(في أي صورة ما شاء ركبك) في أي صورة متعلق بركبك وما مزيدة وشاء صفة لصورة أي ركبك في أي صورة شاءها، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال أي ركبك حاصلاً في أي صورة.
ونقل أبو حيان عن بعض المفسرين أنه متعلق بعدلك، واعترض عليه بأن أي لها صدر الكلام فلا يعمل فيها ما قبلها، قال مقاتل والكلبي ومجاهد: في أي شبه من أب أو أم أو خال أو عم، وقال مكحول إن شاء ذكراً وإن شاء أنثى.
(كلا) ردع وزجر عن الاغترار بكرم الله وجعله ذريعة إلى الكفر به والمعاصي له أو بمعنى حقاً (بل تكذبون بالدين) إضراب عن جملة مقدرة ينساق إليها الكلام كأنه قيل بعد الردع بطريق الاعتراض وأنتم لا ترتدعون عن ذلك بل تجاوزونه إلى ما هو أعظم منه من التكذيب بالدين وهو الجزاء أو بدين الإسلام.
قال ابن الأنباري الوقف الجيد على الدين وعلى ركبك، وعلى كلا قبيح، والمعنى بل تكذبون يا أهل مكة بالدين أي بالحساب وبل لنفي شيء تقدم، وتحقيق غيره، وإنكار البعث قد كان معلوماً عندهم وإن لم يجر له ذكر.
قال الفراء كلا ليس الأمر كما غررت به، قرأ الجمهور تكذبون بالفوقية على الخطاب، وقرأ الحسن وأبو جعفر وشيبة بالتحتية على الغيبة.
وجملة
стр. 11344
(وإن عليكم لحافظين) في محل نصب على الحال من فاعل تكذبون أي تكذبون والحال أن عليكم من يدفع تكذيبكم، أو مستأنفة مسوقة لبيان ما يبطل تكذيبهم، والحافظون الرقباء من الملائكة الذين يحفظون على العباد أعمالهم ويكتبونها في الصحف.
قال ابن عباس: جعل الله على ابن آدم حافظين في الليل والنهار يحفظان عمله ويكتبان أثره.
стр. 11345
وهذا الخطاب وإن كان مشافهة إلا أن الأمة أجمعت على عموم هذا الخطاب في حق المكلفين.
وقوله تعالى حافظين جمع يحتمل أن يكونوا حافظين لجميع بني آدم من غير أن يختص واحد من الملائكة بواحد من بني آدم، ويحتمل أن يكون الموكل بكل أحد منهم غير الموكل بالآخر، ويحتمل أن يكون الموكل بكل واحد منهم جمعاً من الملائكة كما قيل إثنان بالليل وإثنان بالنهار أو كما قيل أنهم خمسة، واختلفوا في الكفار هل عليهم حفظة فقيل لا، لأن أمرهم ظاهر وعملهم واحد، قال تعالى (يعرف المجرمون بسيماهم) وقيل عليهم حفظة وهو ظاهر قوله تعالى في هذه الآية وفي قوله تعالى: (وأما من أوتي كتابه وراء ظهره) فأخبر أن لهم كتاباً، وأن عليهم حفظه.
ثم وصفهم سبحانه فقال
стр. 11346
(كراماً كاتبين) أي أنهم كرام لديه يكتبون ما يأمرهم به من أعمال العباد (يعلمون) على التجدد والاستقرار (ما تفعلون) في الآية دلالة على أن الشاهد لا يشهد إلا بعد العلم لوصف الملائكة بكونهم (حافظين كراماً كاتبين
стр. 11347
يعلمون ما تفعلون) فدل على أنهم يكونون عالمين بها حتى أنهم يكتبونها فإذا كتبوها يكونون عالمين عند أداء الشهادة.
قال الرازي المعنى التعجيب من حالهم كأنه قال إنكم تكذبون بيوم الدين وملائكة الله موكلون يكتبون أعمالكم حتى تحاسبوا بها يوم القيامة ونظيره قوله تعالى (عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ).
وفي تعظيم الكتبة بالثناء عليهم تعظيم لأمر الجزاء وأنه عند الله من جلائل الأمور فيه إنذار وتهويل للمجرمين، ولطف للمتقين، وعن الفضيل أنه كان إذا قرأها قال ما أشدها من آية على الغافلين.
