(وما يكذب به إلا كل معتد أثيم) أي فاجر جائر متجاوز في الإثم منهمك في أسبابه
стр. 11377
(إذا تتلى عليه آياتنا) المنزلة على محمد ﵌ وهو القرآن الكريم (قال أساطير الأولين) أي أحاديثهم وأباطيلهم التي زخرفوها والحكايات التي سطرت قديماً جمع أسطورة بالضم أو إسطاره بالكسر، قرأ الجمهور تتلى بفوقيتين، وقرىء بالتحتية.
وقوله
стр. 11378
(كلا) للردع والزجر للمعتدي الأثيم عن ذلك القول الباطل وتكذيب له وقال الحسن: بمعنى حقاً، وقوله (بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون) بيان للسبب الذي حملهم على قولهم بأن القرآن أساطير الأولين.
стр. 11379
وقال أبو عبيدة: ران على قلوبهم غلب عليها، رينا وريوناً وكل ما غلبك وعلاك فقد ران بك وران عليك، قال الفراء هو أنها كثرت منهم المعاصي والذنوب فأحاطت بقلوبهم فذلك الرين عليها. قال الحسن: هو الذنب على الذنب حتى يعمى القلب.
قال مجاهد: القلب مثل الكف ورفع كفه فإذا أذنب انقبض وضم إصبعه، فإذا أذنب ذنباً آخر انقبض وضم أخرى، حتى ضم أصابعه كلها حتى يطبع على قلبه، قال وكانوا يرون أن ذلك هو الرين، ثم قرأ هذه الآية.
قال أبو زيد يقال قد رين بالرجل ريناً إذا وقع فيما لا يستطيع الخروج منه ولا قبل له به.
وقال أبو معاذ النحوي الرين أن يسود القلب من الذنوب، والطبع أن يطبع على القلب وهو أشد من الرين، والإقفال أشد من الطبع.
قال الزجاج: الرين هو كالصدأ يغشى القلب كالغيم الرقيق ومثله الغين.
وعن أبي هريرة عن النبي ﵌ قال " إن العبد إذا أذنب ذنباً نكتت في قلبه نكتة سوداء فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه، وإن عاد زادت حتى تغلف قلبه، فذلك الران الذي ذكره الله سبحانه في القرآن (كلا بل ران على قلوبهم) الخ أخرجه أحمد والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجه وغيرهم (١).
стр. 11380
ثم ذكر سبحانه الردع والزجر فقال
стр. 11381
(كلا) وقيل كلا بمعنى حقاً أي حقاً (إنهم) يعني الكفار (عن ربهم) أي عن رؤيته (يومئذ) أي يوم القيامة (لمحجوبون) لا يرونه أبداً، قال مقاتل يعني أنهم بعد العرض والحساب لا ينظرون إلى ربهم نظر المؤمنين إِليه، قال الحسين بن الفضل: كما حجبهم في الدنيا عن توحيده حجبهم في الآخرة عن رؤيته.
قال الزجاج في هذه الآية دليل على أن الله يرى في القيامة، ولولا ذلك ما كان في هذه الآية فائدة، وقال جل ثناؤه (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) فأعلم سبحانه أن المؤمنين ينظرون، وأعلم أن الكفار محجوبون.
وقيل هو تمثيل لإهانتهم بإهانة من يحجب عن الدخول على الملوك، وقال قتادة وابن أبي مليكة: هو أن لا ينظر إليهم برحمته ولا يزكيهم، وقال مجاهد: محجوبون عن كرامته، وكذا قال ابن كيسان والأول أولى.
стр. 11382
(ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ) أي لداخلو النار وملازموها غير خارجين منها، وثم لتراخي الرتبة لأن صلي الجحيم أشد من الإهانة وحرمان الكرامة.
стр. 11383
(ثم يقال هذا الذي كنتم به تكذبون) أي يقول لهم خزنة جهنم تبكيتاً وتوبيخاً هذا ما كذبتم به في الدنيا وأنكرتم وقوعه فانظروه وذوقوه.
