(لا يسمن ولا يغني من جوع) أي لا يسمن الضريع آكله ولا يدفع عنه ما به من الجوع يعني هما منفعتا الغذاء وكلاهما منتفيان عنه.
قال المفسرون: لما نزلت ليس لهم طعام الخ قال المشركون إن إبلنا تسمن من الضريع فنزلت (لا يسمن ولا يغني من جوع) وكذبوا في قولهم هذا فإن الإبل لا تأكل الضريع ولا تقربه، وقيل اشتبه عليهم أمره فظنوه كغيره من النبات النافع.
قال أبو السعود وتحقيق ذلك أن جوعهم وعطشهم ليسا من قبيل ما هو المعهود منهما في هذه النشأة من حالة عارضة للإِنسان عند استدعاء الطبيعة إلى المطعوم والمشروب بحيث يلتذ بهما عند الأكل والشرب، ويستغنى بهما عن غيرهما عند استقرارهما في المعدة ويستفيد منهما قوة وسمناً عند انهضامهما، بل جوعهم عبارة عن اضطرارهم عند إضرام النار في أحشائهم إلى إدخال شيء كثيف يملؤها ويخرج ما فيها من اللهب، وأما أن يكون لهم شوق إلى مطعوم ما أو التذاذ به عند الأكل واستغناء به عن الغير أو استفادة قوة فهيهات.
وكذا عطشهم عبارة عن اضطرارهم عند أكل الضريع والتهابه في بطونهم إلى شيء مائع بارد يطفئه من غير أن يكون لهم التذاذ بشربه أو استفادة قوة في الجملة، وهو المعنى بما روي أنه تعالى يسلط عليهم الجوع بحيث يضطرهم
стр. 11553
إلى أكل الضريع. فإذا أكلوه يسلط عليهم العطش فيضطرهم إلى شرب الحميم فيشوي وجوههم ويقطع أمعاءهم.
وتنكير الجوع للتحقير أي لا يغني من جوع ما.
ثم شرع سبحانه في بيان حال أهل الجنة بعد الفراغ من بيان حال أهل النار فقال
стр. 11554
(وجوه يومئذ ناعمة) أي ذات نعمة وبهجة في لين العيش، وهي وجوه المؤمنين صارت ناعمة لما شاهدوا من عاقبة أمرهم وما أعده الله لهم من الخير الذي يفوق الوصف، ومثله قوله (تعرف في وجوههم نضرة النعيم) والمراد بالوجوه هنا أصحابها كما تقدم.
ثم قال
стр. 11555
(لسعيها راضية) أي لعملها الذي عملته في الدنيا راضية لأنها قد أعطيت من الأجر ما أرضاها وقرت به عيونها.
стр. 11556
(في جنة عالية) أي عالية المكان مرتفعة على غيرها من الأمكنة أو عالية القدر لأن فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين.
стр. 11557
(لا تسمع فيها لاغية) قرأ الجمهور بفتح الفوقية ونصب لاغية أي لا تسمع أنت أيها المخاطب أو لا تسمع تلك الوجوه وقرىء بضم التحتية مبنياً للمفعول ورفع لاغية، وقرىء بالفوقية مضمومة ورفع لاغية وقرىء بفتح التحتية مبنياً للفاعل ونصب لاغية. واللغو الكلام الساقط.
قال الفراء والأخفش: أي لا تسمع فيها كلمة لغو قيل المراد بذلك الكذب والبهتان والكفر، قاله قتادة وقال مجاهد أي الشتم، وقال الفراء لا تسمع فيها حالفاً يحلف بكذب، قال الكلبي لا تسمع في الجنة حالفاً بيمين برة ولا فاجرة، وقال الفراء أيضاً لا تسمع في كلام أهل الجنة كلمة تلغى لأنهم لا يتكلمون إلا بالحكمة وحمد الله تعالى على ما رزقهم من النعيم الدائم، وهذا أرجح الأقوال لأن النكرة في سياق النفي من صيغ العموم ولا وجه لتخصيص هذا بنوع من اللغو خاص إلا بمخصص يصلح للتخصيص.
ولاغية إما صفة موصوف محذوف أي كلمة لاغية أو جماعة لاغية أو
стр. 11558
نفس لاغية أو مصدر أي لا تسمع فيها لغواً قال ابن عباس لا تسمع أذى ولا باطلاً.
