اليومان والوتر اليوم الثالث " أخرجه ابن جرير، وعن ابن الزبير قال الشفع قول الله (فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه) والوتر اليوم الثالث وفي لفظ الوتر أوسط أيام التشريق.
وعن ابن عباس قال الشفع يوم النحر والوتر يوم عرفة.
قرأ الجمهور الوتر بفتح الواو، وقرأ حمزة والكسائي وخلف بكسرها وهي قراءة ابن مسعود وأصحابه، وهما لغتان، والفتح لغة قريش وأهل الحجاز، والكسر لغة تميم. قال الأصمعي كل فرد وتر، وأهل الحجاز يفتحون فيقولون وتر في الفرد، وحكى يونس عن ابن كثير أنه قرأ بفتح الواو وكسر التاء فيحتمل أن يكون لغة ثالثة. ويحتمل أنه نقل كسرة الراء إلى التاء إجراء للوصل مجرى الوقف.
стр. 11587
(والليل إذا يسر) قرأ الجمهور يسر بحذف الياء وصلاً ووقفاً اتباعاً لرسم المصحف، وقرأ نافع وأبو عمرو بحذفها في الوقف وإثباتها في الوصل، وقرأ ابن كثير وابن محيصن ويعقوب بإثباتها فيهما، قال الخليل تسقط الياء منها موافقة لرؤوس الآي، قال الزجاج والحذف أحب إليّ لأنها فاصلة والفواصل تحذف منها الياآت، قال الفراء قد تحذف العرب الياء وتكتفي بكسر ما قبلها.
قال المؤرج سألت الأخفش عن العلة في إسقاط الياء من (يسري) فقال لا أجيبك حتى تبيت على باب داري سنة فبت على باب داره سنة فقال الليل لا يسري وإنما يسرى فيه فهو مصروف عن جهته وكل ما صرفته عن جهته بخسته من إعرابه، ألا ترى إلى قوله (وما كانت أمك بغياً) ولم يقل بغية لأنه صرفها عن باغية.
وفي كلام الأخفش هذا نظر فإن صرف الشيء عن معناه بسبب من الأسباب لا يستلزم صرف لفظه عن بعض ما يستحقه، ولو صح ذلك للزم في كل المجازات العقلية واللفظية، واللازم باطل فالملزوم مثله، والأصل هنا
стр. 11588
إثبات الياء لأنها لام الفعل المضارع المرفوع ولم تحذف لعلة من العلل إلا لاتباع رسم المصحف وموافقة رؤوس الآي إجراء للفواصل مجرى القوافي.
ومعنى (والليل إذا يسر) إذا يمضي كقوله (والليل إذ أدبر)، (والليل إذا عسعس) وقيل معنى يسر يسار فيه كما يقال ليل نائم ونهار صائم وبهذا قال الأخفش والقتيبي وغيرهما من أهل المعاني، وعلى هذا نسبة السري إلى الليل مجاز والمراد يسرى فيه فهو مجاز في الإسناد بإسناد ما للشيء للزمان كما يسند للمكان، والظاهر أنه مجاز مرسل أو استعارة، وبالأول قال جمهور المفسرين.
وقال قتادة وأبو العالية (والليل إذا يسر) أي جاء وأقبل، وقال النخعي أي استوى، قال عكرمة وقتادة والكلبي ومحمد بن كعب هي ليلة المزدلفة خاصة لاختصاصها باجتماع الناس فيها لطاعة الله سبحانه، وقيل ليلة القدر لسراية الرحمة فيها واختصاصها بزيادة الثواب، والراجح عدم تخصيص ليلة من الليالي دون أخرى.
قال ابن عباس (إذا يسر) إذا ذهب، ويسر مأخوذ من السري وهو خاص بسير الليل، يقال سريت الليل وسريت به، وقد استعملت العرب سرى في المعاني تشبيهاً لها بالأجسام مجازاً، واتساعاً نحو طاف الخيال وذهب الهم وأخذه الكسل والنشاط.
وقول الفقهاء سرى الجرح إلى النفس معناه دام ألمه حتى حدث منه الموت، وقطع كفه فسرى إلى ساعده أي تعدى أثر الجرح، وسرى التحريم وسرى العتق بمعنى التعدية. وهذه الألفاظ جارية على ألسنة الفقهاء، وليس لها ذكر في الكتب المشهورة لكنها موافقة لما تقدم.
قال الفارابي سرى فيه السم والخمر ونحوهما، وقال السرقسطي سرى عرق السوء من الإنسان، وقال ابن القطاع سرى عليه الهم أتاه ليلاً، وسرى همه ذهب.