وقوله
стр. 11384
(كلا) للردع والزجر عما كانوا عليه والتكرير للتأكيد.
وجملة (إن كتاب الأبرار لفي عليين) مستأنفة لبيان ما تضمنته، ويجوز أن تكون كلا بمعنى حقاً فتلخص أن في كل واحدة من الأربعة الواقعة في هذه السورة قولين، والأبرار هم المطيعون وكتابهم صحائف حسناتهم، قال الفراء عليين ارتفاع بعد ارتفاع لا غاية له.
ووجه هذا أنه منقول من جمع علي من العلو قال الزجاج: هو أعلى الأمكنة قال الفراء والزجاج: فأعرب كإعراب الجمع لأنه على لفظ الجمع ولا واحد له من لفظه نحو ثلاثين وعشرين وقنسرين قيل هو علم لديوان الخير
стр. 11385
الذي دون فيه ما عمله الصالحون وحكى الولد عن المفسرين أنه السماء السابعة. قال الضحاك ومجاهد وقتادة يعني السماء السابعة فيها أرواح المؤمنين، وقال الضحاك أيضاًً هو سدرة المنتهى ينتهي إليه كل شيء من أمر الله لا يعدوها. وقيل هو الجنة وبه قال ابن عباس: وقال قتادة أيضاًً هو فوق السماء السابعة عند قائمة العرش اليمنى، وقيل أن عليين صفة للملائكة في الملأ الأعلى كما يقال فلان بني فلان أي في جملتهم، وقيل هو لوح من زبرجدة خضراء معلق تحت العرش مكتوبة فيه أعمالهم وقيل هو قائمة العرش اليمنى وقيل هو مراتب عالية محفوفة بالجلالة وقد عظمها الله وأعلاها.
стр. 11386
(وما أدراك ما عليون) أي ما أعلمك يا محمد أي شيء عليون، على جهة التفخيم والتعظيم لعليين.
أخرج ابن المبارك في الزهد وعبد بن حميد وابن المنذر من طريق شمر ابن عطية أن ابن عباس سأل كعب الأحبار عن قوله (إن كتاب الأبرار لفي عليين) قال " روح المؤمن إذا قبضت عرج بها إلى السماء ففتح لها أبواب السماء وتلقاها الملائكة بالبشرى حتى ينتهى بها إلى العرش، وتعرج الملائكة فيخرج لها من تحت العرش رق فيرقم ويختم ويوضع تحت العرش لمعرفة النجاة لحساب يوم الدين ".
وعن أبي أمامة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله سلم " صلاة على إثر صلاة لا لغو بينهما كتاب في عليين " أخرجه أحمد وأبو داود والطبراني وابن مردويه.
ثم فسره سبحانه بقوله
стр. 11387
(كتاب مرقوم) أي مسطور، وقيل مكتوب فيه أعمالهم أو ما أعد لهم في الآخرة من الكرامة، وهذا التفسير الالهي يغني عن تفاسير الخلق، قال الخطيب مكتوب فيه أن فلاناً آمن من النار، رقماً يا له من رقم ما أبهاه وأجمله.
والكلام في هذا كالكلام المتقدم في قوله (وما أدراك ما سجين) الخ.
(يشهده المقربون) صفة أخرى لكتاب والمعنى أن الملائكة يحضرون ذلك الكتاب المرقوم ويحفظونه، وقيل يشهدون بما فيه يوم القيامة لتعظيمه، والأول من الشهود والثاني من الشهادة.
قال وهب وابن إسحق المقربون هنا إسرافيل فإذا عمل المؤمن عمل البر صعدت الملائكة بالصحيفة ولها نور يتلألأ في السموات كنور الشمس في الأرض حتى ينتهى بها إلى إسرافيل فيختم عليها. وقال ابن عباس المقربون أهل السماء.
ثم ذكر سبحانه حالهم في الجنة بعد ذكر كتابهم فقال
стр. 11390
(إن الأبرار لفي نعيم) أي أن أهل الطاعة لفي تنعم عظيم لا يقادر قدره
стр. 11391
(على الأرائك ينظرون) الأرائك الأسرة التي في الحجال (١) وقد تقدم أنها لا تطلق الأريكة على السرير إلا إذا كان في حجلة.
