مردويه وأبو نعيم من حديث ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ " لو قيل لأهل النار إنكم ماكثون في النار عدد كل حصاة في الدنيا لفرحوا، ولو قيل لأهل الجنة إنكم ماكثون عدد كل حصاة لحزنوا ولكن جعل لهم الأبد. وقد أخرج ابن ماجة وابن أبي الدنيا في صفة الجنة والبزار وابن أبي حاتم وابن حبان والبيهقي وابن مردويه عن أسامة بن زيد قال رسول الله ﷺ " ألا هل مشمر للجنة فإن الجنة لا خطر لها هي ورب الكعبة نور يتلألأ وريحانة تهتز وقصر مشيد، ونهر مطرد، وثمرة نضيجة، وزوجة حسناء جميلة، وحلل كثيرة، ومقام في أبد، في دار سليمة وفاكهة خضراء " الحديث.
والأحاديث في وصف الجنة كثيرة جداً ثابتة في الصحيحين وغيرهما، وكذلك في صفات نساء أهل الجنة ما لا يتسع المقام لبسطه، فلينظر في دواوين الإسلام، وقد ألف الحافظ محمد بن أبي بكر القيم الجوزي كتاباً في أحوال الجنة سماه (حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح) لم يؤلف في الإسلام قبله مثله، وهو أجمع ما جمع في هذا الباب، وقد لخصته بحذف الزوائد والأسانيد وسميته (مثير ساكن الغرام إلى روضات دار السلام) فليرجع إليه، وقد ثبت عن النبي ﷺ في صفات أهل الجنة في الصحيحين وغيرهما من طريق جماعة من الصحابة أن أهل الجنة لا يبصقون ولا يتمخطون ولا يتغوطون.
(إن الله لا يستحي أن يضرب مثلاً ما بعوضة) أنزل الله هذه الآية رداً على الكفار لما أنكروا ما ضربه سبحانه من الأمثال كقوله (مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً) قوله (أو كصيب من السماء) فقالوا إن الله أجل وأعلى من أن يضرب الأمثال، وقد قال الرازي أن الله تعالى لما بين الدليل كون القرآن معجزاً أورد ههنا شبهة أوردها الكفار قدحاً في ذلك؛ وأجاب عنها، وتقرير الشبهة أنه جاء في القرآن ذكر النحل والعنكبوت والنمل، وهذه الأشياء لا يليق ذكرها بكلام الفصحاء؛ فاشتمال القرآن عليها يقدح في فصاحته فضلاً عن كونه معجزاً؛ وأجاب الله عنها بأن صغر هذه الأشياء لا يقدح في الفصاحة إذا كان ذكرها مشتملاً على حكمة بالغة انتهى.
ولا يخفاك أن تقرير هذه الشبهة على هذا الوجه وإرجاع الإنكار إلى مجرد الفصاحة لا مستند له ولا دليل عليه؛ وقد تقدمه إلى شيء من هذا صاحب الكشاف؛ والظاهر ما ذكرناه أولاً لكون هذه الآية جاءت بعقب المثلين اللذين هما مذكوران قبلها؛ ولا يستلزم استنكارهم لضرب الأمثال بالأشياء المحقرة أن يكون ذلك لكونه قادحاً في الفصاحة والإعجاز، والحياة تغير وانكسار يعتري الإنسان من تخوف ما يعاب به ويذم، كذا في الكشاف وتبعه الرازي في مفاتيح الغيب، وقال القرطبي الاستحياء الانقباض عن الشيء والإمتناع منه خوفاً من مواقعة القبيح، وهذا محال على الله انتهى.
وقد اختلفوا في تأويل ما في هذه الآية من ذكر الحياة فقيل ساغ ذلك لكونه واقعاً في الكلام المحكى عن الكفار، وقيل هو من باب المشاكلة كما
стр. 144
تقدم، وقيل هو جار على سبيل التمثيل، وضرب المثل اعتماده وصنعه، والبعوض صغار البق، الواحدة بعوضة سميت بذلك لصغرها، قاله الجوهري وغيره، وهو من عجيب خلق الله في غاية الصغر شديد اللسع وله ستة أرجل وأربعة أجنحة وله ذنب وخرطوم مجوف، وهو مع صغره يغوص خرطومه في جلد الفيل والجاموس والجمل فيبلغ منه الغاية.
(فما فوقها) يعني الذباب والعنكبوت وما هو أعظم منهما في الجثة، قال الكسائي والفراء، الفاء هنا بمعنى إلى، وقيل معناه فما دونها وأصغر منها، وهذا القول أشبه بالآية لأن الغرض بيان أن الله تعالى لا يمتنع من التمثيل بالشيء الصغير الحقير، وقد ضرب النبي ﷺ مثلاً للدنيا بجناح البعوضة وهو أصغر منها، وقد ضربت العرب المثل بالمحقرات فقيل هو أحقر من ذرة، وأجمع من نملة، وأطيش من فراشة، وألح من ذبابة.
(فأما الذين آمنوا) بمحمد- ﷺ والقرآن (فيعلمون أنه) يعني ضرب المثل (الحق) أي الثابت الواقع موقعه، وهو المقابل للباطل، والحق واحد الحقوق، والمراد هنا الأول، وقد اتفق المسلمون على أنه يجوز إطلاق هذا اللفظ على الله سبحانه (من ربهم) لا يجوز إنكاره لأن ضرب الأمثال من الأمور المستحسنة في العقل وعند العرب (وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلاً) أي بهذا المثل، والإرادة نقيض الكراهة، وقيل هي نزوع أي اشتياق النفس وميلها إلى فعل بحيث يحملها عليه، أو هي قوة هي مبدأ النزوع، والأول مع الفعل، والثاني قبله، وإرادته سبحانه ترجيح أحد مقدوريه على الآخر بالإيقاع أو معنى يوجب هذا الترجيح، والإرادة صفة له ذاتية قديمة زائدة على العلم.
(يضل به كثيراً) أي من الكفار، وذلك أنهم يكذبونه فيزدادون به ضلالاً (ويهدي به كثيراً) يعني المؤمنين يصدقونه ويعلمون أنه حق، وهو كالتفسير للجملتين السابقتين المصدرتين بإما فهو خبر من الله سبحانه، وقيل هو حكاية لقول الكافرين كأنهم قالوا ما مراد الله بهذا المثل الذي يفرق به الناس إلى ضلالة وإلى هدى، وليس هذا بصحيح، فإن الكافرين لا يقرون بأن في
стр. 145
القرآن شيئاً من الهداية، ولا يعترفون على أنفسهم بشيء من الضلالة.
وقد أطال المتكلمون الخصام في تفسير الضلال المذكور هنا وفي نسبته إلى الله سبحانه وقد نقح الرازي في تفسيره في هذا الموضع تنقيحاً نفيساً، وجوده وطوله وأوضح فروعه وأصوله فليرجع إليه فإنه مفيد جداً، وأما صاحب الكشاف فقد اعتمد هنا على عصاه التي يتوكأ عليها في تفسيره، فجعل إسناد الإضلال إلى الله سبحانه لكونه سبباً فهو من الإسناد المجازي إلى ملابس للفاعل الحقيقي، وحكى القرطبي عن أهل الحق من المفسرين أن المراد بقوله يضل يخذل.
