قيل هذه الأمور الإثنا عشر ست منها في الدنيا وهي من أول السورة إلى قوله (وإذا البحار سجرت) وست في الآخرة هي (وإذا النفوس زوجت) إلى هنا وقد سبق بيانها.
وجواب الجميع قوله
стр. 11307
(علمت نفس ما أحضرت) على أن المراد الزمان الممتد من الدنيا إلى الآخرة لكن لا بمعنى أنها تعلم ما تعلم في كل جزء من أجزاء هذا الوقت الممتد أو عند وقوع كل داهية من تلك الدواهي، بل المراد علمت ما أحضرته عند نشر الصحف أو في موقف المحاسبة أو عند الميزان إلا أنه لما كان بعض تلك الدواهي من مباديه وبعضها من روادفه نسب علمها بذلك إلى زمان وقوع كلها تهويلاً للخطب، وتفظيعاً للحال.
والمراد بما أحضرت أعمالها من الخير والشر وبحضورها حضور صحائف الأعمال لأن الأعمال أعراض لا يمكن إحضارها أو حضور الأعمال نفسها، كما ورد أن الأعمال تصور بصور تدل عليها، وتعرف بها، وتنكير نفس المفيد لثبوت العلم المذكور لفرد من النفوس أي لبعض منها للإيذان بأن ثبوته لجميع أفرادها من الظهور والوضوح بحيث لا يخفى على أحد، ويدل على هذا قوله:
(يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً) وقيل يجوز أن يكون ذلك للإشعار بأنه إذا علمت حينئذ نفس من النفوس ما أحضرت وجب على كل نفس إصلاح عملها مخافة أن تكون هي تلك التي علمت ما أحضرت، فكيف وكل نفس تعلمه على طريقة قولك لمن تنصحه " لعلك ستندم على ما فعلت، وربما ندم الإنسان على فعله ".
стр. 11308
(فلا أقسم) لا زائدة كما تقدم تحقيقه وتحقيق ما فيه من الأقوال في أول سورة القيامة أي فأقسم (بالخنس) وهي الكواكب، وسميت الخنس من خنس إذا تأخر لأنها تخنس بالنهار فتخفى ولا ترى وهي زحل والمشترى والمريخ والزهرة وعطارد كما ذكره أهل التفسير، ووجه تخصيصها بالذكر من
стр. 11309
بين سائر النجوم أنها تستقبل الشمس وتقطع المجرة.
وقال في الصحاح الخنس الكواكب كلها لأنها تخنس في المغيب أو لأنها تخفى نهاراً أو يقال هي الكواكب السيارة منها دون الثابتة.
قال الفراء إنها الكواكب الخمس المذكورة لأنها تخنس في مجراها وتكنس أي تستتر كما تكنس الظباء في المغار، وقيل سميت خنساً لتأخرها لأنها الكواكب المتحيرة التي ترجع وتستقيم، يقال خنس عنه يخنس خنوساً إذا تأخر وأخنسه غيره إذا خلفه ومضى عنه والخنس تأخر الأنف عن الوجه مع ارتفاع قليل في الأرنبة.
قال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: هي الكواكب تكنس بالليل وتخنس بالنهار فلا ترى، وعنه قال خمسة أنجم زحل وعطارد والمشترى وبهرام والزهرة ليس شيء يقطع المجرة غيرها.
وعن ابن عباس قال: هي النجوم السبعة وزاد الشمس والقمر وخنوسها رجوعها وكنوسها تغيبها بالنهار.
стр. 11310
(الجوار) أي السيارة لأنها تجري مع الشمس والقمر (الكنس) أي أنها ترجع حتى تخفى تحت ضوء الشمس فخنوسها رجوعها وكنوسها اختفاؤها تحت ضوئها وقيل خنوسها خفاؤها بالنهار وكنوسها غروبها، قال الحسن وقتادة هي النجوم التي تخنس بالنهار وإذا غربت، والمعنى متقارب لأنها تتأخر في النهار عن البصر لخفائها فلا ترى وتظهر بالليل وتكنس في وقت غروبها.
