← Тафсир

Тафсир · id 37458

فتح البيان في مقاصد القرآن

صديق حسن خان

Полный текст (12 043 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (١٠)

стр. 107

(في قلوبهم مرض) المرض كل ما يخرج به الإنسان عن حد الصحة من علة أو نفاق أو تقصير في أمر، قاله ابن فارس وقيل هو الألم فيكون على هذا مستعاراً للفساد الذي في عقائدهم إما شكاً ونفاقاً، أو جحداً وتكذيباً (فزادهم الله مرضاً) أي كفراً ونفاقاً، والمراد بزيادة المرض الإخبار بأنهم كذلك بما يتجدد لرسول الله ﷺ من النعم، ويتكرر له من منن الله الدنيوية والدينية، ويحتمل أن يكون دعاء عليهم بزيادة الشك وترادف الحسرة وفرط النفاق، وفسر ابن عباس المرض بالشك والنفاق، وقال ابن زيد: هذا مرض في الدين وليس مرضاً في الأجسام، وقال عكرمة وطاوس المرض الرياء، والقراء مجمعون على فتح الراء من مرض إلا أبا عمرو فإنه قرأ بالسكون (ولهم عذاب) أي نكال. (أليم) أي مؤلم يخلص وجعه إلى قلوبهم، قال ابن عباس كل شيء في القرآن أليم فهو الموجع انتهى، ووصف به العذاب للمبالغة (بما كانوا يكذبون) أي يبدلون ويحرفون، قاله ابن مسعود، وقيل المعنى بتكذيبهم الله ورسوله في السر، وقيل بكذبهم إذ قالوا آمنا وهم غير مؤمنين، والكذب هو الخبر عن الشيء على خلاف ما هو به وهو حرام كله لأنه علل به استحقاق العذاب.

стр. 108

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (١٢)

стр. 109

(وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض) يعني المنافقين والقائل لهم هو الله أو الرسول أو المؤمنون، والعنى لا تفسدوا بالنفاق وموالاة الكفر وتعويق الناس عن الإيمان بمحمد- ﷺ وبالقرآن: فإنكم إذا فعلتم ذلك فسد ما في الأرض بهلاك الأبدان وخراب الديار، وبطلان الذرائع وخراب العالم كما هو مشاهد عند ثوران الفتن وهيج الحروب والتنازع، والفساد خروج الشيء عن الحالة اللائقة به والاعتدال، والصلاح ضده، وكلاهما يعمان كل ضار ونافع. (قالوا إنما نحن مصلحون) يعني يقولونه كذباً " وإنما " من أدوات القصر كما هو مبين في علم المعاني، والصلاح ضد الفساد، وهذا الجواب منهم رد للناصح على أبلغ وجه لأنهم تصوروا الفساد بصورة الصلاح لما في قلوبهم من المرض.

стр. 110

(ألا إنهم هم المفسدون) في الأرض بالكفر وهو أشد الفساد، رد لما أدعوه أبلغ رد للاستئناف به وتصديره بحرفي التأكيد، و (ألا) حرف تنبيه ينبه بها المخاطب وهي النبهة على تحقيق ما بعدها. قال ابن مسعود الفساد هنا الكفر والعمل بالمعصية (ولكن لا يشعرون) وذلك لأنهم يظنون أن ما هم عليه من النفاق وإبطان الكفر صلاح وهو عين الفساد، وقيل لا يشعرون ما أعد الله لهم من العذاب، والأول أولى.

стр. 111

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا كَمَا آَمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آَمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤)

стр. 112

(وإذا قيل لهم) أي للمنافقين .. نصحوهم من وجهين (أحدهما) النهي عن الفساد وهو عبارة عن التخلي عن الرذائل (وثانيهما) الأمر بالإيمان وهو عبارة عن التحلي بالفضائل، فإن كمال الإيمان بمجموع الأمرين (كما آمن الناس) يعني أصحاب محمد ﷺ من المهاجرين والأنصار، وقيل الناس عبد الله بن سلام وأصحابه و " ما " مصدرية أو كافة واللام للعهد أو للجنس، واستدل به على قبول توبة الزنديق وأن الإقرار باللسان إيمان (قالوا) أي أجابوا بأحمق جواب وأبعده عن الحق والصواب (أنؤمن كما آمن السفهاء)، أي الجهال، الهمزة للإنكار واللام مشار بها إلى الناس أو للجنس بأسره وهم مندرجون فيه، نسبوا إلى المؤمنين السفه استهزاء واستخفافاً فتسببوا بذلك إلى تسجيل الله عليهم بالسفه بأبلغ عبارة وآكد قول وحصر كما قال تعالى: (ألا إنهم هم السفهاء) أي الجهال، وأصل السفه والسفاهة رقة الحلوم وفساد البصائر وسخافة العقول، وخفة النهي، وإنما سمى الله المنافقين سفهاء لأنهم كانوا عند أنفسهم عقلاء فقلب ذلك عليهم وسماهم سفهاء، ورد أبلغ رد في تجهيلهم. (ولكن لا يعلمون) أنهم كذلك إما حقيقة أو مجازاً تنزيلاً لإصرارهم على السفه منزلة عدم العلم، وإنما ذكر العلم هنا، والشعور فيما قبل، لأنه أكثر طباقاً بذكر السفه، والتمييز بين الحق والباطل يفتقر إلى نظرة وفكرة، والنفاق يدرك بأدنى تفطن وتأمل من قولهم وفعلهم. عن ابن عباس أنها نزلت في شأن اليهود.