ثم بين سبحانه حال الفريقين فقال
стр. 11348
(إن الأبرار لفي نعيم) أي جنة
стр. 11349
(وإن الفجار لفي جحيم) أي نار، والجملة مستأنفة لتقرير هذا المعنى الذي سيقت له وهي كقوله سبحانه (فريق في الجنة وفريق في السعير).
لفظ الفجار عائد على الكافرين الذين تقدم ذكرهم، وليس شاملاً لعصاة المؤمنين، لأنا لا نسلم أن مرتكب الكبيرة من المؤمنين فاجر على الإطلاق (فأل) في الفجار للعهد لا الذكرى بدليل قوله (بل تكذبون بالدين).
стр. 11350
(يَصْلَوْنها يوم الدين) صفة لجحيم أو مستأنفة جواب سؤال مقدر كأنه قيل ما حالهم فقيل يصلونها يوم الجزاء الذي كانوا يكذبون به، ويجوز أن يكون في محل نصب على الحال من الضمير في متعلق الجار والمجرور، ومعنى يصلونها أنهم يلزمونها مقاسين لوهجها وحرها يومئذ.
قرأ الجمهور يصلونها مخففاً مبنياً للفاعل، وقرىء بالتشديد مبنياً للمفعول.
стр. 11351
(وما هم عنها بغائبين) أي لا يفارقونها أبداً ولا يغيبون عنها بل هم فيها وقيل المعنى وما كانوا غائبين عنها قبل ذلك بالكلية بل كانوا يجدون حرها في قبورهم.
ثم عظم سبحانه ذلك اليوم فقال
стр. 11352
(وما أدراك ما يوم الدين) أي يوم الجزاء والحساب
стр. 11353
(ثم ما أدراك ما يوم الدين) كرره تعظيماً لشأنه وتفخيماً لقدره وتهويلاً لأمره كما في قوله (الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ) و (الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ) والمعنى أي شيء جعلك دارياً ما يوم الدين قال الكلبي الخطاب للإنسان الكافر.
ثم أخبر سبحانه عن اليوم فقال
стр. 11354
(يوم لا تملك نفس) من النفوس (لنفس) أخرى (شيئاًً) من النفع والضر، وملك الشفاعة لبعض الناس إذ ذاك إنما هو بإذن الله (من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه) ذكره الحفناوي.
قرأ ابن كثير وأبو عمرو برفع يوم على أنه بدل من يوم الدين أو خبر مبتدأ محذوف.
стр. 11355
وقرأ أبو عمرو في رواية عنه (يوم) بالتنوين والقطع عن الإضافة.
وقرأ الباقون بفتحه على أنها فتحة إعراب بتقدير أعني أو أذكر فيكون مفعولاً به أو على أنها فتحة بناء لإضافته إلى الجملة على رأي الكوفيين وهو في محل رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أو على أنه بدل من يوم الدين.
قال الزجاج يجوز أن يكون في موضع رفع إلا أنه بني على الفتح لإضافته إلى قوله (لا تملك) وما أضيف إلى غير المتمكن فقد يبنى على الفتح وإن كان في موضع رفع، وهذا الذي ذكره إنما يجوز عند الخليل وسيبويه إذا كانت الإضافة إلى الفعل الماضي وأما إلى الفعل المستقبل فلا يجوز عندهما، وقد وافق الزجاج على ذلك أبو علي الفارسي والفراء وغيرهما.
(والأمر يومئذ لله) وحده لا يملك شيئاًً من الأمر غيره كائناً من كان. قال مقاتل يعني لنفس كافرة شيئاًً من المنفعة، قال قتادة: ليس ثم أحد يقضي شيئاًً أو يصنع شيئاًً إلا الله رب العالمين، والمعنى أن الله لا يملك أحداً في ذلك اليوم شيئاًً من الأمور كما ملكهم في الدنيا، ومثل هذا قوله (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ).
стр. 11356
سورة المطففين
هي ست وثلاثون آية، قال القرطبي وهي مكية في قول ابن مسعود والضحاك ومقاتل، ومدنية في قول الحسن وعكرمة، وقال مقاتل أيضاً هي أول سورة نزلت بالمدينة، وقال ابن عباس وقتادة هي مدنية إلا ثمان آيات من قوله: (إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا) إلى آخرها، وقال الكلبي وجابر بن زيد نزلت بين مكة والمدينة، وعن ابن عباس نزلت بمكة وعن ابن الزبير مثله.