(هل في ذلك قسم) هذا الاستفهام لتقرير تعظيم ما أقسم الله سبحانه به وتفخيمه من هذه الأمور المذكورة، والإشارة بقوله (ذلك) إلى تلك الأمور. والتذكير بتأويل المذكور، أي هل في ذلك المذكور من الأمور التي أقسمنا بها قسم أي مقنع ومكتفى في القسم أو مقسم به حقيق بأن يؤكد به الأخبار، وأيا ما كان فما فيه من معنى البعد للإيذان بعلو رتبة المشار إليه وبعد منزلته في الفضل والشرف.
(لذي حجر) أي عقل ولب، فمن كان ذا عقل ولب علم أن ما أقسم الله به من هذه الأشياء حقيق بأن يقسم به، ومثل هذا قوله (وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ) قال الحسن: لذي حجر أي لذي حلم، وقال أبو مالك: لذي ستر من الناس، وقال الجمهور: الحجر العقل قال الفراء: الكل يرجع إلى معنى واحد لذي عقل ولذي حلم ولذي ستر، الكل بمعنى العقل.
وأصل الحجر المنع يقال لمن ملك نفسه ومنعها أنه لذو حجر، ومنه سمي الحجر لامتناعه بصلابته ومنه حجر الحاكم على فلان أي منعه، قال والعرب تقول إنه لذو حجر إذا كان قاهراً لنفسه ضابطاً لها، قال ابن عباس لذي حجر لذي حجى وعقل ونهي.
ثم ذكر سبحانه على طريق الاستشهاد ما وقع من عذابه على بعض طوائف الكفار بسبب كفرهم وعنادهم وتكذيبهم للرسل تحذيراً للكفار في عصر نبينا ﷺ ، وتخويفاً لهم أن يصيبهم ما أصابهم فقال:
стр. 11591
(ألم تر كيف فعل ربك بعاد) أي ألم تعلم يا محمد علماً يوازي العيان في الإيقان وهو استفهام تقرير، قرأ الجمهور بتنوين عاد على أن يكون قوله
стр. 11592
(إرم ذات العماد) عطف بيان لعاد، والمراد بعاد اسم أبيهم وإرم إسم القبيلة أو بدلاً منه، وامتناع صرف إرم للتعريف والتأنيث، وقيل المراد بعاد أولاد عاد وهم عاد الأولى، ويقال لمن بعدهم عاد الأخرى فيكون ذكر إرم على طريقة عطف البيان أو البدل للدلالة على أنهم عاد الأولى لا عاد الأخرى.
ولا بد من تقدير مضاف على كلا القولين أي أهل إرم أو سبط إرم فإن إرم هو جد عاد، لأنه عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح، وقرأ الحسن وأبو العالية بإضافة عاد إلى إرم، وقرأ الجمهور إرم بكسر الهمزة وفتح الراء والميم، وقرىء بفتح الهمزة والراء وقرأ معاذ بسكون الراء تخفيفاً وقرىء بإضافة إرم إلى ذات العماد.
وقال مجاهد: من قرأ بفتح الهمزة شبههم بالإِرم التي هي الأعلام واحدها أرم. وفي الكلام تقديم وتأخير أي والفجر وكذا وكذا إن ربك لبالمرصاد ألم تر أي ألم ينته علمك إلى ما فعل ربك بعاد، وهذه الرؤية رؤية القلب، والخطاب للنبي ﵌، أو لكل من يصلح له.
وقد كان أمر عاد وثمود مشهوراً عند العرب، لأن ديارهم متصلة بديار العرب، وكانوا يسمعون من أهل الكتاب أمر فرعون.
وقال مجاهد أيضاً إرم أمة من الأمم، وقال قتادة هي قبيلة من عاد، وقيل هما عادان فالأولى هي إرم، قال معمر إرم إليه مجتمع عاد وثمود وكان يقال عاد إرم وعاد ثمود وكانت القبيلتان تنسب إلى إرم، قال أبو عبيدة هما عادان فالأولى إرم.
ومعنى ذات العماد ذات القوة والشدة مأخوذ من قوة الأعمدة، كذا قال الضحاك وقال قتادة ومجاهد أنهم كانوا أهل عمد سيارة في الربيع، فإذا هاج النبت رجعوا إلى منازلهم، وقال مقاتل ذات العماد يعني طولهم، وكان طول
стр. 11593
الرجل منهم إثني عشر ذراعاً، يقال رجل طويل العماد أي القامة.
