← Тафсир

Тафсир · id 37458

فتح البيان في مقاصد القرآن

صديق حسن خان

Полный текст (12 043 стр.). Показаны 11131–11170 · переход к 11136.

стр. 11131

(لِلطَّاغِينَ مَآبًا) أي مرجعاً يرجعون إليه، والمئآب المرجع يقال آب يؤوب إذا رجع، والطاغي من طغى بالكفر، وللطاغين نعت لمرصاداً متعلق بمحذوف ومئآباً بدل من مرصاداً، ويجوز أن يكون للطاغين في محل نصب على الحال من مئآباً قدمت عليه لكونه نكرة. وانتصاب

стр. 11132

(لابثين فيها أحقاباً) على الحال المقدرة من الضمير المستكن في الطاغين قرأ الجمهور لابثين بالألف، وقرىء بدون ألف، وانتصاب (أحقاباً) على الظرفية أي ماكثين في النار ما دامت الأحقاب، وهي لا تنقطع، وكلما مضى حقب جاء حقب، وهي جمع حقب بضمتين وهو الدهر، والأحقاب الدهور، والحقب بضم الحاء وسكون القاف قيل هو ثمانون سنة. وحكى الواحدي عن المفسرين أنه بضع وثمانون سنة، السنة ثلثمائة وستون يوماً اليوم ألف سنة من أيام الدنيا، وقال السدي الحقب سبعون سنة، وقال بشير بن كعب ثلثمائة سنة، وقال ابن عمر أربعون سنة، وقيل ثلاثون ألف سنة. قال الحسن الأحقاب لا يدري أحد كم هي، ولكن ذكروا أنها مائة حقب، والحقب الواحد منها سبعون ألف سنة، اليوم منها كألف سنة، قال ابن عباس أحقاباً سنين. وعن سالم بن أبي الجعد قال سأل علي بن أبي طالب: هلال الهجري ما تجدون الحقب في كتاب الله؟ قال نجده ثمانين سنة كل سنة منها إثنا عشر

стр. 11133

شهراً كل شهر ثلاثون يوماً كل يوم ألف سنة، وعن ابن مسعود في الآية قال الحقب الواحد ثمانون سنة. وعن أبي هريرة رفعه " قال الحقب ثمانون سنة والسنة ثلثمائة وستون يوماً، كل يوم منها ألف سنة مما تعدون ". وعن أبي أمامة عن النبي ﷺ : " قال الحقب ألف شهر والشهر ثلاثون يوماً والسنة إثنا عشر شهراً ثلثمائة وستون يوماً، كل يوم ألف سنة مما تعدون فالحقب ثلاثون ألف ألف سنة " أخرجه ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه قال السيوطي بسند ضعيف. وعن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: " والله لا يخرج من النار من دخلها حتى يمكث فيها أحقاباً والحقب بضع وثمانون سنة، كل سنة ثلثمائة وستون يوماً، واليوم ألف سنة مما تعدون "، قال ابن عمر: فلا يتكلن أحد أنه يخرج من النار " أخرجه البزار وابن مردويه والبيهقي. وعن ابن عمرو قال: الحقب الواحد ثمانون سنة وعن ابن عباس مثله، وعن عبادة ابن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ " الحقب أربعون سنة " أخرجه ابن مردويه. وقيل الأحقاب وقت شربهم الحميم والغساق، فإذا انقضت فيكون لهم نوع آخر من العذاب، وعن خالد بن معدان في الآية وفي قوله (إلا ما شاء ربك) أنهما في أهل التوحيد من أهل القبلة. وقيل إن الآية منسوخة بقوله: (فلن يزيدكم إلا عذاباً) يعني أن العدد قد ارتفع، والخلود قد حصل، والأول أولى، وقيل الآية محمولة على العصاة الذين يخرجون من النار، والأولى ما ذكرناه أولاً من أن المقصود بالآية التأييد لا التقييد، وحكى الواحدي عن الحسن أنه قال: والله ما هي إلا أنه إذا مضى حقب دخل آخر ثم آخر كذلك إلى الأبد.

стр. 11134

(لا يذوقون فيها) حال من الضمير في (لابثين) أو صفة لأحقاباً أو مستأنفة لبيان ما اشتملت عليه من أنهم لا يذوقون في جهنم أو في الأحقاب (برداً) ينفعهم من حرها (ولا شراباً) ينفعهم من عطشها.