стр. 113

(وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا) أي المهاجرين والأنصار، ومعنى لقيته ولاقيته استقبلته قريباً. (قالوا آمنا) كإيمانكم. (وإذا خلوا إلى شياطينهم) أي رجعوا إليهم قيل هو من الخلوة وقيل (إلى) بمعنى الباء وقيل بمعنى مع وخلوت بفلان وإليه إذا انفردت معه، أو من خلاك ذم أي مضى عنك، ومنه القرون الخالية أو من خلوت به إذا سخرت منه، وعدي بإلى لتضمين معنى الإنهاء. والمراد بالشياطين رؤساؤهم وكهنتهم، وقيل المراد بالشياطين المماثلون منهم للشياطين في التمرد والعناد، المظهرون لكفرهم أو كبار المنافقين، والقائلون صغارهم. (قالوا إنا معكم) في الدين والاعتقاد أي إنا مصاحبوكم في دينكم وموافقوكم عليه. (إنما نحن مستهزؤن) أي بمحمد ﵌ وأصحابه بما نظهر لهم من الإسلام لنأمن من شرهم ونقف على سرهم، ونأخذ من غنائمهم، تأكيد لما قبله أو بدل منه أو استئناف. قال ابن عباس نزلت هذه الآية في عبد الله بن أبيّ وأصحابه، والهزء السخرية واللعب والاستخفاف يقال هزأت واستهزأت بمعنى، وأصله الخفة وهو القتل السريع، وهزأ يهزأ مات فجأة وتهزأ به ناقته أي تسرع به وتخف، والمراد درؤهم للإسلام ودفعهم للحق.

стр. 114

اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٦) مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨)

стр. 115

(الله يستهزىء بهم) أي ينزل بهم الهوان والحقارة وينتقم منهم ويستخف بهم انتصافاً منهم لعباده المؤمنين، وجزاء لاستهزائهم بهم، فسمى الجزاء باسمه، لأنه في مقابلته، وورد ذلك في القرآن كثيراً ومنه (جزاء سيئة سيئة مثلها، فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) والجزاء لا يكون سيئة، والقصاص لا يكون اعتداء لأنه حق، ومنه (ومكروا ومكر الله) (إنهم يكيدون كيداً وأكيد كيداً) (وتعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك) وهو في السنة كثير كقوله ﷺ " إن الله لا يمل حتى تملوا "، وإنما قال (الله يستهزىء بهم) لأنه يفيد التجدد وقتاً بعد وقت وهو أشد عليهم وأنكى لقلوبهم، وأوجع لهم من الإستهزاء الدائم الثابت المستفاد من الجملة الاسمية لأنه يألفه ويوطن نفسه عليه، قال ابن عباس يفتح لهم باب الجنة فإذا انتهوا إليه سد عنهم وردوا إلى النار. (ويمدهم) أي يتركهم ويمهلهم ويطيل لهم المدة كما قال (إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً) والمد الزيادة قال يونس بن حبيب يقال أمد في الشر وأمد في الخير، ومنه (وأمددناهم بأموال وبنين، وأمددناهم بفاكهة) وقال الأخفش مددت له إذا تركته وأمددته إذا أعطيته (في طغيانهم) أي في ضلالهم وأصل الطغيان مجاوزة الحد ومنه (إنا لما طغى الماء) والغلو في الكفر (يعمهون) أي يترددون في الضلالة متحيرين، والعمه والعامه الحائر المتردد، والعمه في القلب كالعمى في العين، قال في الكشاف: العمه مثل العمى إلا أن العمى في البصر

стр. 116

والرأي، والعمه في الرأي خاصة انتهى، فبينهما عموم وخصوص مطلقاً.

стр. 117

(أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى) يعني المنافقين استبدلوا الكفر بالإيمان، وإنما أخرجه بلفظ الشراء والتجارة توسعاً على سبييل الاستعارة، فالشراء ههنا مستعار للاستبدال كقوله تعالى (فاستحبوا العمى على الهدى) فأما أن يكون معنى الشراء المعاوضة كما هو أصله حقيقة فلا لأن المنافقين لم يكونوا مؤمنين وما كانوا على الهدى فيبيعوا إيمانهم؛ والعرب قد تستعمل ذلك في كل من استبدل شيئاً بشيء، وأصل الضلالة الحيرة والجور عن القصد وفقد الإهتداء، ويطلق على النسيان ومنه قوله تعالى (فعلتها إذاً وأنا من الضالين) وعلى الهلاك كقوله تعالى (إذا ضللنا في الأرض) والهدى التوجه إلى القصد، وقد استعير الأول للعدول عن الصواب في الدين، والثاني للإستقامة عليه، قال ابن عباس في الآية اشتروا الكفر بالإيمان وقال مجاهد آمنوا ثم كفروا؛ وقال قتادة قد والله رأيتموهم خرجوا من الهدى إلى الضلالة، ومن الجماعة إلى الفرقة، ومن الأمن إلى الخوف، ومن السنة إلى البدعة. (فما ربحت تجارتهم) أي ما ربحوا في تجارتهم، وأصل الربح الفضل عن رأس المال والتجارة صناعة التاجر، وأسند الربح إليها على عادة العرب في قولهم: ربح بيعك وخسرت صفقتك، وهو من الإسناد المجازي وهو إسناد الفعل إلى ملابس للفاعل كما هو مقرر في علم المعاني، والمراد ربحوا وخسروا (وما كانوا مهتدين) أي مصيبين في تجارتهم لأن رأس المال هو الإيمان، فلما أضاعوه واعتقدوا الضلالة فقد ضلوا عن الهدى، وقيل في شرائعهم الضلالة وقيل في سابق علم الله.

стр. 118

(مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً) المثل قول يشبه قولاً آخر بينهما مشابهة ليبين أحدهما الآخر ويصوره، ولهذا ضرب الله الأمثال في كتابه. وهو أحد أقسام القرآن السبعة، ولما ذكر حقيقة وصف المنافقين عقبه بضرب المثل زيادة في الكشف والبيان، لأنه يؤثر في القلوب ما لا يؤثره وصف الشيء في