وعن ابن عباس قال آخر ما نزل بمكة سورة المطففين، وعنه قال: " لما قدم النبي ﷺ كانوا من أخبث الناس كيلاً فأنزل الله (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ) فأحسنوا الكيل بعد ذلك " أخرجه ابن مردويه والبيهقي في الشعب، قال السيوطي بسند صحيح (١).
(ويل للمطففين) ويل مبتدأ، وسوغ الابتداء به كونه دعاء، ولو نصب لجاز، قال مكي والمختار في ويل وشبهه إذا كان غير مضاف الرفع، ويجوز النصب، فإن كان مضافاً أو معرفاً كان الاختيار فيه النصب كقوله (ويلكم لا تفتروا) والمطفف المنقص، وحقيقته الأخذ في الكيل أو الوزن شيئاًً طفيفاً أي نزراً خفيفاً حقيراً.
قال أهل اللغة: المطفف مأخوذ من الطفف وهو القليل، فالمطفف هو المقلل حق صاحبه بنقصانه عن الحق في كيل أو وزن.
قال الزجاج: إنما قيل للذي ينقص المكيال والميزان مطفف لأنه لا يكاد يسرق في المكيال والميزان إلا الشيء اليسير الطفيف.
قال أبو عبيدة والمبرد: المطفف الذي يبخس في الكيل والوزن.
والمراد بالويل هنا شدة العذاب أو نفس العذاب أو الشر الشديد أو هو واد في جهنم.
قال الكلبي " قدم رسول الله ﵌ المدينة وهم يسيئون كيلهم ووزنهم لغيرهم، ويستوفون لأنفسهم فنزلت هذه الآية " (١) .
وقال السدي قدم رسول الله ﷺ المدينة وكان بها رجل
стр. 11359
يقال له أبو جهينة ومعه صاعان، يكيل بأحدهما ويكتال بالآخر فأنزل الله هذه الآية.
قال الفراء: هم بعد نزول هذه الآية أحسن الناس كيلاً إلى يومهم هذا.
وقد أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﵌ " ما نقص قوم العهد إلا سلط الله عليهم العدو، ولا طففوا الكيل إلا منعوا النبات وأخذوا بالسنين " وهذا الوعيد يلحق كل من يأخذ لنفسه زائداً أو يدفع إلى غيره ناقصاً قليلاً أو كثيراً، لكن إن لم يتب منه فإن تاب قبلت توبته، ومن فعل ذلك وأصر عليه كان مصراً على كبيرة من الكبائر، وذلك لأن عامة الخلق محتاجون إلى المعاملات وهي مبنية على أمر الكيل والوزن والزرع، فلهذا السبب عظم الله أمر الكيل والوزن.
ثم بين سبحانه المطففين من هم فقال
стр. 11360
(الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون) الاكتيال الأخذ بالكيل، قال الفراء يريد اكتالوا من الناس، " وعلى " " ومن " في هذا الموضع يعتقبان، يقال اكتلت منك أي استوفيت منك وتقول اكتلت عليك أي أخذت ما عليك، قال الزجاج: إذا اكتالوا من الناس استوفوا عليهم الكيل.
قال الزمخشري: لما كان اكتيالهم اكتيالاً يضرهم ويتحامل فيه عليهم أبدل " على " مكان " من " للدلالة على ذلك، ويجوز أن يتعلق بيستوفون، وقدم المفعول على الفعل لإفادة الخصوصية أي يستوفون على الناس خاصة، فأما أنفسهم فيستوفون لها قال السمين: وهو حسن.
ولم يذكر اتزنوا لأن الكيل والوزن بهما الشراء والبيع فأحدهما يدل على الآخر، قال الواحدي قال المفسرون: يعني الذين إذا اشتروا لأنفسهم استوفوا في الكيل والوزن، وإذا باعوا ووزنوا لغيرهم نقصوا وهو معنى قوله:
стр. 11361
(وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون) أي كالوا لهم أو وزنوا لهم
стр. 11362
فحذفت اللام فتعدى الفعل إلى المفعول فهو من باب الحذف والإيصال، ومثله نصحتك ونصحت لك كذا قال الأخفش والكسائي والفراء.
