← Тафсир

Тафсир · id 37458

فتح البيان في مقاصد القرآن

صديق حسن خان

Полный текст (12 043 стр.). Показаны 11166–11205 · переход к 11171.

стр. 11166

(والسابحات سبحاً) هي الملائكة تسبح في الأبدان لإخراج الأرواح كما يسبح الغواص في البحر لإخراج شيء منه، يعني الملائكة يقبضون أرواح المؤمنين يسلونها سلاً رفيقاً ثم يدعونها حتى تستريح ثم يستخرجونها كالسابح في الماء يتحرك فيه برفق ولطافة. وقال مجاهد وأبو صالح: هي الملائكة ينزلون من السماء مسرعين لأمر الله كما يقال للفرس الجواد سابح إذا أسرع في جريه، وقال مجاهد: أيضاًً السابحات الموت يسبح في نفوس بني آدم، وقيل هي الخيل السابحة في الغزو، وقال قتادة والحسن هي النجوم تسبح في أفلاكها كما في قوله: (وكل في فلك يسبحون) وقال عطاء هي السفن تسبح في الماء. وقيل هي أرواح المؤمنين تسبح شوقاً إلى الله، وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه هي الملائكة تسبح بأرواح المؤمنين بين السماء والأرض.

стр. 11167

(فالسابقات سبقاً) هم الملائكة على قول الجمهور كما سلف، قال مسروق ومجاهد: تسبق الملائكة الشياطين بالوحي إلى الأنبياء، وقال أبو روق هي الملائكة سبقت ابن آدم بالخير والعمل الصالح. وروي نحوه عن مجاهد، وقال مقاتل هي الملائكة تسبق بأرواح المؤمنين إلى الجنة، وقال الربيع هي أنفس المؤمنين تسبق إلى الملائكة شوقاً إلى الله، وقال علي كرم الله وجهه: هي الملائكة يسبق بعضها بعضاً بأرواح المؤمنين إلى الله تعالى، وقال مجاهد: أيضاًً هو الموت يسبق الإنسان، وقال قتادة والحسن ومعمر: هي النجوم يسبق بعضها في السير بعضاً. وقال عطاء: هي الخيل التي تسبق إلى الجهاد، وقيل هي الأرواح التي تسبق الأجساد إلى الجنة أو النار.

стр. 11168

قال الجرجاني عطف السابقات بالفاء لأنها مسببة عن التي قبلها أي واللاتي يسبحن فيسبقن. تقول قام فذهب، فهذا يوجب أن يكون القيام سبباً للذهاب، ولو قلت قام وذهب بالواو، لم يكن القيام سبباً للذهاب، قال الواحدي: وهذا غير مطرد في قوله الآتي:

стр. 11169

(فالمدبرات أمراً) لأنه يبعد أن يجعل السبق سبباً للتدبير. قال الرازي ويمكن الجواب عما قاله الواحدي بأنها لما أمرت سبحت فسبقت فدبرت ما أمرت بتدبيره، فتكون هذه أفعالاً يتصل بعضها ببعض، كقوله قام زيد فذهب فضرب عمراً. ولما سبقوا في الطاعات وسارعوا إليها ظهرت أمانتهم ففوض إليهم التدبير. ويجاب عنه بأن السبق لا يكون سبباً للتدبير كسببية السبح للسبق، والقيام للذهاب ومجرد الإتصال لا يوجب السببية والمسببية. والأولى أن يقال العطف بالفاء في المدبرات طوبق به ما قبله من عطف السابقات بالفاء ولا يحتاج إلى نكتة كما احتاج إليها ما قبله لأن النكتة إنما تطلب لمخالفة اللاحق للسابق لا لمطابقته وموافقته. (فالمدبرات أمراً) قال علي هي الملائكة تدبر أمر العباد من السنة إلى السنة. وعنه يدبرون ذكر الرحمن وأمره، وقال ابن عباس ملائكة يكونون مع ملك الموت يحضرون الموتى عند قبض أرواحهم فمنهم من يعرج بالروح، ومنهم من يؤمن على الدعاء، ومنهم من يستغفر للميت حتى يصلى عليه ويدلى في حفرته، قال القشيري أجمعوا على أن المراد هنا الملائكة. وقال الماوردي فيه قولان: (أحدهما) الملائكة وهو قول الجمهور، والثاني إنها الكواكب السبع، حكاه خالد بن معدان عن معاذ بن جبل، وفي تدبيرها الأمر وجهان (أحدهما) تدبر طلوعها وأفولها (الثاني) تدبر ما قضاه الله فيها من الأحوال.