стр. 11559
(فيها عين جارية) قد تقدم في سورة الإنسان أن فيها عيوناً، والعين هنا بمعنى العيون كما في قوله (علمت نفس) ومعنى جري العين أنها تجري مياهها على وجه الأرض في غير أخدود تتدفق بأنواع الأشربة المستلذة لا ينقطع جريها أبداً، قال الكلبي لا أدري بماء أو بغيره.
стр. 11560
(فيها سرر مرفوعة) أي عالية مرتفعة السمك أو عالية القدر أو شريفة الذات قال ابن عباس بعضها فوق بعض.
стр. 11561
(وأكواب موضوعة) قد تقدم أن الأكواب جمع كوب وأنه القدح الذي لا عروة له ولا خرطوم أي أنها موضوعة بين أيديهم يشربون منها أو معدة لأهلها أو موضوعة على حافات العين الجارية أو موضوعة عن حد الكبر أي هي أوساط بين الكبر والصغر كقوله (قدروها تقديراً).
стр. 11562
(ونمارق مصفوفة) هي الوسائد قال الواحدي في قول الجميع واحدتها نمرقة بضم النون وزاد الفراء سماعاً عن العرب نمرقة بكسرها وهما لغتان أشهرهما الأولى، قال الكلبي وسائد مصفوفة بعضها إلى بعض، ومنه قول الشاعر:
كهول وشبان حسان وجوههم ... على سرر مصفوفة ونمارق
قال في الصحاح: النمرق والنمرقة وسادة صغيرة وكذلك النمرقة بالكسر لغة حكاها يعقوب وقال ابن عباس: نمارق مجالس، وعنه قال: مرافق، وقيل مساند ومطارح أينما أراد أن يجلس جلس على موسدة واستند إلى الأخرى، قال الواحدي مصفوفة أي فوق الطنافس.
(وزرابي مبثوثة) يعني البسط العراض الفاخرة واحدها زربى وزربية قال أبو عبيدة والفراء الزرابي الطنافس التي لها خمل رقيق واحدها زربية، وفي القاموس الزرابي النمارق والبسط أو كل ما يبسط ويتكأ عليها: الواحد زربى بالكسر ويضم والمبثوثة المبسوطة قاله قتادة وقال عكرمة بعضها فوق بعض.
قال الواحدي ويجوز أن يكون المعنى أنها متفرقة في المجالس، وبه قال القتيبي، وقال الفراء مبثوثة كثيرة، والظاهر أن معنى البث التفريق مع كثره ومنه (وبث فيها من كل دابة) قال القرطبي وغيره هذا أصح.
стр. 11565
(أفلا ينظرون إلى الإِبل كيف خلقت) الاستفهام للتقريع والتوبيخ والفاء للعطف على مقدر كما في نظائره مما مر غير مرة، والجملة مستأنفة مسوقة لتقرير أمر البعث والاستدلال عليه، وكذا ما بعدها، وقيل الجملة في محل جر على أنها بدل اشتمال من الإِبل.
والمعنى ينكرون أمر البعث ويستبعدون وقوعه أفلا ينظرون إلى الإِبل التي هي غالب مواشيهم وأكثر ما يشاهدونه من المخلوقات كيف خلقت معدولاً عن سنن خلق سائر أنواع الحيوانات على ما هي عليه من الخلق البديع من عظم جثتها ومزيد قوتها وبديع أوصافها.
قال أبو عمرو بن العلاء إنما خص الإِبل لأنها من ذوات الأربع تبرك
стр. 11566
فتحمل عليها الحمولة، وغيرها من ذوات الأربع لا يحمل عليه إلا وهو قائم.
قال الزجاج نبههم على عظيم من خلقه قد ذلله للصغير يقوده وينيخه، وينهضه ويحمل عليه الثقيل من الحمل وهو بارك فينهض بثقل حمله، وليس ذلك في شيء من الحوامل غيره فأراهم عظيماً من خلقه ليدل بذلك على توحيده.