وقيل المراد بها بقر الوحش وبه قال ابن مسعود: لأنها تتصف بالخنس وبالجواري وبالكنس، وقال عكرمة: اخنس البقر والكنس الظباء فهي تخنس إذا رأت الإنسان وتنقبض وتتأخر وتدخل كناسها، وقيل هي الملائكة والأول أولى لذكر الليل والصبح بعد هذا.
والكنس مأخوذ من الكناس الذي يختفي فيه الوحش، والخنس جمع خانس وخانسة، والكنس جمع كانس وكانسة.
стр. 11311
وقال ابن عباس هي البقرة تكنس إلى الظل، وعنه قال تكنس لأنفسها في أصول الشجر تتوارى فيه، وعنه قال هي الظباء وعنه الخنس البقر، والجوار الكنس الظباء، ألم ترها إذا كانت في الظل كيف تكنس بأعناقها ومدت نظرها.
وعن أبي العديس قال: " كنا عند عمر بن الخطاب فأتاه رجل فقال يا أمير المؤمنين ما الجواري الكنس فطعن عمر بمخصرة معه في عمامة الرجل فألقاها عن رأسه فقال عمر: أحروري؟ والذي نفس عمر بن الخطاب بيده لو وجدتك محلوقاً لأنحيت القمل عن رأسك " أخرجه الحاكم في الكنى، وهذا منكر، فإن الحرورية لم يكونوا في زمن عمر ﵁ ولا كان لهم في ذلك الوقت ذكر.
стр. 11312
(والليل إذا عسعس) أي أقبل بظلامه أو أدبر، قال أهل اللغة: هو من الأضداد. يقال عسعس الليل إذا أقبل، وعسعس إذا أدبر، ويدل على أن المراد هنا أدبر قوله الآتي
стр. 11313
(والصبح إذا تنفس) قال الفراء: أجمع المفسرون على أن معنى عسعس أدبر كذا حكاه عنه الجوهري، وقال الحسن: أقبل ظلامه، قال الفراء العرب تقول عسعس الليل إذا أقبل وإذا أدبر.
وهذا لا ينافي ما تقدم عنه لأنه حكى عن المفسرين أنهم أجمعوا على حمل معناه في هذه الآية على أدبر، وإن كان في الأصل مشتركاً بين الإقبال والإدبار، قال المبرد هو من الأضداد، قال والمعنيان يرجعان إلى شيء واحد وهو ابتداء الظلام في أوله وإدباره في آخره، قال ابن عباس عسعس أدبر وعنه قال إقبال سواده.
(والصبح إذا تنفس) أي امتد حتى يصير نهاراً بيناً، والتنفس في الأصل خروج النسيم من الجوف، وتنفس الصبح إقباله لأنه يقبل بروح ونسيم، فجعل ذلك تنفساً له مجازاً أو شبه الليل المظلم بالمكروب المحزون الذي حبس بحيث لا يتحرك فإذا تنفس وجد راحة، وههنا لما طلع الصبح
стр. 11314
فكأنه تخلص من ذلك الحزن فعبر عنه بالتنفس.
قال الواحدي تنفس أي امتد ضوؤه حتى يصير نهاراً ومنه يقال للنهار إذا زاد تنفس، وقيل المعنى إذا انشق وانفلق ومنه تنفست القوس أي تصدعت قال ابن عباس إذا تنفس إذا بدا النهار حين طلوع الفجر.
قال الشهاب مناسبته لقرينه ظاهرة على التفسيرين لأن ما قبله إن كان للإقبال فهو أول الليل وهذا أول النهار، وإن كان للإدبار فهذا ملاصق له فبينهما مناسبة الجوار فلا وجه لما قيل من أنه على الأول أنسب انتهى.
ثم ذكر سبحانه جواب القسم فقال
стр. 11315
(إنه) أي القرآن (لقول رسول كريم) على الله تعالى يعني جبريل وبه قال ابن عباس لكونه نزل به من جهة الله سبحانه إلى رسوله ﵌ وأضاف القول إلى جبريل لكونه مرسلاً به وقيل المراد بالرسول محمد ﵌، والأول أولى.
