(متاعاً لكم) منصوب بأنبتنا لأنه مصدر مؤكد لعامله لأن إنباته الأشياء إمتاع لجميع الحيوانات، ويحتمل أن العامل محذوف تقديره فعل ذلك متاعاً لكم أو متعكم بذلك تمتيعاً لكم (ولأنعامكم) جمع نعم وهي الإبل والبقر والغنم.
ثم شرع سبحانه في بيان أحوال المعاد فقال:
стр. 11272
(فإذا جاءت الصاخة) يعني صيحة يوم القيامة، وسميت صاخة لشدة صوتها لأنها تصخ الآذان أي تصمها فلا تسمع، وقيل لأنها تصخ لها الأسماع من قولك أصاخ إلى كذا أي ْاستمع إليه، والأول أصح قال الخليل: الصاخة صيحة تصخ الآذان حتى تصمها لشدة وقعها، وأصل الكلمة في اللغة مأخوذ من الصك الشديد يقال، صخه الحجر إذا صكه به، وقال ابن عباس: الصاخة من أسماء يوم القيامة.
قال ابن الأعرابي: الصاخة التي تورث الصمم وأنها لمسمعة، وهذا
стр. 11273
من بديع الفصاحة والفاء للدلالة على ترتيب ما بعدها على ما قبلها من فنون النعم، وجواب (إذا) محذوف يدل عليه قوله الآتي (لكل امرىء منهم) الخ أي فإذا جاءت الصاخة اشتغل كل أحد بنفسه.
стр. 11274
(يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه) الظرف إما بدل من إذا جاءت أو منصوب بمقدر أي أعني، ويكون تفسيراً للصاخة أو بدلاً منها مبني على الفتح، وخص هؤلاء بالذكر لأنهم أخص القرابة وأولاهم بالحنو والرأفة، فالفرار منهم لا يكون إلا لهول عظيم وخطب فظيع، وتبعات بينه وبينهم، والمراد بالفرار التباعد.
والمعنى أنه لا يلتفت إلى واحد من هؤلاء لشغله بنفسه، قيل أول من يفر من أخيه هابيل، ومن أبويه إبراهيم، ومن صاحبته نوح ولوط، ومن ابنه نوح، والعموم أولى، وقيل إنما يفر عنهم حذراً من مطالبتهم إياه بما بينهم. وقيل يفر عنهم لئلا يروا ما هو فيه من الشدة وقيل لعلمه بأنهم لا ينفعونه ولا يغنون عنه شيئاً كما قال تعالى (يوم لا يغني مولى عن مولى شيئاًً).
قال عبد الله بن طاهر الأبهري: يفر منهم لما يتبين له من عجزهم وقلة حيلتهم، إلى من يملك كشف تلك الكروب عنه ولو ظهر له ذلك في الدنيا لما اعتمد شيئاً سوى ربه تعالى.
стр. 11275
(لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه) أي لكل إنسان يوم القيامة شأن يشغله عن الأقرباء ويصرفه عنهم، والجملة مستأنفة لبيان سبب الفرار، قال ابن قتيبة يغنيه أي يصرفه عن قرابته، ومنه يقال أغن عني وجهك أي أصرفه.
عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: " تحشرون حفاة عراة فقالت امرأة أيبصر أحدنا أو يرى بعضنا عورة بعض؟ قال يا فلانة لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه " أخرجه الترمذي، وقال حديث حسن
стр. 11276
صحيح (١).
قرأ الجمهور يغنيه بالغين المعجمة وقرأ ابن محيصن بالعين المهملة مع فتح الياء أي يهمه من عناه الأمر إذا أهمه.
ثم بين مآل أمر المذكورين وانقسامهم إلى الأشقياء والسعداء بعد وقوعهم في داهية عظيمة فقال
стр. 11277
(وجوه) مبتدأ وإن كان نكرة لأنه في مقام التفصيل وحيز التنويع، وهو من مسوغات الابتداء بالنكرة (يومئذ) متعلق به ومعنى (مسفرة) مشرقة متهللة مضيئة، وبه قال ابن عباس، وهي وجوه المؤمنين لأنهم قد علموا إذا ذاك ما لهم من النعيم والكرامة، يقال أسفر الصبح إذا أضاء قال الضحاك: مسفرة من آثار الوضوء وقيل من قيام الليل، وقيل من الغبار في سبيل الله
стр. 11278
(ضاحكة) عند الفراغ من الحساب (مستبشرة) أي فرحة بما نالته من الثواب الجزيل وكرامة الله ورضوانه.