وسئل الحسن عن هذه الآية وقيل له الفيل أعظم في الأعجوبة فقال أما الفيل فالعرب بعيدة العهد به، ثم هو خنزير لا يركب ظهره ولا يؤكل لحمه ولا يحلب دره، والإبل من أعز مال العرب وأنفسه يأكل النوى والقت ويخرج اللبن ويأخذ الصبي بزمامها فيذهب بها حيث شاء مع عظمها في نفسها.
وقال المبرد: الإبل هنا هي القطع العظيمة من السحاب، وهو خلاف ما ذكره أهل التفسير واللغة.
وروي عن الأصمعي أنه قال: من قرأ خلقت بالتخفيف عنى به البعير، ومن قرأ بالتشديد عنى به السحاب.
قال أبو السعود: بدأ بالإبل لكثرة منافعها كأكل لحمها وشرب لبنها والحمل عليها والتنقل عليها إلى البلاد البعيدة، وعيشها بأي نبات أكلته كالشجر والشوك وصبرها على العطش عشرة أيام فأكثر، وطواعيتها لكل من قادها ولو صبياً صغيراً ونهوضها وهي باركة بالأحمال الثقيلة وتأثرها بالصوت الحسن مع غلظ أكبادها ولا شيء من الحيوان جمع هذه الأشياء غيرها ولكونها أفضل ما عند العرب جعلوها دية القتل.
والإبل اسم جمع لا واحد له من لفظه وإنما واحده بعير وناقة وجمل.
стр. 11567
(وإلى السماء كيف رفعت) فوق الأرض بلا عمد على وجه لا يناله الفهم ولا يدركه العقل وقيل رفعت فلا ينالها شيء.
стр. 11568
(وإلى الجبال كيف نصبت) على وجه الأرض مرساة راسخة لا تميد
стр. 11569
ولا تميل ولا تزول
стр. 11570
(وإلى الأرض كيف سطحت) أي بسطت، والسطح بسط الشيء يقال لظهر البيت إذا كان مستويا سطح، قرأ الجمهور مبنياً للمفعول مخففاً، وقرأ الحسن: مشدداً، وقرأ علي بن أبي طالب وغيره خلقت ورفعت ونصبت وسطحت على البناء للفاعل وضم التاء فيها كلها.
قال المحلي قوله سطحت ظاهر في أن الأرض سطح، وعليه علماء الشرع لا كرة كما قاله أهل الهيئة وإن لم ينقض ركناً من أركان الشرع.
قال الكرخي هي كرة بطبعها وحقيقتها لكن الله أخرجها عن طبعها بفضله وكرمه بتسطيح بعضها لإقامة الحيوانات عليها فأخرجها عما يقتضيه طبعها انتهى.
وفي التكميل للشيخ رفيع الدين ابن ولي الله الدهلوي ﵀: أهل الشرائع يفهمون من مثل قوله تعالى (الْأَرْضَ فِرَاشًا)، و (دَحَاهَا)، و (سُطِحَتْ) أنها سطح مستو، والحكماء يثبتون كرويتها بالأدلة الصحيحة فيتوهم الخلاف، ويدفع بأن القدر المحسوس منها في كل بقعة سطح مستو، فإن الدائرة كلما عظمت قل انجذاب أجزائها فاستواؤها باعتبار محسوسية، أجزائها، وكرويتها باعتبار معقولية جملتها انتهى.
ثم لما ذكر تعالى دليل توحيده ولم يعتبروا ولم يتفكروا فيها خاطب نبيه وأمره بأن يذكرهم فقال
стр. 11571
(فذكر) الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها أي فعظهم يا محمد وخوفهم، ثم علل الأمر بالتذكير فقال (إنما أنت مذكر) أي ليس عليك إلا ذلك و
стр. 11572
(لست عليهم بمصيطر) حتى تكرههم على الإيمان، ومصيطر بالصاد والسين المسلط على الشيء ليشرف عليه ويتعهد أحواله، كذا في الصحاح قال ابن عباس أي بجبار، وعنه قال ثم نسخ ذلك فقال (اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم).