(وما يضل به إلا الفاسقين) يعني الكافرين وقيل المنافقين وقيل اليهود، ولا خلاف في أن هذا من كلام الله سبحانه، قال القرطبي، فيه دلالة لمذهب أهل السنة أن الهدى والضلال من الله، والفسق الخروج عن الشيء، ذكر معنى هذا الفراء، وقد زعم ابن الإعرابي أنه لم يسمع قط في كلام الجاهلية ولا في شعرهم " فاسق " وهذا مردود عليه فقد حكى ذلك عن العرب وأنه من كلامهم جماعة من أئمة اللغة كابن فارس والجوهري وابن الأنباري وغيرهم.
وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال " خمس فواسق " الحديث، وقال في الكشاف الفسق الخروج عن القصد، ثم قال والفاسق في الشريعة الخارج عن أمر الله بارتكاب الكبيرة ١هـ. وقال القرطبي الفسق في عرف الإستعمال الشرعي الخروج عن طاعة الله فقد يقع على من خرج بكفر، وعلى من خرج بعصيان ١هـ. وهذا هو أنسب للمعنى اللغوي، ولا وجه لقصره على بعض الخارجين دون بعض.
قال الرازي في تفسيره واختلف أهل القبلة هل هو مؤمن أو كافر، فعند أصحابنا هو مؤمن، وعند الخوارج أنه كافر، وعند المعتزلة أنه لا مؤمن ولا كافر، واحتج المخالف بقوله (بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان) قوله (إن المنافقين هم الفاسقون) وقوله (حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبهم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان) وهذه المسألة طويلة مذكورة في علم الكلام إهـ.
(الذين ينقضون عهد الله) النقض إفساد ما أبرم من بناء أو حبل أو عهد، والنقاضة ما نقض من حبل الشعر، وقيل أصل النقض الفسخ وفك المركب، والمعنى متقارب، والمعنى يتركون ويخالفون، وأصل العهد حفظ الشيء ومراعاته حالاً بعد حال والعهد قيل هو الذي أخذه الله على بني آدم حين استخرجهم من ظهره وهو قوله (ألست بربكم قالوا بلى) وقيل هو وصية الله إلى خلقه وأمره إياهم بما أمرهم به من طاعته، ونهيه إياهم عما نهاهم عنه من معصيته في كتبه على ألسن رسله، ونقضهم ذلك ترك العمل به، وقيل بل هو نصب الأدلة على وحدانيته بالسموات والأرض وسائر مخلوقاته، ونقضه ترك النظر فيه، وقيل هو ما عهده إلى الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس.
(من بعد ميثاقه) الضمير للعهد أو لله تعالى، قاله السمين، وعلى الأول مصدر مضاف إلى المفعول، وعلى الثاني مضاف للفاعل، " ومن " لابتداء الغاية فإن ابتداء النقض بعد الميثاق، والميثاق العهد المؤكد باليمين مفعال من الوثاقة وهي الشدة في العقد والربط جميعاً، والجمع المواثيق والمياثيق، واستعمال النقض في إبطال العهد على سبيل الإستعارة.
(ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل) القطع معروف والمصدر في الرحم القطيعة، واختلفوا ما هو الشيء الذي أمر الله بوصله فقيل الأرحام وموالاة
стр. 148
المؤمنين، وقيل وصل القول بالعمل لزوم الجماعات المفروضة، وقيل أمر أن يوصل التصديق بجميع أنبيائه فقطعوه بتصديق بعضهم وتكذيب البعض الآخر، وقيل المراد به حفظ شرائعه وحدوده التي أمر في كتبه المنزلة على ألسن رسله بالمحافظة عليها، وقيل سائر ما فيه رفض خير أو تعاطي شر، فإنه يقطع الوصلة بين الله وبين عبده فهي عامة، وبه قال الجمهور وهو الحق، والأمر هو القول الطالب للفعل، وقيل مع العلو، وقيل مع الاستعلاء، وبه الأمر الذي هو واحد الأمور تسمية للمفعول به بالمصدر فإنه مما يؤمر به.
(ويفسدون في الأرض) يعني بالمعاصي وتعويق الناس عن الإيمان بمحمد ﵌ والقرآن والاستهزاء بالحق وقطع الوصل التي بها نظام العالم وصلاحه، فالمراد بالفساد في الأرض الأفعال والأقوال المخالفة لما أمر الله به كعبادة غيره، والإضرار بعباده، وتغيير ما أمر بحفظه، وبالجملة فكل ما خالف الصلاح شرعاً أو عقلاً فهو فساد، وهؤلاء لما استبدلوا النقض بالوفاء، والقطع بالوصل كان عملهم فساداً لما نقضوا أنفسهم من الفلاح والربح، وعن قتادة قال ما نعلم الله أوعد في ذنب ما أوعد في نقض هذا الميثاق، فمن أعطى عهد الله وميثاقه من ثمرة قلبه فليوف به الله، وقد ثبت عن رسول الله ﵌ في أحاديث ثابتة في الصحيح وغيره من طريق جماعة من الصحابة النهي عن نقض العهد والوعيد الشديد عليه.
(أولئك هم الخاسرون) أي المغبونون بإهمال العقل عن النظر، واقتناص ما يفيدهم الحياة الأبدية، وأصل الخسار والخسران النقصان، والخاسر هو الذي نقص نفسه من الفلاح والفوز، قال مقاتل: الخاسرون هم أهل النار، وقال ابن عباس كل شيء نسبه الله إلى غير أهل الإسلام مثل خاسر ومسرف وظالم ومجرم وفاسق فإنما يعني به الكفر، وما نسبه إلى أهل الإسلام فإنما يعني به الذم.
стр. 149
(كيف) هو للسؤال عن الأحوال، والمراد هنا الأحوال التي يقع عليها
стр. 150
الكفر على الطريق البرهاني من العسر واليسر والسفر والإقامة والكبر والصغر والعز والذل وغير ذلك، وهذا الاستفهام هو للإنكار عليهم والتعجيب من حالهم، وفيه تبكيت وتعنيف لهم (تكفرون بالله) بعد نصب الدلائل ووضع البراهين الدالة على وحدانيته، والخطاب على طريقة الإلتفات ثم ذكر الدلائل فقال (وكنتم أمواتاً) يعني نطفاً في أصلاب آبائكم وعلقاً ومضغاً (فأحياكم) يعني في الأرحام بنفخ الروح وفي الدنيا (ثم يميتكم) أي عند انقضاء آجالكم (ثم يحييكم) بالنشور يوم نفخ الصور، واختلف المفسرون في ترتيب هاتين الموتتين والحياتين، والحاصل أن المراد بالموت الأول العدم السابق، وبالحياة الأولى الخلق، وبالموت الثاني الموت المعهود، وبالحياة الثانية الحياة للبعث، فجاءت الفاء وثم على بابيهما من التعقيب والتراخي على هذا التفسير، وهو أحسن الأقوال، وقد ذهب إلى هذا جماعة من الصحابة فمن بعدهم.