стр. 119

نفسه، ولأن المثل تشبيه الشيء الخفي بالجلي فيتأكد الوقوف على ماهيته: وذلك هو النهاية في الإيضاح، وشرطه أن يكون قولاً فيه غرابة من بعض الوجوه واستوقد بمعنى أوقد مثل استجاب بمعنى أجاب، فالسين والياء زائدتان، ووقود النار سطوعها وارتفاع لهبها. (فلما أضاءت ما حوله) يعني النار، والإضاءة فرضاً الإنارة وفعلها يكون لازماً ومتعدياً (ذهب الله بنورهم) الذهاب زوال الشيء (وتركهم) أي أبقاهم، وترك في الأصل بمعنى طرح وخلى (في ظلمات) جمع ظلمة والظلمة عدم النور (لا يبصرون) هذا المثل للمنافقين لبيان ما يظهرونه من الإيمان مع ما يبطنونه من النفاق لا يثبت لهم به أحكام الإسلام كمثل المستوقد الذي أضاءت ناره ثم طفئت، فإنه يعود إلى الظلمة ولا تنفعه تلك الإضاءة اليسيرة فكان بقاء المستوقد في ظلمات لا يبصر كبقاء المنافق في حيرته وتردده. قال ابن عباس في الآية نزلت في المنافقين يقول مثلهم في نفاقهم كمثل رجل أوقد ناراً في ليلة مظلمة في مفازة فاستدفأ ورأى ما حوله فاتقى مما يخاف، فبينا هو كذلك إذ طفئت ناره فبقى في ظلمة حائراً متخوفاً، فكذلك حال المنافقين، أظهروا كلمة الإيمان وأمنوا بها على أنفسهم وأموالهم وأولادهم، وناكحوا المسلمين وقاسموهم في الغنائم فذلك نورهم، فلما ماتوا عادوا إلى الظلمة والخوف، وقيل ذهاب نورهم ظهور عقيدتهم للمؤمنين على لسان رسول الله ﵌، وقيل في القبر أو على الصراط، والأول أولى. وإنما وصفت هذه النار بالإضاءة مع كونها نار باطل لأن الباطل كذلك يسطع لهب ناره لحظة ثم تخفت ومنه قولهم: للباطل صولة ثم يضمحل. وقد تقرر عند علماء البلاغة أن لضرب الأمثال شأناً عظيماً في إبراز خفيات المعاني ورفع أستار محجبات الدقائق، ولهذا استكثر الله تعالى ذلك في كتابه

стр. 120

العزيز، وكان رسول الله ﵌ يكثر من ذلك في مخاطباته ومواعظه. قال ابن جرير: وصح ضرب مثل الجماعة بالواحد كما قال (رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت) وقال تعالى: (مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفاراً).

стр. 121

(صم): أي عن استماع الحق لأنهم لا يقبلونه، وإذا لم يقبلوه فكأنهم لم يسمعوه والصمم الانسداد (بكم) أي خرس عن النطق بالخير فهم لا يقولونه، والأبكم الذي لا ينطق ولا يفهم، فإذا فهم فهو الأخرس، وقيل الأبكم والأخرس واحد (عمي) أي لا بصائر لهم يميزون بها بين الحق والباطل، ومن لا بصيرة له كمن لا بصر له فهو أعمى، والعمى ذهاب البصر، كانت حواسهم سليمة ولكن لما سدوا عن سماع الحق آذانهم وأبوا أن تنطق به ألسنتهم، وأن ينظروا إليه بعيونهم، جعلوا كمن تعطلت حواسه، وذهب إدراكه كما قال الشاعر: (١) صم إذا سمعوا خيراً ذكرت به ... وإن ذكرت بسوء كلهم أذن (فهم لا يرجعون) أي عن ضلالتهم ونفاقهم.

стр. 122

أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠) يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)

стр. 123

(أو كصيب من السماء) أو: حرف الشك لقصد التخيير بين المثلين أي مثلوهم بهذا أو هذا، وهي وإن كانت في الأصل للشك فقد توسع فيها حتى صارت لمجرد التساوي من غير شك، وقال الفراء وغيره أنها بمعنى الواو، والصيب المطر واشتقاقه من صاب يصوب إذا نزل، وكل ما نزل من الأعلى إلى الأسفل فهو صيب، والسماء في الأصل كل ما علاك فأظلك، ومنه قيل لسقف البيت سماء، والسماء أيضاً المطر سمي بها لنزوله منها، وإطلاق السماء على المطر واقع كثيراً في كلام العرب، وقيل من السماء بعينها، وإنما ذكر الله تعالى من السماء وإن كان المطر لا ينزل إلا منها ليرد على زعم أن المطر ينعقد من أبخرة الأرض فأبطل مذهب الحكماء بقوله (من السماء) ليعلم أن المطر منها لا كما هو زعمهم الباطل. (فيه ظلمات) أي في الصيب، وبه قال جمهور المفسرين، وقال السيوطي في السحاب وهو خلاف ظاهر نظم الآية، وقيل (في) بمعنى مع، وإنما جمع الظلمات إشارة إلى أنه انضم إلى ظلمة الليل، ظلمة الغيم والمطر (ورعد) اسم لصوت الملك الذي يزجر السحاب، وقد أخرج الترمذي من حديث ابن عباس قال: سألت اليهود النبي ﷺ عن الرعد ما هو؟، قال " ملك من الملائكة بيده مخاريق من نار يسوق بها السحاب حيث يشاء الله " قالوا فما هذا الصوت الذي يسمع؟ قال زجره بالسحاب إذا زجره حتى ينتهي إلى حيث أمر،