стр. 11573
(إلا من تولى وكفر) استثناء منقطع من الهاء في عليهم أي لكن من تولى عن الوعظ والتذكير
стр. 11574
(فيعذبه الله العذاب الأكبر) وهو عذاب جهنم
стр. 11575
الدائم، وقيل هو استثناء متصل من قوله (فذكر) أي فذكر كل أحد إلا من انقطع طمعك عن إيمانه وتولى فاستحق العذاب الأكبر، والأول أولى، وإنما قال الأكبر لأنهم قد عذبوا في الدنيا بالجوع والقحط والقتل والأسر.
وقرأ ابن مسعود (فإنه يعذبه الله) وقرأ ابن عباس وقتادة (ألا من تولى) على أنها ألا التي للتنبيه والاستفتاح.
стр. 11576
(إن إلينا إيابهم) أي رجوعهم بعد الموت بالبعث لا إلى أحد سوانا لا استقلالاً ولا اشتراكاً وفائدة تقديم الظرف التشديد في الوعيد وأن إيابهم ليس إلا إلى الجبار المقتدر على الانتقام، وقال ابن عباس أي مرجعهم يقال آب يؤوب إذا رجع، قرأ الجمهور إيابهم بالتخفيف وقرىء بالتشديد، قال أبو حاتم لا يجوز التشديد ولو جاز لجاز مثله في الصيام والقيام، وقيل هما لغتان بمعنى، قال الواحدي وأما إيابهم بتشديد الياء فإنه شاذ لم يجزه أحد غير الزجاج.
стр. 11577
(ثم إن علينا حسابهم) يعني جزاءهم بعد رجوعهم إلينا بالبعث في المحشر لا على غيرنا وثم للتراخي في الرتبة لا في الزمان لبعد منزلة الحساب في الشدة عن منزلة الإِياب، وعلى لتأكيد الوعيد لا للوجوب إذ لا يجب على الله شيء، وجمع الضمير في إيابهم وحسابهم باعتبار معنى من كما أن أفراده في يعذبه باعتبار لفظها، وفي تصدير الجملتين بإن وتقديم خبرها وعطف الثانية على الأولى بكلمة ثم المفيدة لبعد منزلة الحساب في الشدة من الإنباء عن غاية السخط الموجب لتشديد العذاب ما لا يخفى.
стр. 11578
سورة الفجر
هي ثلاثون آية وقيل تسع وعشرون وهي مكيّة بلا خلاف في قول الجمهور قال ابن عباس نزلت بمكة وعن ابن الزبير وعائشة مثله، ومدنية في قول علي بن أبي طلحة.
أخرج النسائي عن جابر قال صلى معاذ صلاة فجاء رجل فصلى معه فطول، فصلى في ناحية المسجد ثم انصرف، فبلغ ذلك معاذاً فقال منافق، فذكر ذلك لرسول الله ﵌، فقال يا رسول الله جئت أصلي معه فطول عليّ فانصرف فصليت في ناحية المسجد، فعلفت ناضحي، فقال رسول الله ﵌: " أفتان أنت يا معاذ، أين أنت من سبح اسم ربك الأعلى والشمس وضحاها والفجر والليل إذا يغشى ".
(والفجر) أقسم سبحانه بهذه الأشياء كما أقسم بغيرها من مخلوقاته، واختلف في الفجر الذي أقسم الله به هنا فقيل هو الوقت المعروف، وسمي فجراً لأنه وقت انفجار الظلمة عن النهار من كل يوم، قاله علي وابن الزبير، وقال قتادة إنه فجر أول يوم من شهر محرم، لأن منه تنفجر السنة، وقال مجاهد يريد يوم النحر.
وقال الضحاك فجر ذي الحجة لأن الله قرن الأيام به فقال
стр. 11581
(وليال عشر) أي ليالي عشر من ذي الحجة، وبه قال السدي والكلبي، وقيل المعنى وصلاة الفجر أو ورب الفجر، والأول أولى، وقال ابن عباس فجر النهار، وعنه قال يعني صلاة الفجر، وعنه قال هو المحرم فجر السنة.
