(والذي أخرج المرعى) صفة أخرى للرب أي أنبت العشب وما ترعاه الدواب والنعم من النبات الأخضر.
стр. 11517
(فجعله غثاء) أي فجعل المرعى بعد أن كان أخضر هشيماً يابساً جافاً بالياً كالغثاء الذي يكون فوق السيل، وفي القاموس الغثاء القماش والزبد والهالك البالي من ورق الشجر، قال قتادة الغثاء الشيء اليابس، ويقال للبقل والحشيش إذا انحطم ويبس " غثاء " وهثيم، قال الكسائي غثاء حال من المرعى أي أخرجه أحوى من شدة الخضرة والري فجعله غثاء بعد ذلك.
стр. 11518
(أحوى) أي اسود بعد اخضراره، وذلك أن الكلأ إذا يبس أسود، والأحوى مأخوذ من الحوة وهي سواد يضرب إلى الخضرة، وقيل خضرة عليها سواد، وفي القاموس الحوة سواد إلى خضرة أو حمرة إلى السواد، حوى كرضى حوى، قال في الصحاح والحوة أي بالضم حمرة الشفة، قال ابن عباس غثاء هشيماً أحوى متغيراً، وقال ابن زيد وهذا مثل ضربه الله للكفار بذهاب الدنيا بعد نضارتها.
стр. 11519
(سنقرئك) أي سنجعلك قارئاً بأن نلهمك القراءة، والسين إما للتأكيد وإما لأن المراد إقراء ما أوحى الله إليه حينئذ وما سيوحي إليه بعد ذلك، فهو وعد باستمرار الوحي في ضمن الوعد بالإقراء (فلا تنسى) ما نقرأه، والجملة مستأنفة لبيان هدايته ﵌ الخاصة به بعد بيان الهداية العامة لكافة خلقه، وهو هدايته ﵌ لحفظ القرآن وتلقي الوحي، وهدايته للناس أجمعين.
قيل هو نفي، وقيل نهي والألف إشباع، ومنع مكي أن يكون نهياً لأنه لا ينهى عما ليس باختياره، وهذا غير لازم إذ المعنى أن النهي عن تعاطي أسباب النسيان وهو شائع فسقط ما قاله.
قال مجاهد والكلبي كان النبي ﵌ إذا نزل عليه جبريل بالوحي لم يفرغ جبريل من آخر الآية حتى يتكلم النبي ﵌ بأولها مخافة أن ينساها، فنزلت هذه الآية فلم ينس شيئاًً بعد ذلك.
وعن ابن عباس " كان النبي ﵌ يستذكر القرآن مخافة أن ينسى فقيل له قد كفيناك ذلك، ونزلت هذه الآية " وعن سعد بن أبي وقاص نحوه.
وهذه الآية تدل على المعجزة من وجهين:
(الأول) أنه كان رجلاً أمياً فحفظه لهذا الكتاب المطول من غير دراسة
стр. 11520
ولا تكرار خارق للعادة فيكون معجزة.
(الثاني) أن هذه السورة من أول ما نزل بمكة فهذا إخبار عن أمر عجيب مخالف للعادة سيقع في المستقبل، وقد وقع فكان هذا إخباراً فيكون معجزاً.
وقوله
стр. 11521
(إلا ما شاء الله) استثناء مفرغ من أعم المفاعيل أي لا تنسى مما تقرأه شيئاًً من الأشياء إلا ما شاء الله أن تنساه، قال ابن عباس يقول إلا ما شئت أنا فأنسيك.
قال الفراء وهو لم يشأ سبحانه أن ينسى محمد ﵌ شيأ كقوله (خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك) وقيل إلا ما شاء الله أن تنسى ثم تذكر بعد ذلك فإذن قد ينسى ولكنه يتذكر ولا ينسى شيئاًً نسياناً كلياً، وقيل هو بمعنى النسخ أي إلا ما شاء الله أن ينسخه مما نسخ تلاوته وحكمه معاً، وأما ما نسخت تلاوته فقط أو حكمه فقط فلا يصح أن تنساه للاحتياج إلى تلاوته في الأول، وإلى حكمه في الثاني.