قال ابن عطية وهذا القول هو المراد بالآية وهو الذي لا محيد للكفار عنه، وإذا أذعنت نفوس الكفار بكونهم كانوا معدومين ثم أحياء في الدنيا ثم أمواتاً فيها لزمهم الإقرار بالحياة الأخرى، قال غيره والحياة التي تكون في القبر على هذا التأويل في حكم حياة الدنيا، وقيل أن المراد كنتم أمواتاً في ظهر آدم ﵇ ثم أخرجكم من ظهره كالذر ثم يميتكم موت الدنيا ثم يبعثكم، وقيل كنتم أمواتاً أي نطفاً في أصلاب الرجال ثم يحييكم حياة الدنيا، ثم يميتكم بعد هذه الحياة ثم يحييكم في القبور ثم يميتكم فيها ثم يحمييكم الحياة التي ليس بعدها موت، قال القرطبي فعلى هذا التأويل هي ثلاث موتات وثلاث، إحياءات، وكونهم موتى في ظهر آدم وإخراجهم من ظهره والشهادة عليهم غير كونهم نطفاً في أصلاب الرجال، فعلى هذا يجيء أربع موتات وأربع إحياءات، وقد قيل إن الله أوجدهم قبل خلق آدم كالبهائم وأماتهم فيكون على هذا خمس موتات وخمس إحياءات، وموتة سادسة للعصاة من أمة محمد ﵌ كما ورد في الحديث " ولكن ناساً أصابتهم النار بذنوبهم فأماتهم الله إماتة حتى إذا كانوا فحماً أذن في الشفاعة فجيء بهم إلى أن قال:
стр. 151
فينبتون نبات الحبة في حميل السيل " وهو في الصحيح من حديث أبي سعيد.
(ثم إليه ترجعون) أي تردون في الآخرة إلى الله سبحانه فيجازيكم بأعمالكم، قال في الكشاف عطف الأول بالفاء وما بعده بثم، لأن الاحياء الأول قد تعقب الموت بغير تراخ، وأما الموت فقد تراخى عن الإحياء، والإحياء الثاني كذلك متراخ عن الموت إن أريد به النشور تراخياً ظاهراً، وإن أريد به إحياء القبر فمنه يكتسب العلم بتراخيه، والرجوع إلى الجزاء أيضاً متراخ عن النشور، انتهى.
ولا يخفاك أنه إن أراد بقوله إن الإحياء الأول قد تعقب الموت أنه وقع على ما هو متصف بالموت فالموت الآخر وقع على ما هو متصف بالحياة وإن أراد أنه وقع الإحياء الأول عند أول اتصافه بالموت بخلاف الثاني فغير مسلم فإنه وقع عند آخر أوقات موته كما وقع الثاني عند آخر أوقات حياته، فتأمل هذا، وقد أخرج ابن جرير عن ابن مسعود وناس من الصحابة قال لم تكونوا شيئاً فخلقكم ثم يميتكم ثم يحييكم يوم القيامة.
стр. 152
(هو الذي خلق لكم ما في الأرض) قال ابن كيسان أي خلق من أجلكم ما فيها من المعادن والنبات والحيوان والجبال والبحار لتنتفعوا به في مصالح الدين والدنيا، أما الدين فهو الاعتبار والتفكر في عجائب مخلوقات الله الدالة على وحدانيته، وأما الدنيا فهو الانتفاع بما خلق فيها، وقيل اللام للاختصاص، وقيل للملك والإباحة، وفيه دليل على أن الأصل في الأشياء المخلوقة الإباحة حتى يقوم دليل يدل على النقل عن هذا الأصل، ولا فرق بين الحيوانات وغيرها مما ينتفع به من غير ضرر، وفي التأكيد بقوله (جميعاً) أقوى دلالة على هذا.
وقد استدل بهذه الآية على تحريم أكل الطين لأنه تعالى خلق لنا ما في الأرض، دون نفس الارض، وقال الرازي في تفسيره إن لقائل أن يقول أن في جملة الأرض ما يطلق عليه أنه في الارض فيكون جامعاً للوصفين، ولا شك
стр. 153
أن المعادن داخلة في ذلك، وكذلك عروق الأرض وما يجري مجرى البعض لها، ولأن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي الحكم عما عداه إهـ.
وقد ذكر صاحب الكشاف ما هو أوضح من هذا فقال: فإن قلت هل لقول من زعم أن المعنى خلق لكم الأرض وما فيها وجه صحة. قلت إن أراد بالأرض الجهات السفلية دون الغبراء كما تذكر السماء وتراد الجهات العلوية جاز ذلك فإن الغبراء وما فيها واقعة في الجهات السفلية أهـ. وأما التراب فقد ورد في السنة تحريمه وهو أيضاً ضار ليس مما ينتفع به أكلاً، ولكنه ينتفع به في منافع أخرى، وليس المراد منفعة خاصة كمنفعة الأكل بل كل ما يصدق عليه أنه ينتفع به بوجه من الوجوه، وأما السم القاتل ففيه نفع لأجل دفع الحيوانات المؤذية وقتلها فلا يراد أنه لا نفع فيه.
(ثم استوى إلى السماء) أي قصد وأقبل على خلقها. وقيل عمد، وقال ابن عباس ارتفع وقال الأزهري صعد أمره، وكذا ذكره صاحب المحكم، وذلك أن الله خلق الأرض أولاً ثم عمد إلى خلق السماء، وأصل " ثم " يقتضي تراخياً زمانياً ولا زمان هنا فقيل هي إشارة إلى التراخي بين رتبتي خلق الأرض والسماء. قاله القرطبي، والاستواء في اللغة الاعتدال والانتصاب والاستقامة، وضده الاعوجاج قاله في الكشاف والرازي، ويطلق على الإرتفاع والعلو على الشيء، قال تعالى: (فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك) وقال (لتستووا على ظهوره) وهذا المعنى هو المناسب لهذه الآية.
وقد قيل إن هذه الآية من المشكلات، وقد ذهب كثير من الأئمة إلى الإيمان بها وترك التعرض لتفسيرها، وخالفهم آخرون، وقد استدل بقوله (ثم استوى) على أن خلق الأرض متقدم على خلق السماء، وكذلك الآية التي في (حم) السجدة وقال تعالى في النازعات (أأنتم أشد خلقاً أم السماء بناها) فوصف خلقها ثم قال (والأرض بعد ذلك دحاها) فكأن السماء على هذا خلقت قبل الأرض، وكذلك قوله تعالى (والحمد لله الذي خلق السموات
стр. 154
والأرض) وقد قيل أن خلق جرم الأرض متقدم على السماء، ودحوها متأخر وقد ذكر نحو هذا جماعة من أهل العلم، وهذا جمع جيد لا بد من المصير إليه، ولكن خلق ما في الأرض لا يكون إلا بعد الدحو والآية المذكورة هنا دلت على أنه خلق ما في الأرض قبل خلق السماء، وهذا يقتضي بماء الإشكال وعدم التخلص عنه بمثل هذا الجمع، قاله الشوكاني.
قلت: ذكر ﵀ في السورتين المذكورتين أن " ثم " للتراخي الرتبي لا للتراخي الزماني، أو أن " بعد " بمعنى مع كما في قوله (عتل بعد ذلك زنيم) أو أنها بمعنى قبل كقوله (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر) أي من قبل الذكر فيزول ما ذكره رحمه الله تعالى من بقاء الإشكال.
وقال الفراء الإستواء في كلام العرب على وجهين (أحدهما) أن يستوي الرجل وينتهي شبابه وقوته أو يستوي من اعوجاج، وقال البيهقي الاستواء بمعنى الإقبال صحيح لأن الإقبال هو القصد، والقصد هو الإرادة وذلك جائز في صفات الله، وقال سفيان بن عيينة أي قصد إليها وقيل علا دون تكييف ولا تحديد واختاره الطبري، وقال أبو العالية استوى ارتفع وقال قتادة إن السماء خلقت أولاً، حكاه عنه الطبري، والبحث في ذلك يطول، وقد استوفاه الرازي في تفسيره، وأجاب عنه بوجوه ثم قال: الجواب الصحيح أن قوله " ثم " ليس للترتيب ههنا، وإنما هو على جهة تعديد النعم والله أعلم.