ثم لما فرغ سبحانه من ذكر حال المؤمنين ذكر حال الكفار فقال
стр. 11279
(ووجوه يومئذ عليها غبرة) أي غبار وكدورة لما تراه مما أعده الله لها من العذاب
стр. 11280
(ترهقها قترة) أي يغشاها ويعلوها سواد وكسوف، ولا ترى أوحش من اجتماع الغبرة والسواد في الوجه، والقتر في كلام العرب الغبار كذا قال أبو عبيدة، ويدفع ما قاله أبو عبيدة تقدم ذكر الغبرة فإنها واحدة الغبار، وقال زيد
стр. 11281
بن أسلم القترة ما ارتفعت إلى السماء والغبرة ما انحطت إلى الأرض، قال ابن عباس: ذلة وشدة وعنه أنه قال قترة سواد الوجه.
стр. 11282
(أولئك) يعني أصحاب الوجوه وأهل هذه الحالة (هم الكفرة الفجرة) جمع كافر وفاجر أي الجامعون بين الكفر بالله والفجور، ولذلك جمع إلى سواد وجوههم الغبرة كما جمعوا الفجور إلى الكفر، يقال فجر أي فسق، وفجر أي كذب، وبابهما دخل، وأصله الميل، والفاجر المائل عن الحق.
стр. 11283
سورة التكوير
تسع وعشرون آية وهي مكية بلا خلاف قال ابن عباس نزلت بمكة وعن عائشة وابن الزبير مثله.
وعن ابن عمر قال رسول الله ﷺ : " من سره أن ينظر إلى يوم القيامة كأنه رأى عين فليقرأ (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ)، و (إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ)، (إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ) "، أخرجه الترمذي وحسنه وابن المنذر والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه (١).
قال الكازروني: مناسبتها لما قبلها أنه لما ذكر بعض أحوال القيامة فيما قبلها أردفه ببعض أحوالها الآخر.
(إذا الشمس كورت) أي أظلمت، قاله ابن عباس، ارتفاع الشمس بفعل محذوف يفسره ما بعده على الاشتغال، وهذا عند البصريين، وأعرب الزمخشري الشمس فاعلاً لفعل مقدر يدل عليه كورت، ومنع أن يرتفع بالإبتداء لأن " إذا " تطلب الفعل لما فيها من معنى الشرط، وما منعه من وقوع المبتدأ بعدها أجازه الأخفش والكوفيون، وأجازوا إذا زيد أكرمك فأكرمه، ولكن الأولى ما ذكره.
والتكوير الجمع وهو مأخوذ من كار العمامة على رأسه يكورها قال الزجاج لفت كما تلف العمامة يقال كورت العمامة على رأسي أكورها كوراً وكورتها تكويراً إذا لففتها.
قال أبو عبيدة كورت مثل تكوير العمامة تلف فتجمع، قال الربيع بن خثيم كورت أي رمى بها ومنه كورته فتكور أي سقط قال مقاتل وقتادة والكلبي ذهب ضوؤها، وقال مجاهد اضمحلت وقيل غورت.
قال الواحدي قال المفسرون تجمع الشمس بعضها إلى بعض ثم تلف فيرمى بها. فالحاصل أن التكوير إما بمعنى لف جرمها أو لف ضوئها أو الرمي بها، والمعنى طويت كطي السجل.
عن أبي هريرة عن النبي ﵌ " الشمس والقمر
стр. 11286
يكوران يوم القيامة " أخرجه (١) البخاري، قيل أنهما جمادان فإلقاؤهما في النار يكون سبباً لازدياد الحر في جهنم، وإذا ظرف في هذه المواضع الاثنى عشر وجوابها (علمت نفس) كما سيأتي.