ثم وصف الرسول المذكور بأوصاف محمودة فقال
стр. 11316
(ذي قوة عند ذي العرش مكين) أي ذي قوة شديدة في القيام بما كلف به كما في قوله (شديد القوى) ومن قوته أنه اقتلع قرى قوم لوط الأربع من الماء الأسود وحملها على جناحه فرفعها إلى السماء ثم قلبها، وأنه صاح صيحة بثمود فأصبحوا جاثمين، وأنه يهبط من السماء إلى الأرض ثم يصعد في أسرع من رد الطرف.
والمعنى أنه ذو رفعة عالية ومكانة مكينة عند الله سبحانه، وهو في محل نصب على الحال من مكين، وأصله الوصف فلما قدم صار حالاً، ويجوز أن يكون نعتاً لرسول يقال مكن فلان عند فلان مكانة أي صار ذا منزلة عنده ومكانة قال أبو صالح من مكانته عند ذي العرش أنه يدخل سبعين سرادقاً بغير إذن.
(مطاع) أنه مطاع بين الملائكة يرجعون إليه ويطيعونه ومن طاعتهم له أنهم فتحوا أبواب السموات ليلة المعراج بقوله لرسول الله ﵌ وفتح خزنة الجنة أبوابها بقوله.
قال الحسن فرض الله على أهل السموات طاعة جبريل كما فرض على أهل الأرض طاعة محمد ﵌ (ثََمَّ أمين) قرأ الجمهور بفتح ثم على أنها ظرف مكان للبعيد، والعامل فيه مطاع أو ما بعد، والمعنى أنه مطاع في السموات أو أمين فيها أي مؤتمن على الوحي وغيره.
وقرىء بضمها على أنها عاطفة وكأن العطف بها للتراخي في الرتبة لأن ما بعدها أعظم مما قبلها ومن قال أن المراد بالرسول محمد ﵌ فالمعنى أنه ذو قوة على تبليغ الرسالة إلى الأمة، مطاع يطيعه من أطاع الله، أمين على الوحي.
стр. 11319
(وما صاحبكم بمجنون) الخطاب لأهل مكة والمراد بصاحبكم رسول الله ﵌، والمعنى وما محمد يا أهل مكة بمجنون، وذكره بوصف الصحبة للإشعار بأنهم عالمون بأمره، وأنه ليس مما يرمونه به من الجنون وغيره في شيء، وأنهم افتروا عليه ذلك عن علم منهم بأنه أعقل الناس وأكملهم.
وهذه الجملة داخلة في جواب القسم فأقسم سبحانه بأن القرآن نزل به جبريل وأن محمد ﵌ ليس كما يقولون من أنه مجنون، وأنه يأتي بالقرآن من جهة نفسه.
стр. 11320
والمقصود (١) رد قولهم (إنما يعلمه بشر) (افترى على الله كذباً أم به جنة) لا تعداد فضلهما والموازنة بينهما.
ثم إنك إذا أمعنت النظر وقفت على أن إجراء تلك الصفات على جبريل في هذا المقام إدماج لتعظيم رسول الله ﵌، وأنه بلغ من المكانة وعلو المنزلة عند ذي العرش بأن جعل السفير بينه وبينه مثل هذا الملك المقرب المطاع الأمين، فالقول في هذه الصفات بالنسبة إلى رسول الله ﷺ رفعة منزلة له كالقول في قوله ذي العرش بالنسبة إلى رفعة منزلة جبريل ﵇، كذا ذكره الكرخي.
стр. 11321
(ولقد رآه بالأفق المبين) اللام جواب قسم محذوف أي وتالله لقد رأى محمد ﵌ جبريل بمطلع الشمس من قبل المشرق، لأن هذا الأفق إذا كانت الشمس تطلع منه فهو مبين، لأن من جهته ترى الأشياء وهذه الرؤية هي الواقعة في غار حراء حين رآه على كرسي بين السماء والأرض، وقيل الأفق المبين أقطار السماء ونواحيها.