(فسواهن) أي عدل خلقهن فلا اعوجاج فيه ولا فطور، وقيل معناه سوى سطوحهن بالإملاس وقيل جعلهن سواء (سبع سموات) مستويات لا صدع فيها ولا فطور، وفي هذا التصريح بأن السموات سبع، وأما الأرض فلم يأت في ذكر عددها إلا قوله تعالى (ومن الأرض مثلهن) فقيل في العدد وقيل في غلظهن وما بينهن. وقال الماوردي أن الأرض سبع، ولكن لم يفتق بعضها من بعض، والصحيح أنها سبع كالسموات: وعلى أنها سبع أرضين متفاصلة
стр. 155
بعضها فوق بعض تختص دعوة الإسلام بأهل الأرض العليا، ولا تلزم من في غيرها من الأرضين وإن كان فيها من يعقل من خلق مميز، وفي مشاهدتهم السماء واستمدادهم للضوء منها قولان (أحدهما) أنهم يشاهدون السماء من كل جانب من أرضهم ويستمدون الضياء منها، وهذا قول من جعل الأرض مبسوطة (والثاني) أنهم لا يشاهدون السماء فإن الله تعالى خلق لهم ضياء يستمدون منه، وهذا قول من جعل الأرض كروية، وفي الآية قول ثالث حكاه الطيبي عن أبي صالح عن ابن عباس أنها سبع أرضين منبسطة ليس بعضها فوق بعض، تفرق بينها البحار وتظل جميعها السماء انتهى، وسيأتي تحقيق ما هو الحق في آخر سورة الطلاق إن شاء الله تعالى.
وقد ثبت في الصحيح قوله ﷺ " من أخذ من الأرض شبراً ظلماً طوقه الله من سبع أرضين "، وهو ثابت من حديث عائشة وسعيد بن زيد.
وقد أطنب الرازي في تفسيره في بيان السموات هل هي سبع أو ثمان، وذكر مذاهب الحكماء في ذلك وأجابهم بوجوه ثم قال: أعلم أن هذا الخبط مما ينبهك على أنه لا سبيل للعقول البشرية إلى إدراك هذه الأشياء، وأنه لا يحيط بها إلا علم فاطرها وخالقها فوجب الإقتصار فيه على الدلائل السمعية.
فإن قال قائل: فهل يدل التنصيص على سبع سموات على نفي العدد الزائد؟ قلنا الحق أن تخصيص العدد بالذكر لا يدل على نفي الزائد انتهى، وفي هذا إشارة إلى ما ذكره الحكماء من الزيادة على السبع.
ونحن نقول أنه لم يأتنا عن الله ولا عن رسوله إلا السبع فنقتصر على ذلك ولا نعمل بالزيادة إلا إذا جاءت من طريق الشرع، ولم يأت شيء من ذلك، عن ابن عباس وابن مسعود وناس من الصحابة في هذه الآية قالوا إن الله كان عرشه على الماء ولم يخلق شيئاً قبل الماء، فلما أراد أن يخلق الخلق أخرج من الماء دخاناً فارتفع فوق الماء فسما عليه فسماه سماء ثم أيبس الماء
стр. 156
فجعله أرضاً واحدة ثم فتقها سبع أرضين في يومين الأحد والإثنين، فخلق الأرض على حوت وهو الذي ذكره في قوله (ن والقلم) والحوت قائم على ظهر صفاة والصفاة ظهر ملك والملك على صخرة والصخرة في الريح وهي الصخرة التي ذكر لقمان ليست في السماء ولا في الأرض فتحرك الحوت فاضطرب فتزلزلت الأرض فأرسى عليها الجبال فقرت فذلك قوله تعالى (وجعل لها رواسي أن تميد بكم) وخلق الجبال فيها وأقوات أهلها وسخرها وما ينبغي لها في يومين في الثلاثاء والأربعاء، وذلك قوله (أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض) إلى قوله (وبارك فيها) يقول أنبت شجرها فيها (وقدر فيها أقواتها) يقول أقوات أهلها في أربعة أيام سواء للسائلين يقول من سأل، فهكذا الأمر (ثم استوى إلى السماء وهي دخان) وكان ذلك الدخان من تنفس الماء حين تنفس فجعلها سماء واحدة ثم فتقها فجعلها سبع سموات في يومين في الخميس والجمعة، وإنما سمي يوم الجمعة لأنه جمع فيه خلق السموات والأرض (وأوحى في كل سماء أمرها) قال خلق في كل سماء خلقها من الملائكة والخلق الذي فيها من البحار وجبال البرد وما لا يعلم ثم زين السماء الدنيا بالكواكب فجعلها زينة وحفظاً من الشياطين، فلما فرغ من خلق ما أحب استوى على العرش أخرجه البيهقي وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن جرير.
وقد ثبت عن النبي ﷺ من حديث أبي هريرة في الصحيح قال أخذ النبي ﷺ بيدي فقال " خلق الله التربة يوم السبت، وخلق فيه الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الإثنين وخلق المكروه يوم الثلاثاء وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم يوم الجمعة بعد العصر (١) ".
стр. 157
وقد ثبت عن النبي ﷺ من طرق عند أهل السنن وغيرهم عن جماعة من الصحابة أحاديث في وصف السموات وإن غلظ كل سماء مسيرة خمسمائة عام، وما بين كل سماء إلى سماء خمسمائة عام، وأنها سبع سموات، وأن الأرض سبع أرضين، ولم يأت في التنزيل ولا في السنة المطهرة تصريح بأن فيهن من يعقل من العوالم والاوادم وأنبيائهم، والآثار من الصحابة ومن بعدهم إن جاءت بسند صحيح لا تصلح للاحتجاج على ذلك، فكيف بما لم يصح سنده أو صح ولكن لم يتابع عليه أو توبع عليه ولكن لم يساعده نص من الله ورسوله، وكذلك ثبت في وصف السماء آثار من جماعة من الصحابة وقد ذكر السيوطي في الدر المنثور بعض ذلك في تفسير هذه الآية، وإنما تركنا ذكره هنا لكونه غير متعلق بهذه الآية على الخصوص بل هو متعلق بما هو أعم منها (١).
(وهو بكل شيء عليم) أي يعلم الجزئيات كما يعلم الكليات وأنما أثبت سبحانه لنفسه العلم بكل شيء لأنه يجب أن يكون عالماً بجميع ما ثبت أنه خالقه.
(وإذ قال ربك) أي واذكر يا محمد إذ قال، وكل ما ورد في القرآن من هذا النحو فهذا سبيله، وقيل إذ زائدة والأول أوجه (للملائكة) جمع ملك بوزن فعل قاله ابن كيسان، وقيل جمع ملاك بوزن مفعل، قاله أبو عبيده، وأراد بالملائكة الذين كانوا في الأرض، وذلك أن الله تعالى خلق الأرض وأسكن فيها الجن واسكن في السماء الملائكة، فأفسدت الجن في الأرض فبعث إليهم طائفة من الملائكة فطردتهم إلى جزائر البحار ورؤوس الجبال، وأقاموا مكانهم (١)، وقيل: القول لمطلق الملائكة وكان ذلك تعليماً للمشاورة وتعظيماً لآدم، وبياناً لكون الحكمة تقتضي إيجاد ما يغلب خيره على شره، واللام في للملائكة للتبليغ وهو أحد المعاني التي جاءت لها اللام.