стр. 124

قالت صدقت، الحديث بطوله وفي إسناده مقال، وعلى هذا التفسير أكثر العلماء، وقيل هو اضطراب أجرام السحاب عند نزول المطر منها وإلى هذا ذهب جمع من المفسرين تبعاً للفلاسفة وجهلة المتكلمين، وقيل غير ذلك، قال ابن عباس: الرعد اسم ملك يسوق السحاب، والبرق لمعان سوطه من نور يزجر به السحاب، وقيل الرعد اسم ملك يزجر السحاب (١) إذا تبددت جمعها وضمها فإذا اشتد غضبه يخرج من فيه النار فهي البرق (وبرق) النار التي تخرج منه، أي مخراق بيد الملك الذي يسوق السحاب، وإليه ذهب كثير من الصحابة وجمهور علماء الشريعة للحديث السابق، وقال بعض المفسرين تبعاً للفلاسفة أن البرق ما ينقدح من اصطكاك أجرام السحاب المتراكمة من الأبخرة المتصعدة المشتملة على جزء ناري يلهب عند الاصطكاك. (يجعلون) أي أصحاب الصيب (أصابعهم في آذانهم من الصواعق) إطلاق الأصابع على بعضها مجاز مشهور، والعلاقة الجزئية والكلية لأن الذي يجعل في الأذن إنما هو رأس الاصبع لا كلها، والصواعق، ويقال الصواعق هي قطعة نار تنفصل من مخراق الملك الذي يزمجر السحاب عند غضبه وشدة ضربه لها، ويدل على ذلك حديث ابن عباس المذكور قريباً، وبه قال كثير من علماء الشريعة، ومنهم من قال أنها نار تخرج من فم الملك، وقال الخليل هي الوقعة الشديدة من صوت الرعد يكون معها أحياناً قطعة نار تحرق ما أتت عليه، وقال أبو زيد الصاعقة نار تسقط من السماء في رعد شديد، وقال بعض المفسرين تبعاً للفلاسفة ومن قال بقولهم إنها نار لطيفة تنقدح من السحاب إذا اصطكت أجرامها، وسيأتي في سورة الرعد إن شاء الله تعالى في تفسير الرعد والبرق والصواعق ما له مزيد فائدة وإيضاح، وعن ابن عمر أن رسول الله ﷺ كان إذا سمع صوت الرعد والصواعق قال: " اللهم لا تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك "، أخرجه الترمذي وقال حديث غريب (حذر الموت)

стр. 125

أي مخافة الهلاك، والموت ضد الحياة (والله محيط بالكافرين) أي عالم بحالهم وقيل يجمعهم ويعذبهم والإحاطة الأخذ من جميع الجهات حتى لا يفوت المحاط به بوجه من الوجوه.

стр. 126

(يكاد البرق) أي يقرب يقال كاد يفعل ولم يفعل (يخطف أبصارهم) أي يختلسها والخطف استلاب الشيء والأخذ بسرعة (كلما أضاء لهم) يعني البرق (مشوا فيه) أي في إضاءته ونوره (وإذا أظلم عليهم قاموا) أي وقفوا متحيرين (ولو شاء الله لذهب بسمعهم) أي بصوت الرعد (وأبصارهم) بوميض البرق (إن الله على كل شيء قدير) أي هو الفاعل لما يشاء لا منازع له فيه، والآية على عمومها بلا استثناء، وفيه دليل على أن الحادث حال حدوثه والممكن حال بقائه مقدوران لا كما زعم المعتزلة من أن الاستطاعة قبل الفعل. وهذا مثل آخر ضربه الله للمنافقين، والمنافقون أصناف منهم من يظهر الإسلام ويبطن الكفر، ومنهم من قال فيه النبي ﵌ ثلاث من كن فيه كان منافقاً خالصاً ومن كانت فيه واحدة منهن كان فيه خصلة من النفاق حتى يدعها، من إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان وورد بلفظ أربع وزاد وإذا خاصم فجر، وورد بلفظ إذا عاهد غدر، وقد ذكر ابن جرير ومن تبعه من المفسرين أن هذين المثلين لصنف واحد من المنافقين.

стр. 127

(يا أيها الناس) لم يقع النداء في القرآن بغير " يا " من الأدوات والنداء في الأصل طلب الإقبال والمراد به هنا التنبيه وأي مبني على الضم في محل نصب والناس نعت لأي على اللفظ وحركته إعرابية وحركة أي بنائية، واستشكل رفع التابع مع عدم عامل الرفع، والنداء على سبع مراتب: نداء مدح كقوله: (يا أيها النبي) و (يا أيها الرسول)، ونداء ذم كقوله: (يا أيها الذين هادوا) (يا أيها الذين كفروا) ونداء تنبيه كقوله: (يا أيها الإنسان) (يا أيها الناس) ونداء إضافة كقوله: (يا عبادي) ونداء نسبة كقوله: (يا بني آدم) (يا بني إسرائيل)، ونداء تسمية كقوله: (يا داود) (يا إبراهيم)، ونداء تضيف كقوله:

стр. 128

(يا أهل الكتاب)، قاله الكرخى. قال ابن عباس (يا أيها الناس) خطاب لأهل مكة ويا أيها الذين آمنوا خطاب لأهل المدينة وهو هنا خطاب عام لسائر المكلفين، والحق أن ما قاله ابن عباس أكثري لا كُلّي، فإن البقرة والنساء والحجرات مدنيات وفاقاً، وقد قال في كل منها يا أيها الناس (١). (أعبدوا ربكم الذي خلقكم) قال ابن عباس وحدوا، وكل ما ورد في القرآن من العبادة قيل معناه التوحيد. وأصل العبادة غاية التذلل، وقد تقدم تفسيرها والمعنى ابتدع خلقكم من غير مثال سبق، وإنما خص نعمة الخلق وامتن بها عليهم لأن جميع النعم مترتبة عليها وهي أصلها الذي لا يوجد شيء منها بدونها، وأيضاً فالكفار يقرون بأن الله هو الخالق (ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله) فامتن عليهم بما يعترفون به فلا ينكرونه، وفي أصل معنى الخلق وجهان أحدهما التقدير يقال خلقت الأديم للسقاء إذا قدرته قبل القطع (الثاني) الإنشاء والاختراع والإبداع. (والذين من قبلكم) بالذات أو الزمان أي وخلقهم (لعلكم تتقون) ولعل أصلها الترجي والطمع والتوقع والإشفاق، وذلك مستحيل على الله تعالى ولكنه لما كان في المخاطبة منه للبشر كان بمنزلة قوله لهم افعلوا ذلك على الرجاء منكم والطمع، وبهذا قال جماعة من أهل العربية منهم سيبويه، وقيل بمعنى لام كي أي لتتقوا وبهذا قال جماعة منهم قطرب والطبري، وقيل إنها بمعنى التعرض للشيء كأنه قال متعرضين للتقوى وإليه مال أبو البقاء وغيره.