وقيل المعنى فلا تترك العمل إلا ما شاء الله أن تتركه لنسخه ورفع حكمه، وقيل إلا ما شاء أن يؤخر إنزاله، والالتفات إلى الاسم الجليل لتربية المهابة والإيذان بدوران المشيئة على عنوان الألوهية المستتبعة لسائر الصفات.
(إنه يعلم الجهر وما يخفى) تعليل لما قبله أي يعلم ما ظهر وما بطن، والإعلان والإسرار، وظاهره العموم فيندرج تحته ما قيل أن الجهر ما حفظه رسول الله ﷺ من القرآن، وما يخفى هو ما نسخ من صدره، ويدخل تحته أيضاًً ما قيل من أن الجهر هو إعلان الصدقة وما يخفى هو أخفاؤها.
ويدخل تحته أيضاًً ما قيل أن الجهر جهره ﷺ بالقرآن مع قراءة جبريل مخافة أن يتفلت عليه، وما يخفى ما في نفسه مما يدعوه إلى الجهر.
(ونيسرك لليسرى) معطوف على سنقرئك كما ينبيء عنه الالتفات إلى الحكاية فهو داخل في حيز التنفيس، وما بينهما اعتراض وارد للتعليل.
قال مقاتل: أن نهون عليك عمل الجنة، وقيل نوفقك للطريقة التي هي أيسر وأسهل، وقيل للشريعة اليسرى وهي الحنيفية السهلة السمحة البيضاء التي ليلها كنهارها، وقيل نهون عليك الوحي حتى تحفظه وتعمل به.
والأولى حمل الآية على العموم أي نوفقك للطريقة اليسرى في الدين والدنيا في كل أمر من أمورهما التي تتوجه إليك، ولهذه النكتة قال (نيسرك) ولم يقل نيسر لك أي لإفادة أنك موفق لها، وقال ابن عباس لليسرى للخير، وقال ابن مسعود للجنة.
стр. 11524
(فذكر إن نفعت الذكرى) أي عظ يا محمد الناس بما أوحينا إليك وأرشدهم إلى سبل الخير، واهدهم إلى شرائع الدين، قال الحسن تذكرة للمؤمن وحجة على الكافر.
قال الواحدي: إن نفعت أو لم تنفع، لأن النبي ﵌ بعث مبلغاً للإعذار والإنذار فعليه التذكير في كل حال نفع أو لم ينفع، ولم يذكر الحالة الثانية كقوله (سرابيل تقيكم الحر): قال الجرجاني: التذكير واجب وإن لم ينفع فالمعنى إن نفعت الذكرى أو لم تنفع، وقيل إنه مخصوص في قوم بأعيانهم، وقيل إن بمعنى ما أي فذكر ما نفعت الذكرى لأن الذكرى
стр. 11525
نافعة بكل حال وقيل أنها بمعنى (قد) ذكره ابن خالويه وهو بعيد جداً، وقيل أنها بمعنى إذ.
وما قاله الواحدي والجرجاني أولى وقد سبقهما إلى القول به الفراء والنحاس والزهراوي قال الرازي: قوله (إن نفعت الذكرى) للتنبيه على أشرف الحالين وهو وجود النفع الذي لأجله شرعت الذكرى والمعلق بإن على الشيء لا يلزم أن يكون عدماً عند عدم ذلك الشيء، ويدل عليه آيات منها هذه الآية، ومنها قوله تعالى (واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون) ومنها قوله (ولا جناح عليكم أن تقصروا من الصلاة إن خفتم) فإن القصر جائز عند الخوف وعدمه، ومنها قوله (فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله) والمراجعة جائزة بدون هذا الظن.
فهذا الشرط فيه فوائد منها ما تقدم، ومنها البعث على الانتفاع بالذكر كما يقول الرجل لمن يرشد، قد أوضحت لك أن كنت تعقل، وهو تنبيه للنبي ﵌ على أنها لا تنفعهم الذكرى، أو يكون هذا في تكرير الدعوة فأما الدعاء الأول فهو عام انتهى.
ثم بيّن سبحانه الفرق بين من تنفعه الذكرى ومن لا تنفعه فقال:
стр. 11526
(سيذَّكر) أي سيتعظ بوعظك، والسين بمعنى سوف، وسوف من الله واجب كقوله سنقرئك فلا تنسى (من يخشى) الله فيزداد بالتذكير خشية وصلاحاً.