(إني جاعل في الأرض خليفة) أي خالق بدلاً منكم ورافعكم إلي، وجاعل هنا من جعل المتعدي إلى مفعولين، وذكر المطرزي أنه بمعنى الخالق، وذلك يقتضي أنه متعد إلى مفعول واحد، وصيغة اسم الفاعل بمعنى المستقبل، والأرض هنا هي هذه الغبراء، ولا يختص ذلك بمكان دون مكان، وقيل إنها مكة كما ورد في مرسل ضعيف، وقال ابن كثير أنه مدرج، والخليفة هنا معناه الخالف لمن كان قبله من الملائكة، ويجوز أن يكون بمعنى المخلوف أي يخلفه غيره، قيل هو آدم كما دل عليه السياق، وقيل كل من له خلافة في الارض، ويقوي الأول قوله (خليفة) دون الخلائف واستغنى بذكر آدم عن ذكر من
стр. 160
بعده، والصحيح أنه إنما سمي خليفة لأنه خليفة الله في أرضه لإقامة حدوده وتنفيذ قضاياه، قيل خاطب الله الملائكة بهذا الخطاب لا للمشورة ولكن لاستخراج ما عندهم، قيل وفيه إرشاد عباده إلى المشاورة وأن الحكمة تقتضي اتخاذ ما يغلب خيره وإن كان فيه نوع شر، وأنه لا رأي مع وجود النص، وهو أصل في المسائل التعبدية.
قال بعض المفسرين أن في الكلام حذفاً والتقدير إني جاعل في الأرض خليفة يفعل كذا وكذا فكرهوا ذلك و (قالوا) أي أستكشافاً عما خفي عليهم من الحكمة الباهرة، وليس باعتراض على الله ولا طعن في بني آدم على وجه الغيبة، فإنهم أعلى من أن يظن بهم ذلك لقوله (بل عباد مكرمون) وإنما عرفوا ذلك بإخبار من الله أو تلق من اللوح المحفوظ أو مقياس لأحد الثقلين على الآخر (أتجعل فيها من يفسد فيها) بالمعاصي بمقتضى القوة الشهوانية، والفساد ضد الصلاح (ويسفك الدماء) بغير حق بمقتضى القوة الغضبية كما فعل الجن، وسفك الدم صبه، قاله ابن فارس والجوهري والمهدوي ولا يستعمل السفك إلا في الدم.
(ونحن نسبح) أي نقول سبحان الله وبحمده وهي صلاة الخلق وعليها يرزقون، عن أبي ذر أن رسول الله ﷺ سئل أي الكلام أفضل قال " ما اصطفى الله لملائكته أو لعباده سبحان الله وبحمده (١) أخرجه مسلم، وقال ابن عباس كل ما جاء في القرآن من التسبيح فالمراد منه الصلاة فيكون المعنى ونحن نصلي لك، وأصل التسبيح في كلام العرب التنزيه والتبعيد من السوء على وجه التعظيم، فيكون المعنى ونحن ننزهك عن كل سوء ونقيصة (بحمدك) أي حامدين لك أو متلبسين بحمدك فإنه لولا إنعامك علينا بالتوفيق لم نتمكن من ذلك (ونقدس لك) وأصل التقديس التطهير أي ونطهرك عن النقائص وعن كل ما لا يليق بك من سوء ومما نسبه إليك الملحدون، وافتراه الجاحدون،
стр. 161
وذكر في الكشاف أن معنى التسبيح والتقديس واحد وهو تبعيد الله من السوء، وفي القاموس وغيره من كتب اللغة ما يرشد إلى ما ذكرناه، والتأسيس خير من التأكيد خصوصاً في كلام الله سبحانه، وقيل معناه نطهر أنفسنا لطاعتك وعبادتك والأول أولى.
وعن ابن مسعود وناس من الصحابة نقدس لك أي نصلي لك، وقال مجاهد نعظمك ونكبرك واللام زائدة، والجملة حال أي فنحن أحق بالاستخلاف.
ولما كان سؤالهم واقعاً على صفة تستلزم إثبات شيء من العلم لأنفسهم أجاب الله سبحانه عليهم فقال (إني أعلم ما لا تعلمون) وفي هذا الإجمال ما يغني عن التفصيل، لأن من علم ما لا يعلم الخاطب له كان حقيقاً بأن يسلم له ما يصدر عنه، وعلى من لا يعرف أن يعترف لمن يعلم بأن أفعاله صادرة على ما يوجبه العلم وتقتضيه المصلحة الراجحة والحكمة البالغة، ولم يذكر متعلق قوله (تعلمون) ليفيد التعميم، ويذهب السامع عند ذلك كل مذهب ويعترف بالعجز ويقر بالقصور.
عن ابن عباس قال: إن الله أخرج آدم من الجنة قبل أن يخلقه قال وقد كان فيها أي في الأرض قبل أن يخلق بألفي عام: الجن بنو الجان فأفسدوا في الأرض وسفكوا الدماء، فلما أفسدوا في الأرض بعث الله عليهم جنوداً من الملائكة فضربوهم حتى ألحقوهم بجزائر البحور، فلما قال (إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء) كما فعل أولئك الجان فقال (إني أعلم ما لا تعلمون) أخرجه الحاكم وصححه عنه.
وفي الباب آثار من الصحابة كثيرة، وعن قتادة كان في علم الله أنه سيكون من الخليفة أنبياء ورسل وقوم صالحون وساكنو الجنة، وقيل أعلم أنهم
стр. 162
يذنبون ويستغفرون فأغفر لهم، وقيل أعلم من وجود المصلحة والحكمة ما لا تعلمون أنتم.
وقد ثبت في كتب الحديث المعتبرة أحاديث من طريق جماعة من الصحابة، في صفة خلقه سبحانه لآدم وهي موجودة فلا نطول بذكرها، قيل خاطبهم بذلك لأجل أن يصدر منهم ذلك السؤال فيجابون بذلك الجواب، وقيل لأجل تعليم عباده مشروعية المشاورة لهم، وظاهره أنهم استنكروا استخلاف بني آدم في الأرض لكونهم مظنة للإفساد في الأرض، وإنما قالوا هذه المقالة قبل أن تتقدم لهم معرفة ببني آدم بل قبل وجود آدم، فضلاً عن ذريته لعلم قد علموه من الله سبحانه بوجه من الوجوه، لأنهم لا يعلمون الغيب، قال بهذا جماعة من المفسرين.
стр. 163
(وعلم آدم الأسماء كلها) سمي آدم لأنه خلق من أديم الأرض وهو وجهها وقيل لأنه كان آدم اللون، والأدمة هي السمرة، ولما خلق الله آدم وتم خلقه علمه أسماء الأشياء كلها قال في الكشاف وما آدم إلا اسم أعجمي وأقرب أمره أن يكون على فاعل كآزر وعازر وعابر وشالخ وفالع وأشباه ذلك اهـ واشتقاقه من الأدمة وغيرها تعسف قاله البيضاوي، وقال السمين بعد كلام طويل أن ادعاء الاشتقاق فيه بعيد لأن الأسماء الأعجمية لا يدخلها اشتقاق ولا تصريف اهـ.
