؛ وادعى علينا شيئاًً لم نقله.

стр. 10619

(لأخذنا منه باليمين) أي بيده اليمين؛ قال ابن جرير: إن هذا الكلام خرج مخرج الإذلال على عادة الناس في الأخذ بيد من يعاقب؛ وقال الفراء والمبرد والزجاج وابن قتيبة: باليمين أي بالقوة والقدرة؛ وبه قال: ابن عباس؛ وقال ابن قتيبة: إنما أقام اليمين مقام القسوة لأن قوة كل شيء في ميامنه؛ وقيل المعنى لقتلناه صبراً كما يفعل الملوك بمن يتكذب عليهم معاجلة بالسخط والانتقام، وقيل المعنى لأذللناه وأهناه.

стр. 10620

(ثم لقطعنا منه الوتين) هو عرق يجري في الظهر حتى يتصل بالقلب وهو مناطه إذا قطع مات صاحبه؛ قال الواحدي والمفسرون يقولون إنه نياط القلب؛ وقال ابن عباس عرق القلب وعنه قال نياط القلب وعن مجاهد هو حبل القلب الذي في الظهر وهو النخاع، وقال محمد بن كعب إنه القلب ومراقه وما يليه؛ وقال الكلبي إنه عرق بين العلباء والحلقوم. والعلباء عصب العنق وهما علباوان بينهما العرق: قال ابن قتينة لم يرد أنا نقطعه بعينه بل المراد منه أنه لو كذب علينا لأمتناه فكان كمن قطع وتينه.

стр. 10621

(فما منكم من أحد عنه حاجزين) أي ليس منكم أحد يحجزنا عنه ويدفعنا منه فكيف يتكلف الكذب على الله لأجلكم مع علمه أنه لو تكلف ذلك لعاقبناه ولا تقدرون على الدفع عنه، وإنما قال " حاجزين " بلفظ الجمع وهو وصف " أحد " رداً على معناه.

стр. 10622

وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (٤٩) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ (٥٠) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (٥١) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٥٢)

стр. 10623

(وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ) أي أن القرآن لتذكرة لأهل التقوى لأنهم المنتفعون به لإقبالهم عليه إقبال مستفيد، والظاهر أن هذا وما بعده معطوف على جواب القسم السابق فهو من جملة المقسم عليه. وما بينهما اعتراض.

стр. 10624

(وإنا لنعلم أن منكم مكذبين) أي أن بعضكم يكذب بالقرآن فنحن نجازيهم على ذلك بما يليق به إظهاراً للعدل وفي هذا وعيد شديد

стр. 10625

(وإنه) أي القرآن (لحسرة) وندامة (على الكافرين) يوم القيامة عند مشاهدتهم لثواب المؤمنين. وقيل: هي حسرتهم في الدنيا حين لم يقدروا على معارضته عند تحديهم بأن يأتوا بسورة من مثله.

стр. 10626

(وإنه) أي القرآن (لحق اليقين) أي عينه ومحضه لكونه من عند الله فلا يحول حوله ريب ولا يتطرّقُ إليه شك وهو من إضافة الصفة للموصوف، أي اليقين الحق، وحق اليقين فوق علم اليقين، وقيل هو كقولك عين اليقين ومحض اليقين

стр. 10627

(فسبح باسم ربك العظيم) أي نزهه عما لا يليق به وقيل فصل لربك والأول أولى، وقيل هو قوله سبحان الله.

стр. 10628

سورة سأل ويقال سورة المعارج هي أربع وأربعون آية وهي مكية قال القرطبي بالإتفاق عن ابن عباس قال نزلت بمكة وعن ابن الزبير مثله.