стр. 11287
(وإذا النجوم انكدرت) أي تهافتت وتساقطت وانقضت وتناثرت، يقال انكدر الطائر من الهوى إذا انقض، والأصل في الانكدار الانصباب. قال الخليل يقال انكدر عليهم القوم إذا جاؤوا أرسالاً فانصبوا عليهم، قال أبو عبيدة انصبت كما ينصب العقاب، قال الكلبي وعطاء تمطر السماء يومئذ نجوماً فلا يبقى نجم في السماء إلا وقع على الأرض وقيل انكدارها طمس نورها، وقال ابن عباس تغيرت.
وعن أبي مريم أن النبي ﵌ قال " كورت في جهنم وانكدرت في جهنم فكل من عبد دون الله فهو في جهنم إلا ما كان من عيسى وأمه ولو رضيا أن يعبدا، لدخلاها " أخرجه ابن أبي حاتم والديلمي.
стр. 11288
(وإذا الجبال سيرت) أي قلعت عن وجه الأرض وأبعدت ورفعت عن مكانها بعد تفتيتها وسيرت في الهواء سير السحاب، ومنه قوله (ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة).
стр. 11289
(وإذا العشار عطلت) العشار النوق الحوامل التي في بطونها أولادها، الواحدة عشراء وهي التي قد أتى عليها في الحمل عشرة أشهر، ثم لا يزال ذلك اسمها حتى تضع، وخص العشار لأنها أنفس مال عند العرب وأعزه عندهم. ومعنى عطلت تركت هملاً بلا راع وبلا حلب، قال أبيّ بن كعب أي أهملها أهلها، وذلك لما شاهدوا من الهول العظيم، أو لاشتغالهم بأنفسهم.
قيل وهذا على وجه المثل لأن يوم القيامة لا يكون فيه ناقة عشراء. بل
стр. 11290
المراد أنه لو كان للرجل ناقة عشراء في ذلك اليوم أو نوق عشار لتركها ولم يلتفت إليها اشتغالاً بما هو فيه من هول يوم القيامة، وسيأتي ما يفيد أن هذا في الدنيا.
وقيل العشار السحاب فإن العرب تشبهها بالحامل، ومنه قوله تعالى (فالحاملات وقراً) وتعطيلها عدم إمطارها، وقيل المراد أن الديار تعطل فلا تسكن، وقيل الأرض التي تعشر زرعها تعطل فلا تزرع، قرأ الجمهور عطلت بالتشديد وقرأ ابن كثير في رواية عنه بالتخفيف.
стр. 11291
(وإذا الوحوش) أي ما توحش من دواب البر (حشرت) قرأ الجمهور بالتخفيف، وقرىء بالتشديد أي بعثت وجمعت بعد البعث من كل ناحية حتى يقتص بعضها من بعض، فيقتص للجماء من القرناء.
قال قتادة يحشر كل شيء حتى الذباب للقصاص، فإذا اقتص منها ردت تراباً فلا يبقى منها إلا ما فيه سرور لبني آدم وإعجاب بصورته كالطاووس ونحوه.
وقيل حشرها موتها وقيل أنها مع نفرتها اليوم من الناس وتبددها في الصحاري تضم ذلك اليوم إليهم، قال أبيّ بن كعب حشرت اختلطت.
قال الشهاب في ريحانة الألباء: وههنا أمر نفيس نمحو به السيئات وبحث عظيم نحيي به عظام الرفات وهو أن الحيوانات هل يحييها الله تعالى وتحشر ويقتص لبعضها من بعض؟ فأكثر أهل الحديث والسنة والأصول على أنه كذلك لوروده في القرآن في قوله تعالى (وإذا الوحوش حشرت) ولقول سيد المرسلين ﵌ في خبر القصاص يوم القيامة يؤخذ للجماء من القرناء.
وخالفهم أبو الحسن الأشعري فقال في كتاب الإيجاز ما نصه لا يجب على الله أن يعوض البهائم والأطفال والمجانين وجميع الخلق الذين خلق فيهم الألم خلافاً للقدرية حيث قالوا إن الله تعالى إذا آلم الحيوان لا على سبيل
стр. 11292
الإستحقاق ويجب عليه أن يعوضهم وإلا يكون ظالماً.