والأسماء هي العبارات والمراد أسماء المسميات قال بذلك أكثر العلماء، وهو المعنى الحقيقي للاسم والتأكيد بقوله (كلها) يفيد أنه علمه جميع الأسماء ولم يخرج، عن هذا شيء منها كائناً ما كان، وقال ابن جرير إنها أسماء الملائكة وأسماء ذرية آدم، ثم رجح هذا وهو غير راجح، وقيل صنعة كل شيء قال ابن عباس علمه اسم كل شيء حتى القصعة والقصيعة، وقيل خلق الله كل شيء من الحيوان والجماد وغير ذلك وعلم آدم الأسماء كلها فقال يا آدم هذا بعير، وهذا فرس، وهذه شاة حتى أتى على آخرها، وقيل علمه اللغات كلها أي جميع اللغات لكن بنوه تفرقوا في اللغات فحفظ بعضهم العربية ونسي
стр. 164
غيرها، والمراد علم الأسماء لفظاً ومعنى، مفرداً ومركباً، حقيقة ومجازاً، والمراد بالإسم ما يدل على معنى ذاتاً كان أو عرضاً، فهو أعم من الاسم والفعل والحرف، وقال في المظهري وعندي أن الله علم آدم الأسماء الإلهية كلها ثم رجح هذا بكلام طويل وهو غير راجح مع ما فيه من البعد والتكلف، ولم يقل به أحد من المفسرين، ويأباه ظاهر النظم وسياقه، واستدل بالآية من قال إن اللغات توقيفية وضعها الله وعلمها بالوحي.
(ثم عرضهم على الملائكة) يعني تلك الأشخاص، وإنما قال عرضهم ولم يقل عرضها لتغليب العقلاء عليهم، واختلف أهل العلم هل عرض على الملائكة المسميات أو الأسماء، والظاهر الأول لأن عرض نفس الأسماء غير واضح، وعرض الشيء إظهاره، قال ابن عطية والذي يظهر أن الله علم آدم الأسماء وعرض عليه مع ذلك الأجناس أشخاصاً ثم عرض تلك على الملائكة وسألهم عن أسماء مسمياتها التي قد تعلمها آدم فقال لهم آدم هذا اسمه كذا، وهذا اسمه كذا، قال الماوردي فكان الأصح توجه العرض إلى المسمى، ثم في زمن عرضهم قولان (أحدهما) أنه عرضهم بعد أن خلقهم (الثاني) أنه صورهم بقلوب الملائكة ثم عرضهم.
(فقال أنبؤني) أي أخبروني أمر تعجيز، والنبأ خبر ذو فائدة عظيمة وإيثاره على الإخبار للإيذان برفعة شأن الأسماء وعظم خطرها (بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين) أني لم أخلق خلقاً إلا كنتم أفضل منهم وأعلم، أمره
سبحانه للملائكة بهذا لقصد التبكيت لهم مع علمه بأنهم يعجزون عن ذلك
стр. 165
(قالوا) يعني الملائكة (سبحانك) تنزيهاً لك وذلك لما ظهر عجزهم، وفيه إشعار بأن سؤالهم كان استفساراً، ولم يكن اعتراضاً (وسبحان) مصدر لا يكاد يستعمل إلا مضافاً منصوباً بإضمار فعله كمعاذ الله (لا علم لنا إلا ما علمتنا) أي إنك أجل من أن نحيط بشيء من علمك إلا ما علمتنا (إنك أنت العليم) أي بخلقك، وهو من أسماء الصفات التامة وهو المحيط بكل المعلومات (والحكيم) أي في أمرك. وله معنيان (أحدهما) أنه القاضي العدل (الثاني) المحكم للأمر كي لا يتطرق إليه الفساد.
(قال) يعني الله تعالى (يا آدم) استدل به على أن آدم نبي متكلم (أنبئهم بأسمائهم) وذلك لما ظهر عجز الملائكة فسمى كل شيء باسمه وذكر وجه الحكمة التي خلق لأجلها بأن قال لهم هذا الجرم يسمى القصعة وحكمته وضع الطعام فيه وهكذا (فلما أنبأهم بأسمائهم) فيه دليل على مزية العلم، وأنه شرط في الخلافة وفضل آدم على الملائكة، قال الإمام لما أراد الله إظهار فضل آدم على الملائكة لم يظهره إلا بالعلم فلو كان في الإمكان شيء أشرف من العلم كان إظهار فضله بذلك الشيء لا بالعلم، ولذلك أمر الله تعالى الملائكة بالسجود له لأجل فضيلة العلم.
قلت ويؤخذ من هذا استحباب القيام للعالم، وقال الطيبي أفادت هذه الآية علم اللغة فوق التخلي بالعبادة فكيف علم الشريعة.
(قال) يعني الله تعالى (ألم أقل لكم) يا ملائكتي (أني أعلم غيب السموات والأرض) يعني ما كان وما سيكون، وذلك أنه سبحانه علم أحوال آدم قبل أن يخلقه، وفي اختصاصه بعلم غيب السموات والأرض رد لما يتكلفه كثير من العباد من الاطلاع على شيء من علم الغيب كالمنجمين والكهان، وأهل الرمل والسحر والشعوذة (وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون) أي ما تظهرون وما تسرون كما يفيده معنى ذلك عند العرب، ومن فسره بشيء خاص فلا يقبل منه ذلك إلا بدليل.
(وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم) قيل هذا خطاب مع ملائكة الأرض والأصح أنه خطاب مع جميع الملائكة وهو الظاهر من قوله (فسجد الملائكة كلهم أجمعون) والسجود معناه في كلام العرب التذلل والخضوع، وغايته وضع الوجه على الأرض، والإسجاد إدامة النظر، وفي هذه الآية فضيلة لآدم ﵇ عظيمة حيث أسجد الله له ملائكته وقيل أن السجود كان لله ولم يكن لآدم، وإنما كانوا مستقبلين له عند السجود، ولا ملجأ لهذا فإن السجود للبشر قد يكون جائزاً في بعض الشرائع بحسب ما تقتضيه المصالح، وقد دلت هذه الآية على أن السجود لآدم وكذلك الآية الاخرى أعني قوله (فإذا سويته ونفخت فيه من روحيِ فقعوا له ساجدين) وقال تعالى (ورفع أبويه على العرش وخروا له سجداً) فلا يستلزم تحريمه لغير الله في شريعة نبينا محمد ﷺ أن يكون كذلك في سائر الشرائع.
ومعنى السجود هنا وضع الجبهة على الأرض وإليه ذهب الجمهور، قال قوم هو مجرد التذلل والانقياد والاول أولى، وقد وقع الخلاف هل كان السجود من الملائكة لآدم قبل تعليمه الاسماء أم بعده؟ وقد أطال البحث في ذلك البقاعي في تفسيره، وظاهر السياق أنه وقع التعليم وتعقبه الأمر بالسجود وتعقبه إسكانه الجنة ثم إخراجه منها وإسكانه الأرض.
وفي هذه الآية دليل لمذهب أهل السنة في تفضيل الأنبياء على الملائكة، وهذه القصة ذكرت في القرآن في سبع سور، في هذه السورة والأعراف والحجر والإسراء والكهف وطه وص، ولعل السر في تكريرها تسلية رسول الله ﷺ فإنه كان في محنة عظيمة في قومه وأهل زمانه، فكأنه قال أو لا ترى أن أول الأنبياء وهو آدم كان في محنة عظيمة للخلق، ذكره الخطيب والظاهر أنه لإظهار شرف آدم وفضله على سائر الخلق حتى الملائكة، وليس في هذه القصة ما يدل على
стр. 170
محنة آدم.