стр. 11527
(ويتجنبها) أي ويتجنب الذكرى ويبعد عنها فلا يقبلها (الأشقى) من الكفار لإصراره على الكفر بالله وانهماكه في معاصيه.
ثم وصف الأشقى فقال
стр. 11528
(الذي يصلى النار الكبرى) أي العظيمة الفظيعة لأنها أشد حراً من غيرها. قال الحسن النار الكبرى نار جهنم والنار الصغرى نار الدنيا، وقال الزجاج هي السفلى من أطباق النار، وقيل أن في الآخرة نيراناً ودركات متفاضلة، فكما أن الكافر أشقى العصاة فكذا يصلى
стр. 11529
أعظم النيران.
стр. 11530
(ثم لا يموت فيها) فيستريح مما هو فيه من العذاب (ولا يحيى) حياة ينتفع بها، ومنه قول الشاعر:
ألا النفس لا تموت فينقضي ... عناها ولا تحيى حياة لها طعم
وثم للتراخي في مراتب الشدة لأن التردد بين الموت والحياة أفظع من صلي النار الكبرى.
ولما ذكر تعالى وعيد من أعرض عن النظر في دلائل الله أتبعه بالوعد لضده فقال (قد أفلح من تزكى) أي نال الفوز من تطهر من الشرك فآمن بالله ووحده وعمل بشرائعه، قال عطاء والربيع من كان عمله زاكياً نامياً، وقال قتادة: تزكى بعمل صالح، وقال عطاء وقتادة وأبو العالية نزلت في صدقة الفطر، قال عكرمة كان الرجل يقول أقدم زكاتي بين يدي صلاتي، وأصل الزكاء في اللغة النماء.
وقيل المراد بالآية زكاة الأموال كلها. وقيل المراد بها زكاة الأعمال لا زكاة الأموال لأن الأكثر أن يقال في الأموال زكى لا تزكى، قال ابن عباس: من تزكى من قال لا إله إلا الله.
وعن عوف عن النبي ﷺ " أنه يأمر بزكاة الفطر قيل أن يصلي صلاة العيد ويتلو هذه الآية " أخرجه البزار وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم في الكنى والبيهقي في سننه وابن مردويه، وفي لفظ قال " سئل النبي ﷺ عن زكاة الفطر فقال
стр. 11531
(قد أفلح من تزكى) قال هي زكاة الفطر " وكثير بن عبد الله ضعيف جداً (١) قال أبو داود وهو ركن من أركان الكذب وقد صحح الترمذي حديثاً من طرقه وخطىء في ذلك.
ولكن يشهد له ما أخرجه ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري " قد كان
стр. 11532
رسول الله ﷺ يقول (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى) ثم يقسم الفطرة قبل أن يغدو إلى المصلى يوم الفطر ".
وليس في هذين الحديثين ما يدل على أن ذلك سبب النزول بل فيهما أنه ﷺ تلا الآية، وقوله هي زكاة الفطر يمكن أن يراد به أنها مما يصدق عليه التزكي، وقد قدمنا أن السورة مكية ولم يكن في مكة صلاة عيد ولا فطرة.
وعن أبي سعيد الخدري في الآية قال " أعطى صدقة الفطر قبل أن يخرج إلى العيد وخرج إلى العيد فصلى " وعن ابن عمر قال إنما أنزلت هذه الآية في إخراج صدقة الفطر قبل صلاة العيد، وعن عطاء قال قلت لابن عباس أرأيت قوله (قد أفلح من تزكى) للفطر قال لم أسمع بذلك، ولكن للزكاة كلها، ثم عاودته فقال لي: والصدقات كلها.
стр. 11533
(وذكر اسم ربه فصلى) قيل المعنى ذكر اسم ربه بالخوف فعبده وصلى له، وقيل ذكر اسم ربه بلسانه وكبر للافتتاح فصلى أي فأقام الصلوات الخمس، وبه يحتج على وجوب تكبيرة الافتتاح وعلى أنها ليست من الصلاة لأن الصلاة عطفت عليها وهو يقتضي المغايرة، على أن الافتتاح جائز بكل اسم من أسمائه ، قاله النسفي وفيه نظر، وقيل ذكر موقفه ومعاده فعبده وهو كالقول الأول.