وإنما قال سبحانه ذلك مع أنه قد رآه غير مرة لأنه رآه هذه المرة في صورته له ستمائة جناح.
قال سفيان: إنه رآه في أفق السماء الشرقي أي لأنه كان في المشرق من حيث تطلع الشمس، وقال ابن بحر في أفق السماء الغربي، وقال مجاهد: رآه نحو أجياد وهو مشرق مكة، والمبين صفة للأفق، قاله الربيع: وقيل صفة لمن رآه قاله مجاهد.
وقيل معنى الآية ولقد رأى محمد ﷺ ربه ، وقد تقدم القول في هذا في سورة النجم.
стр. 11322
قال ابن عباس في الآية إنما عنى جبريل أن محمداً ﵌ رآه في صورته عند سدرة المنتهى، والأفق المبين السماء السابعة.
стр. 11323
(وما هو) أي محمد ﵌ (على الغيب) يعني خبر السماء وما اطلع عليه مما كان غائباً علمه عن أهل مكة (بظنين) أي بمتهم أي هو ثقة فيم يؤدي عن الله سبحانه، وقيل بضنين بالضاد أي ببخيل، قاله ابن عباس أي لا يبخل بالوحي ولا يقصر في التبليغ.
وسبب هذا الاختلاف اختلاف القراء فقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي بالظاء أي بمتهم والظنة التهمة واختارها أبو عبيد، قال لأنهم لم يبخلوه ولكن كذبوه واتهموه.
وقرأ الباقون بالضاد من ضننت بالشيء أضن ضناً إذا بخلت، قال مجاهد أي لا يضن عليكم بما يعلم بل يعلم الخلق كلام الله وأحكامه، وقيل المراد جبريل أنه ليس على الغيب بضنين والأول أولى.
وقرأ ابن مسعود بالظاء بمعنى متهم.
وعن عائشة: " أن النبي ﵌ كان يقرأها بالظاء " أخرجه الدارقطني في الإفراد والحاكم وصححه وابن مردويه والخطيب، فإن البخل وما في معناه لا يتعدى بعلى وإنما يتعدى بالباء.
стр. 11324
(وما هو) أي القرآن (بقول شيطان رجيم) طريد من الشياطين المسترقة للسمع المرجومة بالشهب، قال الكلبي يقول أن القرآن ليس بشعر ولا كهانة كما قالت قريش كقوله (وما تنزلت به الشياطين) قال عطاء يريد بالشيطان الشيطان الأبيض الذي كان يأتي النبي ﵌ في صورة جبريل يريد أن يفتنه.
ثم بكتهم الله سبحانه ووبخهم فقال
стр. 11325
(فأين تذهبون) الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها من ظهور إنه وحي مبين، وليس مما يقولون في شيء أي
стр. 11326
أين تعدلون عن هذا القرآن وعن طاعته، قاله قتادة، وقال الزجاج: معناه أي طريق تسلكون أبين من هذه الطريقة التي قد بينت لكم.
وهذا استضلال لهم كما يقال لتارك الجادة اعتسافاً أو ذهاباً في جنبات الطريق أين تذهب وإلى أين تذهب، وحكى الفراء عن العرب ذهبت الشام وخرجت العراق وانطلقت السوق أي إليها قال سمعناه في هذه الأحرف الثلاثة يريد إلى أي أرض تذهب فحذف إلى.
стр. 11327
(إن هو إلا ذكر للعالمين) أي ما القرآن إلا موعظة للخلق أجمعين، وتذكير لهم.
وقوله
стр. 11328
(لمن شاء منكم) بدل من العالمين بإعادة الجار ومفعول المشيئة (أن يستقيم) أي لمن شاء منكم الإستقامة على الحق والإيمان والطاعة.
стр. 11329
(وَمَا تَشَاءُونَ) الاستقامة (إلا أن) أي بأن (يشاء الله) تلك المشيئة فأعلمهم سبحانه أن المشيئة في التوفيق إليه وأنهم لا يقدرون على ذلك إلا بمشيئة الله وتوفيقه، ومثل هذا قوله سبحانه (وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله) وقوله (وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) وقوله (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) والآيات القرآنية في هذا المعنى كثير.