стр. 10629

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١) لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (٢) مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ (٣) تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤)

стр. 10630

(سَأَلَ سَائِلٌ) قرأ الجمهور سأل بالهمزة من السؤال وهي اللغة الفاشية، وهو إما مضمن معنى الدعاء فلذلك عدي بالباء كما تقول دعوت بكذا والمعنى دعا داع على نفسه (بعذاب واقع) ويجوز أن يكون على أصله والباء بمعنى عن كقوله فاسأل به خبيراً، وقرىء بغير همزة وهو إما من باب التخفيف بقلب الهمزة ألفاً فيكون معناها معنى قراءة من همز أو يكون من السيلان والمعنى سأل واد في جهنم يقال له سائل كما قال زيد بن ثابت. ويؤيده قراءة ابن عباس سال سيل أي اندفع واد بعذاب واقع وصيغة الماضي للدلالة على تحقق وقوعه، وقيل إن سال بمعنى التمس والمعنى التمس ملتمس عذاباً. ْ

стр. 10631

(للكافرين) فتكون الباء زائدة كقوله (تنبت بالدهن)، والوجه الأول هو الظاهر. قال الأخفش يقال خرجنا نسأل عن فلان وبفلان قال أبو علي الفارسي وإذا كان من السؤال فأصله أن يتعدى إلى مفعولين ويجوز الاقتصار على أحدهما ويتعدى إليه بحرف الجر فيكون التقدير سأل سائل الله أو النبي ﷺ أو المسلمين بعذاب أو عن عذاب، وهذا السائل هو النضر بن الحرث حين قال: (اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) وهو ممن قتل يوم بدر صبراً، وعن ابن عباس مثله (١).

стр. 10632

وقال الربيع هو أبو جهل. وقيل هو الحرث بن النعمان الفهري، وقيل إنها نزلت في جماعة من كفار قريش والأول أولى، وقرىء سال سال مثل مال مال على أن الأحل سائل فحذفت العين تخفيفاً كما قيل شاك في شائك السلاح. وقيل السائل هو نوح ﵇ سأل العذاب للكافرين وقيل هو رسول الله ﷺ دعا بالعقاب عليهم، والمراد بالعذاب الواقع إما في الدنيا كيوم بدر أو في الآخرة وهو عذاب النار. وقوله (للكافرين) صفة أخرى لعذاب أي كائن لهم أو متعلق بواقع، واللام للعلة أو يسأل على تضمينه معنى دعا أو في محل رفع على تقدير هو للكافرين أو اللام بمعنى على، ويؤيده قراءة أبيّ على الكافرين، قال الفراء التقدير بعذاب للكافرين واقع بهم، فالواقع من نعت العذاب، وجملة (ليس له دافع) صفة أخرى لعذاب أو حال منه أو مستأنفة، والمعنى أنه لا يدفع ذلك العذاب الواقع به أحد. وقوله:

стр. 10633

(من الله) متعلق بواقع أي واقع من جهته سبحانه، ولم يمنع النفي من ذلك لأن " ليس " فعل لا حرف فصح أن يعمل ما قبلها فيما بعدها أو متعلق بدافع أي ليس له دافع من جهته تعالى إذا جاء وقته. (ذي المعارج) أي ذي الدرجات التي تصعد فيها الملائكة، وقال ابن عباس ذي العلو والفواضل، وقال الكلبي هي السموات وسماها معارج لأن الملائكة تعرج فيها، وقيل المعارج مراتب نعم الله سبحانه على الخلق، وقيل المعارج العظمة. وقيل هي الغرف وقيل الأعمال الصالحة فإنها تتفاوت بحسب اجتماع الآداب والسنن وخلوص النية وحضور القلب.

стр. 10634

وقرأ ابن مسعود (ذي المعاريج) يقال معارج ومعاريج مثل مفاتح ومفاتيح جمع معريج بفتح الميم وهو موضع الصعود لا بكسرها لأنه آلة الصعود، وهو غير مناسب لهذا المقام.