стр. 11170

ومعنى تدبير الملائكة للأمر نزولها بالحلال والحرام وتفصيلهما والفاعل للتدبير في الحقيقة وإن كان هو الله لكن لما نزلت الملائكة به وصفت به، وقيل إن الملائكة لما أمرت بتدبير أهل الأرض في الرياح والأمطار وغير ذلك قيل لها مدبرات. قال عبد الرحمن بن ساباط تدبير أمر الدنيا إلى أربعة من الملائكة جبريل وميكائيل وعزرائيل وإسرافيل، أما جبريل فموكل بالرياح والجنود، وأما ميكائيل فموكل بالقطر والنبات، وأما عزرائيل فموكل بقبض الأنفس، وأما إسرافيل فهو ينزل بالأمر عليهم. وجواب القسم بهذه الأمور التي أقسم الله بها محذوف أي والنازعات وكذا وكذا لتبعثن. قال الفراء وحذف لمعرفة السامعين به ويدل عليه قوله (أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً) وقيل إن جواب القسم لقوله (إن في ذلك لعبرة لمن يخشى) أي أن في يوم القيامة وذكر موسى وفرعون لعبرة لمن يخشى، قال ابن الأنباري وهذا قبيح لأن الكلام قد طال بينهما. وقيل جواب القسم (هل أتاك حديث موسى) لأن المعنى قد أتاك وهذا ضعيف جداً. وقيل الجواب

стр. 11171

(يوم ترجف الراجفة) على تقدير ليوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة. قال السجستاني: يجوز أن يكون هذا من التقديم والتأخير كأنه قال فإذا هم بالساهرة والنازعات، قال ابن الأنباري وهذا خطأ لأن الفاء لا يفتتح بها الكلام والأول أولى. وقال الكرخي الفاء فيهما للدلالة على ترتبهما بغير مهلة، وهو من عطف المقسم به والمعطوف بالواو من عطف الصفات بعضها على بعض، والعطف مع اتحاد الكل بتنزيل التغاير العنواني منزلة التغاير الذاتي للإشعار بأن كل واحد من الأوصاف المعدودة من معظمات الأمور حقيق بأن يكون على حياله

стр. 11172

مناطاً لاستحقاق موصوفه للإجلال والإعظام بالإقسام به من غير انضمام الأوصاف الأخر إليه. (يوم ترجف الراجفة) انتصاب هذا الظرف بالجواب المقدر للقسم أو بإضمار اذكر، والراجفة المضطربة، يقال رجف يرجف إذا اضطرب، والمراد هنا الصيحة العظيمة التي فيها تردد واضطراب كالرعد وهي النفخة الأولى التي يموت بها جميع الخلائق، قاله ابن عباس.

стр. 11173

(تتبعها الرادفة) هي النفخة الثانية التي تكون عند البعث، قاله ابن عباس وبينهما أربعون سنة، فاليوم واسع للنفختين وغيرهما فصح ظرفيته للبعث الواقع عقب الثانية، وسميت رادفة لأنها ردفت النفخة الأولى، كذا قال جمهور المفسرين وقال ابن زيد: الراجفة الأرض، والرادفة الساعة، وقال مجاهد الراجفة الزلزلة تتبعها المرادفة الصيحة، وقيل الراجفة اضطراب الأرض والرادفة الزلزلة. وأصل الرجفة الحركة، وليس المراد التحرك هنا فقط بل الراجفة هنا مأخوذة من قولهم رجف الرعد يرجف رجفاً ورجيفاً إذا ظهر صوته، ومنه سميت الأراجيف لإضطراب الأصوات بها وظهور الأصوات فيها، ومحل تتبعها الرادفة النصب على الحال من الراجفة. والمعنى لتبعثن يوم النفخة الأولى حال كون النفخة الثانية تابعة لها، وعن أبيّ بن كعب قال: " كان رسول الله ﷺ إذا ذهب ربع الليل قام فقال: يا أيها الناس اذكروا الله جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه " أخرجه أحمد والترمذي وحسنه والحاكم وصححه وغيرهم. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ " ترجف الأرض رجفاً وتزلزل بأهلها وهي التي يقول الله (يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ) يقول مثل السفينة في البحر تكفأ بأهلها مثل القنديل المعلق بأرجائها. أخرجه أبو الشيخ وابن مردويه والديلمي.