والخطاب هنا ليس للمخاطبين في قوله (فأين تذهبون) بل هو لمن عبر عنهم بقوله لمن شاء منكم أن يستقيم (رب العالمين) أي مالك الخلق أجمعين.
ْعن أبي هريرة قال " لما نزلت لمن شاء منكم أن يستقيم قالوا الأمر إلينا إن شئنا استقمنا وإن شئنا لم نستقم فهبط جبريل على رسول الله ﷺ فقال كذبوا يا محمد (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) أخرجه ابن أبي حاتم وابن مردويه ".
стр. 11330
سورة الانفطار
هي تسع عشرة آية وهي مكية بلا خلاف وقال ابن عباس نزلت بمكة وعن ابن الزبير مثله، وأخرج النسائي عن جابر قال: " قام معاذ فصلى العشاء فطول فقال النبي ﵌ " أفتّان أنت يا معاذ أين أنت عن سبح اسم ربك، والضحى، وإذا السماء انفطرت " وأصل الحديث في الصحيحين ولكن بدون ذكر إذا السماء انفطرت وقد تفرد بها النسائي، وقد تقدم في سورة التكوير حديث " من سره أن ينظر إلى يوم القيامة رأي عين فليقرأ إذا الشمس كورت، وإذا السماء انفطرت " الحديث.
(إذا السماء انفطرت) السماء فاعل فعل محذوف يدل عليه المذكور، قال الواحدي قال المفسرون انفطارها انشقاقها كقوله (ويوم تشقق السماء بالغمام وتنزل الملائكة تنزيلاً) والفطر الشق يقال فطرته فانفطر، ومنه فطر ناب البعير إذا طلع، قيل والمراد أنها انفطرت هنا لنزول الملائكة منها وقيل انفطرت لهيبة الله .
стр. 11333
(وإذا الكواكب انتثرت) أي إذا انقضت وتساقطت متفرقة، يقال نثرت الشيء انثره نثراً، والانتثار استعارة لإزالة الكواكب حيث شبهت بجواهر قطع سلكها وهي مصرحة أو مكنية.
стр. 11334
(وإذا البحار فجرت) أي فجر بعضها من أعلاها أو أسفلها في بعض فصارت بحراً واحداً واختلط العذب منها بالمالح، وأزال ما بينهما من البرزخ الحاجز، وقال الحسن معنى فجرت ذهب ماؤها ويبست، قال ابن عباس فجرت بعضها في بعض، وقيل فاضت.
العامة على بناء فجرت للمفعول مثقلاً، وقرأ مجاهد مبنياً للفاعل مخففاً من الفجور نظراً إلى قوله (بينهما برزخ لا يبغيان) فلما زال البرزخ بغياً، وقرأ مجاهد أيضاًً والربيع بن خيثم والزعفراني والثوري مبنياً للمفعول مخففاً.
стр. 11335
(وإذا القبور بعثرت) أي قلب ترابها الذي أهيل على الأموات وقت الدفن، وأخرج الموتى الذين هم فيها، يقال بعثر يبعثر بعثرة إذا قلب التراب، ويقال بعثر المتاع قلبه ظهراً لبطن وبعثرت الحوض وبعثرته إذا هدمته، وجعلت أعلاه أسفله.
قال الفراء بعثرت أخرجت ما في بطنها من الذهب والفضة وذلك من أشراط الساعة أن تخرج الأرض ذهبها وفضتها، وقال ابن عباس أي بحثت.
وكررت " إذا " لتهويل ما في حيزها من الدواهي.
قال الرازي المراد من هذه الآيات أنه إذا وقعت هذه الأشياء التي هي أشراط الساعة فهناك يحصل الحشر والنشر، وهي ههنا أربعة اثنان منها يتعلقان بالعلويات واثنان يتعلقان بالسفليات.