قال أبو عبيدة ذات العماد ذات الطول، يقال رجل معمد إذا كان طويلاً، وقال مجاهد وقتادة أيضاًً كان عماداً لقومهم يقال فلان عميد القوم وعمودهم أي سيدهم، وقال ابن زيد ذات العماد يعني إحكام البنيان بالعمد.
قال في الصحاح: والعماد الأبنية الرفيعة تذكر وتؤنث، وقال عكرمة وسعيد المقبري: هي دمشق، وعن مالك مثله، وقال محمد بن كعب: هي الاسكندرية، قال ابن عباس يعني بالإرم الهالك، ألا ترى أنك تقول إرم بنو فلان، وذات العماد يعني طولهم مثل العماد.
وعن المقدام بن معد يكرب عن النبي ﷺ : " أنه ذكر إرم ذات العماد فقال كان الرجل منهم يأتي إلى الصخرة فيحملها على كاهله فيلقيها على أي حي أراد فيهلكهم " أخرجه ابن أبي حاتم وابن مردويه وفي إسناده رجل مجهول لأن معاوية بن صالح رواه عمن حدثه عن المقدام.
стр. 11594
(التي لم يخلق مثلها في البلاد) هذه صفة لعاد أي لم يخلق مثل تلك القبيلة في الطول والشدة والقوة وهم الذين قالوا (من أشد منا قوة) أو صفة للقرية على قول من قال أن إرم اسم لقريتهم أو للأرض التي كانوا فيها، والأول أولى ويدل عليه قراءة أبيّ بن كعب (التي لم يخلق مثلهم في البلاد) وقيل الإِرم الهلاك قال الضحاك إرم ذات العماد أي أهلكهم فجعلهم رميماً، وبه قال شهر بن حوشب.
وقد ذكر جماعة من المفسرين أن إرم ذات العماد اسم مدينة مبنية بالذهب والفضة قصورها ودورها وبساتينها وأن حصباءها جواهر، وترابها مسك، وليس بها أنيس ولا فيها ساكن من بني آدم وأنها لا تزال تنتقل من موضع إلى موضع تارة تكون باليمن وتارة تكون بالشام وتارة تكون بالعراق وتارة تكون بسائر البلاد. وهذا كذب بحت لا ينفق (١) على من له أدنى تمييز.
стр. 11595
وزاد الثعلبي في تفسيره فقال أن عبد الله بن قلابة في زمان معاوية دخل هذه المدينة، وهذا كذب على كذب، وافتراء على افتراء.
وقد أصيب الإسلام وأهله بداهية دهياء وفاقرة عظمى. ورزية كبرى من أمثال هؤلاء الكذابين الدجالين الذين يجترئون على الكذب تارة على بني إسرائيل وتارة على الأنبياء وتارة على الصالحين، وتارة على رب العالمين، وتضاعف هذا الشر وزاد كثرة بتصدر جماعة من الذين لا علم لهم بصحيح الرواية من ضعيفها بل موضوعها للتصنيف والتفسير للكتاب العزيز فأدخلوا هذه الخرافات المختلفة، والأقاصيص المنحولة والأساطير المفتعلة في تفسير كتاب الله سبحانه، فحرفوا وغيروا وبدلوا، ومن أراد أن يقف على بعض ما ذكرنا فلينظر في كتاب الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة للشوكاني.
قال الحافظ ابن كثير لا تغتر بما ذكر جماعة من المفسرين من ذكر مدينة يقال لها إرم ذات العماد فإن ذلك كله من خرافات الإسرائيليين من وضع الزنادقة منهم ليختبروا بذلك عقول الجهلة من الناس، فهذا وأمثاله مختلق لا حقيقة له.
وأما قوله تعالى فالمراد من الآية إنما هو الإخبار عن هلاك القبيلة المسماة بعاد الذين أرسل الله فيهم هوداً فكذبوه فأهلكهم الله، وإرم عطف بيان لعاد أو بدل منه للإعلام بأنهم عاد الأولى فسموا باسم جدهم إرم كما يقال لبني هاشم " هاشم " لأن عاد هو ابن عوض بن إرم سام بن نوح، وقيل إرم اسم بلدتهم وأرضهم بالتقدير بعاد أهل إرم كقوله تعالى (واسأل القرية) أي أهلها وذات العماد إن كان صفة للقبيلة فمعناها أنهم أصحاب خيام لها أعمدة يظعنون بها، أو هو كناية عن طول أجسامهم وتشبيهها بالأعمدة، وإن كان صفة للبلدة فمعناه أنها ذات عمد من الحجارة.