стр. 11174

قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (٨) أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ (٩) يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ (١٠) أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً (١١) قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ (١٢) فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤) هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (١٥) إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٦) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (١٧) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (١٩)

стр. 11175

(قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ) قلوب مبتدأ ويومئذ منصوب بواجفة. وواجفة صفة لقلوب وهو المسوغ للإبتداء بالنكرة أي قلوب مضطربة خائفة قلقة خافقة لما عاينت من أهوال يوم القيامة، قال جمهور المفسرين. أي خائفة وجلة، وقال ابن عباس: وجلة متحركة، وقال السدي زائلة عن أماكنها نظيره (إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ) وقال المؤرج: قلقة مستوفزة، وقال المبرد: مضطربة يقال وجف القلب يجف وجيفاً إذا خفق كما يقال وجب يجب وجيباً، والإيجاف السير السريع فأصل الوجيف إضطراب القلب، وقال ابن عباس: خائفة.

стр. 11176

(أبصارها) مبتدأ ثان وخبره (خاشعة) والجملة خبر الأول، في الكلام حذف مضاف تقديره أبصار أصحاب القلوب ذليلة، والضمير راجع إلى أصحاب القلوب فهو من الإستخدام والمراد أنها تظهر عليهم الذلة والخشوع عند معاينة أهوال يوم القيامة، كقوله (خاشعين من الذل) قال عطاء يريد أبصار من مات على غير الإسلام ويدل على هذا أن السياق في منكري البعث.

стр. 11177

(يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ) هذا حكاية لما يقوله المنكرون للنعت في الدنيا إستهزاء وإنكاراً للبعث إذا قيل لهم أنكم تبعثون، أي أنرد إلى أول حالنا وإبتداء أمرنا فنصير أحياء بعد موتنا، يقال رجع فلان في حافرته أي رجع من حيث جاء والحافرة عند العرب إسم لأول الشيء وإبتداء الأمر، ومنه قولهم رجع فلان على حافرته أي على الطريق الذي جاء منه، يقال النقد عند

стр. 11178

الحافرة أي عند الحالة الأولى وهي الصفقة، ويقال اقتتل القوم عند الحافرة أي عند أول ما التقوا، وسميت الطريق التي جاء منها حافرة لتأثيره فيها بمشيه فيها فهي حافرة بمعنى محفورة، وقيل الحافرة العاجلة. والمعنى إنا لمردودون إلى الدنيا وقيل الحافرة جمع حافر بمعنى القدم أي أنمشي أحياء على أقدامنا ونطأ بها الأرض، وقيل فاعلة بمعنى مفعولة، وقيل على النسب أي ذات حفر، والمراد الأرض، وقيل الحافرة الأرض التي يحفر فيها قبورهم، والمعنى إنا لمردودون في قبورنا أحياء، كذا قال الخليل والفراء وبه قال مجاهد، وقال ابن زيد: الحافرة النار، واستدل بقوله (تلك إذاً كرة خاسرة) قال ابن عباس في الحافرة أي الحياة وعنه قال خلقاً جديداً، قرأ الجمهور في الحافرة، وقرأ أبو حيوة في الحفرة. ثم زادوا في الاستبعاد بقولهم

стр. 11179

(أئذا كنا عظاماً نخرة) أي بالية متفتتة يقال نخر العظم بالكسر إذا بلي، وهذا تأكيد لإنكار البعث أي كيف نرد أحياء ونبعث إذا كنا عظاماً نخرة، والعامل في " إذا " مضمر يدل عليه مردودون أي أئذا كنا عظاماً بالية نرد ونبعث مع كونها أبعد شيء من الحياة. قرأ الجمهور نخرة، وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر ناخرة، واختار الأولى أبو عبيدة وأبو حاتم، والثانية الفراء وابن جرير وأبو معاذ النحوي. قال أبو عمرو بن العلاء: الناخرة التي لم تنخر بعد أي لم تبل ولا بد أن تنخر، وقيل هما بمعنى، تقول العرب نخر الشيء فهو ناخر ونخر، وطمع فهو طامع وطمع ونحو ذلك، قال الأخفش هما جميعاً لغتان أيهما قرأت فحسن. وقيل الناخرة التي أكلت أطرافها وبقيت أوساطها، والنخرة التي فسدت كلها، وقال مجاهد نخرة أي مرفوتة كما في قوله (رفاتاً) وقيل الناخرة المجوفة التي تمر فيها الريح فتنخر أي تصوت، وقد قرىء إذا كنا وأإذا كنا بالإستفهام وبعدمه.