والمراد بهذه الآيات بيان تخريب العالم وفناء الدنيا وانقطاع التكاليف، والسماء كالسقف، والأرض كالبناء، ومن أراد تخريب دار فإنه يبدأ أولاً بتخريب السقف ثم يلزم من تخريب السماء انتثار الكواكب، ثم بعد تخريب السماء والكواكب يخرب كل ما على وجه الأرض من البحار، ثم بعد ذلك تخرب الأرض التي فيها الأموات، وأشار لذلك بقوله (وإذا القبور بعثرت).
ثم ذكر سبحانه الجواب عما تقدم فقال
стр. 11336
(علمت نفس ما قدمت وأخرت) والمعنى أنها علمته عند نشر الصحف لا عند البعث لأنه وقت واحد من عند البعث إلى عند مصير أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار، والكلام في إفراد نفس هنا كما تقدم في السورة الأولى في قوله:
(علمت نفس ما أحضرت) ومعنى ما قدمت وأخرت ما قدمت من عمل خير أو شر أو أخرت من سنة حسنة أو سيئة لأن لها أجر ما سنته من السنن الحسنة وأجر من عمل بها، وعليها وزر ما سنته من السنن السيئة ووزر من عمل بها.
стр. 11337
وقال قتادة ما قدمت من معصية وأخرت من طاعة، وقيل ما قدم من فرض وأخر من فرض وقيل أول عمله وآخره.
وقيل أن النفس تعلم عند البعث بما قدمت وأخرت علماً إجمالياً لأن المطيع يرى آثار السعادة، والعاصي يرى آثار الشقاوة، وأما العلم التفصيلي فإنما يحصل عند نشر الصحف.
عن ابن مسعود قال ما قدمت من خير وما أخرت من سنة صالحة يعمل بها بعده فإن له مثل أجر من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئاًً أو سنة سيئة يعمل بها بعده فإن عليه مثل وزر من عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيئاًً، وعن ابن عباس نحوه.
وأخرج الحاكم وصححه عن حذيفة قال: قال النبي ﷺ من استن خيراً فاستن به فله أجره ومثل أجور من اتبعه من غير منتقص من أجورهم، ومن استن شراً فاستن به فعليه وزره ومثل أوزاره من اتبعه من غير منتقص من أوزارهم (١) وتلا حذيفة (علمت نفس ما قدمت وأخرت).
ولما أخبر سبحانه في الآية الأولى عن وقوع الحشر والنشر ذكر في هذه الآية ما يدل عقلاً على وقوعه فقال:
стр. 11338
(يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم) هذا خطاب للكفار وقال بعضهم المراد بالإنسان ما يشمل الكافر والمؤمن العاصي، قال الشهاب وهذا أرجح كما في الكشف وغيره.
والمعنى ما الذي غرك وخدعك أو جعلك غاراً حتى كفرت بربك الكريم الذي تفضل عليك في الدنيا بإكمال خلقك وحواسك وجعلك عاقلاً فاهماً ورزقك وأنعم عليك بنعمه التي لا تقدر على جحد شيء منها، قال قتادة غره شيطانه المسلط عليه، وقال الحسن غره شيطانه الخبيث وقيل غره حمقه وجهله.
стр. 11339
وقيل غره عفو الله إذ لم يعاجله بالعقوبة أول مرة كذا قال مقاتل، وذكر الكريم للمبالغة في المنع من الاغترار، فإن محض الكرم لا يقتضي إهمال الظالم وتسوية الموالي والمعادي والمطيع والعاصي، فكيف إذا انضم إليه صفة القهر والانتقام والإشعار بما به يغره الشيطان فإنه يقول له افعل ما شئت فربك كريم لا يعذب أحداً ولا يعاجل بالعقوبة، والدلالة على أن كثرة كرمه تستدعي الجد في طاعته لا الإنهماك في عصيانه إغتراراً بكرمه، وعن عمر بن الخطاب أنه قرأ هذه الآية وقال: غره والله جهله.
стр. 11340
(الذي خلقك) من نطفة ولم تك شيئاًً (فسواك) رجلاً تسمع وتبصر وتعقل (فعدلك) أي فجعلك معتدلاً قال عطاء جعلك قائماً معتدلاً حسن الصورة وقال مقاتل عدل خلقك في العينين والأذنين واليدين والرجلين، والمعنى عدل بين ما خلق لك من الأعضاء.
قرأ الجمهور فعدلك مشدداً وقرىء بالتخفيف واختار الأولى أبو عبيد وأبو حاتم قال الفراء وأبو عبيد: يدل عليها قوله (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم) ومعنى القراءة الأولى أنه سبحانه جعل أعضاءه متعادلة لا تفاوت فيها، ومعنى الثانية أنه صرفه وأماله إلى أي صورة شاء إما حسناً وإما قبيحاً وإما طويلاً وإما قصيراً.
стр. 11341
(في أي صورة ما شاء ركبك) في أي صورة متعلق بركبك وما مزيدة وشاء صفة لصورة أي ركبك في أي صورة شاءها، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال أي ركبك حاصلاً في أي صورة.
ونقل أبو حيان عن بعض المفسرين أنه متعلق بعدلك، واعترض عليه بأن أي لها صدر الكلام فلا يعمل فيها ما قبلها، قال مقاتل والكلبي ومجاهد: في أي شبه من أب أو أم أو خال أو عم، وقال مكحول إن شاء ذكراً وإن شاء أنثى.
(كلا) ردع وزجر عن الاغترار بكرم الله وجعله ذريعة إلى الكفر به والمعاصي له أو بمعنى حقاً (بل تكذبون بالدين) إضراب عن جملة مقدرة ينساق إليها الكلام كأنه قيل بعد الردع بطريق الاعتراض وأنتم لا ترتدعون عن ذلك بل تجاوزونه إلى ما هو أعظم منه من التكذيب بالدين وهو الجزاء أو بدين الإسلام.
قال ابن الأنباري الوقف الجيد على الدين وعلى ركبك، وعلى كلا قبيح، والمعنى بل تكذبون يا أهل مكة بالدين أي بالحساب وبل لنفي شيء تقدم، وتحقيق غيره، وإنكار البعث قد كان معلوماً عندهم وإن لم يجر له ذكر.
قال الفراء كلا ليس الأمر كما غررت به، قرأ الجمهور تكذبون بالفوقية على الخطاب، وقرأ الحسن وأبو جعفر وشيبة بالتحتية على الغيبة.
وجملة
стр. 11344
(وإن عليكم لحافظين) في محل نصب على الحال من فاعل تكذبون أي تكذبون والحال أن عليكم من يدفع تكذيبكم، أو مستأنفة مسوقة لبيان ما يبطل تكذيبهم، والحافظون الرقباء من الملائكة الذين يحفظون على العباد أعمالهم ويكتبونها في الصحف.
قال ابن عباس: جعل الله على ابن آدم حافظين في الليل والنهار يحفظان عمله ويكتبان أثره.
стр. 11345
وهذا الخطاب وإن كان مشافهة إلا أن الأمة أجمعت على عموم هذا الخطاب في حق المكلفين.
وقوله تعالى حافظين جمع يحتمل أن يكونوا حافظين لجميع بني آدم من غير أن يختص واحد من الملائكة بواحد من بني آدم، ويحتمل أن يكون الموكل بكل أحد منهم غير الموكل بالآخر، ويحتمل أن يكون الموكل بكل واحد منهم جمعاً من الملائكة كما قيل إثنان بالليل وإثنان بالنهار أو كما قيل أنهم خمسة، واختلفوا في الكفار هل عليهم حفظة فقيل لا، لأن أمرهم ظاهر وعملهم واحد، قال تعالى (يعرف المجرمون بسيماهم) وقيل عليهم حفظة وهو ظاهر قوله تعالى في هذه الآية وفي قوله تعالى: (وأما من أوتي كتابه وراء ظهره) فأخبر أن لهم كتاباً، وأن عليهم حفظه.
ثم وصفهم سبحانه فقال