стр. 129

الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢) وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣)

стр. 130

(الذي جعل لكم الأرض فراشاً) أي خلق لكم الأرض بساطاً ووطاء مذللة ولم يجعلها حزنة لا يمكن القرار عليها، والحزن ما غلظ من الأرض، " وجعل " هنا بمعنى صير وجاء بمعنى صار وطفق وأوجد، والتصيير يكون بالفعل تارة وبالقول والعقد أخرى، والفراش وطاء يستقرون عليها، واستدل به أكثر المفسرين على أن شكل الأرض بسيط ليس بكروي. (والسماء بناء) أي سقفاً مرفوعاً قيل إذا تأمل المتفكر في العالم وجده كالبيت المعمور فيه كل ما يحتاج إليه فالسماء مرفوعة كالسقف، والأرض مفروشة كالبساط والنجوم كالمصابيح، والإنسان كمالك البيت، وفيه ضروب النبات المهيأة لمنافعه، وأصناف الحيوان مصروفة في مصالحه، فيجب على الإنسان المسخر له هذه الأشياء شكر الله تعالى عليها، والسماء اسم جنس يقع على الواحد والمتعدد، وقيل جمع سماة، والبناء مصدر سمى به المبنى بيتاً كان أو قبة أو خباء، وأصل البناء وضع لبنة على أخرى فجعل السماء كالقبة المضروبة عليهم، والسقف للبيت الذي يسكنونه كما قال (وجعلنا السماء سقفاً محفوظاً). (وأنزل من السماء) يعني السحاب (ماء) يعني المطر (فأخرج به) أي بذلك الماء (من الثمرات) جمع ثمرة (رزقاً لكم) والمعنى أخرجنا لكم ألواناً من الثمرات وأنواعاً من النبات، ليكون ذلك متاعاً لكم وعلفاً لدوابكم إلى حين، وهو قادر على أن يوجد الأشياء كلها بلا أسباب ومواد كما أبدع نفوس

стр. 131

الأسباب والمواد، ولكن له في الإنشاء مدرجاً من حال إلى حال صنائع وحكماً يجدد فيها لأولي الأبصار عبراً وسكوناً إلى عظيم قدرته ليس ذلك في إيجادها دفعة (فلا تجعلوا لله أنداداً) جمع ند وهو المثل والنظير، وفي جعله جمع نديد نظر (وأنتم تعلمون) بعقولكم أن هذه الأشياء والأمثال لا يصح جعلها أنداداً لله وأنه واحد خالق لجميع الأشياء وإنه لا مثل له ولا ند ولا ضد، وفي الآية دليل على وجوب استعمال الحجج وترك التقليد. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري في الأدب المفرد والنسائي وابن ماجة وأبو نعيم في الحلية عن ابن عباس قال: قال رجل للنبي ﷺ ما شاء الله وشئت قال " جعلتني لله نداً (١). ما شاء الله وحده " وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة والبيهقي عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان قولوا ما شاء الله ثم شاء فلان " وأخرج البخاري ومسلم عن ابن مسعود قال: قلت يا رسول الله أي الذنب أعظم؟ قال " أن تجعل لله نداً وهو خلقك ".

стр. 132

(وإن كنتم في ريب) أي شك لأن الله عليم بأنهم شاكون (مما نزلنا على عبدنا) أن القرآن أنزله على محمد- ﷺ وفيه التفات من الغيبة إلى التكلم

стр. 133

للتفخيم، لأن قبله اعبدوا ربكم فكان حق المقام أن يقول مما نزل على عبده والعبد مأخوذ من التعبد وهو التذلل، وعبدنا إضافة تشريف لمحمد ﷺ ، والتنزيل التدريج والتنجيم (فأتوا بسورة) أي من سورة، والسورة الطائفة من القرآن المسماة باسم خاص سميت بذلك لأنها مشتملة على كلماتها كاشتمال سور البلدة عليها، وأقل ما تتألف منه السورة ثلاث آيات استدل به من قال أنه يتعلق الإعجاز بأقل من سورة ورد به على من قال من المعتزلة بأنه يتعلق بجميع القرآن (من مثله) الضمير عائد على القرآن عند جمهور أهل العلم، وقيل على التوراة والإنجيل لأن المعنى إنها تصدق ما فيه، وقيل يعود على النبي ﷺ ، والمعنى من بشر مثل محمد- ﷺ أمي لا يكتب ولا يقرأ، والأول أوجه وأولى، ويدل عليه أن ذلك مطابق لسائر الآيات الواردة في التحدي، وإنما وقع الكلام في المنزل لا في المنزل عليه (وادعوا شهداءكم) جمع شهيد بمعنى الحاضر أو القائم بالشهادة أو المعاون، والمراد هنا الآلهة أي استعينوا بآلهتكم التي تعبدونها (من دون الله) وقيل المعنى وادعوا ناساً يشهدون لكم، ومعنى ْدون: أدنى مكان من الشيء واتسع فيه حتى استعمل في تخطي شيء إلى شيء آخر ومنه ما في هذه الآية، وله معان أخر منها التقصير عن الغاية والحقارة، والعرب تقول هذا دون ذلك أي أقرب منه (إن كنتم صادقين) فيما قلتم إنكم تقدرون على المعارضة. وهذا تعجيز لهم وبيان لانقطاعهم، أو أن محمداً ﷺ يقوله من تلقاء نفسه، والأول أولى، والصدق خلاف الكذب، وهو مطابقة الخبر للواقع أو الإعتقاد أو لهما على الخلاف المعروف في علم المعاني.

стр. 134

فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (٢٤) وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥)

стр. 135

(فإن لم تفعلوا) فيما مضى (ولن تفعلوا) ذلك فيما يأتي وتبين لكم عجزكم عن المعارضة وذلك أن النفوس الأبيَّة إذا قرعت بمثل هذا التقريع استفرغت الوسع في الإتيان بمثل القرآن أو بمثل سورة منه ولو قدروا على ذلك لأتوا به، فحيث لم يأتوا بشيء ظهرت المعجزة للنبي ﷺ وبان عجزهم، وهم أهل الفصاحة والبلاغة، والقرآن من جنس كلامهم وكانوا حراصاً على إطفاء نوره وإبطال أمره، ثم مع هذا الحرص الشديد لم توجد المعارضة من أحدهم ورضوا بسبي الذراري وأخذ الأموال والقتل، وإذا ظهر عجزهم عن المعارضة صح صدق رسول الله ﷺ ، وإذا كان الأمر كذلك وجب ترك العناد. وهذا من الغيوب التي أخبر بها القرآن قبل وقوعها لأنها لم تقع المعارضة من أحد من الكفرة في أيام النبوة وفيما بعدها وإلى الأن، وقد كرر الله سبحانه تحدي الكفار لهذا في مواضع من القرآن منها هذا، ومنها قوله تعالى في سورة القصص (قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم صادقين) وقال في سورة سبحان (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا) وقال في سورة هود (أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين) وقال في سورة يونس (أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين). وقد وقع الخلاف بين أهل العلم هل وجه الإعجاز في القرآن هو كونه