وقد ورد في فضل صوم شهر محرم أحاديث صحيحة، ولكنها لا تدل على أنه المراد بالآية لا مطابقة ولا تضمناً ولا التزاماً، وجواب هذا القسم وما بعده هو قوله (إن ربك لبالمرصاد). قاله ابن الأنباري، وقيل محذوف لدلالة السياق عليه أي ليجازين كل أحد بما عمل أو ليعذبن، وقدره أبو حيان بما دلت عليه خاتمة السورة التي قبله أي والفجر الخ لإِيابهم إلينا وحسابهم علينا، وهذا ضعيف جداً، وأضعف منه قول من قال أن الجواب قوله (هل في ذلك قسم لذي حجر) وأن هل بمعنى قد، لأن هذا لا يصح أن يكون مقسماً عليه أبداً.
стр. 11582
وليال عشر هي عشر ذي الحجة في قول جمهور المفسرين، وإنما نكرت ولم تعرف لفضيلتها على غيرها لأنها أفضل ليالي السنة، ولو عرفت لم تستقل بمعنى الفضيلة الذي في التنكير، فنكرت من بين ما أقسم به للفضيلة التي ليست لغيرها، وقال الضحاك أنها العشر الأواخر من رمضان، وقيل العشر الأول من المحرم إلى عاشرها يوم عاشوراء.
قرأ الجمهور ليال بالتنوين وعشر صفة لها، وقرأ ابن عباس بالإضافة قيل والمراد ليالي أيام عشر، وكان حقه على هذا أن يقال عشرة لأن المعدود مذكر، وأجيب عنه بأنه إذا حذف المعدود جاز الوجهان.
وعن جابر مرفوعاً " هي ليالي العشر من ذي الحجة " (١)، أخرجه أحمد والنسائي والحاكم وصححه والبيهقي وغيرهم، وعن طلحة بن عبد الله أنه دخل على ابن عمر هو وأبو سلمة بن عبد الرحمن فدعاهم ابن عمر إلى الغداء يوم عرفة فقال أبو سلمة أليس هذه الليالي العشر التي ذكرها الله تعالى في القرآن؟ فقال ابن عمر وما يدريك قال ما أشك، قال بلى فاشكك.
وقد ورد في فضل هذه العشر أحاديث، وليس فيها ما يدل على أنها المرادة بما في القرآن هنا بوجه من الوجوه، قال ابن عباس هي العشر الأواخر من رمضان.
стр. 11583
(والشفع والوتر) هما يعمان الأشياء كلها شفعها ووترها، كالكفر والإيمان، والهدى والضلال، والسعادة والشقاوة، والليل والنهار، والسماء والأرض، والبر والبحر، والشمس والقمر، والجن والإنس، وقيل شفع الليالي ووترها، وقال قتادة الشفع والوتر شفع الصلاة ووترها منها شفع ومنها
стр. 11584
وتر، وقيل الشفع يوم عرفة ويوم النحر، والوتر ليلة يوم النحر، وقال مجاهد وعطية العوفي الشفع الخلق والوتر الله الواحد الصمد وبه قال محمد بن سيرين ومسروق وأبو صالح وقتادة، وقال الربيع بن أنس وأبو العالية هي صلاة المغرب فيها ركعتان الموتر الركعة.
وقال الضحاك الشفع عشر ذي الحجة والوتر أيام منى الثلاثة، وبه قال عطاء وقيل هما آدم وحواء لأن آدم كان وتراً فشفع بحواء، وقيل الشفع درجات الجنة وهي ثمان والوتر دركات النار وهي سبع وبه قال الحسين بن الفضل وقيل الشفع الصفا والمروة والوتر الكعبة، وقال مقاتل الشفع الأيام والليالي والوتر اليوم الذي لا ليلة بعده وهو يوم القيامة.
وقال سفيان بن عيينة الوتر هو الله سبحانه، وهو الشفع أيضاً لقوله (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم) الآية وقال الحسن المراد بالشفع والوتر العدد كله لأن العدد لا يخلو عنهما، وقيل الشفع مسجد مكة والمدينة، والوتر مسجد بيت المقدس، وقيل الشفع حج القِران والوتر الإفراد، وقيل الشفع الحيوان لأنه ذكر وأنثى والوتر الجماد، وقيل الشفع ما سمي، والوتر ما لم يسم.
ولا يخفاك ما في غالب هذه الأقوال من السقوط البين، والضعف الظاهر، والاتكال في التعيين على مجرد الرأي الزائف والخاطر الخاطيء، والذي ينبغي التعويل عليه ويتعين المصير إليه ما يدل عليه معنى الشفع والوتر في كلام العرب وهما معروفان واضحان، فالشفع عند العرب الزوج، والوتر الفرد.