(فسجدوا) وكان السجود يوم الجمعة من وقت الزوال إلى العصر، قيل أول من سجد لآدم جبرائيل ثم ميكائيل ثم اسرافيل ثم عزرائيل ثم الملائكة المقربون، والله أعلم (إلا ابليس) استثناء متصل، لأنه كان من الملائكة على ما قاله الجمهور، قال شهر بن حوشب وبعض الأصوليين كان من الجن الذين كانوا في الأرض فيكون الاستثناء على هذا منقطعاً، واستدلوا على هذا بقوله تعالى (لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون) وبقوله تعالى (إلا إبليس كان من الجن) والجن غير الملائكة (١) وأجاب الأولون بأنه لا يمتنع أن يخرج إبليس عن جملة الملائكة لما سبق في علم الله من شقائه عدلاً منه (لا يسئل عما يفعل) وليس في خلقه من نار ولا تركب الشهوة فيه حين غضب الله عليه ما يدفع أنه من الملائكة، وأيضاً على تسليم ذلك لا يمتنع أن يكون الاستثناء متصلاً تغليباً للملائكة الذين هم ألوف مؤلفة على إبليس الذي هو فرد واحد بين أظهرهم، وسمي به لأنه أبلس من رحمة الله أي يئس وكان اسمه عزازيل بالسريانية، وبالعربية الحرث، فلما عصى غير اسمه فسمي ابليس وغيرت صورته.
قال ابن عباس كان إبليس من الملائكة بدليل أنه استثناه منهم، وقيل أنه من الجن وأنه أصل الجن كما أن آدم أصل الإنس، والأول أصح لأن الخطاب كان مع الملائكة فهو داخل فيهم ثم استثناه منهم وعليه أكثر المفسرين كالبغوي والواحدي والقاضي، وقالوا المعنى كان من الجن فعلاً ومن الملائكة نوعاً أو لأن الملائكة قد يسمون جناً لاختفائهم.
(أبى) امتنع من فعل ما أمر به من السجود فلم يسجد، فيه رد على
стр. 171
الجبرية إذ لا يوصف بالإباء إلا من هو قادر على المطلوب (واستكبر) أي تعظم عن السجود لآدم والاستكبار والاستعظام للنفس، وقد ثبت في الصحيح عنه ﷺ " أن الكبر بطر الحق وغمط الناس " وفي رواية غمص الناس، وإنما قدم الإباء عليه وإن كان متأخراً عنه في الترتيب لأنه من الأفعال الظاهرة بخلاف الاستكبار فإنه من أفعال القلوب، واقتصر في سورة ص على ذكر الاستكبار، وفي سورة الحجر على ذكر الإباء (وكان من الكافرين) أي من جنسهم في علم الله تعالى، وإنما وجبت له النار لسابق علم الله تعالى بشقاوته، وقيل إن (كان) هنا بمعنى صار قال ابن فورك أنه خطأ ترده الأصول.
وأفادت الآية استقباح التكبر والخوض في سر الله تعالى، وإن الأمر للوجوب، وإن الذي علم الله من حاله أنه يتوفى على الكفر هو الكافر على الحقيقة إذ العبرة بالخواتيم وإن كان بحكم الحال مؤمناً، وهذه مسئلة الموافاة المنسوبة إلى أبي الحسن الأشعري ومعناها أن العبرة بالإيمان الذي يوافي العبد عليه أي يأتي متصفاً به في آخر حياته وأول منازل آخرته، وحيث أطلقت مسئلة الموافاة فالمراد بها ذلك، وهي مما اختلف فيها الشافعية والحنفية والماتريدية، وللسبكي فيها تأليف مستقل، ومن فروعها أنه يصح أن يقول أنا مؤمن إن شاء الله، ويبتنى عليها مسئلة الإحباط في الأعمال بالردة.
قال الخفاجي مسئلة الموافاة من أمهات المسائل وفصلها النسفي في شرح التمهيد فقال ما حاصله أن الشافعي يقول إن الشقي شقي في بطن أمه وكذا السعيد فلا تبديل في ذلك ويظهر ذلك عند الموت ولقاء الله وهو معنى الموافاة والماتريدية يقولون يمحو الله ما يشاء ويثبت فيصير السعيد شقياً والشقي سعيداً إلا أنهم يقولون من مات مسلماً مخلد في الجنة ومن مات كافراً مخلد في العذاب باتفاق الفريقين فلا ثمرة للخلاف أصلاً، إلا أن يقال إن من كان مسلماً وورث أباه السلم إذا مات كافراً يرد ما أخذه إلى بقية الورثة المسلمين، وكذا الكافر وتبطل جميع أعماله، والمنقول في المذهب خلافه فحينئذ لا ثمرة له إلا أنه يصلح منه أن يقول أنا مؤمن إن شاء الله بقصد التعليق في المستقبل حتى
(وقلنا) هو من خطاب الأكابر والعظماء أخبر سبحانه عن نفسه بصيغة الجمع لأنه ملك الملوك (يا آدم أسكن أنت وزوجك الجنة) أي اتخذ الجنة مأوى ومنزلاً ومسكناً وهو محل السكون، وأما ما قاله بعض المفسرين أن قوله (أسكن) تنبيه على الخروج لأن السكنى لا يكون ملكاً، وأخذ ذلك من قول جماعة من العلماء أن من أسكن رجلاً منزلاً له فإنه لا يملكه بذلك وإن له أن يخرجه منه، فهو معنى عرفي، والواجب الأخذ بالمعنى العربي إذا لم يثبت في اللفظ حقيقة شرعية.
والزوج هي حواء بالمد وهي في اللغة الفصيحة بغير هاء وقد جاء بها قليلاً كما في صحيح مسلم قال يا فلان " هذه زوجتي فلانة " الحديث، وكان خلق حواء من ضلعه الأيسر فلذا كان كل إنسان ناقصاً ضلعاً من الجانب الأيسر، فجهة اليمين أضلاعها ثمانية عشر، وجهة اليسار أضلاعها سبعة عشر، وقصة خلقها مبسوطة في كتب السنة لا نطول بذكرها هنا فيه دلالة عن أن الجنة مخلوقة الآن.
واختلفوا في الجنة التي أمر آدم بسكناها فقيل إنها جنة كانت في الأرض، وقيل هي دار الجزاء والثواب، لأنها المعهودة، وقيل هي جنة بأرض فلسطين أو بين فارس وكرمان، خلقها الله امتحاناً لآدم، وحمل الإهباط على النقل منها إلى أرض الهند كما في قوله تعالى (اهبطوا مصراً) لما أن خلق آدم كان في الأرض بلا خلاف، ولم يذكر في هذه القصة رفعه إلا السماء ولو وقع ذلك لكان أولى
стр. 174
بالذكر والتذكير، لما أنه من أعظم النعم، ولأنها لو كانت دار الخلد لما دخلها إبليس وقيل أنها كانت في السماء السابعة بدليل (اهبطوا) ثم أن الأهباط الأول كان منها إلى السماء الدنيا، والثاني منها إلى الأرض، وقيل الكل ممكن والأدلة النقلية متعارضة فوجب التوقف وترك القطع، قاله أبو السعود.
قلت وقد استوعب الحافظ ابن القيم في كتابه حادي الأرواح إلى بلاد الأقراح دلائل الفريقين من غير تصريح برجحان أحد القولين والله تعالى أعلم.