стр. 136

في الرتبة العلية من البلاغة الخارجة عن طوق البشر أو كان العجز عن المعارضة الصرفة من الله سبحانه لهم عن أن يعارضوه، والحق الأول فإن القرآن يأتي تارة بالقصة باللفظ الطويل، ثم يعيدها باللفظ الوجيز ولا يخل بالمقصود، وأنه فارقت أساليبه أساليب الكلام وأوزانه أوزان الأشعار والخطب والرسائل ولهذا تحدت العرب به فعجزوا عنه وتحيروا فيه واعترفوا بفضله، وهم معدن البلاغة وفرسان الفصاحة حتى قال الوليد بن المغيرة في وصف القرآن: إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أصله لمغدق وإن أعلاه لمثمر، والكلام في هذا مبسوط في مواطنه. (فاتقوا النار) بالإيمان بالله وكتبه ورسله والقيام بفرائضه واجتناب مناهيه وقيل المعنى فاحترزوا من إنكار كونه منزلاً من عند الله فإنه مستوجب للعقاب بالنار (التي وقودها الناس والحجارة) أي حطبها والوقود بالفتح الحطب وبالضم التوقد، وقيل كل من الفتح والضم يجري في الآلة والمصدر والمراد بالحجارة الأصنام التي كانوا يعبدونها لأنهم قرنوا أنفسهم بها في الدنيا فجعلت وقوداً للنار معهم، ويدل على هذا قوله تعالى (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم) وقيل المراد بها حجارة الكبريت لأنها أكثر التهاباً قاله ابن عباس، وقيل جميع الحجارة، وفيه دليل على عظم تلك النار وقوتها وفي هذا من التهويل ما لا يقادر قدره من كون هذه النار تتقد بالناس والحجارة فأوقدت بنفس ما يراد إحراقه بها. (أعدت للكافرين) أي لمن كان مثل ما أنتم عليه من الكفر، قاله ابن عباس والمعنى جعلت عدة لعذابهم وهيئت لذلك، واخرج ابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان عن أنس قال تلا رسول الله ﵌ هذه الآية وقودها الناس والحجارة قال أوقد عليها ألف عام حتى احمرت وألف عام حتى ابيضت وألف عام حتى اسودت فهي سوداء مظلمة لا يطفأ لهبها، وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي وابن مردويه والبيهقي عن أبي هريرة مرفوعاً مثله،

стр. 137

وأخرج أحمد ومالك والبخاري ومسلم عن أبي هريرة أن رسول الله ﵌ قال نار بني آدم التي يوقدون جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم قالوا يا رسول الله إن كانت لكافية قال فإنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءاً كلهن مثل حرها. وعن أبي هريرة قال أترونها حمراء مثل ناركم هذه التي توقدون، إنها لأشد سواداً من القار، والآية دلت على أنها مخلوقة الآن إذ الإخبار عن إعدادها بلفظ الماضي دليل على وجودها وإلا لزم الكذب في خبر الله تعالى، فما زعمته المعتزلة من أنها تخلق يوم الجزاء مردود، وتأويلهم بأنه يعبر عن المستقبل بالماضي لتحقق الوقوع ومثله كثير في القرآن مدفوع بأنه خلاف الظاهر، ولا يصار إليه إلا بقرينة، والأحاديث الصحيحة المتقدمة تدفعه.

стр. 138

(وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات) لما ذكر تعالى جزاء الكافرين عقبه بجزاء المؤمنين ليجمع بين الترغيب والترهيب، والوعد والوعيد كما هي عادته في كتابه العزيز لما في ذلك من تنشيط عباده المؤمنين لطاعاته، وتثبيط عباده الكافرين عن معاصيه، والتبشير الإخبار بما يظهر أثره على البشرة وهي الجلدة الظاهرة من البشر والسرور، والمأمور بالتبشير قيل هو النبي ﷺ وقيل هو كل أحد كما في قوله ﷺ " بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة " والصالحات الأعمال المستقيمة، والمراد هنا الأعمال المطلوبة منهم المفترضة عليهم، وفيه رد على من يقول أن الإيمان بمجرده يكفي، فالجنة تنال بالإيمان والعمل الصالح قيل هو ما كان فيه أربعة أشياء العلم والنية والصبر والإخلاص، يعني عن الرياء قاله عثمان. (أن لهم جنات) جمع جنة وهي البساتين وإنما سميت جنات لأنها تجن من فيها أي تستره بشجرها أو تسترها بالأشجار والأوراق، وقيل الجنة ما فيه نخل والفردوس ما فيه كرم وهي اسم لدار الثواب كلها وهي مشتملة على جنات كثيرة (تجري) أي على ظهر الأرض من غير حفيرة بل هي متماسكة