ودليلنا أن العقل لا يوجب على الله شيئاًً، وإذا ثبت أن البهائم وغيرها من الحيوان الذي خلق فيه الألم من غير جرم ولا ذنب لا يستحقون ذلك لم تجب إعادتهم ولا نشرهم ولا حشرهم يوم القيامة.
وقال القدرية إن لم يعوضهم في الدنيا فإنه يجب عليه حشرهم في الآخرة وبعثهم كبعث المكلفين.
فإن قالوا قد قال النبي ﵌ في خبر القصاص " حتى يؤخذ للجماء من القرناء ".
قلنا المراد به حتى يؤخذ للضعيف من القوي، فكنى بذلك عنهم لأن الدليل قد قام على أنهم غير مكلفين، ومن لا تكليف عليه لا يعاقب ولا يقتص منه انتهى.
وفي سراج الملوك اختلف السلف في هذا فقال ابن عباس حشرها موتها، وهو تأويل بعيد لأن الحشر الجمع، وليس في موتها جمعها، بل تفريقها بتمزيقها، ومعظم المفسرين على أنها تحشر كلها حتى الذباب يقتص منها ثم يقال لها كوني تراباً.
وقال بعضهم لا نقطع بإعادتها كالمجانين ومن لم تبلغه الدعوة، وتوقف بعضهم في ذلك والدليل عليه الآية المذكورة والحديث الصحيح عن أبي هريرة " ليؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء " وأنكرها الأشعري لأنها غير مكلفة والخبر تمثيل لشدة التقصي في الحساب.
وقال الأسفراييني يقتص منها بما تفعله في الدنيا، ورد بأنها ليست بمكلفة فهي في المشيئة يفعل بها ما أراد انتهى.
стр. 11293
أقول قد تصل بهذا التفصيل الوقوف على الأقوال الأربعة وأدلتها، والحق الذي تشتفي به الصدور أن لا تؤول الآية والحديث بما هو خلاف الظاهر، والشبهة الداعية له بأنها غير عاقلة ولا مكلفة، والحشر والحساب مبني على ذلك، فإذا سقط الأساس سقط ما بني عليه.
فالجواب عنها أن نسلم أنها غير مكلفة لأنها لا تعقل، والنزاع فيه مكابرة إلا أنها لما كانت في المشيئة يفعل الله بها ما يريد، وهو لا يسأل عما يفعل باتفاق أهل السنة بل العقلاء فنقول إن الله تعالى يعيدها وينصف بعضها من بعض بما فعلته بإرداتها لإدراكها للجزئيات، وليس هذا بتكليف ولا مبني عليه، لأن جزاء التكليف إنما يكون في داري الخلود والنار وهي تعود تراباً قبل دخول أهليهما فيهما.
وأما فعل الحكيم القدير لذلك فليعرف أهل المحشر أنه لا يترك مثقال ذرة من العدل، ليتحقق أهل النعيم ما لهم من النعيم المقيم وأهل الجحيم ما أعد لهم من العذاب الأليم تنويراً لهم وإرشاداً لأن يعلموا عظمة كبريائه، وتساوي جمع مخلوقاته عنده بالنسبة لذلك.
ولك أن تقول قول ابن عباس حشرها موتها معناه أن حشرها لأجل أن يفنيها ويقول لها كوني تراباً، ولولا بعد كلام الأشعري بتصريحه بما ينافيه حملنا أنه تمثيل على ما ذكر، أو قلنا أنه إنما أنكر الوجوب، ولكن الحق أحق أن يتبع، وهذا مما ينبغي أن يكتب بالنور، على صفحات خدود الحور، وإنما ذكرنا هذا مع طوله وعدم مناسبته لموضوع التفسير تصدقاً على من طالعه بجواهر الفرائد.
стр. 11294
(وإذا البحار سجرت) (١) أي أوقدت فصارت ناراً تضطرم وقال الفراء
стр. 11295
ملئت بأن صارت بحراً واحداً وكثر ماؤها وبه قال الربيع بن خيثم والكلبي ومقاتل والحسن والضحاك، وقيل أرسل عذبها على مالحها، ومالحها على عذبها حتى امتلأت. وقيل فجرت فصارت بحراً واحداً وروي عن قتادة وابن حبان أن معنى الآية يبست ولا يبقى فيها قطرة يقال سجرت الحوض أسجره سجراً إذا ملأته، وقال القشيري هو من سجرت التنور أسجره سجراً إذا أحميته.