وتعقب هذا القول بأنه لو كان ذلك مراداً لقال التي لم يعمل مثلها في البلاد وإنما قال (لم يخلق) فالقول الأول هو الصواب انتهى، وبه قال شيخ
стр. 11596
الإسلام نجم الدين محمد الغيظي رحمه الله تعالى.
قال عبد الرحمن بن خلدون في كتاب العبر بعد ذكر أغلاط المؤرخين:
وأبعد من ذلك وأغرق في الوهم ما يتناقله المفسرون في تفسير سورة والفجر في قوله تعالى (إرم ذات العماد) فيجعلون لفظة إرم إسماً لمدينة وصفت بأنها ذات عماد أي أساطين وهي كذا وكذا ذكر ذلك الطبري والثعالبي والزمخشري وغيرهم من المفسرين، وينقلون عن عبد الله ابن قلابة من الصحابة أنه خرج في طلب إبل له فوقع عليها الخ وهذه المدينة لم يسمع لها خبر من يومئذ في شيء من بقاع الأرض، وصحارى عدن التي زعموا أنها بنيت فيها هي في وسط اليمن وما زال عمرانه متعاقباً والأدلاء تقص طرقه ولم ينقل عن هذه المدينة خبر. ولا ذكرها أحد من الإخباريين، ولا من الأمم، ولو قالوا أنها درست فيما درس من الآثار لكان أشبه إلا أن ظاهر كلامهم أنها موجودة، وبعضهم يقول أنها دمشق بناء على أن قوم عاد ملكوها، وقد ينتهي الهذيان ببعضهم إلى أنها غائبة، وإنما يعثر عليها أهل الرياضة والسحر، مزاعم كلها أشبه بالخرافات.
والذي حمل المفسرين على ذلك ما اقتضته صناعة الأعراب في لفظة ذات العماد أنها صفة إرم وحملوا العماد على الأساطين فتعين أن يكون بناء، ورشح لهم ذلك قراءة ابن الزبير عاد إرم على الإضافة من غير تنوين ثم وقفوا على تلك الحكايات التي هي أشبه بالأقاصيص الموضوعة التي هي أقرب إلى الكذب المنقولة في عداد المضحكات، وإلا فالعماد هي عماد الأخبية بل الخيام وإن أريد بها الأساطين فلا بدع وصفهم بأنه أهل بناء وأساطين على العموم بما اشتهر من قوتهم لا إنه بناء خاص في مدينة معينة كما تقول قريش كنانة والياس مضر، وربيعة نزار، وأي ضرورة إلى هذا المحمل البعيد الذي تمحل لتوجيهه لأمثال هذه الحكايات الواهية التي ينزه كتاب الله تعالى عن مثلها لبعدها عن الصحة انتهى كلامه.
стр. 11597
ثم عطف سبحانه. القبيلة الآخرة وهي ثمود على قبيلة عاد فقال
стр. 11598
(وثمود) هم قوم صالح سموا باسم جدهم ثمود بن عابر بن إرم بن سام بن نوح. قرأ الجمهور ثمود بمنع الصرف على أنه إسم للقبيلة ففيه التأنيث والتعريف، وقرأ يحيى بن وثاب بالصرف على أنه اسم لأبيهم.
(الذين جابوا الصخر) أي قطعوه وقال ابن عباس: خرقوه والجوب القطع ومنه جاب البلاد إذا قطعها، ومنه سمي جيب القميص لأنه جيب أي قطع، قال المفسرون أول من نحت الجبال والصخور ثمود فبنوا من المدائن ألفاً وسبعمائة مدينة كلها من الحجارة، ومنه قوله سبحانه (وتنحتون من الجبال بيوتاً آمنين) وكانوا ينحتون الجبال وينقبونها ويجعلون تلك الأنقاب بيوتاً يسكنون فيها.
وقوله (بالواد) متعلق بجابوا أو بمحذوف على أنه حال من الصخر وهو وادي القرى، وهو موضع بقرب المدينة من جهة الشام، وقيل الوادي بين جبال، وكانوا ينقبون في تلك الجبال بيوتاً ودوراً وأحواضاً وكل منفرج بين جبال أو تلال يكون مسلكاً للسيل ومنفذاً فهو واد، وقرأ الجمهور بالواد بحذف الياء وصلاً ووقفاً إتباعاً لرسم المصحف، وقرأ ابن كثير بإثباتها فيهما وقرىء بإثباتها في الوصل دون الوقف.
стр. 11599
(وفرعون ذي الأوتاد) أي ذي الجنود الذين لهم خيام كثيرة يشدونها بالأوتاد أو جعل الجنود والجيوش والجموع أنفسهم أوتاداً لأنهم يشدون الملك كما تشد الأوتاد الخيام، وقيل كان له أوتاد يعذب الناس بها ويشدهم إليها، والوتد بكسر التاء في لغة الحجاز وهي الفصحى وجمعه أوتاد، وفتح التاء لغة، وأهل نجد يسكنون التاء قال ابن عباس الأوتاد الجنود الذين يشدون له أمره.
وقال ابن مسعود: وتد فرعون لامرأته أربعة أوتاداً ثم جعل على ظهرها رحى عظيمة حتى ماتت.
(الذين طغوا في البلاد) الموصول صفة لعاد وثمود وفرعون أي طغت كل طائفة منهم في بلادهم وتمردت وعتت، والطغيان مجاوزة الحد، ويجوز أن يكون الموصول في محل رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هم الذين طغوا أو في محل نصب على الذم.
стр. 11602
(فأكثروا فيها الفساد) بالكفر ومعاصي الله والجور على عباده
стр. 11603
(فصب) أي أفرغ (عليهم ربك) وألقى على تلك الطوائف (سوط عذاب) وهو ما عذبهم به قال الزجاج جعل سوطه الذي ضربهم به العذاب، يقال صب على فلان خلعة أي ألقاها عليه، ومعنى سوط عذاب نصيب عذاب أو نوع من العذاب. فأهلكت عاد بالريح وثمود بالصيحة وفرعون بالغرق (فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ).
وذكر السوط إشارة إلى أن ما أحله بهم في الدنيا من العذاب العظيم هو بالنسبة إلى ما أعده لهم في الآخرة كالسوط إذا قيس إلى سائر ما يعذب به، وقيل ذكر السوط للدلالة على شدة ما نزل بهم وكان السوط عندهم هو نهاية ما يعذب به.
وقال الفراء هي كلمة تقولها العرب لكل نوع من أنواع العذاب. وأصل ذلك أن السوط هو عذابهم الذي يعذبون به فجرى لكل عذاب إذ كان فيه عندهم غاية العذاب، وقيل معناه عذاب يخالط اللحم والدم من قولهم ساطه
стр. 11604
يسوطه سوطاً أي خلطه فالسوط خلط الشيء بعضه ببعض، والأولى أنه مجاز واستعارة عن إيقاع العذاب بهم على أبلغ الوجوه وأكملها إذ الصب يشعر بالدوام والسوط بزيادة الإيلام أي عذبوا عذاباً مؤلماً دائماً.
وقوله:
стр. 11605
(إن ربك لبالمرصاد) تعليل لما قبله إيذاناً بأن كفار قومه ﵇ سيصيبهم مثل ما أصاب المذكورين من العذاب كما ينبىء عنه التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره ﵇.
وقد قدمنا قول من قال أن هذا جواب القسم، وبه قال ابن مسعود، والأولى أن الجواب محذوف والمعنى أنه يرصد عمل كل إنسان حتى يجازيه عليه بالخير خيراً وبالشر شراً ففيه استعارة تمثيلية قال الحسن وعكرمة أي عليه طريق العباد لا يفوته أحد، والرصد والمرصاد الطريق.
وقد تقدم بيانه في سورة براءة، وقد تقدم أيضاًً عند قوله: (إن جهنم كانت مرصاداً) وقال ابن عباس: بالمرصاد أي يسمع ويرى، وقال ابن مسعود في الآية من وراء الصراط جسور جسر عليه الأمانة وجسر عليه الرحم وجسر عليه الرب .
ولما ذكر سبحانه أنه ذكر ما يدل على اختلاف أحوال عباده عند إصابة الخير وعند إصابة الشر، وإن مطمح أنظارهم ومعظم مقاصدهم هو الدنيا فقال:
стр. 11606
(فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه) أي اختبره وامتحنه بالنعم (فأكرمه ونعمه) أي أكرمه بالمال ووسع عليه رزقه (فيقول ربي أكرمن) فرحاً بما نال وسروراً بما أعطي، غير شاكر لله على ذلك ولا خاطر بباله أن ذلك امتحان له من ربه واختبار لحاله، وكشف ما يشتمل عليه من الصبر والجزع والشكر للنعمة وكفرانها، وأما هنا لمجرد التأكيد لا لتفصيل المجمل مع التأكيد، وما في (إذا ما) زائدة، وقوله فأكرمه ونعمه تفسير للإبتلاء.
стр. 11607
ومعنى أكرمن أي فضلني بما أعطاني من المال وأسبغه عليَّ من النعم لمزيد استحقاقي لذلك وكوني موضعاً له، ودخلت الفاء فيه لتضمن " أما " معنى الشرط أي فأما الإنسان فيقول ربي أكرمن وقت ابتلائه بالإنعام، قال الكلبي الإنسان هنا هو الكافر، أبيّ بن خلف، وقال مقاتل نزلت في أمية بن خلف وقيل نزلت في عتبة ابن ربيعة وأبي حذيفة بن المغيرة.
стр. 11608
(وأما إذا ما ابتلاه) أي اختبره وعامله معاملة من يختبره (فقدر عليه رزقه) أي ضيقه ولم يوسعه له ولا بسط له فيه (فيقول ربي أهانن) أي أولاني هواناً، وهذه صفة الكافر الذي لا يؤمن بالبعث لأنه لا كرامة عنده إلا الدنيا والتوسع في متاعها، ولا إهانة عنده إلا فوتها وعدم وصوله إلى ما يريد من زينتها، فأما المؤمن فالكرامة عنده أن يكرمه الله بطاعته ويوفقه لعمل الآخرة.
ويحتمل أن يراد الإنسان على العموم لعدم تيقظه أن ما صار إليه من الخير وما أصيب به من الشر في الدنيا ليس إلا للاختبار والإمتحان، وأن الدنيا بأسرها لا تعدل عند الله جناح بعوضة ولو كانت تعدل جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء.
قرىء بإثبات الياء في أكرمن وأهانن وصلاً، وحذفها وقفاً، وقرىء بإثباتها فيهما، وقرىء بحذفها في الوصل والوقف اتباعاً لرسم المصحف وموافقة لرؤوس الآي، والأصل إثباتها لأنها اسم، وقرأ الجمهور (فقدر) بالتخفيف وقرىء بالتشديد وهما لغتان، وقرىء ربي بفتح الياء في الموضعين وبسكونها فيهما.
وقوله:
стр. 11609
(كلا) ردع للإنسان القائل في الحالتين ما قال وزجر له، فإن الله سبحانه قد يوسع الرزق ويبسط النعم للإنسان لا لكرامته، ويضيقه عليه لا لإهانته بل للإختبار والإمتحان كما تقدم ونحوه قوله تعالى: (ونبلوكم بالشر والخير فتنة) قال الفراء " كلا " في هذا الموضع بمعنى أنه لم يكن ينبغي للعبد أن يكون هكذا ولكن يحمد الله على الغنى والفقر.
стр. 11610
ثم انتقل سبحانه من بيان سوء أقوال الإنسان إلى بيان سوء أفعاله فقال:
(بل لا تكرمون اليتيم) والالتفات إلى الخطاب لقصد التوبيخ والتقريع على قراءة الجمهور بالفوقية، وقرىء بالتحتية على الخبر، وهكذا اختلفوا فيما بعد هذا من الأفعال، فقرأ الجمهور تحضون وتأكلون وتحبون بالفوقية على الخطاب فيها، وقرىء بالتحتية فيها والجمع في هذه الأفعال باعتبار معنى الإنسان لأن المراد به الجنس أي بل لكم أفعال هي أقبح مما ذكر، وهي أنكم تتركون إكرام اليتيم فتأكلون ماله وتمنعونه من فضل أموالكم، قال مقاتل نزلت في قدامة بن مظعون وكان يتيماً في حجر أميَّة ابن خلف.
стр. 11611
(ولا تحاضون على طعام المسكين) قرأ الجمهور تحضون من حضه على كذا أي أغراه به ومفعوله محذوف أي لا تحضون أنفسكم أو لا يحض بعضكم بعضاً على ذلك ولا يأمر به ولا يرشد إليه، وقرىء تحاضون وأصله تتحاضون أي لا يحض بعضكم بعضاً وقرىء تحاضون بضم التاء من الحض وهو الحث، والطعام إما اسم مصدر أي على إطعام المسكين أو اسم للمطعوم على حذف مضاف أي على بذل أو على إعطاء طعام المسكين.
стр. 11612
(وتأكلون التراث) أصله الوراث فأبدلت التاء من الواو المضمومة كما في تجاه ووجاه، والمراد به أموال اليتامى الذين يرثونه من قراباتهم، وكذلك أموال النساء وذلك أنهم كانوا لا يورثون النساء والصبيان ويأكلون أموالهم (أكلاً لماً) أي أكلاً شديداً، وقيل معنى " لماً " جمعاً من قولهم لممت الطعام إذا أكلته جميعاً، قال الحسن: يأكل نصيبه ونصيب اليتيم، وكذا قال أبو عبيدة.