стр. 11135

(إلا حميماً) هو الماء الحار (وغساقاً) هو صديد أهل النار، وقيل هو ماء يسيل من صديد أهل النار، والاستثناء منقطع عند من جعل البرد النوم، وبه قال الزمخشري، ويجوز أن يكون متصلاً من قوله: (ولا شراباً) وبه قال أبو حيان، وقضية كلام الكواشي تجويز الأمرين، وقيل أنه بدل من (شراباً) وهو الأحسن لأن الكلام غير موجب. وقال مجاهد والسدي وأبو عبيدة والكسائي والفضل بن خالد وأبو معاذ النحوي: البرد المذكور في هذه الآية النوم، قال الزجاج: أي لا يذوقون فيها برد ريح ولا ظل ولا نوم، فجعل البرد يشمل هذه الأمور، وإطلاق البرد على النوم لغة هذيل وسمي بذلك لأنه يقطع سورة العطش، ألا ترى أن العطشان إذا نام سكن عطشه ولأنه يبرد صاحبه، والعرب تقول منع البرد البرد يعني أذهب البرد النوم. وفي الحديث أنه ﷺ : " سئل هل في الجنة نوم فقال: لا، النوم أخو الموت والجنة لا موت فيها " وكذلك النار وقد قال تعالى: (لا يقضى عليهم فيموتوا) وقيل البرد برد الشراب، والشراب الماء، وجعل الزجاج البرد برد كل شيء له راحة، وهذا ينفعهم. فأما الزمهرير فهو برد يتأذون به فلا ينفعهم فلهم منه من العذاب ما الله أعلم به، وقال الحسن وعطاء وابن زيد برداً أي روحاً وراحة. قرأ الجمهور غساقاً بالتخفيف، وقرأ حمزة والكسائي بتشديد السين وهما سبعيتان، وقد تقدم تفسيره وتفسير الحميم والخلاف فيهما في سورة (ص). عن ابن مسعود قال زمهرير جهنم يكون لهم من العذاب لأن الله يقول لا يذوقون فيها برداً ولا شراباً إلا حميماً، قال قد انتهى حره، وغساقاً قد

стр. 11136

انتهى حره، وأن الرجل إذا أدنى الإناء من فيه سقط فروة وجهه حتى يبقى عظاماً تقعقع.

стр. 11137

(جزاء وفاقاً) أي موافقاً لأعمالهم على أن (وفاقاً) صفة لجزاء بتأويله باسم الفاعل، ويصح أن يكون على حذف مضاف أي ذا وفاق أو باق على مصدريته لقصد المبالغة، قال الفراء والأخفش: جازيناهم جزاء وافق أعمالهم، وقال الزجاج: جوزوا جزاء وافق أعمالهم. قال الفراء: الوفاق جمع الوفق، والوفق والموافق واحد، قال مقاتل وافق العذاب الذنب فلا ذنب أعظم من الشرك ولا عذاب أعظم من النار، وقال الحسن وعكرمة: كانت أعمالهم سيئة فأتاهم الله بما يسوءهم.

стр. 11138

(إنهم كانوا لا يرجون حساباً) أي ثواب حساب، قال الزجاج كانوا لا يؤمنون بالبعث فيرجون حسابهم. والجملة مستأنفة وتعليل لاستحقاقهم الجزاء المذكور.

стр. 11139

(وكذبوا بآياتنا كذاباً) أي كذبوا بالآيات القرآنية أو كذبوا بما هو أعم منها تكذيباً شديداً، وفعال من مصادر التفعيل قال الفراء هي لغة فصيحة يمانية تقول كذبت كذاباً وخرقت القميص خراقاً. قال في الصحاح هو أحد مصادر المشدد لأن مصدره قد يجيء على تفعيل مثل التكليم وعلى فعال مثل كذاب، وعلى تفعلة مثل توصية، وعلى مفعل مثل ومزقناهم كل ممزق. وقرأ الجمهور كذاباً بالتشديد وقرأ علي بن أبي طالب كرم الله وجهه بالتخفيف، قال أبو علي الفارسي التخفيف والتشديد جميعاً مصدر المكاذبة، وقرأ ابن عمر كذاباً بضم الكاف والتشديد جمع كاذب، قال أبو حاتم ونصبه على الحال، قال الزمخشري وقد يكون يعني على هذه القراءة بمعنى الواحد البليغ في الكذب تقول رجل كذاب كقولك حسان وبخال.