قال ابن زيد وعطية وسفيان ووهب وغيرهم أوقدت فصارت ناراً، وقيل معنى سجرت أنها صارت حمراء كالدم من قولهم عين سجراء أي حمراء.
قرأ الجمهور سجِّرت بتشديد الجيم وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بتخفيفها عن أبي العالية قال ست من آيات هذه السورة في الدنيا والناس ينظرون إليها، وست في الآخرة (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ -إلى- وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ) هذه في الدنيا والناس ينظرون إليها، (وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ - إلى- وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ) هذه في الآخرة أخرجه عبد بن حميد وابن المنذر.
وعن أبيّ بن كعب قال ست آيات قيل يوم القيامة بينما الناس في أسواقهم إذ ذهب ضوء الشمس، فبينما هم كذلك إذ وقعت الجبال على وجه الأرض فتحركت واضطربت واختلطت، وفزعت الجن إلى الإنس، والإنس إلى الجن، واختلطت الدواب والطير والوحوش، فماجوا بعضهم في بعض.
وقال أيضاًً في الآية قال الجن للإنس نحن نأتيكم بالخبر فانطلقوا إلى البحر، فإذا هو نار تأجج فبينما هم كذلك إذ تصدعت الأرض صدعة واحدة
стр. 11296
إلى الأرض السابعة وإلى السماء السابعة فبينما هم كذلك إذ جاءتهم ريح فأماتتهم، وقال ابن عباس: تسجر حتى تصير ناراً، وقال أيضاًً سجرت أي اختلط ماؤها بماء الأرض.
стр. 11297
(وإذا النفوس زوجت) أي قرنت بأجسادها أي ردت الأرواح إلى أبدانها، وهذا بناء على أن التزويج بمعنى جعل الشيء زوجاً، والنفوس على هذا بمعنى الأرواح وقيل معناه قرن بين الرجل الصالح مع الرجل الصالح في الجنة، وقرن بين الرجل السوء مع رجل السوء في النار كذلك تزويج الأنفس، قاله عمر بن الخطاب، وأخرج نحوه ابن مردويه عن النعمان بن بشير مرفوعاً.
وقال عطاء زوجت نفوس المؤمنين بالحور العين، وقرنت نفوس الكافرين بالشياطين، وقيل قرن كل شكل إلى شكله في العمل، وهو راجع إلى القول الثاني.
وقيل قرن كل رجل إلى من كان يلازمه من ملك أو سلطان كما في قوله (أحشروا الذين ظلموا وأزواجهم) وقال الحسن ألحق كل امرىء بشيعته، اليهود باليهود والنصارى بالنصارى والمجوس بالمجوس، وكل من كان يعبد شيئاًً من دون الله يلحق بعضهم ببعض، والمنافقون بالمنافقين والمؤمنون بالمؤمنين.
وقيل يقرن الغاوي بمن أغواه من شيطان أو إنسان، ويقرن المطيع بمن دعاه إلى الطاعة من الأنبياء والمؤمنين.
وقيل قرنت النفوس بأعمالها وكتبها فأصحاب اليمين زوج. وأصحاب الشمال زوج، والسابقون زوج
стр. 11298
(وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ) أي المدفونة حية (سُئِلَتْ (٨)
стр. 11299
بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ) وقد كانت العرب إذا ولدت لأحدهم بنت دفنها حية مخافة العار أو الحاجة والإملاق، وخشية الاسترقاق، يقال وأد يئد فهو وائد والمفعول به موؤود، وأصله مأخوذ من الثقل لأنها تدفن فيطرح عليها التراب
стр. 11300
فيثقلها فتموت، ومنه (ولا يؤوده حفظهما) أي لا يثقله وهنا قول متمم بن نويرة *ومؤودة مقبورة في مغارة* ومنه قول الراجز:
سميتها إذ ولدت تموت ... والقبر صهر ضامن رميت
قرأ الجمهور " الْمَوْءُودَةُ " بهمزة بين واوين ساكنين كالموعودة، وقرأ البزي في رواية عنه بهمزة مضمومة ثم واو ساكنة، وقرأ الأعمش المودة بزنة الموزة، وقرأ الجمهور سئلت مبنياً للمفعول، وقرأ الحسن بكسر السين من سأل يسيل، وقرأ علي وابن مسعود وابن عباس سألت مبنياً للفاعل، وقتلت بضم التاء الأخيرة، وهذه قراءة شاذة.