стр. 11180

ثم ذكر سبحانه عنهم قولاً آخر قالوه فقال

стр. 11181

(قالوا تلك إذاً كرة خاسرة) أي رجعة ذات خسران لما يقع على أصحابها من الخسران، والمعنى أنهم قالوا إن رددنا بعد الموت لنخسرن بما يصيبنا بعد الموت مما يقوله محمد، وهذا إستهزاء منهم، وقيل معنى خاسرة كاذبة أي ليست بكائنة كذا قال الحسن وغيره، وقال الربيع بن أنس: خاسرة على من كذب بها، وقال قتادة ومحمد بن كعب: أي لئن رجعنا بعد الموت لنخسرن بالنار، وإنما قالوا هذا لأنهم أوعدوا بالنار، والكرة الرجعة والجمع كرات. وقوله

стр. 11182

(فإنما هي زجرة واحدة) تعليل لما يدل عليه ما تقدم من استبعادهم لبعث العظام النخرة وإحياء الأموات، والمعنى لا تستبعدوا ذلك فإنما هي زجرة واحدة وكان ذلك الإحياء والبعث، والمراد بالزجرة الصيحة وهي النفخة الثانية التي يكون البعث بها، وقيل أن الضمير في (إنما هي) راجع إلى المرادفة المتقدم ذكرها التي يعقبها البعث وسميت هذه النفخة زجرة لأنه يفهم منها النهي عن التخلف والمنع منه، وعبارة الخطيب وعبر بالزجرة لأنها أشد من النهي لأنها صيحة لا يتخلف عنها القيام أصلاً.

стр. 11183

(فإذا هم بالساهرة) أي فإذا الخلائق الذين قد ماتوا ودفنوا أحياء على وجه الأرض، قال الواحدي المراد بالساهرة وجه الأرض وظاهرها في قول الجميع، قال الفراء سميمت بهذا الإسم لأن فيها نوم الحيوان وسهرهم، وقيل لأنه يسهر في فلاتها خوفاً منها فسميت بذلك، قال في الصحاح الساهرة وجه الأرض، ومنه قوله (فإذا هم بالساهرة) وقال الساهرة أرض بيضاء، وقيل أرض من فضة لم يعص الله فيها، وقيل الساهرة الأرض السابعة يأتي بها الله سبحانه فيحاسب عليها الخلائق. وقال سفيان الثوري: الساهرة أرض الشام أو أرض مكة أو أرض القيامة، وقال قتادة هي جهنم، أي فإذا هؤلاء الكفار في جهنم، وإنما قيل لها ساهرة لأنهم لا ينامون فيها لاستمرار عذابهم، وقال ابن عباس هي وجه

стр. 11184

الأرض وفي لفظ الأرض كلها ساهرة. وجملة

стр. 11185

(هل أتاك حديث موسى) مستأنفة مسوقة لتسلية رسول الله ﵌ عن تكذيب قومه، وأنه يصيبهم مثل ما أصاب من كان قبلهم ممن هو أقوى منهم، ومعنى (هل أتاك) قد جاءك وبلغك، وهذا على تقدير أن قد سمع من قصص فرعون وموسى ما يعرف به حديثهما، وعلى تقدير أن هذا أول ما نزل عليه في شأنهما فيكون المعنى على الإستفهام إذ لا وجه لحملة على الإقرار حينئذ أي هل أتاك حديثه؟ أنا أخبرك به.