وقال الفراء: سمعت أعرابية تقول إذا صدر الناس أتينا التاجر فيكيلنا المد والمدين إلى الموسم المقبل، قال وهو من كلام أهل الحجاز ومن جاورهم من قيس.
قال الزجاج: لا يجوز الوقف على كالوا حتى يوصل بالضمير، ومن الناس من يجعله تأكيداً أي توكيداً للضمير المستكن في الفعل فيجيز الوقف على كالوا أو وزنوا قال أبو عبيد: وكان عيسى بن عمر يجعلهما حرفين ويقف على كالوا أو وزنوا ثم يقول هم يخسرون، قال: وأحسب قراءة حمزة كذلك.
قال أبو عبيد الاختيار أن يكونا كلمة واحدة من جهتين.
(إحداهما) الخط ولذلك كتبوهما بغير ألف ولو كانتا مقطوعتين لكانتا كالوا أو وزنوا بالألف.
(والأخرى) أنه يقال كلتك ووزنتك بمعنى كلت لك ووزنت لك وهو كلام عربي كما يقال صدتك وصدت لك وكسبتك وكسبت لك، وشكرتك وشكرت لك ونحو ذلك، وقيل هو على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، والمضاف المكيل والموزون أي وإذا كالوا مكيلهم أو وزنوا موزونهم، ومعنى يخسرون ينقصون كقوله (ولا تخسروا الميزان) والعرب تقول خسرت الميزان وأخسرته.
ثم خوفهم سبحانه فقال:
стр. 11363
(ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون) مستأنفة مسوقة لتهويل ما فعلوه من التطفيف وتفظيعه وللتعجيب من حالهم في الاجتراء عليه، والإشارة بأولئك إلى المطففين وما فيه من معنى البعد للإشعار ببعد درجتهم في الشرارة والفساد.
والمعنى أنهم لا يخطرون ببالهم أنهم مبعوثون فمسؤولون عما يفعلون
стр. 11364
قيل والظن هنا بمعنى اليقين أي لا يوقن أولئك ولو أيقنوا ما نقصوا الكيل والوزن، وقيل الظن على بابه والمعنى إن كانوا لا يستيقنون البعث فهلا ظنوه حتى يتدبروا فيه ويبحثوا عنه، ويتركوا ما يخشون من عاقبته ويأخذوا بالأحوط.
стр. 11365
(ليوم عظيم) هو يوم القيامة، ووصفه بالعظم لكونه زماناً لتلك الأمور العظام من البعث والحساب والعقاب ودخول أهل الجنة الجنة وأهل النار النار.
عن عبد الملك بن مروان أن أعرابياً قال له قد سمعت ما قال الله في المطففين، أراد بذلك أن المطفف قد توجه عليه الوعيد العظيم الذي سمعت به، فما ظنك بنفسك وأنت تأخذ أموال المسلمين بلا كيل ولا وزن.
ثم زجر عن ذلك اليوم فقال
стр. 11366
(يوم يقوم الناس لرب العالمين) أي يوم يقومون من قبورهم لأمر رب العالمين أو لجزائه أو لحسابه أو لحكمه وقضائه، وفي وصف اليوم بالعظم مع قيام الناس لله خاضعين فيه، ووصفه سبحانه بكونه رب العالمين دلالة على عظم ذنب التطفيف ومزيد إثمه وفظاعة عقابه، وفيما كان مثل حاله من الحيف وترك القيام بالقسط والعمل على السوية والعدل في كل أخذ وعطاء بل في كل قول وعمل وحال.
وقيل المراد بقوله يوم يقوم الناس قيامهم في رشحهم إلى أنصاف آذانهم.
وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عمر " أن النبي ﵌ قال يوم يقوم الناس لرب العالمين حتى يغيب أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه " (١).
وقيل المراد قيامهم بما عليهم من حقوق العباد، وقيل المراد قيام الرسل بين يدي الله للقضاء، والأول أولى.
стр. 11367
وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﵌ في هذه الآية " فكيف بكم إذا جمعكم الله كما يجمع النبل في الكنانة خمسين ألف سنة لا ينظر إليكم " أخرجه الطبراني وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في البعث.
وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ يوم يقوم الناس لرب العالمين بمقدار نصف يوم من خمسين ألف سنة فيهون ذلك على المؤمن كتدلي الشمس إلى الغروب إلى أن تغرب، أخرجه أبو يعلى وابن حيان وابن مردويه.
وعن ابن مسعود قال " إذا حشر الناس قاموا أربعين عاماً " أخرجه ابن أبي حاتم وأخرجه ابن مردويه من حديثه مرفوعاً.
وعن ابن عمر أنه قال: " يا رسول الله كم مقام الناس بين يدي رب العالمين يوم القيامة؟ قال ألف سنة لا يؤذن لهم " أخرجه الطبراني وعن ابن عمر أنه قرأ هذه السورة فلما بلغ هنا بكى نحيباً وامتنع عن قراءة ما بعدها.
стр. 11368
(كلا) هي للردع والزجر للمطففين الغافلين عن البعث وما بعده أو بمعنى حقاً. ثم استأنف فقال (إن كتاب الفجار) أظهر في موضع الإضمار تعميماً وتعليقاً للحكم بالوصف، يعني أن كتب أعمال الكفار (لفي سجين) وهو ما فسره به سبحانه من قوله:
стр. 11369
(وما أدراك ما سجين كتاب مرقوم) فأخبر بهذا أنه كتاب مرقوم أي مسطور، قيل هو كتاب جامع لأعمال الشر الصادرة من الشياطين والكفرة والفسقة، ولفظ سجين علم به.
وقال قتادة وسعيد بن جبير ومقاتل وكعب: أنه صخرة تحت الأرض السابعة تقلب فيجعل كتاب الفجار تحتها وبه قال مجاهد فيكون في الكلام على هذا القول مضاف محذوف، والتقدير محل كتاب مرقوم، وقال أبو عبيدة والأخفش والمبرد والزجاج: لفي حبس وضيق شديد، والمعنى كأنهم في حبس جعل ذلك دليلاً على خساسة منزلتهم وهوانهم.
(كتاب مرقوم) تفسير سجين وهو بعيد لأنه ليس السجين من الكتاب في شيء على ما حكيناه عن المفسرين، والوجه أن يجعل بياناً لكتاب المذكور في قوله (إن كتاب الفجار) على تقدير هو كتاب مرقوم أي مكتوب قد بينت حروفه انتهى، والأولى ما ذكرناه.
ويكون المعنى أن كتاب الفجار الذين من جملتهم المطففون أي ما يكتب من أعمالهم أو كتابة أعمالهم لفي ذلك الكتاب المدون للقبائح المختص بالشر، وهو سجين.
ثم ذكر ما يدل على تهويله وتعظيمه فقال (وما أدراك ما سجين) ثم بينه بقوله كتاب مرقوم.
قال الزجاج: معنى قوله وما أدراك ما سجين ليس ذلك مما كنت تعلمه أنت ولا قومك أي في الدنيا قبل نزول الوحي عليك وإنما علمته بالوحي.
قال قتادة: ومعنى مرقوم رقم لهم بشر، كأنه أعلم بعلامة يعرف بها أنه كافر وكذا قال مقاتل.
وقد اختلفوا في نون سجين فقيل هي أصلية واشتقاقه من السجن وهو الحبس، وهو بناء مبالغة كخمير وسكير وفسيق من الخمر والسكر والفسق، وكذا قال أبو عبيدة والمبرد والزجاج، قال الواحدي: وهذا ضعيف لأن العرب ما كانت تعرف سجيناً، ويجاب عنه بأن رواية هؤلاء الأئمة تقوم بها الحجة
стр. 11372
وتدل على أنه من لغة العرب، ومنه قول ابن مقبل:
ورفقة يضربون البيض ضاحية ... ضرباً تواصت به الأبطال سجيناً وقيل النون بدل من اللام والأصل سجيل مشتقاً من السجل وهو الكتاب، قال ابن عطية: من قال أن سجيناً موضع، فكتاب مرفوع على أنه خبر " إن " والظرف وهو قوله لفي سجين ملغى، ومن جعله عبارة عن الكتاب، فكتاب خبر مبتدأ محذوف، والتقدير هو كتاب، ويكون هذا الكلام مفسر السجين ما هو كذا قال الضحاك، وقوله مرتوم مختوم بلغة حمير، وأصل الرقم الكتابة.
وقال كعب الأحبار في الآية أن روح الفاجر يصعد بها إلى السماء فتأبى السماء أن تقبلها فتهبط بها إلى الأرض فتأبى أن تقبلها، فيدخل بها تحت سبع أرضين حتى ينتهي بها إلى سجين، وهو خد إبليس فيخرج لها من تحت خد إبليس كتاباً فيختم ويوضع تحت خد إبليس (١) وعن ابن عباس قال سجين أسفل الأرضين.
وأخرج ابن جرير عن أبي هريرة عن النبي ﵌ قال: " الفلق جب في جهنم مغطى، وأما سجين مفتوح، قال ابن كثير هو حديث غريب منكر لا يصح (٢).
стр. 11373
وأخرج ابن مردويه عن عائشة عن النبي ﷺ " قال سجين الأرض السابعة السفلى ".
وأخرج هو عن جابر نحوه مرفوعاً.
وعن عبد الله بن كعب بن مالك قال لما حضرت كعباً الوفاة أتته أم بشر بنت البراء فقالت إن لقيت إبني فاقرأه مني السلام فقال غفر الله لك يا أم بشر، نحن أشغل من ذلك، فقالت أما سمعت رسول الله ﵌ يقول إن نسمة المؤمن تسرح في الجنة حيث شاءت وإن نسمة الكافر في سجين، قال بلى قالت فهو ذاك " أخرجه ابن ماجه والطبراني والبيهقي في البعث وعبد بن حميد.
стр. 11374
(ويل يومئذ للمكذبين) هذا متصل بقوله (يوم يقوم الناس) وما بينهما اعتراض، والمعنى ويل يوم القيامة لمن وقع منه التكذيب بالبعث وبما جاءت به الرسل.
ثم بين سبحانه هؤلاء المكذبين فقال
стр. 11375
(الذين يكذبون بيوم الدين) أي بيوم القيامة لأنه يوم الجزاء والحساب، والموصول بدل من المكذبين أو صفة.
стр. 11376
(وما يكذب به إلا كل معتد أثيم) أي فاجر جائر متجاوز في الإثم منهمك في أسبابه
стр. 11377
(إذا تتلى عليه آياتنا) المنزلة على محمد ﵌ وهو القرآن الكريم (قال أساطير الأولين) أي أحاديثهم وأباطيلهم التي زخرفوها والحكايات التي سطرت قديماً جمع أسطورة بالضم أو إسطاره بالكسر، قرأ الجمهور تتلى بفوقيتين، وقرىء بالتحتية.
وقوله
стр. 11378
(كلا) للردع والزجر للمعتدي الأثيم عن ذلك القول الباطل وتكذيب له وقال الحسن: بمعنى حقاً، وقوله (بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون) بيان للسبب الذي حملهم على قولهم بأن القرآن أساطير الأولين.
стр. 11379
وقال أبو عبيدة: ران على قلوبهم غلب عليها، رينا وريوناً وكل ما غلبك وعلاك فقد ران بك وران عليك، قال الفراء هو أنها كثرت منهم المعاصي والذنوب فأحاطت بقلوبهم فذلك الرين عليها. قال الحسن: هو الذنب على الذنب حتى يعمى القلب.
قال مجاهد: القلب مثل الكف ورفع كفه فإذا أذنب انقبض وضم إصبعه، فإذا أذنب ذنباً آخر انقبض وضم أخرى، حتى ضم أصابعه كلها حتى يطبع على قلبه، قال وكانوا يرون أن ذلك هو الرين، ثم قرأ هذه الآية.
قال أبو زيد يقال قد رين بالرجل ريناً إذا وقع فيما لا يستطيع الخروج منه ولا قبل له به.
وقال أبو معاذ النحوي الرين أن يسود القلب من الذنوب، والطبع أن يطبع على القلب وهو أشد من الرين، والإقفال أشد من الطبع.
قال الزجاج: الرين هو كالصدأ يغشى القلب كالغيم الرقيق ومثله الغين.
وعن أبي هريرة عن النبي ﵌ قال " إن العبد إذا أذنب ذنباً نكتت في قلبه نكتة سوداء فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه، وإن عاد زادت حتى تغلف قلبه، فذلك الران الذي ذكره الله سبحانه في القرآن (كلا بل ران على قلوبهم) الخ أخرجه أحمد والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجه وغيرهم (١).