والمعنى على الأولى أن توجيه السؤال إليها لإظهار كمال الغيظ على قاتلها حتى كأنه لا يستحق أن يخاطب ويسأل عن ذلك، وفيه تبكيت لقاتلها وتوبيخ له شديد بصرف الخطاب كقوله (أأنت قلت للناس) وهذه الطريقة أفظع في ظهور جناية القاتل وإلزام الحجة عليه.
قال الحسن أراد الله أن يوبخ قاتلها لأنها قتلت بغير ذنب، وقيل لتدل على قاتلها وقيل لتقول بلا ذنب قتلت، وعلى هذا هو سؤال تلطف.
وقرأ الجمهور قتلت بالتخفيف مبنياً للمفعول، وقرأ أبو جعفر بالتشديد على التكثير وقرىء بكسر التاء الثانية على أنها تاء المؤنثة المخاطبة والفعل مبني للمفعول، وهذه قراءة شاذة وفي مصحف أُبيّ وإذا الموؤودة سألت بأي ذنب قتلتني.
وفي الآية دليل على أن أطفال المشركين لا يعذبون، وعلى أن التعذيب لا يكون بلا ذنب.
عن عمر بن الخطاب قال " جاء قيس بن عاصم التميمي إلى رسول الله ﷺ فقال إني وأدت ثمان بنات لي في الجاهلية فقال له رسول الله ﷺ : فأعتق عن كل واحدة رقبة، قال إني: صاحب إبل قال: فاهد عن كل واحدة بدنة " أخرجه البزار والحاكم في الكنى والبيهقي في سننه.
(وإذا الصحف) أي صحائف الأعمال (نشرت) أي فتحت وبسطت للحساب لأنها تطوى عند الموت وتنشر عند الحساب، فيقف كل إنسان على صحيفته فيعلم ما فيها فيقول (مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا) ويجوز أن يراد نشرت بين أصحابها أي فرقت بينهم، قرأ نافع وابن عامر وأبو عمرو نشرت بالتخفيف وقرأ الباقون بالتشديد على التكثير وهما سبعيتان.
стр. 11303
(وإذا السماء كشطت) أي أزيلت عن أماكنها وعدمت بالمرة، والكشط قلع عن شدة التزاق، فالسماء تكشط كما يكشط الجلد عن الكبش، والقشط بالقاف لغة في الكشط وهي قراءة ابن مسعود، قال الزجاج: قلعت كما يقلع السقف، وقال الفراء: نزعت فطويت، وقال مقاتل كشفت عما فيها، قال الواحدي ومعنى الكشط رفعك شيئاًً عن شيء قد غطاه.
стр. 11304
(وإذا الجحيم سعرت) أي أججت وأوقدت لأعداء الله إيقاداً شديداً، وزيد في إحمائها قرأ الجمهور سعرت بالتخفيف، وقرأ نافع وابن ذكوان وورش بالتشديد لأنها أوقدت مرة بعد مرة وهما سبعيتان، قال قتادة سعرها غضب الله وخطايا بني آدم.
стр. 11305
(وإذا الجنة أزلفت) أي قربت إلى المتقين وأدنيت منهم ليدخلوها، قال الحسن إنهم يقربون منها لا أنها تزول عن موضعها، وقال ابن زيد معنى أزلفت تزينت، والأول أولى لأن الزلفى القرب في كلام العرب.
стр. 11306
قيل هذه الأمور الإثنا عشر ست منها في الدنيا وهي من أول السورة إلى قوله (وإذا البحار سجرت) وست في الآخرة هي (وإذا النفوس زوجت) إلى هنا وقد سبق بيانها.