стр. 139

بقدرة الله (من تحتها) أي تحت الجنات لاشتمالها على الأشجار أي من تحت أشجارها، قال مسروق إنها تجري من غير أخدود (الأنهار) جمع نهر وهو المجرى الواسع فوق الجدول ودون البحر كالنيل والفرات، والمراد الماء الذي يجري فيها لأن الأنهار لا تجري، واسند الجري إليها مجازاً فالجاري حقيقة هو الماء كما في قوله تعالى (واسأل القرية التي كنا فيها) أي أهلها، والنهر يجوز فيه فتح الهاء وسكونها وكذا كل ما عينه حرف حلقي، وجمع الأول أنهر، وجمع الآخر أنهار، وأخرج ابن أبي حاتم وابن حبان والطبراني والحاكم وابن مردويه والبيهقي في البعث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ " أنهار الجنة تفجر من تحت جبال مسك ". (كلما رزقوا منها من ثمرة رزقاً) أي أطعموا من الجنة طعاماً والمراد بثمرة النوع لا الفرد قاله سعد التفتازاني، وأطال الكلام فيه (قالوا هذا الذي رزقنا من قبل) في الدنيا (وأتوا به متشابها) وصف آخر للجنات أو جملة مستأنفة والمراد أنه شبيهه ونظيره لا أنه هو، لأن ذات الحاضر لا يكون عين ذات الغائب لاختلافهما، وذلك أن اللون يشبه اللون وإن كان الحجم والطعم والرائحة والمأدبة متخالفة والضمير في " به " عائد إلى الرزق وقيل المراد أنهم أتوا بما يرزقونه في الجنة متشابهاً فما يأتيهم في أول النهار يشابه الذي يأتيهم في آخره فيقولون هذا الذي رزقنا من قبل، فإذا أكلوا وجدوا له طعماً غير طعم الأول، عن ابن عباس ليس في الدنيا مما في الجنة شيء إلا الأسماء، وعن الحسن في قوله (متشابهاً) قال خيار كله يشبه بعضه بعضاً لا رذال فيه ألم تروا إلى ثمار الدنيا كيف ترذلون بعضه. وعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : " أهل الجنة يأكلون ويشربون ولا يبولون ولا يتغوطون ولا يمتخطون ولا يبزقون، يلهمون الحمد والتسبيح كما يلهمون النفس، طعامهم جشاء، ورشحهم كرشح المسك، وفي لفظ ورشحهم المسك " أخرجه مسلم، والمعنى أن فضول طعامهم يخرج في الجشاء وهو تنفس المعدة، والرشح العرق.

стр. 140

(ولهم فيها أزواج مطهرة) أي في الجنات من الحور العين المطهرة من البول والغائط والحيض والولد وسائر الأقذار، وقيل هي عجائز الدنيا الغمص العمش طهرن من قذرات الدنيا وقيل طهرن من مساوي الأخلاق والمعنى أنه لا يصيبهن ما يصيب النساء من قذر الحيض والنفاس والغائط والبزاق والنخامة، وسائر الأدناس التي لا يمتنع تعلقها بنساء الدنيا، والأزواج جمع زوج وهو ما يكون معه آخر فيقال زوج للرجل والمرأة، وزوجة بالتاء قليل وأنها لغة تميم قاله الفراء، والزوج أيضاً الصنف والتثنية زوجان، والطهارة النظافة (وهم فيها خالدون) أي ماكثون أبداً، والخلد والخلود البقاء الدائم الذي لا ينقطع، وقد يستعمل مجازاً فيما يطول دام أم لم يدم، والمراد هنا الأول لما يشهد له الآيات والأحاديث، والمعنى لا يخرجون منها ولا يموتون. وعن ابن عباس في قوله (وهم فيها خالدون) قال يخبرهم أن الثواب بالخير والشر مقيم على أهله أبداً لا انقطاع له، وعن سعيد بن جبير خالدون يعني لا يموتون، وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال " يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ثم يقوم مؤذن بينهم يا أهل النار لا موت، يا أهل الجنة لا موت، كل خالد فيما هو فيه (١) " وأخرج الطبراني وابن

стр. 141

مردويه وأبو نعيم من حديث ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ " لو قيل لأهل النار إنكم ماكثون في النار عدد كل حصاة في الدنيا لفرحوا، ولو قيل لأهل الجنة إنكم ماكثون عدد كل حصاة لحزنوا ولكن جعل لهم الأبد. وقد أخرج ابن ماجة وابن أبي الدنيا في صفة الجنة والبزار وابن أبي حاتم وابن حبان والبيهقي وابن مردويه عن أسامة بن زيد قال رسول الله ﷺ " ألا هل مشمر للجنة فإن الجنة لا خطر لها هي ورب الكعبة نور يتلألأ وريحانة تهتز وقصر مشيد، ونهر مطرد، وثمرة نضيجة، وزوجة حسناء جميلة، وحلل كثيرة، ومقام في أبد، في دار سليمة وفاكهة خضراء " الحديث. والأحاديث في وصف الجنة كثيرة جداً ثابتة في الصحيحين وغيرهما، وكذلك في صفات نساء أهل الجنة ما لا يتسع المقام لبسطه، فلينظر في دواوين الإسلام، وقد ألف الحافظ محمد بن أبي بكر القيم الجوزي كتاباً في أحوال الجنة سماه (حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح) لم يؤلف في الإسلام قبله مثله، وهو أجمع ما جمع في هذا الباب، وقد لخصته بحذف الزوائد والأسانيد وسميته (مثير ساكن الغرام إلى روضات دار السلام) فليرجع إليه، وقد ثبت عن النبي ﷺ في صفات أهل الجنة في الصحيحين وغيرهما من طريق جماعة من الصحابة أن أهل الجنة لا يبصقون ولا يتمخطون ولا يتغوطون.

стр. 142

إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (٢٦)

стр. 143

(إن الله لا يستحي أن يضرب مثلاً ما بعوضة) أنزل الله هذه الآية رداً على الكفار لما أنكروا ما ضربه سبحانه من الأمثال كقوله (مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً) قوله (أو كصيب من السماء) فقالوا إن الله أجل وأعلى من أن يضرب الأمثال، وقد قال الرازي أن الله تعالى لما بين الدليل كون القرآن معجزاً أورد ههنا شبهة أوردها الكفار قدحاً في ذلك؛ وأجاب عنها، وتقرير الشبهة أنه جاء في القرآن ذكر النحل والعنكبوت والنمل، وهذه الأشياء لا يليق ذكرها بكلام الفصحاء؛ فاشتمال القرآن عليها يقدح في فصاحته فضلاً عن كونه معجزاً؛ وأجاب الله عنها بأن صغر هذه الأشياء لا يقدح في الفصاحة إذا كان ذكرها مشتملاً على حكمة بالغة انتهى. ولا يخفاك أن تقرير هذه الشبهة على هذا الوجه وإرجاع الإنكار إلى مجرد الفصاحة لا مستند له ولا دليل عليه؛ وقد تقدمه إلى شيء من هذا صاحب الكشاف؛ والظاهر ما ذكرناه أولاً لكون هذه الآية جاءت بعقب المثلين اللذين هما مذكوران قبلها؛ ولا يستلزم استنكارهم لضرب الأمثال بالأشياء المحقرة أن يكون ذلك لكونه قادحاً في الفصاحة والإعجاز، والحياة تغير وانكسار يعتري الإنسان من تخوف ما يعاب به ويذم، كذا في الكشاف وتبعه الرازي في مفاتيح الغيب، وقال القرطبي الاستحياء الانقباض عن الشيء والإمتناع منه خوفاً من مواقعة القبيح، وهذا محال على الله انتهى. وقد اختلفوا في تأويل ما في هذه الآية من ذكر الحياة فقيل ساغ ذلك لكونه واقعاً في الكلام المحكى عن الكفار، وقيل هو من باب المشاكلة كما