وقيل ذكر اسم ربه بالتكبير في أول الصلاة لأنها لا تنعقد إلا بذكره وهو قوله الله أكبر، وقيل ذكر اسم ربه في طريق المصلى فصلى، وقيل هو أن يتطوع بصلاة بعد زكاة، وقيل المراد بالصلاة هنا صلاة العيد كما أن المراد بالتزكي في الآية الأولى زكاة الفطر، ولا يخفى بعد هذا القول لأن السورة مكية ولم تفرض زكاة الفطر وصلاة العيد إلا بالمدينة.
عن جابر بن عبد الله عن النبي ﵌ في قوله (قد أفلح من تزكى) قال " من شهد أن لا إله إلا الله وقطع الأنداد وشهد أني
стр. 11534
رسول الله (وذكر اسم ربه فصلى) قال هي الصلوات الخمس والمحافظة عليها والاهتمام بمواقيتها " أخرجه ابن مردويه، وقال البزار لا يروى عن جابر إلا من هذا الوجه وعن ابن عباس قال من تزكى من الشرك (وذكر اسم ربه) قال وحد الله فصلى قال الصلوات الخمس.
стр. 11535
(بل تؤثرون الحياة الدنيا) هذا إضراب عن كلام مقدر يدل عليه السياق وينساق إليه الكلام أي أنتم لا تفعلون ذلك بل تؤثرون اللذات الفانية العاجلة الكائنة في الدنيا على الدار الآخرة الآجلة الباقية فلا تفعلون ما به تفلحون.
قرأ الجمهور بالفوقية على الخطاب للكفار فقط أو لمطلق الناس، ويؤيدها قراءة أبيّ بل أنتم تؤثرون وقرىء بالتحتية على الغيبة وعلى هذا يكون الضمير راجعاً للأشقى، قيل والمراد بالآية الكفرة والمراد بالإيثار للحياة الدنيا هو الرضا بها والاطمئنان إليها والإعراض عن الآخرة بالكلية.
وقيل المراد بها جميع الناس من مؤمن وكافر، والمراد بإيثارها هو أعم من ذلك مما لا يخلو عنه غالب الناس من إيثار جانب الدنيا على الآخرة، والتوجه إلى تحصيل منافعها والاهتمام بها اهتماماً زائداً على اهتمامه بالطاعات.
وعن عرفجة الثقفي قال استقرأت ابن مسعود (سبح اسم ربك الأعلى) فلما بلغ (بل تؤثرون الحياة الدنيا) ترك القراءة وأقبل على أصحابه فقال آثرنا الدنيا على الآخرة فسكت القوم فقال آثرنا الدنيا لأن رأينا زينتها ونساءها وطعامها وشرابها، وزويت عنا الآخرة، فاخترنا هذا العاجل وتركنا الآجل، وقال (بل يؤثرون الحياة الدنيا) بالياء.
قال عرفجة عند ابن مسعود فقرأ هذه الآية فقال لنا أتدرون لم آثرنا الحياة الدنيا على الآخرة قلنا لا، قال لأن الدنيا أحضرت وعجل لنا طعامها وشرابها ونساءها ولذاتها وبهجتها، وأن الآخرة تغيبت وزويت عنا فأصبنا العاجل وتركنا الآجل.
стр. 11536
(والآخرة خير وأبقى) أي والحال أن الدار الآخرة التي هي الجنة أفضل وأدوم من الدنيا، لأنها تشتمل على السعادة الجسمانية والروحانية، والدنيا ليست كذلك، ولأن الدنيا لذاتها مخلوقة بالآلام، والآخرة ليست كذلك، ولأن الدنيا فانية والآخرة باقية، والباقي خير من الفاني.
قال مالك بن دينار لو كانت الدنيا من ذهب يفنى، والآخرة من خزف يبقى لكان الواجب أن يؤثر خزف يبقى على ذهب يفنى، فكيف والآخرة من ذهب يبقى، والدنيا من خزف يفنى.
стр. 11537
(إن هذا) أي ما تقدم من فلاح من تزكى وما بعده، وقيل إنه إشارة إلى جميع السورة (لفي الصحف الأولى) أي ثابت فيها قال النسفي وهو دليل على جواز قراءة القرآن بالفارسية في الصلاة، لأنه جعله مذكوراً في تلك الصحف مع أنه لم يكن فيها بهذا النظم وبهذه اللغة انتهى.
قال الخطيب: لم يُرد تعالى أن هذه الألفاظ بعينها في تلك الصحف بل معناه أن معنى هذا الكلام في تلك الصحف وفيه بعد لأن أبا حنيفة قد رجع عنه وعليه الاعتماد عند الحنفية وعليه الفتوى منهم وقد وصف الله سبحانه القرآن بكونه عربياً فلا يتم هذا الاستدلال.
стр. 11538
(صحف إبراهيم وموسى) بدل من الصحف الأولى قال قتادة وابن زيد يريد بقوله (إِنَّ هَذَا): (وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى) وقالا تتابعت كتب الله أن الآخرة خير وأبقى من الدنيا وقال الحسن تتابعت كتب الله إن هذا لفي الصحف الأولى، وهو قوله (قد أفلح) إلى آخر السورة.
قرأ الجمهور صحف بضم الحاء في الموضعين، وقرىء بسكونها فيهما، وقرأ الجمهور " إبراهيم " بالألف بعد الراء وبالياء بعد الهاء، وقرىء بحذفهما وفتح الهاء، وقرأ أبو موسى وابن الزبير إبراهام بألفين.
وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ " هي كلها في صحف إبراهيم وموسى " أخرجه البزار وابن المنذر والحاكم وصححه وابن
стр. 11539
مردويه، وعنه في الآية قال " نسخت هذه السورة من صحف إبراهيم وموسى " وفي لفظ " هذه السورة في صحف إبراهيم وموسى ".
وعن أبي ذر قال: قلت " يا رسول الله كم أنزل الله من كتاب؟ قال مائة كتاب وأربعة كتب " الحديث وأخرجه عبد بن حميد وابن مردويه وابن عساكر.
стр. 11540
سورة الغاشية
هي ست وعشرون آية وهي مكيّة بلا خلاف، وعن ابن عباس قال نزلت بمكة وعن ابن الزبير مثله، وقد تقدم حديث النعمان بن بشير أن رسول الله ﷺ كان يقرأ (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) والغاشية في صلاة العيد ويوم الجمعة.
(هل أتاك حديث الغاشية) قال جماعة من المفسرين هل هنا بمعنى قد، وبه قال قطرب أي قد جاءك يا محمد، حديث الغاشية وهي القيامة لأنها تغشى الخلائق بأهوالها، وقيل أن بقاء (هل) على معناها الاستفهامي المتضمن للتعجب مما في حيزه والتشويق إلى استماعه أولى.
وقد ذهب إلى أن المراد بالغاشية هنا القيامة أكثر المفسرين، وقال سعيد بن جبير ومحمد بن كعب الغاشية النار تغشى وجوه الكفار كما في قوله (وتغشى وجوههم النار) وقيل الغاشية أهل النار لأنهم يغشونها ويقتحمونها، والأول أولى.
قال الكلبي المعنى إن لم يكن أتاك حديث الغاشية فقد أتاك قال ابن عباس: الغاشية من أسماء القيامة وعنه قال الغاشية الساعة، وفي المصباح الغشاء الغطاء ويقال أن الغشى يعطل القوى المحركة والأوردة الحساسة لضعف القلب بسبب وجع شديد أو برد أو جوع مفرط، وقيل الغشي هو الإغماء وقيل الإغماد امتلاء بطون الدماغ من بلغم بارد غليظ وقيل الإغماء سهو يلحق الإنسان مع فتور الأعضاء لعلة، وغشيته أغشاه من باب تعب أتيته، والاسم الغشيان بالكسر.
стр. 11543
وجملة
стр. 11544
(وجوه يومئذ خاشعة) مستأنفة جواب سؤال مقدر كأنه قيل ما هو أو مستأنفة استئنافاً نحوياً لبيان ما تضمنته من كون ثم وجوه في ذلك اليوم متصفة بهذه الصفات المذكورة، ووجوه مرتفع على الابتداء وإن كان نكرة لوقوعه في مقام التفصيل، وقد تقدم مثل هذا في سورة القيامة وفي سورة النازعات.