стр. 11140

قرأ الجمهور

стр. 11141

(وكل شيء) بالنصب على الاشتغال أي وأحصينا كل شيء (أحصيناه) وقرأ أبو السماك برفعه على الابتداء وما بعده خبره، وهذه الجملة معترضة بين السبب والمسبب، وفائدة الاعتراض تقرير ما ادعاه من قوله (جزاء وفاقاً). وفي انتصاب قوله: (كتاباً) أوجه. أحدها: أنه مصدر من معنى أحصينا أي إحصاء فالتجوز في نفس المصدر. والثاني: أنه مصدر لأحصينا لأنه في معنى كتبنا، فالتجوز في نفس الفعل أي لالتقاء الإحصاء والكتب في معنى الضبط والتحصيل. والثالث: أن يكون منصوباً على الحال أي مكتوباً في اللوح لتعرفه الملائكة، وقيل أراد ما كتبته الحفظة على العباد من أعمالهم، وقيل المراد به العلم لأن ما كتب كان أبعد من النسيان، والأول أولى لقوله: (وكل شيء أحصيناه في إمام مبين).

стр. 11142

(فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذاباً) هذه الجملة مسببة عن كفرهم وتكذيبهم بالآيات، والأمر أمر إهانة وتحقير، قال الرازي هذه الفاء للجزاء فنبه على أن الأمر بالذوق معلل بما تقدم شرحه من قبائح أفعالهم ومن الزيادة في عذابهم أنها كلما نضجت جلودهم بدلهم الله جلوداً غيرها وكلما خبت النار زادهم الله سعيراً، قيل هذه أشد آية في القرآن على أهل النار كلما استغاثوا من نوع من العذاب أغيثوا بأشد منه. قال الرازي وفي هذه الآية مبالغات منها التأكيد بلن، ومنها الالتفات، ومنها إعادة قوله فذوقوا بعد ذكر العذاب.

стр. 11143

إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (٣١) حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا (٣٢) وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا (٣٣) وَكَأْسًا دِهَاقًا (٣٤) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا (٣٥) جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا (٣٦) رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا (٣٧) يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا (٣٨) ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا (٣٩) إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا (٤٠)

стр. 11144

(إن للمتقين مفازاً) هذا شروع في بيان حال المؤمنين وما أعد الله لهم من الخير بعد بيان حال الكافرين وما أعد الله لهم من الشر، والمفاز مصدر بمعنى الفوز والظفر بالبغية والمطلوب والنجاة من النار، ومنه قيل للفلاة مفازة تفاؤلاً بالخلاص منها، ويصلح أن يراد به الجنة على أنه مصدر ميمي بمعنى المكان أو بمعنى الحدث ويحتمل أن يفسر الفوز بالأمرين جميعاً، لأنهم فازوا بمعنى نجوا من العذاب، وفازوا بما حصل لهم من النعيم، وفي المختار الفوز النجاة، وهو الهلاك أيضاًً، وعلى هذا فإطلاق المفازة على الفلاة الخالية من الماء حقيقي لأنها مهلكة، ومن معاني الفوز الهلاك كما رأيت وبابهما قال: ثم فسر سبحانه هذا المفاز فقال:

стр. 11145

(حدائق وأعناباً) وانتصابهما على أنهما بدل اشتمال من (مفازاً) أو بدل كل من كل على طرق المبالغة بجعل نفس هذه الأشياء مفازاً، ويجوز أن يكون النصب بإضمار أعني وإذا كان مفازاً بمعنى الفوز فيقدر مضاف أي فوز حدائق، وهي جمع حديقة وهي البستان المحوط عليه فيه أنواع الشجر المثمر، والأعناب جمع عنب أي كروم أعناب، والتكرير يدل على تعظيم ذلك العنب. قال المحلي (وأعناباً) عطف على مفاز أي ذكرت بعد الحدائق تنويهاً لعظم شأنها وإلا فهي من جملة الحدائق، قال القاري وهذا بعيد جداً والظاهر

стр. 11146

عطفه على حدائق وكذا كواعب وكأساً انتهى.

стр. 11147

(وكواعب أتراباً) الكواعب جمع كاعبة وهي الناهدة قال ابن عباس أي نواهد، يقال كعبت الجارية تكعب تكعيباً وكعوباً، ونهدت تنهد نهوداً، والمراد أن لهم نساء كواعب تكعبت ثديهن وتفلكت حتى صارت كالكعب في صدورهن، أي استدارت مع ارتفاع يسير، قال الضحاك الكواعب العذارى، والأتراب الأقران في السن، وقد تقدم تحقيقه في سورة البقرة، وقال ابن عباس أي لدات مستويات.