стр. 10635

(تعرج الملائكة والروح إليه) أي تصعد في تلك المعارج التي جعلها الله لهم، قرأ الجمهور تعرج بالفوقية، وقرىء بالتحتية، والروح جبريل أفرد بالذكر بعد الملائكة لشرفه، ويؤيد هذا قوله: (نزل به الروح الأمين) وقيل الروح هنا ملك آخر عظيم غير جبريل، وقال أبو صالح: إنه خلق من خلق الله سبحانه كهيئة الناس وليسوا من الناس، وقال قبيصة بن ذؤيب: إنه روح الميت حين يقبض والأول أولى، ومعنى " إليه " إلى المكان الذي ينتهون إليه وقيل إلى عرشه، وقيل إلى مهبط أمره من السماء، وقيل هو كقول إبراهيم: (إني ذاهب إلى ربي) أي إلى حيث أمرني ربي. (في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة) قال ابن إسحق والكلبي ووهب بن منبه أي تعرج الملائكة إلى المكان الذي هو محلها في وقت كان مقداره على غيرهم لو صعد خمسين ألف سنة، وبه قال مجاهد وقال عكرمة: وروي عن مجاهد أن مدة عمر الدنيا هذا المقدار لا يدري أحدكم مضى ولا كم بقي ولا يعلم ذلك إلا الله. والكلام على مدة عمر الدنيا ماضيها وباقيها مبسوط في كتابنا لقطة العجلان مما تمس إليه حاجة الإنسان، وقال قتادة والكلبي ومحمد بن كعب أن المراد يوم القيامة يعني أن مقدار الأمر فيه لو تولاه غيره سبحانه خمسون ألف سنة، وهو سبحانه يفرغ منه في ساعة، وقيل إن مدة موقف العباد للحساب هي هذا المقدار ثم يستقر بعد ذلك أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار، وقيل أن مقدار يوم القيامة على الكافرين خمسون سنة وعلى المؤمنين مقدار ما بين الظهر والعصر. وقيل ذكر هذا المقدار لمجرد التمثيل والتخييل لغاية ارتفاع تلك المعارج

стр. 10636

وبعد مداها أو لطول يوم القيامة باعتبار ما فيه من الشدائد والمكاره كما تصف العرب أيام الشدة بالطول، وأيام الفرح بالقصر. ويشبهون اليوم القصير بإبهام القطاة، والطويل بظل الرمح، وحينئذ لا تنافي بين هذه الآية وبين آية السجدة (في يوم كان مقداره ألف سنة) لأنه أيضاًً مسوق على سبيل التشديد على الكافرين. وقيل في الكلام تقديم وتأخير أي ليس له دافع من الله ذي المعارج في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة تعرج الملائكة والروح إليه، وقال ابن عباس: في الآية منتهى أمره من أسفل الأرضين إلى منتهى أمره من فوق سبع سموات مقدار خمسين ألف سنة. وقوله (في يوم كان مقداره ألف سنة) قال يعني ينزل الأمر من السماء إلى الأرض ومن الأرض إلى السماء في يوم واحد، فذلك مقداره ألف سنة لأن ما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام، وعنه قال غلظ كل أرض خمسمائة عام، وغلظ كل سماء خمسمائة عام وبين كل أرض إلى أرض خمسمائة عام، ومن السماء إلى السماء خمسمائة عام، فذلك أربعة عشر ألف عام، وبين السماء السابعة وبين العرش مسيرة ستة وثلاثين ألف عام فذلك قوله: (في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة). وعنه في قوله: (في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون) قال هذا في الدنيا تعرج الملائكة في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون، وفي قوله: (مقداره خمسين ألف سنة) فهذا يوم القيامة جعله الله سبحانه على الكافرين خمسين ألف سنة، وعنه قال لو قدرتموه لكان خمسين ألف سنة من أيامكم يعني يوم القيامة. وعن أبي سعيد الخدري قال: قيل يا رسول الله يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ما أطول هذا اليوم فقال: " والذي نفسي بيده إنه ليخفف عن

стр. 10637

المؤمن حتى يكون أهون عليه من صلاة مكتوبة يصليها في الدنيا " (١) أخرجه أحمد وأبو يعلى وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث وفي إسناده دراج عن أبي الهيثم وهما ضعيفان. وعن أبي هريرة مرفوعاً قال: " ما قدر طول يوم القيامة على المؤمنين إلا كقدر ما بين الظهر إلى العصر " أخرجه ابن أبي حاتم والحاكم والبيهقي في البعث. ولو كان المراد حقيقة العدد لم يعقل أن الزمان الواحد يكون مقداره خمسين ألف سنة، ويكون مقداره ألف سنة، ويكون مقداره قدر صلاة ركعتين، وقيل العدد على حقيقته فإن يوم القيامة خمسون موطناً كل موطن ألف سنة والله أعلم بمراده بذلك. وقد قيل في الجمع أن من أسفل العالم إلى العرش خمسين ألف سنة، ومن أعلى سماء الدنيا إلى الأرض ألف سنة لأن غلظ كل سماء خمسمائة عام. وما بين أسفل السماء إلى قرار الأرض خمسمائة عام كما تقدم، فالمعنى أن الملائكة إذا عرجت من أسفل العالم إلى العرش كان مسافة ذلك خمسين ألف سنة. وإن عرجوا من هذه الأرض التي نحن فيها إلى باطن هذه السماء التي هي سماء الدنيا كان مسافة ذلك ألف سنة. وقد تقدم ما يؤيد هذا عن ابن عباس. وقد قدمنا الجمع بين هذه الآية وآية السجدة في سورة السجدة فتذكر.