قال الحسن: ما كنا ندري ما الأرائك حتى قدم علينا رجل من اليمن فزعم أن الأريكة عندهم الحجلة إذا كان فيها سرير، قال الشهاب الحجلة بفتحتين بيت مربع من الثياب الفاخرة يرخى على السرير يسمى في عرف الناس بالناموسية والمعنى أنهم ينظرون إلى ما أعد الله لهم من الكرامات،
стр. 11392
كذا قال عكرمة ومجاهد وغيرهما، وقال مقاتل ينظرون إلى أهل النار وقيل ينظرون إلى وجهه وجلاله.
стр. 11393
(تعرف في وجوههم نضرة النعيم) أي إذا رأيتهم عرفت أنهم من أهل النعمة لما تراه في وجوههم من النور والحسن والبياض والبهجة والتنعم والرونق.
أخرج ابن المنذر عن علي بن أبي طالب في الآية قال " عين في الجنة يتوضؤون منها ويغتسلون فتجري عليهم نضرة النعيم " أي بهجة التنعم وطراوته، والخطاب، لكل راء يصلح لذلك، يقال أنضر النبات إذا أزهر ونور قال عطاء وذلك أن الله زاد في جمالهم وفي ألوانهم ما لا يصفه واصف.
قرأ الجمهور تعرف بفتح الفوقية وكسر الراء ونصب نضرة، وقرىء بضم الفوقية وفتح الراء على البناء للمفعول ورفع نضرة بالنيابة.
стр. 11394
(يسقون من رحيق) خمر خالصة من الدنس فهي بيضاء (مختوم) على إنائها لا يفك ختمها إلا هم قال أبو عبيدة والأخفش والمبرد والزجاج الرحيق من الخمر ما لا غش فيه ولا شيء يفسده، والمختوم الذي له ختام.
وقال الخليل: الرحيق أجود الخمر، وفي الصحاح: الرحيق صفوة الخمر. وقال مجاهد؛ هو الخمر العتيقة البيضاء الصافية قال مجاهد: مختوم مطين كأنه ذهب إلى معنى الختم بالطين، ويكون المعنى أنه ممنوع أن تمسه يد إلى أن يفك ختمه للأبرار. وقال تعالى: في سورة محمد ﷺ (وأنهار من خمر) والنهر لا يختم عليه فطريق الجمع بينهما أن المذكور في هذه الآية في أوان مختوم عليها لشرفها ونفاستها، وهي غير تلك الخمر التي في الأنهار:
стр. 11395
(ختامه مسك) أي آخر طعمه إذا رفع الشارب فاه من آخر شرابه وجد ريحه كريح المسك، وقيل مختوم أوانيه من الأكواب والأباريق بمسك مكان الطين، وكأنه تمثيل لكمال نفاسته وطيب رائحته.
стр. 11396
والحاصل أن المختوم والختام إما أن يكون من ختام الشيء وهو آخره أو من ختم الشيء وهو جعل الخاتم عليه كما تختم الأشياء بالطين ونحوه.
وقال ابن مسعود: الرحيق الخمر والمختوم يجدون عاقبتها طعم المسك، وعنه (مختوم) ممزوج (ختامه مسك) قال طعمه في ريحه، وقيل يمزج لهم بالكافور، ويختم لهم بالمسك.
وقال ابن عباس رحيق خمر ومختوم ختم بالمسك.
عن ابن مسعود قال: ليس بخاتم فيختم به ولكن خلطه بمسك، ألم تر إلى المرأة من نسائكم تقول خلطة من الطيب كذا كذا، وعن أبي الدرداء ختامه مسك قال هو شراب أبيض مثل الفضة يختمون به آخر شرابهم، ولو أن رجلاً من أهل الدنيا أدخل أصبعه فيه ثم أخرجها لم يبق ذو روح إلا وجد ريحها.