стр. 11186

(إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى) الظرف متعلق بحديث لا بأتاك لاختلاف وقتيهما، وقد مضى من خبر موسى وفرعون في غير موضع ما فيه كفاية. والواد المقدس المبارك المطهر غاية الطهر بتشريف الله له بإنزال النبوة فيه المفيضة للبركات، قال الفراء (طوى) واد بين المدينة ومصر سمي طوى لأنه طوى فيه الشر عن بني إسرائيل أو لأن موسى طواه بالليل إذ مر به فارتفع إلى أعلى الوادي، وقيل واد بالشام عند الصور بين أيلة ومصر، وهو معدول من طاو كما عدل عمر من عامر، قاله الفراء، قال: والصرف أحب إلي إذ لم أجد في المعدول نظيراً له. وقيل طوى معناه بالعبرانية يا رجل فكأنه قيل يا رجل، وقيل المعنى أن الوادي المقدس بورك فيه مرتين والأول أولى، وقد مضى تحقيق القول فيه، قرىء طوى بالتنوين وتركه وهما سبعيتان، قال الجوهري طوى اسم موضع بالشام تكسر طاؤه وتضم ويصرف ولا يصرف، فمن صرفه جعله إسم واد ومكان وجعله نكرة، ومن لم يصرفه جعله بلدة وبقعة وجعله معرفة.

стр. 11187

(إذهب إلى فرعون) قيل هو على تقدير القول، وقيل هو تفسير للنداء أي ناداه نداء هو قوله إذهب، وقيل هو على حذف (أن) المفسرة ويؤيده قراءة ابن مسعود (أن اذهب) لأن في النداء معنى القول.

стр. 11188

وجملة (إنه طغى) تعليل للأمر أو لوجوب الإمتثال أي جاوز الحد في العصيان والفساد والتكبر والكفر بالله، قال الرازي ولم يبين أنه طغى في أي شيء فقيل تكبر على الله وكفر به، وقيل تكبر على الخلق واستعبدهم.

стр. 11189

(فقل هل لك أن تزكى) أي قل له بعد وصولك إليه هل لك رغبة إلى التزكي وهو التطهر من الشرك، وأصله تتزكى، قرأ الجمهور بالتخفيف، وقرأ نافع وابن كثير بتشديد الزاي على إدغام التاء في الزاي. قال أبو عمرو ابن العلاء معنى قراءة التخفيف تكون زكياً مؤمناً، ومعنى قراءة التشديد الصدقة، وفي الكلام مبتدأ مقدر تتعلق به إلى، والتقدير هل لك رغبة أو توجه أو سبيل إلى التزكي، ومثل هذا قولهم هل لك في الخير يريدون هل لك رغبة في الخير، وقال ابن عباس: هل لك أن تقول لا إله إلا الله، وقيل معناه هل لك أن تسلم وتصلح العمل، أمر ﵇ أن يخاطبه بالإستفهام الذي معناه العرض ليستدعيه بالتلطف ويستنزله بالمداراة من عتوه، وهذا نوع تفصيل لقوله (فقولا له قولاً ليِّناً لعله يتذكر أو يخشى).

стр. 11190

(وأهديك إلى ربك فتخشى) أي أرشدك إلى عبادته وتوحيده فتخشى عقابه، والفاء لترتيب الخشية على الهداية لأن الخشية لا تكون إلا من مهتد راشد، قال ابن عطاء الخشية أتم من الخوف، لأنها صفة العلماء في قوله تعالى (إنما يخشى الله من عباده العلماءُ) أي العلماء به رواه السلمي. وعن الواسطي: أوائل العلم الخشية ثم الإجلال ثم الهيبة ثم التعظيم ثم الفناء (١) وعن بعضهم من تحقق بالخوف ألهاه خوفه عن كل مفروح به، وألزمه الكمد إلى أن يظهر له الأمن من خوفه، ذكره الكرخي.

стр. 11191

فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (٢٠) فَكَذَّبَ وَعَصَى (٢١) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (٢٢) فَحَشَرَ فَنَادَى (٢٣) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (٢٥) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٢٦) أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (٣٢) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٣)

стр. 11192

(فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى) هذه الفاء هي الفصيحة لإفصاحها عن كلام محذوف يعني فذهب فقال له ما قال مما حكاه الله في غير موضع، وأجاب عليه بما أجاب إلى أن قال: إن كنت جئت بآية فأت بها فعند ذلك أراه الآية الكبرى. واختلف فيها ما هي فقيل العصا، وقيل يده وقيل فلق البحر، وقيل هي جميع ما جاء به من الآيات التسع، والأول أولى ثم اليد، والأكثرون على أنه أراهما له، وأطلق عليهما الآية الكبرى لاتحادهما معنى أو أراد بالكبرى العصا وحدها لأنها كانت مقدمة على الأخرى. ولا ينافي هذا قوله في الآية الأخرى (ولقد أريناه آياتنا كلها) وكل آياته كبرى لأن الإخبار هنا عما أراه له أول ملاقاته إياه وهو العصا واليد، ثم أردف ذلك برؤية الكل. ولا مساغ لحمل الآية على مجموع معجزاته فإن ما عدا هاتين الآيتين من الآيات التسع إنما ظهر على يده ﵇ بعد ما غلب السحرة على مهل في نحو من عشرين سنة كما في سورة الأعراف، ولا ريب في أن هذا مطلع القضية وأمر السحرة مترقب بعده.