стр. 10638

فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (٥) إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (٧) يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ (٨) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ (٩) وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (١٠) ثم أمر الله سبحانه رسوله ﷺ بالصبر

стр. 10639

(فاصبر) يا محمد على تكذيبهم لك وكفرهم بما جئت به (صبراً جميلاً) لا جزع فيه ولا شكوى إلى غير الله. وهذا معنى الصبر الجميل. وقيل هو أن يكون صاحب المصيبة في القوم لا يدري بأنه مصاب. قال ابن زيد وغيره: هي منسوخة بآية السيف. قال ابن عباس: في الآية لا تشكو إلى أحد غيري.

стр. 10640

(إنهم يرونه) أي يرون العذاب الواقع بهم ويعتقدونه، أو يرون يوم القيامة أو يرون يوماً كان مقداره خمسين ألف سنة (بعيداً) أي غير كائن لأنهم لا يؤمنون به، فمعنى بعيداً أي مستبعداً محالاً، وليس المراد أنهم يرونه بعيداً غير قريب، قال الأعمش يرون البعث بعيداً لأنهم لا يؤمنون به، كأنهم يستبعدونه على جهة الاستحالة، كما تقول لمن تناظره: هذا بعيد أي لا يكون

стр. 10641

(ونراه قريباً) أي نعلمه كائناً قريباً لأن ما هو آت قريب، وقيل المعنى ونراه هيناً في قدرتنا غير متعسر ولا متعذر، والجملة تعليل للأمر بالصبر. ثم أخبر سبحانه متى يقع بهم العذاب فقال:

стр. 10642

(يوم تكون السماء كالمهل) أي يقع بهم العذاب يوم كذا والمهل ما أذيب من النحاس والرصاص والفضة، وقال مجاهد: هو القيح من الصديد والدم، وقال عكرمة وغيره: هو دردي الزيت، وبه قال ابن عباس: وقد تقدم تفسيره في سورة الكهف والدخان.

стр. 10643

(وتكون الجبال كالعهن) أي كالصوف المصبوغ، ولا يقال للصوف عهن إلا إذا كان مصبوغاً، قال الحسن تكون الجبال كالصوف الأحمر، وهو أضعف الصوف، وقيل العهن الصوف ذو الألوان فشبه الجبال به في تكونها

стр. 10644

ألواناً كما في قوله: (جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ) فإذا بست وطيرت في الهواء أشبهت العهن المنفوش إذا طيرته الريح، وهذه الأقوال في معنى العهن في اللغة، وأول ما تتغير الجبال تصير رملاً مهيلاً ثم عهناً منفوشاً ثم هباء منثوراً.

стр. 10645

(ولا يسأل حميم حميماً) أي لا يسأل قريب قريبه عن شأنه في ذلك اليوم لما نزل بهم من شدة الأهوال التي أذهلت القريب عن قريبه، والخليل عن خليله كما قال سبحانه: (لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه) وقيل المعنى لا يسأل حميم عن حميم لشغله عنه فحذف الحرف ووصل الفعل. قرأ العامة يسأل مبنياً للفاعل والمفعول الثاني محذوف أي لا يسأله نصره ولا شفاعته لعلمه أن ذلك مفقود، وقيل لا يسأل شيئاًً من حمل أوزاره، وقرىء على البناء للمفعول والمعنى لا يسأل حميم إحضار حميمه، وقيل هذه القراءة على إسقاط حرف الجر، أي لا يسأل حميم عن حميم بل كل إنسان يسأل عن نفسه وعن عمله، وقيل لا يطالب به ولا يؤخذ بذنبه. وجملة
следующие страницы →