стр. 144

تقدم، وقيل هو جار على سبيل التمثيل، وضرب المثل اعتماده وصنعه، والبعوض صغار البق، الواحدة بعوضة سميت بذلك لصغرها، قاله الجوهري وغيره، وهو من عجيب خلق الله في غاية الصغر شديد اللسع وله ستة أرجل وأربعة أجنحة وله ذنب وخرطوم مجوف، وهو مع صغره يغوص خرطومه في جلد الفيل والجاموس والجمل فيبلغ منه الغاية. (فما فوقها) يعني الذباب والعنكبوت وما هو أعظم منهما في الجثة، قال الكسائي والفراء، الفاء هنا بمعنى إلى، وقيل معناه فما دونها وأصغر منها، وهذا القول أشبه بالآية لأن الغرض بيان أن الله تعالى لا يمتنع من التمثيل بالشيء الصغير الحقير، وقد ضرب النبي ﷺ مثلاً للدنيا بجناح البعوضة وهو أصغر منها، وقد ضربت العرب المثل بالمحقرات فقيل هو أحقر من ذرة، وأجمع من نملة، وأطيش من فراشة، وألح من ذبابة. (فأما الذين آمنوا) بمحمد- ﷺ والقرآن (فيعلمون أنه) يعني ضرب المثل (الحق) أي الثابت الواقع موقعه، وهو المقابل للباطل، والحق واحد الحقوق، والمراد هنا الأول، وقد اتفق المسلمون على أنه يجوز إطلاق هذا اللفظ على الله سبحانه (من ربهم) لا يجوز إنكاره لأن ضرب الأمثال من الأمور المستحسنة في العقل وعند العرب (وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلاً) أي بهذا المثل، والإرادة نقيض الكراهة، وقيل هي نزوع أي اشتياق النفس وميلها إلى فعل بحيث يحملها عليه، أو هي قوة هي مبدأ النزوع، والأول مع الفعل، والثاني قبله، وإرادته سبحانه ترجيح أحد مقدوريه على الآخر بالإيقاع أو معنى يوجب هذا الترجيح، والإرادة صفة له ذاتية قديمة زائدة على العلم. (يضل به كثيراً) أي من الكفار، وذلك أنهم يكذبونه فيزدادون به ضلالاً (ويهدي به كثيراً) يعني المؤمنين يصدقونه ويعلمون أنه حق، وهو كالتفسير للجملتين السابقتين المصدرتين بإما فهو خبر من الله سبحانه، وقيل هو حكاية لقول الكافرين كأنهم قالوا ما مراد الله بهذا المثل الذي يفرق به الناس إلى ضلالة وإلى هدى، وليس هذا بصحيح، فإن الكافرين لا يقرون بأن في

стр. 145

القرآن شيئاً من الهداية، ولا يعترفون على أنفسهم بشيء من الضلالة. وقد أطال المتكلمون الخصام في تفسير الضلال المذكور هنا وفي نسبته إلى الله سبحانه وقد نقح الرازي في تفسيره في هذا الموضع تنقيحاً نفيساً، وجوده وطوله وأوضح فروعه وأصوله فليرجع إليه فإنه مفيد جداً، وأما صاحب الكشاف فقد اعتمد هنا على عصاه التي يتوكأ عليها في تفسيره، فجعل إسناد الإضلال إلى الله سبحانه لكونه سبباً فهو من الإسناد المجازي إلى ملابس للفاعل الحقيقي، وحكى القرطبي عن أهل الحق من المفسرين أن المراد بقوله يضل يخذل. (وما يضل به إلا الفاسقين) يعني الكافرين وقيل المنافقين وقيل اليهود، ولا خلاف في أن هذا من كلام الله سبحانه، قال القرطبي، فيه دلالة لمذهب أهل السنة أن الهدى والضلال من الله، والفسق الخروج عن الشيء، ذكر معنى هذا الفراء، وقد زعم ابن الإعرابي أنه لم يسمع قط في كلام الجاهلية ولا في شعرهم " فاسق " وهذا مردود عليه فقد حكى ذلك عن العرب وأنه من كلامهم جماعة من أئمة اللغة كابن فارس والجوهري وابن الأنباري وغيرهم. وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال " خمس فواسق " الحديث، وقال في الكشاف الفسق الخروج عن القصد، ثم قال والفاسق في الشريعة الخارج عن أمر الله بارتكاب الكبيرة ١هـ. وقال القرطبي الفسق في عرف الإستعمال الشرعي الخروج عن طاعة الله فقد يقع على من خرج بكفر، وعلى من خرج بعصيان ١هـ. وهذا هو أنسب للمعنى اللغوي، ولا وجه لقصره على بعض الخارجين دون بعض. قال الرازي في تفسيره واختلف أهل القبلة هل هو مؤمن أو كافر، فعند أصحابنا هو مؤمن، وعند الخوارج أنه كافر، وعند المعتزلة أنه لا مؤمن ولا كافر، واحتج المخالف بقوله (بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان) قوله (إن المنافقين هم الفاسقون) وقوله (حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبهم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان) وهذه المسألة طويلة مذكورة في علم الكلام إهـ.
следующие страницы →