стр. 11193

(فكذب وعصى) أي فلما أراه الآية الكبرى كذب فرعون بموسى وبما جاء به وعصى الله بعد ظهور الآية وتحقق الأمر فلم يطعه.

стр. 11194

(ثم أدبر) أي تولى وأعرض عن الإيمان، وأتى بثم لأن إبطال الأمر ونقضه يقتضي زماناً طويلاً (يسعى) أي يعمل بالفساد في الأرض ويجتهد في معارضة ما جاء به موسى، وقيل أدبر هارباً من الحية يسعى خوفاً منها، وقال الرازي معنى أدبر يسعى أقبل يسعى كما يقال أقبل يفعل كذا أي أنشأ يفعل كذا فوضع أدبر موضع أقبل، لئلا يوصف بالإقبال، ويسعى حال من الضمير في أدبر.

стр. 11195

(فحشر) أي فجمع جنوده للقتال والمحاربة أو جمع السحرة للمعارضة أو جمع الناس للحضور ليشاهدوا ما يقع أو جمعهم ليمنعوه من الحية (فنادى

стр. 11196

فقال أنا ربكم الأعلى) أي قال لهم بصوت عال أو أمر من ينادي بهذا القول بعد ما قال له موسى ربي أرسلني إليك، والمعنى أنه لا رب فوقي، قال عطاء كان صنع لهم أصناماً صغاراً وأمرهم بعبادتها، وقال أنا رب أصنامكم، وقيل أراد بكونه ربهم أنه قائدهم وسائدهم والأول أولى لقوله في آية أخرى (ما علمت لكم من إله غيري).

стр. 11197

(فأخذه الله نكال الآخرة والأولى) النكال نعت مصدر محذوف أي أخذه أخذ نكال أو هو مصدر لفعل محذوف أي أخذه الله فنكله نكال الآخرة والأولى، أو مصدر مؤكد لمضمون الجملة، ويجوز أن يكون انتصاب نكال على أنه مفعول له أي أخذه الله لأجل نكال، ويجوز أن ينتصب بنزع الخافض أي بنكال، ورجح الزجاج أنه مصدر مؤكد، قال لأن معنى أخذه الله نكل الله به فأخرج من معناه لا من لفظه. وقال الفراء أي أخذه الله أخذاً نكالاً أي للنكال، والنكال اسم لما جعل نكالاً للغير أي عقوبة له، يقال نكل فلان بفلان إذا عاقبه وأصل الكلمة من الإمتناع، ومنه النكول عن اليمين، والنكل القيد، والمراد بنكال الآخرة عذاب النار، ونكال الأولى عذاب الدنيا بالغرق، وقال مجاهد عذاب أول عمره وآخره، وقال قتادة: الآخرة قوله (أنا ربكم الأعلى) والأولى تكذيبه لموسى، وقيل الآخرة قوله (أنا ربكم الأعلى) والأولى قوله (ما

стр. 11198

علمت لكم من إله غيري) قاله ابن عباس وكان بين الكلمتين أربعون سنة، قاله ابن عمرو (١).

стр. 11199

(إن في ذلك) أي فيما ذكر من قصة فرعون وما فعل به (لعبرة) عظيمة (لمن) شأنه أن (يخشى) الله ويتقيه ويخاف عقوبته ويحاذر غضبه.