وجواب الجميع قوله
стр. 11307
(علمت نفس ما أحضرت) على أن المراد الزمان الممتد من الدنيا إلى الآخرة لكن لا بمعنى أنها تعلم ما تعلم في كل جزء من أجزاء هذا الوقت الممتد أو عند وقوع كل داهية من تلك الدواهي، بل المراد علمت ما أحضرته عند نشر الصحف أو في موقف المحاسبة أو عند الميزان إلا أنه لما كان بعض تلك الدواهي من مباديه وبعضها من روادفه نسب علمها بذلك إلى زمان وقوع كلها تهويلاً للخطب، وتفظيعاً للحال.
والمراد بما أحضرت أعمالها من الخير والشر وبحضورها حضور صحائف الأعمال لأن الأعمال أعراض لا يمكن إحضارها أو حضور الأعمال نفسها، كما ورد أن الأعمال تصور بصور تدل عليها، وتعرف بها، وتنكير نفس المفيد لثبوت العلم المذكور لفرد من النفوس أي لبعض منها للإيذان بأن ثبوته لجميع أفرادها من الظهور والوضوح بحيث لا يخفى على أحد، ويدل على هذا قوله:
(يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً) وقيل يجوز أن يكون ذلك للإشعار بأنه إذا علمت حينئذ نفس من النفوس ما أحضرت وجب على كل نفس إصلاح عملها مخافة أن تكون هي تلك التي علمت ما أحضرت، فكيف وكل نفس تعلمه على طريقة قولك لمن تنصحه " لعلك ستندم على ما فعلت، وربما ندم الإنسان على فعله ".
стр. 11308
(فلا أقسم) لا زائدة كما تقدم تحقيقه وتحقيق ما فيه من الأقوال في أول سورة القيامة أي فأقسم (بالخنس) وهي الكواكب، وسميت الخنس من خنس إذا تأخر لأنها تخنس بالنهار فتخفى ولا ترى وهي زحل والمشترى والمريخ والزهرة وعطارد كما ذكره أهل التفسير، ووجه تخصيصها بالذكر من
стр. 11309
بين سائر النجوم أنها تستقبل الشمس وتقطع المجرة.
وقال في الصحاح الخنس الكواكب كلها لأنها تخنس في المغيب أو لأنها تخفى نهاراً أو يقال هي الكواكب السيارة منها دون الثابتة.
قال الفراء إنها الكواكب الخمس المذكورة لأنها تخنس في مجراها وتكنس أي تستتر كما تكنس الظباء في المغار، وقيل سميت خنساً لتأخرها لأنها الكواكب المتحيرة التي ترجع وتستقيم، يقال خنس عنه يخنس خنوساً إذا تأخر وأخنسه غيره إذا خلفه ومضى عنه والخنس تأخر الأنف عن الوجه مع ارتفاع قليل في الأرنبة.
قال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: هي الكواكب تكنس بالليل وتخنس بالنهار فلا ترى، وعنه قال خمسة أنجم زحل وعطارد والمشترى وبهرام والزهرة ليس شيء يقطع المجرة غيرها.
وعن ابن عباس قال: هي النجوم السبعة وزاد الشمس والقمر وخنوسها رجوعها وكنوسها تغيبها بالنهار.
стр. 11310
(الجوار) أي السيارة لأنها تجري مع الشمس والقمر (الكنس) أي أنها ترجع حتى تخفى تحت ضوء الشمس فخنوسها رجوعها وكنوسها اختفاؤها تحت ضوئها وقيل خنوسها خفاؤها بالنهار وكنوسها غروبها، قال الحسن وقتادة هي النجوم التي تخنس بالنهار وإذا غربت، والمعنى متقارب لأنها تتأخر في النهار عن البصر لخفائها فلا ترى وتظهر بالليل وتكنس في وقت غروبها.
وقيل المراد بها بقر الوحش وبه قال ابن مسعود: لأنها تتصف بالخنس وبالجواري وبالكنس، وقال عكرمة: اخنس البقر والكنس الظباء فهي تخنس إذا رأت الإنسان وتنقبض وتتأخر وتدخل كناسها، وقيل هي الملائكة والأول أولى لذكر الليل والصبح بعد هذا.
والكنس مأخوذ من الكناس الذي يختفي فيه الوحش، والخنس جمع خانس وخانسة، والكنس جمع كانس وكانسة.