(وكلا منها) أي اجمعا بين الإستقرار والأكل من رزق الجنة (رغداً) رغد العيش اتسع ولأن أي رزقاً واسعاً ليناً، وأرغد القوم أخصبوا الرغيدة الزبد (حيث شئتما) أي في أي مكان من الجنة شئتما، وسع الأمر عليهما إزاحة للعلة والعذر في التناول من الشجرة المنهى عنها من بين أشجارها التي لا تنحصر (ولا تقربا هذه الشجرة) يعني للأكل، والقرب الدنو.
قال الأصمعي: والنهي عن القرب فيه سد للذريعة وقطع للوسيلة ولهذا جاء به عوضاً عن الأكل، ولا يخفى أن النهي عن القرب لا يستلزم النهي عن الأكل لأنه قد يأكل من ثمرة الشجرة من هو بعيد عنها إذا حمل إليه، فالأولى أن يقال المنع من الأكل مستفاد من القام، والشجر ما كان له ساق من نبات الأرض وواحده شجرة.
واختلف أهل العلم في تعيين هذه الشجرة فقيل هي الكرم وقيل هي السنبلة قاله ابن عباس، وله عنه طريق صحيحة، وقيل التين، وقيل الحنطة، وقيل اللوز، وقيل النخلة، وقيل هي شجرة القلم، وقيل الكافور، وقيل الأترج، وقيل هي شبه البر وتسمى الدعة، وهذا مروي عن جماعة من الصحابة فمن بعدهم، وقيل عن جنس من الشجرة، وقيل ليس في ظاهر الكلام ما يدل على التبيين إذ لا حاجة إليه لأنه ليس المقصود تعرف عين تلك الشجرة وما لا يكون مقصوداً لا يجب بيانه.
стр. 175
(فتكونا من الظالمين) يعني إن أكلتما من هذه الشجرة ظلمتما أنفسكما فمن جوز ارتكاب الذنوب على الأنبياء قال ظلم نفسه بالمعصية، والظلم أصله وضع الشيء في غير موضعه، ومن لم يجوز ذلك على الأنبياء حمل الظلم على أنه فعل ما كان الأولى أن لا يفعله، وكلام أهل العلم في عصمة الأنبياء واختلاف مذاهبهم في ذلك مدون في مواطنه، وقد أطال البحث في ذلك الرازى في تفسيره في هذا الوضع فليرجع إليه فإنه مفيد.
стр. 176
(فأزلهما الشيطان) أي استزل آدم وحواء (عنها) أي الجنة ودعاهما إلى الزلة وهي الخطيئة أي إستزلهما وأوقعهما فيها، وقيل من الإزالة وهي التنحية أي نحاهما وقيل من الزوال.
وقد اختلف أهل العلم في الكيفية التي فعلها الشيطان في إزلالهما فقيل أنه كان ذلك بمشافهة منه لهما وإليه ذهب الجمهور، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى (وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين) والمقاسمة ظاهرها المشافهة، وقيل لم يصدر منه إلا مجرد الوسوسة، والمفاعلة ليست على بابها بل للمبالغة وقيل غير ذلك.
(فأخرجهما مما كانا فيه) أي صرفهما عما كانا عليه من الطاعة إلى المعصية، وقيل الضمير للجنة، وعلى هذا فالفعل مضمن معنى أبعدهما، وإنما نسب ذلك إلى الشيطان لأنه هو الذي تولى اغواء آدم حتى أكل من الشجرة (وقلنا اهبطوا) أي انزلوا إلى الأرض، خطاب لآدم وحواء وخوطبا بما يخاطب به الجمع لأن الاثنين أقل الجمع عند البعض من أئمة العربية، وقيل أنه خطاب لهما ولإبليس وللحية.
فهبط آدم بسرنديب من أرض الهند على جبل يقال له نود، وأهبطت حواء بجدة وإبليس بالايلة من أعمال البصرة والحية بأصبهان، وقيل خطاب
стр. 177
لهما ولذريتهما لأنهما لما كانا أصل هذا النوع الإنساني جعلا بمنزلته، ويدل على ذلك قوله (بعضكم لبعض عدو) فإن هذه الجملة الواقعة حالاً مبيناً للهيئة الثابتة للمأمورين بالهبوط تفيد ذلك يعني العداوة التي بين المؤمنين من ذرية آدم وبين إبليس.
وإليه الإشارة بقوله تعالى (إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً) والعدو خلاف الصديق وهو من عدا إذا ظلم، والعدوان الظلم الصراح وقيل إنه مأخوذ من المجاوزة يقال عداه إذا جاوزه، والمعنيان متقاربان، فإن من ظلم فقد تجاوز.
قال ابن فارس العدو اسم جامع للواحد والاثنين والثلاثة، والعداوة التي بين ذرية آدم والحية هي ما روى عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ " من ترك الحيات مخافة طلبهن فليس منا، ما سالمناهن منذ حاربناهن " أخرجه أبو داود، وله عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال " اقتلوا الحيات كلهن فمن خاف من ثارهن فليمس مني " وفي رواية إلا الجان الأبيض " الذي كأنه قضيب فضة " وعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: " إن بالمدينة جناً قد أسلموا فإذا رأيتم منهم شيئاً فآذنوه ثلاثة أيام فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه فإنما هو شيطان " وفي رواية " أن بهذه البيوت عوامر، فإذا رأيتم منها شيئاً فحرجوا عليه ثلاثاً فإن ذهب وإلا فاقتلوه فإنه كافر ".
(ولكم في الأرض مستقر) المراد بالمستقر موضع الإستقرار، ومنه (أصحاب الجنة يومئذ خير مستقراً) وقد يكون بمعنى الاستقرار، ومنه (إلى ربك يومئذ المستقر) فالآية محتملة للمعنيين ومثلها قوله (وجعل لكم الأرض قراراً) (ومتاع) المتاع ما يستمتع به من المأكول والمشروب والملبوس ونحوها أي بلغة ومستمتع (إلى حين) أي إلى وقت انقضاء آجالكم.
واختلف المفسرون في قوله (حين) فقيل إلى الموت وقيل إلى قيام الساعة، وأصل معنى الحين في اللغة الوقت البعيد، ومنه (هل أتى على
стр. 178
الإنسان حين من الدهر) والحين الساعة ومنه (أو تقول حين ترى العذاب) والحين القطعة من الدهر ومنه (فذرهم في غمرتهم حتى حين) أي حتى تفنى آجالهم ويطلق على السنة وقيل على ستة أشهر، ومنه (تؤتى أكلها كل حين) ويطلق على المساء والصباح ومنه (حين تمسون وحين تصبحون) قال ابن العربي الحين المجهول لا يتعلق به حكم والحين المعلوم سنة.
стр. 179
(فتلقى آدم من ربه كلمات) ومعنى التلقي أخذه لها وقبوله لا فيها وعلمه بها وقيل فهمه لها وفطانته لما تضمنته (١)، وأصل معنى التلقي الاستقبال أي أستقبل الكلمات الموحاة إليه، وقيل إن معنى تلقي تلقن، ولا وجه له في العربية، واختلف السلف في تعيين هذه الكلمات فعن ابن عباس قال هي قوله (ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين) وعنه قال علم شأن الحج وهي الكلمات، وعن عبد الله بن زيد قال لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك عملت سوءاً، وظلمت نفسي فارحمني إنك أنت أرحم الراحمين، وروي نحوه عن أنس وسعيد بن جبير (فتاب عليه) أي فتجاوز عنه وغفر له، وأصل التوبة من تاب يتوب إذا رجع (إنه هو التواب) أي الرجاع على عبادة بقبول التوبة (الرحيم) بخلقه.