وأصل اللّم في كلام العرب الجمع يقال لممت الشيء ألمّه لمّاً جمعته، ومنه قولهم لَمَّ الله شعثه أي جمع ما تفرق من أموره، قال الليث: اللّم الجمع
стр. 11613
الشديد، ومنه حجر ملموم وكتيبة ملمومة، والآكل يلم الثريد فيجمعه ثم يأكله وقال مجاهد: يسفه سفاً وقال ابن زيد: هو إذا أكل ماله ألم بمال غيره فأكله ولا يفكر فيما أكل من خبيث وطيب قال ابن عباس: " لماً " سفاً وعنه قال شديداً.
وكان حكم الإرث عندهم من بقايا شريعة إسماعيل أو مما هو معلوم لهم وثابت عندهم بطريق عادتهم، فلا يقال السورة مكية وآية المواريث مدنية ولا يعلم الحل والحرمة إلا من الشرع.
стр. 11614
(وتحبون المال حباً جماً) أي حباً كثيراً، والجم الكثير، يقال جم الماء في الحوض إذا كثر واجتمع، والجمة المكان الذي يجتمع فيه الماء، وقال ابن عباس جماً شديداً.
ثم كرر سبحانه الردع لهم والزجر فقال
стр. 11615
(كلا) أي ما هكذا ينبغي أن يكون عملكم ثم استأنف سبحانه فقال: (إذا دكت الأرض دكاً دكاً) وفيه وعيد لهم بعد الردع والزجر، والدك الكسر والدق والمعنى هنا أنها زلزلت وحركت تحريكاً بعد تحريك، قال ابن قتيبة: دكت جبالها حتى استوت، قال الزجاج: أي تزلزلت فدك بعضها بعضاً قال المبرد أي بسطت وذهب ارتفاعها قال والدك حط المرتفع بالبسط.
وقد تقدم الكلام على الدك في سورة الأعراف وفي سورة الحاقة، والمعنى أنها دكت مرة بعد أخرى، ونصب دكاً الأول على أنه مصدر مؤكد للفعل، ودكاً الثاني تأكيد للأول، وكذا قال ابن عصفور.
ويجوز أن يكون النصب على الحال، والمعنى حال كونها مدكوكة مرة بعد مرة، كما يقال: علمته الحساب باباً باباً، وعلمته الخط حرفاً حرفاً، والمعنى أنه كرر الدك عليها حتى صارت (هباء منبثاً) قال ابن عباس يعني تحريكها.
(وجاء ربك) أي جاء أمره وقضاؤه وظهرت آياته وقيل المعنى أنها زالت الشبه في ذلك اليوم وظهرت المعارف وصارت ضرورية كما يزول الشك عند برء الشيء الذي كان يشك فيه، وقيل جاء قهر ربك وسلطانه وانفراده بالأمر والتدبير من دون أن يجعل إلى أحد من عباده شيئاًً من ذلك، وقيل تمثيل لظهور آيات اقتداره وتبين آثار قهره وسلطانه، وقيل جاء أمر ربك بالمحاسبة والجزاء وقيل غير ذلك.
والحق أن هذه الآية من آيات الصفات التي سكت عنها وعن مثلها عامة سلف الأمة وأئمتها وبعض الخلف فلم يتكلموا فيها، بل أجروها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ولا تأويل ولا تحريف ولا تعطيل، وقالوا يلزمنا الإيمان بها وإجراؤها على ظاهرها، والتأويل ديدن المتكلمين ودين المتأخرين، وهو خلاف ما عليه جمهور السلف الصالحين.
وقوله (والملك صفاً صفاً) منتصب على الحال أي مصطفين أو ذوي الصفوف، قال عطاء يريد صفوف الملائكة وأهل كل سماء صف على حدة قال الضحاك أهل كل سماء إذا نزلوا يوم القيامة كانوا صفاً محيطين بالأرض ومن فيها فيكونون سبعة صفوف.
стр. 11618
(وجيء يومئذ) منصوب بجيء والقائم مقام الفاعل قوله: (بجهنم) وجوز مكي أن يكون يومئذ هو القائم مقام الفاعل وليس بذاك، قال الواحدي قال جماعة المفسرين جيء بها يوم القيامة مزمومة بسبعين ألف
стр. 11619
زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها حتى تنصب عن يسار العرش، فلا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا جثا لركبتيه يقول: يا رب نفسي نفسي.