فالمراد بالآية إما نفسى العدد أو ما يصدق عليه من المعدودات بأنه شفع أو وتر، وإذا قام دليل على تعيين شيء من المعدودات في تفسير هذه الآية فإن كان الدليل يدل على أنه المراد نفسه دون غيره فذاك، وإن كان الدليل يدل على أنه مما تناولته هذه الآية لم يكن ذلك مانعاً من تناولها لغيره.
стр. 11585
عن عمران بن حصين أن النبي ﷺ سئل عن الشفع والوتر، فقال: " هو الصلاة بعضها شفع وبعضها وتر " أخرجه أحمد والترمذي وغيرهما وفي إسناده رجل مجهول وهو الراوي له عن عمران (١).
وقد روي عن عمران بن عصام عن عمران بن حصين بإسقاطه الرجل المجهول، وقال الترمذي في الرواية الأولى غريب لا نعرفه إلا من حديث قتادة.
قال ابن كثير وعندي أن وقفه على عمران أشبه والله تعالى أعلم، قال ولم يجزم ابن جرير بشيء من هذه الأقوال في الشفع والوتر.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير هذا الحديث موقوفاً على عمران، فهذا يقوي ما قاله ابن كثير.
وعن جابر مرفوعاً " أن العشر عشر الأضحى، والوتر يوم عرفة والشفع يوم النحر " أخرجه أحمد والنسائي والبزار والحاكم وصححه وغيرهم.
وعن ابن عباس قال كل شيء شفع فهو اثنان، والوتر واحد. وعن أبي أيوب عن النبي ﷺ " أنه سئل عن الشفع والوتر فقال يومان وليلة يوم عرفة ويوم النحر، والوتر ليلة النحر ليلة جمع " أخرجه الطبراني وابن مردويه، قال السيوطي بسند ضعيف.
وعن جابر أن رسول الله ﵌ قال: " الشفع
стр. 11586
اليومان والوتر اليوم الثالث " أخرجه ابن جرير، وعن ابن الزبير قال الشفع قول الله (فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه) والوتر اليوم الثالث وفي لفظ الوتر أوسط أيام التشريق.
وعن ابن عباس قال الشفع يوم النحر والوتر يوم عرفة.
قرأ الجمهور الوتر بفتح الواو، وقرأ حمزة والكسائي وخلف بكسرها وهي قراءة ابن مسعود وأصحابه، وهما لغتان، والفتح لغة قريش وأهل الحجاز، والكسر لغة تميم. قال الأصمعي كل فرد وتر، وأهل الحجاز يفتحون فيقولون وتر في الفرد، وحكى يونس عن ابن كثير أنه قرأ بفتح الواو وكسر التاء فيحتمل أن يكون لغة ثالثة. ويحتمل أنه نقل كسرة الراء إلى التاء إجراء للوصل مجرى الوقف.
стр. 11587
(والليل إذا يسر) قرأ الجمهور يسر بحذف الياء وصلاً ووقفاً اتباعاً لرسم المصحف، وقرأ نافع وأبو عمرو بحذفها في الوقف وإثباتها في الوصل، وقرأ ابن كثير وابن محيصن ويعقوب بإثباتها فيهما، قال الخليل تسقط الياء منها موافقة لرؤوس الآي، قال الزجاج والحذف أحب إليّ لأنها فاصلة والفواصل تحذف منها الياآت، قال الفراء قد تحذف العرب الياء وتكتفي بكسر ما قبلها.
قال المؤرج سألت الأخفش عن العلة في إسقاط الياء من (يسري) فقال لا أجيبك حتى تبيت على باب داري سنة فبت على باب داره سنة فقال الليل لا يسري وإنما يسرى فيه فهو مصروف عن جهته وكل ما صرفته عن جهته بخسته من إعرابه، ألا ترى إلى قوله (وما كانت أمك بغياً) ولم يقل بغية لأنه صرفها عن باغية.