قرأ الجمهور (ختامه) وقرىء (خاتمه) بفتح الخاء قال علقمة أما رأيت المرأة تقول للعطار إجعل خاتمه مسكاً أي آخره، والخاتم والختام يتقاربان في المعنى إلا أن الخاتم الاسم والختام المصدر، كذا قال الفراء، وقال في الصحاح: والختام الطين الذي يختم به، وكذا قال ابن زيد.
(وفي ذلك) الرحيق الموصوف بتلك الصفة (فليتنافس المتنافسون) أي فليرغب الراغبون وقيل إن " في " بمعنى إلى أي وإلى ذلك فليتبادر المتبادرون في العمل، كما في قوله (لمِثل هذا فليعمل العاملون) وأصل التنافس التشاجر على الشيء والتنازع فيه بأن يحب كل واحد أن ينفرد به دون صاحبه.
يقال نفست الشيء عليه نفاسة أي ضننت به ولم أحب أن يصير إليه، قال البغوي أصله من الشيء النفيس الذي تحرص عليه نفوس الناس فيريده كل واحد لنفسه وينفس به على غيره أي يضن به، قال عطاء المعنى فليستبق
стр. 11397
المستبقون، وقال مقاتل بن سليمان فليتنازع المتنازعون، وهذا لا يكون إلا بالمسارعة إلى الخيرات، والإنتهاء عن السيئات، وقال الزمخشري فليرتقب المرتقبون والمعنى في الجميع واحد.
стр. 11398
(ومزاجه) معطوف على ختامه صفة أخرى لرحيق أي ومزاج ذلك الرحيق (من تسنيم) وهو شراب ينصب عليهم من علو وهو أشرف شراب الجنة وأصل التسنيم في اللغة الإرتفاع فهي عين ماء تجري من علو إلى أسفل، ومنه سنام البعير لعلوه من بدنه، ومنه تسنيم القبور.
قال ابن عباس: لما سئل عن هذا: هذا مما قاله الله (فلا تعلم نفس ما أُخفي لهم من قرة أعين) وقال ابن مسعود: عين في الجنة تمزج لأصحاب اليمين ويشربها المقربون صرفاً.
ثم بين سبحانه ذلك فقال
стр. 11399
(عيناً يشرب بها المقربون) انتصاب عيناً على المدح، وقال الزجاج: على الحال، وإنما جاز أن يكون عيناً حالاً مع كونها جامدة غير مشتقة لاتصافها بقوله (يشرب بها) وقال الأخفش أنها منصوبة بيسقون، وقال الفراء بتسنيم والأول أولى، وبه قال المبرد قيل والباء في بها زائدة أي يشربها أو بمعنى " من " أي يشرب منها قال ابن زيد: بلغنا أنها عين تجري من تحت العرش.
ثم ذكر سبحانه بعض قبائح المشركين فقال
стр. 11400
(إن الذين أجرموا) وهم كفار قريش كأبي جهل والوليد بن المغيرة والعاصي بن وائل وأصحابهم من أهل مكة ومن وافقهم على الكفر، حكى الله عنهم أربعة أشياء من العلامات القبيحة أولها:
(كانوا من الذين آمنوا) كعمار وبلال وخباب وصهيب وأصحابهم من فقراء المؤمنين (يضحكون) أي يستهزئون بهم في الدنيا ويسخرون منهم، وآخرها قولهم (إن هؤلاء لضالون) وتقديم الجار والمجرور إما للقصر إشعاراً بغاية شناعة ما فعلوا أو لمراعاة الفواصل.
(وإذا مروا بهم) أي وإذا مر المؤمنون بالكفار وهم في مجالسهم (يتغامزون) من الغمز وهو الإشارة بالجفون والحواجب أي يغمز بعضهم بعضاً ويشيرون بأعينهم وحواجبهم طعناً فيهم وعيباً لهم، وقيل يعيرونهم بالإسلام ويعيبونهم به.
стр. 11403
(وإذا انقلبوا) أي إذا انقلب الكفار من مجالسهم (إلى أهلهم انقلبوا فكهين) أي معجبين بما هم فيه متلذذين به يتفكهون بذكر المؤمنين والطعن فيهم والاستهزاء بهم والسخرية منهم، والانقلاب الانصراف.
قرأ الجمهور فاكهين وقرىء فكهين بغير ألف، قال الفراء هما لغتان مثل طمع وطامع وحذر وحاذر، وقد تقدم بيانه في سورة الدخان أن الفكه الأشر البطر والفاكه الناعم المتنعم.
стр. 11404
(وإذا رأوهم) أي إذا رأى الكفار المسلمين في أي مكان (قالوا إن هؤلاء لضالون) في اتباعهم محمداً ﷺ وتمسكهم بما جاء به، وتركهم التنعم الحاضر يعني خدع محمد هؤلاء فضلوا وتركوا اللذات لما يرجونه في الآخرة من الكرامات فقد تركوا الحقيقة بالخيال، وهذا هو عين الضلال أو المعنى وإذا رأى المسلمون الكافرين قالوا هذا القول، والأول أولى.
стр. 11405
(وما أرسلوا عليهم حافظين) أي والحال أنهم لم يرسلوا على
стр. 11406
المسلمين من جهة الله موكلين بهم يحفظون عليهم أحوالهم وأعمالهم، ويشهدون برشدهم وضلالهم، بل أمروا بإصلاح أنفسهم، فاشتغالهم بذلك أولى بهم من تتبع عورات غيرهم وتسفيه أحلامهم، وهذا تهكم بهم وإشعار بأن ما اجترؤا عليه من القول مات وظائف الرسل من جهته تعالى.
ويجوز أن يكون ذلك من جملة قول المؤمنين كأنهم (قالوا إن هؤلاء لضالون وما أرسلوا علينا حافظين) إنكاراً لصدهم عن الشرك ودعائهم إلى الإسلام، قاله أبو السعود والأول أولى وأظهر.
стр. 11407
(فاليوم) أي يوم الآخرة (الذين آمنوا من الكفار يضحكون) يعني أن المؤمنين في ذلك اليوم يضحكون من الكفار حين يرونهم أذلاء مغلوب قد نزل بهم ما نزل من العذاب كما ضحك الكفار منهم في الدنيا.
стр. 11408
(على الأرائك ينظرون) أي يضحكون منهم ناظرين إليهم وإلى ما هم فيه من الحال الفظيع والهوان والصغار بعد العزة والاستكبار، وقد تقدم تفسير الأرائك قريباً.
قال الواحدي قال المفسرون أن أهل الجنة إذا أرادوا نظروا من منازلهم إلى أعداء الله وهم يعذبون في النار فضحكوا منهم كما ضحكوا منهم في الدنيا.
وقال أبو صالح يقال لأهل النار أخرجوا ويفتح لهم أبوابها فإذا رأوها قد فتحت أقبلوا إليها يريدون الخروج، والمؤمنون ينظرون إليهم على الأرائك فإذا انتهوا إلى أبوابها غلقت دونهم، فذلك قوله: (فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون) الخ.
وجملة
стр. 11409
(هل ثُوّب الكفار ما كانوا يفعلون) مستأنفة لبيان أنه قد وقع الجزاء للكفار بما كان يقع منهم في الدنيا من الضحك من المؤمنين والاستهزاء بهم، والاستفهام للتقرير، وثوب بمعنى أثيب والمعنى هل جوزي الكفار بما
стр. 11410
كانوا يفعلونه بالمؤمنين، وقيل الجملة في محل نصب بينظرون وقيل هي على إضمار القول أي يقول بعض المؤمنين لبعض هل ثوب الكفار، والثواب ما يرجع على العبد في مقابلة عمله، ويطلق على الخير والشر.
قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي بإدغام لام هل في ثاء ثوب، وقرأ الباقون بترك الإدغام.
стр. 11411
سورة الانشقاق
هي ثلاث أو خمس وعشرون آية وهي مكية بلا خلاف، قال ابن عباس نزلت بمكة وعن ابن الزبير مثله.
وعن أبي رافع " صليت مع أبي هريرة العتمة (١) فقرأ (إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ) فسجد فقلت له، فقال سجدت خلف أبي القاسم ﵌ فلا أزال أسجد فيها حتى ألقاه " (٢) أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما وأخرج مسلم وأهل السنن وغيرهم عن أبي هريرة " قال سجدنا مع رسول الله ﵌ في (إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ) و (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) ".
وعن بريدة أن النبي ﵌ " كان يقرأ في الظهر (إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ) ونحوها " أخرجه ابن خزيمة والروياني في مسنده والضياء المقدسي في المختارة.
(إذا السماء انشقت) أي انصدعت وتفطرت، فيه حذف، والتقدير إذا انشقت السماء انشقت لأن إذا الشرطية يختص دخولها بالجمل الفعلية، وما جاء من هذا ونحوه فمؤول محافظة على قاعدة الاختصاص، فالسماء فاعل لفعل محذوف.
قال الواحدي قال المفسرون انشقاقها من علامات القيامة، ومعنى انشقاقها انفطارها بالغمام الأبيض كما في قوله (ويوم تشقق السماء بالغمام) وقيل تنشق من المجرة وبه قال علي بن أبي طالب والمجرة باب السماء، وأهل الهيئة يقولون أنها نجوم صغار مختلطة غير متميزة في الحس.
واختلف في جواب " إذا " فقال الفراء أنه أذنت، والواو زائدة. وكذلك ألقت. قال ابن الأنباري هذا غلط لأن العرب لا تقحم الواو إلا مع حتى إذا كقوله (حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها) ومع لما كقوله (فلما أسلما وتلة للجبين وناديناه) ولا تقحم مع غير هذين.
وقيل أن الجواب قوله (فملاقيه) أي فأنت ملاقيه. وبه قال الأخفش. وقال المبرد إن في الكلام تقديماً وتأخيراً أي (يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه) إذا السماء انشقت.
وقال المبرد أيضاًً إن الجواب قوله (فأما من أوتي كتابه) وبه قال الكسائي، والتقدير إذا السماء انشقت فمن أوتي كتابه بيمينه فحكمه كذا، وقيل هو يا أيها الإنسان على إضمار الفاء أو على إضمار القول أي يقال له يا
стр. 11414
أيها الإنسان، وقيل الجواب محذوف تقديره بعثتم أو لاقى كل إنسان عمله.
وقيل هو ما صرح به في سورة التكوير أي (علمت نفس)، هذا على تقدير أن " إذا " شرطية، وقيل ليست بشرطية وهي منصوبة باذكر المحذوف وهي مبتدأ وخبرها إذا الثانية والواو مزيدة وتقديره وقت انشقاق السماء وقت مد الأرض.
ومعنى
стр. 11415
(وأذنت لربها وحقت) أنها أطاعته في الانشقاق ولم تأب ولم تمتنع، مشتق من الأذن وهو الاستماع للشيء والإصغاء إليه. وحق لها أن تطيع وتنقاد وتسمع: وقد استعمل الأذن في الاستماع في أشعار العرب، وفي الحديث " ما أذن الله لشيء أذنه لنبي يتغنى بالقرآن " قال الشاعر:
صم إذا سمعوا خيراً ذكرت به ... وإن ذكرت بسوء عندهم أذن (١)
وقال الحجار بن حكيم: أذنت لكم لما سمعت هديركم.
وفي المختار أذن له استمع وبابه طرب، وقيل المعنى وحقق الله عليها الاستماع لأمره بالانشقاق أي جعلها حقيقة بذلك، قال الضحاك حقت أطاعت وحق لها أن تطيع ربها لأنه خلقها، يقال فلان محقوق بكذا. ومعنى طاعتها أنها لا تمتنع مما أراده الله بها. قال قتادة حق لها أن تفعل ذلك، ومن هذا قول كثير:
فإن تكن العتبى فأهلاً ومرحبا ... وحقت لها العتبى لدنيا وقلت