стр. 11200

(أأنتم أشد خلقاً أم السماء) أي أخلقكم بعد الموت وبعثكم أشد عندكم وفي تقديركم أم خلق السماء، والخطاب لكفار مكة والمقصود به التوبيخ لهم والتبكيت لأن من قدر على خلق السماء التي لها هذا الجرم العظيم، وفيها من عجائب الصنع وبدائع القدرة ما هو بيّن للناظرين، كيف يعجز عن إعادة الأجسام التي أماتها بعد أن خلقها أول مرة، ومثل هذا قوله سبحانه (لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس) وقوله (أليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم). ثم بيّن سبحانه كيفية خلق السماء فقال (بناها) أي جعلها كالبناء المرتفع فوق الأرض

стр. 11201

(رفع سمكها) أي أعلاه في الهواء، وهذا بيان للبناء، أو جعل مقدار ذهابها وارتفاعها في سمت العلو رفيعاً مسيرة خمسمائة عام، يقال سمكت الشيء أي رفعته في الهواء وسمك الشيء سموكاً ارتفع قال الفراء كل شيء حمل شيئاًً من البناء أو غيره فهو سمك، وبناء مسموك وسنام سامك أي عال والسموكات السموات. وقال ابن جزي: السمك غلظ السماء وهو الإرتفاع الذي بين السطح السفلي الأسفل الذي يلينا، وسطحها الأعلى الذي يلي ما فوقها، قال البغوي: رفع سمكها أي سقفها ولينظر ما المراد بسقفها، ويمكن أن يقال

стр. 11202

سقف كل سماء هو السماء التي فوقها كما أن السماء الدنيا سقف للأرض تأمل. قال الكسائي والفراء والزجاج: تمّ الكلام عند قوله بناها لأنه من صلة السماء والتقدير أم السماء التي بناها فحذف التي، ومثل هذا الحذف جائز. ومعنى (فسواها) جعلها مستوية الخلق معتدلة الشكل لا تفاوت فيها ولا اعوجاج ولا فطور، ولا فروج ولا شقوق

стр. 11203

(وأغطش ليلها) الغطش الظلمة بلغة أنمار أي جعله مظلماً يقال أغطش الليل وأغطشه الله كما يقال أظلم الليل وأظلمه الله، ورجل أغطش وامرأة غطشى لا يهتديان. قال الراغب وأصله من الأغطش وهو الذي في عينه عمش، ومنه فلاة غطشى لا يهتدى فيها والتغاطش التعامي، وأضاف الليل إلى السماء لأن الليل يكون بغروب الشمس، والشمس مضافة إلى السماء. (وأخرج ضحاها) أي أبرز نهارها المضيء بإضاءة الشمس وعبر عن النهار بالضحى لأنه أشرف أوقاته وأطيبها، وأضافه إلى السماء لأنه يظهر بظهور الشمس، وهي منسوبة إلى السماء.

стр. 11204

(والأرض بعد ذلك) أي بعد خلق السماء (دحاها) بسطها يقال دحا يدحو دحوا ودحى يدحي دحياً أي بسط ومد فهو من ذوات الواو والياء فيكتب بالألف والياء ويقال لعش المنعامة أدحى لأنه مبسوط على الأرض، قال أمية ابن الصلت: دحوت البلاد فسويتها ... وأنت على طيها قادر قيل دحيت من مكة بعد خلق السماء بألفي عام (١).

стр. 11205

ولا معارضة بين هذه الآية وبين ما تقدم في سورة فصلت من قوله (ثم استوى إلى السماء) بل الجمع بأنه سبحانه خلق الأرض أولاً غير مدحوة ثم خلق السماء ثم دحى الأرض، وقد قدمنا الكلام على هذا مستوفى هنالك، وقدمنا أيضاًً بحثاً في هذا في أول سورة البقرة عند قوله (هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً) وذكر بعض أهل العلم أن (بعد) بمعنى مع كما في قوله (عتل بعد ذلك زنيم) وقيل (بعد) بمعنى قبل كقوله (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر) أي من قبل الذكر، والجمع الذي ذكرناه أولى وهو قول ابن عباس وغير واحد واختاره ابن جرير. وعن ابن عباس أن رجلاً قال له آيتان في كتاب الله تخالف إحداهما الأخرى، فقال إنما أتيت من قبل رأيك قال اقرأ (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ -حتى بلغ- ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ) وقوله (والأرض بعد ذلك دحاها) قال خلق الله الأرض قبل أن يخلق السماء ثم خلق السماء ثم دحى الأرض بعد ما خلق السماء وإنما قوله (دحاها) بسطها، وعنه قال دحاها أن أخرج منها الماء والمرعى وشقق فيها الأنهار وجعل فيها الجبال والرمال والسبل والآكام وما بينهما في يومين. قرأ الجمهور بنصب الأرض على الاشتغال وقرىء بالرفع على الابتداء. ثم فسر سبحانه الدحو فقال:
следующие страницы →