والتنوين في يومئذ عوض عن المضاف إليه أي يوم غشيان الغاشية، والخاشعة الذليلة الخاضعة وكل متضائل ساكن يقال له خاشع، يقال خشع الصوت إذا خفي، وخشع في صلاته إذا تذلل ونكس رأسه، والمراد بالوجوه هنا أصحابها قال المحلي عبر بها عن الذوات في الموضعين أي بالجزء عن الكل، وخص الوجه لأنه أشرف أعضاء الإنسان ولأن الذل يظهر عليه أولاً دون غيره، قال مقاتل يعني الكفار لأنهم تكبروا عن عبادة الله، قال قتادة وابن زيد خاشعة في النار.
وقيل أراد وجوه اليهود والنصارى على الخصوص، والأول أولى، وفي البحر: الآية نزلت في القسيسين وعباد الأوثان، وفي كل مجتهد في كفر.
стр. 11545
(عاملة) أي أنها تعمل عملاً شاقاً، قال أهل اللغة يقال للرجل إذا دأب في سيره عمل يعمل عملاً، ويقال للسحاب إذا دام برقه قد عمل يعمل عملاً، قيل وهذا العمل هو جر السلاسل والأغلال والخوض في النار والصعود والهبوط في تلالها ووهادها.
(ناصبة) أي تعبة يقال نصب بالكسر ينصب نصباً إذا تعب، والمعنى أنها في الآخرة تعبة لما تلاقيه من عذاب الله، وقيل أن قوله (عاملة) في الدنيا إذ لا عمل في الآخرة أي تعمل في الدنيا بالكفر والمعاصي، وتنصب في ذلك، وقيل إنها (عاملة) في الدنيا (ناصبة) في الآخرة، والأول أولى.
قال قتادة عاملة ناصبة تكبرت في الدنيا عن طاعة الله فأعملها الله
стр. 11546
وأنصبها في النار بجر السلاسل الثقال، وحمل الأغلال، والوقوف حفاة عراة في العرصات (في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة).
قال الحسن وسعيد بن جبير: لم تعمل لله في الدنيا ولم تنصب فاعملها وانصبها في جهنم، قال الكلبي: يجرون على وجوههم في جهنم، وقال أيضاًً يكلفون ارتقاء جبل من حديد في جهنم فينصبون فيها أشد ما يكون من النصب بمعالجة السلاسل والأغلال والخوض في النار كما تخوض الإبل في الوحل.
قال ابن عباس: (عاملة ناصبة) تعمل وتنصب، وعنه قال يعني اليهود والنصارى تخشع ولا ينفعها عملها، قرأ الجمهور (عاملة ناصبة) بالرفع فيهما على أنهما خبران آخران للمبتدأ أو على تقدير مبتدأ وهما خبران له، وقرىء بنصبهما على الحال أو على الذم.
وقوله
стр. 11547
(تصلى ناراً حامية) خبر آخر للمبتدأ أي تدخل ناراً متناهية في الحر، يقال حمى النار وحمى التنور أي اشتد حرهما، قال الكسائي يقال اشتد حمى النهار وحموه بمعنى، والمعنى قد أحميت وأوقد عليها مدة طويلة، وفي الحديث " أحمى عليها ألف سنة حتى احمرت ثم أوقد عليها ألف سنة حتى أبيضت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودت، فهي سوداء مظلمة ".
قرأ الجمهور تصلى بفتح التاء مبنياً للفاعل وقرىء بضمها مبنياً للمفعول وبضم التاء وفتح الصاد وتشديد اللام، والضمير راجع إلى الوجوه على جميع هذه القراآت السبعية، والمراد أصحابها كما تقدم.
وهكذا الضمير في
стр. 11548
(تسقى من عين آنية) أي متناهية في الحر، والآني الذي قد انتهى حره من الإيناء بمعنى التأخر، يقال آناه يؤنيه إيناء أي أخره وحبسه، كما في قوله (يطوفون بينها وبين حميم آن) قال الواحدي
стр. 11549
قال المفسرون لو وقعت منها قطرة على جبال الدنيا لذابت، قال ابن عباس هي التي قد طال أينها وقال أيضاً قد أنى غليانها، وعنه قال انتهى حرها.
ولما ذكر سبحانه شرابهم عقبه بذكر طعامهم فقال:
стр. 11550
(ليس لهم طعام إلا من ضريع) هو نوع من الشوك لا ترعاه دابة لخبثه يقال له الشبرق في لسان قريش إذا كان رطباً فإذا يبس فهو الضريع، كذا قال مجاهد، وقتادة وغيرهما من المفسرين، قيل وهو سم قاتل، وإذا يبس لا تقربه دابة ولا ترعاه، وقيل هو شيء يرمى به البحر يسمى الضريع من أقوات الأنعام لا من أقوات الناس، فإذا رعت منه الإبل لا تشبع وتهلك هزالاً. قال الخليل الضريع نبات أخضر منتن الريح يرمى به البحر، وجمهور أهل اللغة والتفسير قالوا بالأول.
وقال سعيد بن جبير: الضريع الحجارة وقيل هو شجرة في نار جهنم، وقال الحسن: هو بعض ما أخفاه الله من العذاب. وقال ابن كيسان: هو طعام يضرعون عنده ويذلون ويتضرعون إلى الله بالخلاص منه، فسمي بذلك لأن آكله يتضرع إلى الله في أن يعفى عنه لكراهته وخشونته، قال النحاس: قد يكون مشتقاً من الضارع وهو الذليل أي من شربه تلحقه ضراعة وذلة، وقال الحسن أيضاًً هو الزقوم وقيل هو واد في جهنم.
وقد تقدم في سورة الحاقة (فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (٣٥) وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ) والغسلين غير الضريع كما تقدم، وجمع بين الآيتين بأن النار دركات، والعذاب ألوان والمعذبون طبقات، فمنهم من طعامه الضريع، ومنهم من طعامه الغسلين، ومنهم من طعامه الزقوم، فلا تناقض بين هذه الآيات.
قال ابن عباس الضريع الشبرق، وقال أيضاًً شجر من نار، وعنه قال الشبرق اليابس.
(لا يسمن ولا يغني من جوع) أي لا يسمن الضريع آكله ولا يدفع عنه ما به من الجوع يعني هما منفعتا الغذاء وكلاهما منتفيان عنه.
قال المفسرون: لما نزلت ليس لهم طعام الخ قال المشركون إن إبلنا تسمن من الضريع فنزلت (لا يسمن ولا يغني من جوع) وكذبوا في قولهم هذا فإن الإبل لا تأكل الضريع ولا تقربه، وقيل اشتبه عليهم أمره فظنوه كغيره من النبات النافع.
قال أبو السعود وتحقيق ذلك أن جوعهم وعطشهم ليسا من قبيل ما هو المعهود منهما في هذه النشأة من حالة عارضة للإِنسان عند استدعاء الطبيعة إلى المطعوم والمشروب بحيث يلتذ بهما عند الأكل والشرب، ويستغنى بهما عن غيرهما عند استقرارهما في المعدة ويستفيد منهما قوة وسمناً عند انهضامهما، بل جوعهم عبارة عن اضطرارهم عند إضرام النار في أحشائهم إلى إدخال شيء كثيف يملؤها ويخرج ما فيها من اللهب، وأما أن يكون لهم شوق إلى مطعوم ما أو التذاذ به عند الأكل واستغناء به عن الغير أو استفادة قوة فهيهات.
وكذا عطشهم عبارة عن اضطرارهم عند أكل الضريع والتهابه في بطونهم إلى شيء مائع بارد يطفئه من غير أن يكون لهم التذاذ بشربه أو استفادة قوة في الجملة، وهو المعنى بما روي أنه تعالى يسلط عليهم الجوع بحيث يضطرهم
стр. 11553
إلى أكل الضريع. فإذا أكلوه يسلط عليهم العطش فيضطرهم إلى شرب الحميم فيشوي وجوههم ويقطع أمعاءهم.
وتنكير الجوع للتحقير أي لا يغني من جوع ما.
ثم شرع سبحانه في بيان حال أهل الجنة بعد الفراغ من بيان حال أهل النار فقال
стр. 11554
(وجوه يومئذ ناعمة) أي ذات نعمة وبهجة في لين العيش، وهي وجوه المؤمنين صارت ناعمة لما شاهدوا من عاقبة أمرهم وما أعده الله لهم من الخير الذي يفوق الوصف، ومثله قوله (تعرف في وجوههم نضرة النعيم) والمراد بالوجوه هنا أصحابها كما تقدم.
ثم قال
стр. 11555
(لسعيها راضية) أي لعملها الذي عملته في الدنيا راضية لأنها قد أعطيت من الأجر ما أرضاها وقرت به عيونها.