стр. 11148

(وكأساً دهاقاً) قال الحسن وقتادة وابن زيد: أي مترعة مملوءة، يقال أدهقت الكأس أي ملأتها، وقال سعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد (دهاقاً) متتابعة يتبع بعضها بعضاً، وقال زيد بن أسلم: دهاقاً صافية، قال ابن عباس: دهاقاً ممتلئاً، وعنه قال: هي الممتلئة المترعة المتتابعة، وربما سمعت العباس يقول يا غلام إسقنا وأدهق لنا. وعنه قال (دهاقاً) دراكاً، وعنه قال إذا كان فيها خمر فهي كأس، وإذا لم تكن فيها خمر فليس بكأس.

стр. 11149

(لا يسمعون) حال من المتقين (فيها) أي في الجنة عند شرب الخمر وغيره من الأحوال (لغواً) وهو الباطل منِ الكلام (ولا كذاباً) أي لا يكذب بعضهم بعضاً قرأ الجمهور كذاباً مشدداً وقرأ الكسائي هنا مخففاً، ووافق الجماعة على التشديد في الآية المتقدمة للتصريح بفعله المشدد هناك، وقد قدمنا الخلاف في كذاباً هل هو من مصادر التفعيل أو من مصادر المفاعلة.

стр. 11150

(جزاء من ربك) أي جازاهم بما تقدم ذكره جزاء، قال الزجاج: المعنى جزاهم جزاء أي بمقتضى وعده وكذا (عطاء) أي وأعطاهم عطاء تفضلاً منه، إذ لا يجب عليه شيء، وقيل عطاء بدل من جزاء أي بدل كل من كل، وفي إبداله منه نكتة لطيفة، وهي الدلالة على أن بيان كونه عطاء وتفضلاً منه هو المقصود وبيان كونه جزاء وسيلة له.

стр. 11151

(حساباً) قال أبو عبيدة كافياً فهو مصدر أقيم مقام الوصف أو باق على مصدريته مبالغة أو هو على حذف مضاف، وقال ابن قتيبة كثيراً، يقال أحسبت فلاناً أي أكثرت له العطاء. قال الزجاج حساباً أي ما يكفيهم قال الأخفش يقال أحسبني كذا أي كفاني. قال الكلبي حاسبهم فأعطاهم بالحسنة عشراً وقال مجاهد حساباً لما عملوه، فالحساب بمعنى القدر أي بقدر ما وجب له. في وعد الرب سبحانه فإنه وعد للحسنة عشراً، ووعد لقوم سبعمائة ضعف، وقد وعد لقوم جزاء لا نهاية له ولا مقدار كقوله: (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب). وقرأ أبو هاشم حساباً بفتح الحاء وتشديد السين أي كفافاً قال الأصمعي تقول العرب حسبت الرجل بالتشديد إذا أكرمته، وفي القاموس حسبك درهم كفاك، وشيء حساب كاف ومنه (عطاء حساباً) وأحسبه كفاه وقرأ ابن عباس حساناً بالنون.

стр. 11152

(رب السموات والأرض وما بينهما الرحمن) قرىء بخفض رب والرحمن على أن رب بدل من ربك والرحمن صفة له، وقرىء برفعهما على أن رب مبتدأ والرحمن خبره أو الرحمن صفته ولا يملكون خبره أو على أن رب خبر مبتدأ مقدر أي هو رب، والرحمن صفته، أو على أن رب مبتدأ والرحمن مبتدأ ثان ولا يملكون خبر المبتدأ الثاني، والجملة خبر المبتدأ الأول. وقرأ ابن عباس وحمزة والكسائي بخفض الأول ورفع الثاني على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو الرحمن، واختار هذه القراءة أبو عبيدة، وقال هذه أعدلها فخفض رب لقربه من ربك فيكون نعتاً له، ورفع الرحمن لبعده منه على الاستئناف، وخبره قوله: (لا يملكون) أي الخلق (منه) تعالى أن يسألوا إلا فيما أذن لهم فيه (خطاباً) بالشفاعة إلا بإذنه، وقيل الخطاب الكلام أي لا يملكون أن يخاطبوا الرب سبحانه خوفاً إلا بإذنه، دليله (لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ) وقيل

стр. 11153

أراد الكفار وأما المؤمنون فيشفعون، والجملة مستأنفة مقررة لما تفيده الربوبية العامة من العظمة والكبرياء.

стр. 11154

(يوم يقوم الروح والملائكة) الظرف منتصب بلا يملكون أو بلا يتكلمون وقوله (صفاً) منتصب على الحال أي مصطفين أو على المصدرية أي يصفون صفاً، والجملة حالية أو مستأنفة لتقرير ما قبله. واختلف في الروح على أقوال ثمانية فقيل أنه ملك من الملائكة أعظم من السموات السبع ومن الأرضين السبع ومن الجبال، وقيل هو جبريل، قاله الشعبي والضحاك وسعيد بن جبير، وقيل الروح جند من جنود الله ليسوا بملائكة قاله أبو صالح ومجاهد، وعن ابن عباس مثله مرفوعاً وزاد لهم رؤوس وأيد وأرجل ثم قرأ هذه الآية، وقال هؤلاء جند وهؤلاء جند، أخرجه ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه، وقيل هم أشراف الملائكة، قاله مقاتل بن حيان، وقيل هم حفظة على الملائكة قاله ابن أبي نجيح. وقيل هم بنو آدم قاله الحسن وقتادة، وقيل هم أرواح بني آدم تقوم صفاً وتقوم الملائكة صفاً وذلك بين النفختين قبل أن ترد إلى الأجسام، قاله عطية العوفي، وقيل إنه القرآن قاله زيد بن أسلم، وقال ابن عباس هو ملك من أعظم الملائكة خلقاً. وعن ابن مسعود قال: الروح في السماء الرابعة وهو أعظم من السموات والجبال ومن الملائكة يسبح كل يوم اثني عشر ألف تسبيحة يخلق من كل تسبيحة ملكاً من الملائكة يجيء يوم القيامة صفاً واحداً (١)، أخرجه ابن جرير، وعن ابن عباس قال: (إن جبريل يوم القيامة لقائم بين يدي الجبار ترعد فرائصه فرقاً من عذاب الله يقول سبحانك لا إله إلا أنت ما

стр. 11155

عبدناك حق عبادتك ما بين منكبيه كما بين المشرق والمغرب، أما سمعت قول الله: (يوم يقوم الروح والملائكة صفاً) (١) أخرجه أبو الشيخ، وعنه قال يقول حين تقوم أرواح الناس مع الملائكة فيما بين النفختين قبل أن ترد الروح إلى الأجساد، أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات. (لا يتكلمون) أي الخلائق ثم خوفاً وإجلالاً لعظمة الله ﷻ من هول ذلك اليوم ولا يشفعون لأحد (إلا من أذن له الرحمن) بالشفاعة أو لا يتكلمون إلا في حق من أذن له الرحمن. (و) كان ذلك الشخص ممن (قال صواباً) قال الضحاك ومجاهد: صواباً يعني حقاً وقال أبو صالح: لا إله إلا الله، وبه قال ابن عباس، وأصل الصواب السداد من القول والفعل، قيل لا يتكلمون يعني الملائكة والروح الذين قاموا صفاً هيبة وإجلالاً إلا من أذن له الرحمن منهم في الشفاعة، وهم قد قالوا صواباً، قال الحسن: إن الروح يقول يوم القيامة لا يدخل أحد الجنة إلا بالروح، ولا النار إلا بالعمل. قال الواحدي: فهم لا يتكلمون يعني الخلق كلهم إلا من أذن له الرحمن وهم المؤمنون والملائكة، وقال في الدنيا صواباً أي شهد بالتوحيد. قال البيضاوي: قوله لا يتكلمون الخ تقرير وتأكيد لقوله: (لا يملكون) فإن هؤلاء الذين هم أفضل الخلائق وأقربهم من الله إذ لم يقدروا أن يتكلموا بما يكون صواباً كالشفاعة لمن ارتضى إلا بإذنه فكيف يملكه غيرهم. والإشارة بقوله:

стр. 11156

(ذلك) إلى يوم قيامهم على تلك الصفة وهو مبتدأ وخبره (اليوم الحق) أي الكائن الواقع المتحقق الثابت وقوعه (فمن شاء اتخذ إلى ربه مآباً) أي مرجعاً يرجع إليه بالعمل الصالح لأنه إذا عمل خيراً

стр. 11157

قربه إلى الله، وإذا عمل شراً باعده منه، قال قتادة مآباً سبيلاً. قال أبو السعود: الفاء فصيحة تفصح عن شرط محذوف ومفعول المشيئة محذوف، وقوله: (إلى ربه) أي إلى ثوابه، وهو متعلق بمآباً كأنه قيل وإذا كان الأمر كما ذكر من تحقق اليوم المذكور لا محالة فمن شاء أن يتخذ مرجعاً إلى ثواب ربه الذي ذكر شأنه العظيم فعل ذلك بالإيمان والطاعة، وتعلق الجار به لما فيه من معنى الإفضاء والإيصال انتهى. ثم زاد سبحانه في تخويف الكفار فقال:

стр. 11158

(إنا أنذرناكم) يا كفار مكة (عذاباً قريباً) يعني العذاب في الآخرة وكل ما هو آت فهو قريب، ومثله قوله: (كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها) كذا قال الكلبي وغيره، وقال قتادة هو عذاب الدنيا لأنه أقرب العذابين، قال مقاتل هو قتل قريش ببدر، والأول أولى لقوله: (يوم ينظر المرء) أي كل امرىء مسلماً كان أو كافراً (ما قدمت يداه) أي يشاهد كل ما قدمه من خير أو شر لقوله: (ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (١٨١) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ) وتخصيص الأيدي لأن أكثر الأعمال يقع بها، وإن احتمل أن لا يكون للأيدي مدخل فيما ارتكب من الآثام، و " ما " موصولة أو استفهامية قال الحسن والمرء هنا هو المؤمن أي يجد لنفسه عملاً، فأما الكافر فلا يجد لنفسه عملاً فيتمنى أن يكون تراباً، وقيل المراد به الكافر على العموم، وقيل أبيّ بن خلف وعقبة بن أبي معيط، والأول أولى لقوله: (ويقول الكافر يا ليتني كنت تراباً) فإن الكافر واقع في مقابلة المرء. والمراد جنس الكافر يتمنى أن يكون تراباً لما يشاهده مما قد أعده الله له من أنواع العذاب. والمعنى أنه يتمنى أنه كان تراباً في الدنيا فلم يخلق ولم يكلف، أو تراباً يوم القيامة فلم يبعث، وقيل المراد بالكافر أبو جهل، وقيل أبو سلمة بن عبد الأسد المخزومي، وقيل إبليس، والأول أولى اعتباراً بعموم اللفظ ولا ينافيه خصوص السبب كما تقدم غير مرة، ووضع الظاهر موضع

стр. 11159

المضمر لزيادة الذم. عن أبي هريرة: " قال يحشر الخلق كلهم يوم القيامة البهائم والدواب والطير وكل شيء فيبلغ من عذاب الله أن يؤخذ للجمَّاء من القرناء ثم يقول كوني تراباً فذلك حين يقول الكافر يا ليتني كنت تراباً " أخرجه عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث والنشور. وأما الجن فقال أبو الزناد يعودون تراباً أيضاًً. وقال عمر بن عبد العزيز ومجاهد وغيرهما مؤمنو الجن حول الجنة في ربض ورحاب وليسوا فيها، والذي عليه الأكثرون أنهم مكلفون مثابون ومعاقبون، فالمؤمن يدخل الجنة، والكافر يدخل النار كبني آدم، ذكره الخطيب والله أعلم بالصواب.

стр. 11160

سورة النازعات وتسمى سورة الساهرة خمس أو ست وأربعون آية وهي مكية بلا خلاف قال ابن عباس نزلت بمكة وعن ابن الزبير مثله.

стр. 11161

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا (١) وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا (٢) وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا (٣) فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا (٤) فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (٥) يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧)

стр. 11162

(وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا) أقسم سبحانه بهذه الأشياء التي ذكرها وهي الملائكة التي تنزع أرواح العباد عن أجسادهم كما ينزع النازع في القوس فيبلغ بها غاية المد، وكذا المراد بالناشطات والسابحات والسابقات والمدبرات، يعني الملائكة (١) ، والعطف مع اتحاد الكل لتنزيل التغاير الوصفي منزلة التغاير الذاتي، وإنما جاءت هذه الأقسام بلفظ التأنيث والكل وصف للملائكة مع أنهم ليسوا إناثاً لأن المقسم به طوائف من الملائكة، والطوائف جمع طائفة وهي مؤنثة، وهذا قول الجمهور من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. وقال السدي: النازعات هي النفوس حين تغرق في الصدور، وقال مجاهد: هي الموت ينزع النفس، وقال قتادة: هي النجوم تنزع من أفق إلى أفق، من قولهم نزع إليه إذا ذهب، أو من قولهم نزعت بالحبل أي أنها تغرب وتغيب وتطلع من أفق آخر، وبه قال أبو عبيدة والأخفش وابن كيسان. وقال عطاء وعكرمة: النازعات القسي تنزع بالسهام، وإغراق النازع في القوس أن يمده غاية المد حتى ينتهي به إلا النصل، وقيل أراد بالنازعات

стр. 11163

الغزاة الرماة، وانتصاب غرقاً على أنه مصدر محذوف الزوائد أي إغراقاً، والناصب له ما قبله لملاقاته له في المعنى أي إغراقاً في النزع حيث تنزعها من أقاصي الأجساد، أو على الحال أي ذوات إغراق يقال أغرق في الشيء يغرق فيه إذا أوغل فيه وبلغ غايته، وعن علي قال: هي الملائكة تنزع أرواح الكفار، وعن ابن عباس قال: هي أنفس الكفار تنزع ثم تنشط ثم تغرق في النار وقال ابن مسعود الملائكة الذين يلون أنفس الكفار.

стр. 11164

(و) معنى (الناشطات نشطاً) أنها تنشط النفوس أن تخرجها من الأجساد كما ينشط العقال من يد البعير إذا حل عنه حلاً رفيقاً، ونشط الرجل الدلو في البئر إذا أخرجها، والنشاط الجذب بسرعة، ومنه الأنشوطة للعقدة التي يسهل حلها. قال أبو زيد نشطت الحبل أنشطه نشطاً عقدته، وأنشطته أي حللته وأنشطت الحبل أي مددته، قال الفراء أنشط العقال أي حل ونشط أي ربط الحبل في يديه، قال الأصمعي بئراً نشاط أي قريبة القعر يخرج الدلو منها بجذبة واحدة، وبئر نشوط وهي التي لا يخرج منها الدلو حتى ينشط كثيراً، وقال مجاهد هو الموت ينشط نفس الإنسان، وبه قال ابن عباس، وقال السدي: هي النفوس حين تنشط من القدمين، وقال عكرمة وعطاء: هي الأوهاق التي تنشط السهام، وقال قتادة والحسن والأخفش هي النجوم تنشط من أفق إلى أفق أي تذهب. قال في الصحاح والناشطات نشطاً يعني النجوم من برج إلى برج كالثور الناشط من بلد إلى بلد والهموم تنشط بصاحبها، وقال أبو عبيدة وقتادة هي الوحوش حين تنشط من بلد إلى بلد، وقيل الناشطات لأرواح المؤمنين والنازعات لأرواح الكافرين لأنها تجذب روح المؤمن برفق، وتجذب روح الكافر بعنف. وقوله نشطاً مصدر وكذا سبحاً وسبقاً، قال علي: هي الملائكة تنشط

стр. 11165

أرواح الكفار ما بين الأظفار والجلد حتى تخرجها، وعن معاذ بن جبل قال: قال لي رسول الله ﵌ " لا تمزق الناس فتمزقك كلاب النار، قال الله والناشطات نشطاً أتدري ما هو؟ قلت يا نبي الله ما هو؟ قال: كلاب في النار تنشط اللحم والعظم " أخرجه ابن مردويه.

стр. 11166

(والسابحات سبحاً) هي الملائكة تسبح في الأبدان لإخراج الأرواح كما يسبح الغواص في البحر لإخراج شيء منه، يعني الملائكة يقبضون أرواح المؤمنين يسلونها سلاً رفيقاً ثم يدعونها حتى تستريح ثم يستخرجونها كالسابح في الماء يتحرك فيه برفق ولطافة. وقال مجاهد وأبو صالح: هي الملائكة ينزلون من السماء مسرعين لأمر الله كما يقال للفرس الجواد سابح إذا أسرع في جريه، وقال مجاهد: أيضاًً السابحات الموت يسبح في نفوس بني آدم، وقيل هي الخيل السابحة في الغزو، وقال قتادة والحسن هي النجوم تسبح في أفلاكها كما في قوله: (وكل في فلك يسبحون) وقال عطاء هي السفن تسبح في الماء. وقيل هي أرواح المؤمنين تسبح شوقاً إلى الله، وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه هي الملائكة تسبح بأرواح المؤمنين بين السماء والأرض.

стр. 11167

(فالسابقات سبقاً) هم الملائكة على قول الجمهور كما سلف، قال مسروق ومجاهد: تسبق الملائكة الشياطين بالوحي إلى الأنبياء، وقال أبو روق هي الملائكة سبقت ابن آدم بالخير والعمل الصالح. وروي نحوه عن مجاهد، وقال مقاتل هي الملائكة تسبق بأرواح المؤمنين إلى الجنة، وقال الربيع هي أنفس المؤمنين تسبق إلى الملائكة شوقاً إلى الله، وقال علي كرم الله وجهه: هي الملائكة يسبق بعضها بعضاً بأرواح المؤمنين إلى الله تعالى، وقال مجاهد: أيضاًً هو الموت يسبق الإنسان، وقال قتادة والحسن ومعمر: هي النجوم يسبق بعضها في السير بعضاً. وقال عطاء: هي الخيل التي تسبق إلى الجهاد، وقيل هي الأرواح التي تسبق الأجساد إلى الجنة أو النار.

стр. 11168

قال الجرجاني عطف السابقات بالفاء لأنها مسببة عن التي قبلها أي واللاتي يسبحن فيسبقن. تقول قام فذهب، فهذا يوجب أن يكون القيام سبباً للذهاب، ولو قلت قام وذهب بالواو، لم يكن القيام سبباً للذهاب، قال الواحدي: وهذا غير مطرد في قوله الآتي:

стр. 11169

(فالمدبرات أمراً) لأنه يبعد أن يجعل السبق سبباً للتدبير. قال الرازي ويمكن الجواب عما قاله الواحدي بأنها لما أمرت سبحت فسبقت فدبرت ما أمرت بتدبيره، فتكون هذه أفعالاً يتصل بعضها ببعض، كقوله قام زيد فذهب فضرب عمراً. ولما سبقوا في الطاعات وسارعوا إليها ظهرت أمانتهم ففوض إليهم التدبير. ويجاب عنه بأن السبق لا يكون سبباً للتدبير كسببية السبح للسبق، والقيام للذهاب ومجرد الإتصال لا يوجب السببية والمسببية. والأولى أن يقال العطف بالفاء في المدبرات طوبق به ما قبله من عطف السابقات بالفاء ولا يحتاج إلى نكتة كما احتاج إليها ما قبله لأن النكتة إنما تطلب لمخالفة اللاحق للسابق لا لمطابقته وموافقته. (فالمدبرات أمراً) قال علي هي الملائكة تدبر أمر العباد من السنة إلى السنة. وعنه يدبرون ذكر الرحمن وأمره، وقال ابن عباس ملائكة يكونون مع ملك الموت يحضرون الموتى عند قبض أرواحهم فمنهم من يعرج بالروح، ومنهم من يؤمن على الدعاء، ومنهم من يستغفر للميت حتى يصلى عليه ويدلى في حفرته، قال القشيري أجمعوا على أن المراد هنا الملائكة. وقال الماوردي فيه قولان: (أحدهما) الملائكة وهو قول الجمهور، والثاني إنها الكواكب السبع، حكاه خالد بن معدان عن معاذ بن جبل، وفي تدبيرها الأمر وجهان (أحدهما) تدبر طلوعها وأفولها (الثاني) تدبر ما قضاه الله فيها من الأحوال.

стр. 11170

ومعنى تدبير الملائكة للأمر نزولها بالحلال والحرام وتفصيلهما والفاعل للتدبير في الحقيقة وإن كان هو الله لكن لما نزلت الملائكة به وصفت به، وقيل إن الملائكة لما أمرت بتدبير أهل الأرض في الرياح والأمطار وغير ذلك قيل لها مدبرات. قال عبد الرحمن بن ساباط تدبير أمر الدنيا إلى أربعة من الملائكة جبريل وميكائيل وعزرائيل وإسرافيل، أما جبريل فموكل بالرياح والجنود، وأما ميكائيل فموكل بالقطر والنبات، وأما عزرائيل فموكل بقبض الأنفس، وأما إسرافيل فهو ينزل بالأمر عليهم. وجواب القسم بهذه الأمور التي أقسم الله بها محذوف أي والنازعات وكذا وكذا لتبعثن. قال الفراء وحذف لمعرفة السامعين به ويدل عليه قوله (أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً) وقيل إن جواب القسم لقوله (إن في ذلك لعبرة لمن يخشى) أي أن في يوم القيامة وذكر موسى وفرعون لعبرة لمن يخشى، قال ابن الأنباري وهذا قبيح لأن الكلام قد طال بينهما. وقيل جواب القسم (هل أتاك حديث موسى) لأن المعنى قد أتاك وهذا ضعيف جداً. وقيل الجواب
следующие страницы →