وهذا الذي نقله عن جماعة المفسرين قد أتى مرفوعاً عن رسول الله ﷺ فقد أخرج مسلم والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : " يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها " (١) وعلى هذا فالآية مجراة على ظاهرها وقيل المعنى أنها برزت لأهلها كقوله: (وبرزت الجحيم للغاوين) والأول أولى.
(يومئذ) بدل من يومئذ الذي قبله أي يوم جيء بجهنم (يتذكر الإنسان) أي يتعظ ويذكر ما فرط منه ويندم على ما قدمه في الدنيا من الكفر والمعاصي، وقيل إن قوله: (يومئذ) الثاني بدل من قوله (إذا دكت) والعامل فيهما هو قوله: يتذكر الإنسان (وأنى له الذكرى) أي ومن أين له التذكرة والاتعاظ. وقيل هو على حذف مضاف أي ومن أين له منفعة الذكرى، قال الزجاج: يظهر التوبة ومن أين له التوبة.
стр. 11620
(يقول يا ليتني قدمت لحياتي) بدل اشتمال من يتذكر أو مستأنفة جواب سؤال مقدر كأنه قيل ماذا يقول الإنسان فقيل يقول الخ والمعنى أنه يتمنى أنه قدم الخير والعمل الصالح لأجل حياته. والمراد حياة الآخرة فإنها الحياة بالحقيقة، لأنها دائمة غير منقطعة، وقيل أن اللام بمعنى في، والمراد حياة الدنيا أي يا ليتني قدمت الأعمال الصالحة في وقت حياتي في الدنيا أنتفع بها يوم القيامة، والأول أولى، قال الحسن علم والله أنه صادف حياة طويلة لا موت فيها.
стр. 11621
(فيومئذ) أي يوم يكون زمان ما ذكر من الأحوال (لا يعذب عذابه
стр. 11622
أحد
стр. 11623
ولا يوثق وثاقه أحد) أي لا يعذب كعذاب الله أحد، ولا يوثق كوثاقه ولا يتولى عذاب الله ووثاقه أحد سواه إذ الأمر كله له، والضميران في عذابه ووثاقه لله ، وهذا على قراءة الجمهور يعذب ويوثق مبنيين للفاعل، وقرىء على البناء للمفعول فيهما فيكون الضميران راجعين إلى الإنسان أي لا يعذب كعذاب ذلك الإنسان أحد ولا يوثق كوثاقه أحد، والمراد بالإنسان الكافر أي لا يعذب من ليس بكافر كعذاب الكافر، وقيل إبليس وقيل المراد به أبيّ بن خلف.
قال الفراء المعنى أنه لا يعذب كعذاب هذا الكافر المعين أحد ولا يوثق بالسلاسل والأغلال كوثاقه أحد، لتناهيه في الكفر والعناد، وقيل المعنى إنه لا يعذب مكانه أحد ولا يوثق مكانه أحد فلا تؤخذ منه فدية وهو كقوله؛ (ولا تزر وازرة وزر أخرى) والعذاب بمعنى التعذيب والوثاق بمعنى التوثيق.
واختار أبو عبيد وأبو حاتم قراءة المبني للمفعول وقالا تكون الهاء في الموضعين ضميراً لكافر لأنه معروف أنه لا يعذب كعذاب الله أحد، وقال أبو علي الفارسي يجوز أن يكون الضمير للكافر على قراءة الجماعة أي لا يعذب أحد أحداً مثل تعذيب هذا الكافر.
ولما فرغ سبحانه من حكاية أحوال الأشقياء ذكر بعض أحوال السعداء فقال:
стр. 11624
(يا أيتها النفس المطمئنة) والقائل هو الله سبحانه إكراماً للمؤمن كما كلم موسى، أو الملك، وإنما يقال لها ذلك عند الموت أو البعث أو عند دخول الجنة، والنفس المطمئنة هي الساكنة الموقنة بالإيمان وتوحيد الله الواصلة إلى ثلج اليقين بحيث لا يخالطها شك ولا يعتريها ريب.
قال الحسن هي المؤمنة الموقنة، وقال مجاهد الراضية بقضاء الله التي علمت أن ما أخطأها لم يكن لصيبها وأن ما أصابها لم يكن ليخطئها، وقال مقاتل هي الآمنة المطمئنة. وقال ابن كيسان المطمئنة بذكر الله تعالى وقيل المخلصة، قال ابن زيد المطمئنة لأنها بشرت بالجنة عند الموت وعند البعث،