وفي كلام الأخفش هذا نظر فإن صرف الشيء عن معناه بسبب من الأسباب لا يستلزم صرف لفظه عن بعض ما يستحقه، ولو صح ذلك للزم في كل المجازات العقلية واللفظية، واللازم باطل فالملزوم مثله، والأصل هنا
стр. 11588
إثبات الياء لأنها لام الفعل المضارع المرفوع ولم تحذف لعلة من العلل إلا لاتباع رسم المصحف وموافقة رؤوس الآي إجراء للفواصل مجرى القوافي.
ومعنى (والليل إذا يسر) إذا يمضي كقوله (والليل إذ أدبر)، (والليل إذا عسعس) وقيل معنى يسر يسار فيه كما يقال ليل نائم ونهار صائم وبهذا قال الأخفش والقتيبي وغيرهما من أهل المعاني، وعلى هذا نسبة السري إلى الليل مجاز والمراد يسرى فيه فهو مجاز في الإسناد بإسناد ما للشيء للزمان كما يسند للمكان، والظاهر أنه مجاز مرسل أو استعارة، وبالأول قال جمهور المفسرين.
وقال قتادة وأبو العالية (والليل إذا يسر) أي جاء وأقبل، وقال النخعي أي استوى، قال عكرمة وقتادة والكلبي ومحمد بن كعب هي ليلة المزدلفة خاصة لاختصاصها باجتماع الناس فيها لطاعة الله سبحانه، وقيل ليلة القدر لسراية الرحمة فيها واختصاصها بزيادة الثواب، والراجح عدم تخصيص ليلة من الليالي دون أخرى.
قال ابن عباس (إذا يسر) إذا ذهب، ويسر مأخوذ من السري وهو خاص بسير الليل، يقال سريت الليل وسريت به، وقد استعملت العرب سرى في المعاني تشبيهاً لها بالأجسام مجازاً، واتساعاً نحو طاف الخيال وذهب الهم وأخذه الكسل والنشاط.
وقول الفقهاء سرى الجرح إلى النفس معناه دام ألمه حتى حدث منه الموت، وقطع كفه فسرى إلى ساعده أي تعدى أثر الجرح، وسرى التحريم وسرى العتق بمعنى التعدية. وهذه الألفاظ جارية على ألسنة الفقهاء، وليس لها ذكر في الكتب المشهورة لكنها موافقة لما تقدم.
قال الفارابي سرى فيه السم والخمر ونحوهما، وقال السرقسطي سرى عرق السوء من الإنسان، وقال ابن القطاع سرى عليه الهم أتاه ليلاً، وسرى همه ذهب.
(هل في ذلك قسم) هذا الاستفهام لتقرير تعظيم ما أقسم الله سبحانه به وتفخيمه من هذه الأمور المذكورة، والإشارة بقوله (ذلك) إلى تلك الأمور. والتذكير بتأويل المذكور، أي هل في ذلك المذكور من الأمور التي أقسمنا بها قسم أي مقنع ومكتفى في القسم أو مقسم به حقيق بأن يؤكد به الأخبار، وأيا ما كان فما فيه من معنى البعد للإيذان بعلو رتبة المشار إليه وبعد منزلته في الفضل والشرف.
(لذي حجر) أي عقل ولب، فمن كان ذا عقل ولب علم أن ما أقسم الله به من هذه الأشياء حقيق بأن يقسم به، ومثل هذا قوله (وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ) قال الحسن: لذي حجر أي لذي حلم، وقال أبو مالك: لذي ستر من الناس، وقال الجمهور: الحجر العقل قال الفراء: الكل يرجع إلى معنى واحد لذي عقل ولذي حلم ولذي ستر، الكل بمعنى العقل.
وأصل الحجر المنع يقال لمن ملك نفسه ومنعها أنه لذو حجر، ومنه سمي الحجر لامتناعه بصلابته ومنه حجر الحاكم على فلان أي منعه، قال والعرب تقول إنه لذو حجر إذا كان قاهراً لنفسه ضابطاً لها، قال ابن عباس لذي حجر لذي حجى وعقل ونهي.
ثم ذكر سبحانه على طريق الاستشهاد ما وقع من عذابه على بعض طوائف الكفار بسبب كفرهم وعنادهم وتكذيبهم للرسل تحذيراً للكفار في عصر نبينا ﷺ ، وتخويفاً لهم أن يصيبهم ما أصابهم فقال: