← Тафсир

Тафсир · id 37458

فتح البيان في مقاصد القرآن

صديق حسن خان

Полный текст (12 043 стр.). Показаны 11726–11765 · переход к 11731.

стр. 11726

(ما ودعك ربك) أي ما تركك، قاله ابن عباس وهذا جواب القسم أي ما قطعك قطع المودع، قرأ الجمهور بتشديد الدال من التوديع وهو توديع المفارق، وقرىء بتخفيفها من قولهم ودعه أي تركه والتوديع أبلغ من الودع لأن من ودعك مفارقاً فقد بالغ في ترك. قال المبرد لا يكادون يقولون ودع ولا وزر لضعف الواو إذا قدمت واستغنوا عنها بترك، قال أبو عبيدة ودعك من التوديع كما يودع المفارق، وقال الزجاج لم يقطع الوحي، والتوديع مستعار استعارة تبعية للترك فإن الوداع إنما يكون بين الأحباب ومن تعز مفارقته، وهذه الحقيقة لا تتصور هنا. (وما قلى) أي ما أبغضك، قاله ابن عباس: القلاء البغض، يقال قلاه يقليه قلأ وقال ما قلى، ولم يقل وما قلاك لموافقة رؤوس الآي.

стр. 11727

(وللآخرة خير لك من الأولى) اللام جواب قسم محذوف أي الجنة خير لك من الدنيا مع أنه ﵌ قد أوتي في الدنيا من شرف النبوة ما يصغر عنده كل شرف، وتتضاءل بالنسبة إليه كل مكرمة في

стр. 11728

الدنيا، ولكنها لما كانت الدنيا بأسرها مشوبة بالأكدار منغصة بالعوارض البشرية، وكانت الحياة فيها كأحلام نائم أو كظل زائل، لم تكن بالنسبة إلى الآخرة شيئاًً، ولما كانت طريقاً إلى الآخرة وسبباً لنيل ما أعده الله لعباده الصالحين من الخير العظيم بما يفعلونه فيها من الأعمال الموجبة للفوز بالجنة كان فيها خير في الجملة من هذه الحيثية. وإنما قيد بقوله " لك " لأنها ليست خيراً لكل أحد. قال البقاعي إن الناس على أربعة أقسام منهم من له الخير في الدارين وهم أهل الطاعة الأغنياء، ومنهم من له الشر فيهما وهم الكفرة الفقراء ومنهم من له صورة خير في الدنيا وشر في الآخرة وهم الكفرة الأغنياء، ومنهم من له صورة شر في الدنيا وخير في الآخرة وهم الفقراء المؤمنون، ذكره الخطيب. وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﵌ " عرض عليَّ ما هو مفتوح لأمتي بعدي فأنزل الله " (وللآخرة خير لك من الأولى) أخرجه (١) الطبراني في الأوسط والبيهقي في الدلائل، وعنه قال " عرض على رسول الله ﵌ ما هو مفتوح على أمته من بعده فسر بذلك فأنزل الله ".

стр. 11729

(ولسوف يعطيك ربك فترضى) قيل هي لام الابتداء دخلت على الخبر لتأكيد مضمون الجملة والمبتدأ محذوف تقديره ولأنت سوف يعطيك، وليست للقسم لأنها لا تدخل على المضارع إلا مع النون المؤكدة، وقيل هي

стр. 11730

للقسم، قال أبو علي الفارسي ليست هذه اللام هي التي في قولك إن زيداً لقائم بل هي التي في قولك لأقومن، ونابت سوف عن إحدى نوني التأكيد فكأنه قال ولنعطيك أي أن العطاء كائن لا محالة وإن تأخر لما في التأخير من المصلحة. قيل والمعنى ولسوف يعطيك ربك الفتح في الدنيا والثواب في الآخرة فترضى، وقال البيضاوي هذا وعد شامل لما أعطاه له من كمال النفس وظهور الأمر وإعلاء الدين، ولما ادخر له مما لا يعرف كنهه سواه، وقيل الحوض والشفاعة في الأمة، وقيل ألف قصر من لؤلؤ أبيض ترابه المسك، وبه قال ابن عباس وزاد في كل قصر ما ينبغي له من الأزواج والخدم وعنه قال رضاه أن يدخل أمته كلهم الجنة. وأخرج ابن جرير عنه قال من رضا محمد ﵌ أن لا يدخل أحد من أهل بيته النار. وأخرج الخطيب في التلخيص من وجه آخر عنه قال لا يرضى محمد ﵌ وواحد من أمته في النار (١). ويدل على هذا ما أخرجه مسلم عن ابن عمرو " أن النبي ﵌ تلا قول الله في إبراهيم (فمن تبعني فإنه مني) وقول عيسى (إن تعذبهم فإنهم عبادك) الآية فرفع يديه وقال اللهم أمتي أمتي وبكى، فقال الله يا جبريل إذهب إلى محمد ﵌ فقل له إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك ". وأخرج ابن المنذر وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية من طريق حرب بن شريح قال قلت لأبي جعفر محمد بن علي بن الحسين " أرأيت هذه الشفاعة التي يتحدث بها أهل العراق أحق هي؟ قال أي والله حدثني محمد بن الحنفية

стр. 11731

عن علي أن رسول الله ﷺ قال أشفع لأمتي حتى يناديني ربي أرضيت يا محمد فأقول نعم يا رب رضيت " ثم أقبل علي فقال إنكم تقولون يا معشر أهل العراق إن أرجى آية في كتاب الله (يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا) قلت إنا لنقول ذلك، قال فكنا أهل البيت نقول إن أرجى آية في كتاب الله (ولسوف يعطيك ربك فترضى) وهي الشفاعة ". وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﵌ " إنَّا أهل البيت اختارَ الله لنا الآخرةَ على الدنيا ولسوف يعطيك ربك فترضى " أخرجه ابن أبي شيبة. وعن جابر بن عبد الله قال " دخل رسول الله ﷺ على فاطمة وهي تطحن بالرحى وعليها كساء من جلد الإبل، فلما نظر إليها قال يا فاطمة تعجلي مرارة الدنيا بنعيم الآخرة فأنزل الله (ولسوف يعطيك ربك فترضى) أخرجه العسكري في المواعظ وابن مردويه وابن النجار. قيل في الآية غير ذلك، والظاهر أنه سبحانه يعطيه ما يرضى به من خيري الدنيا والآخرة، ومن أهم ذلك عنده وأقدمه قبول شفاعته لأمته.

стр. 11732

أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (١٠) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)

стр. 11733

(ألم يجدك يتيماً) هذا شروع في تعداد ما أفاضه الله سبحانه عليه من النعم الثلاث والقصد من تعداد هذه النعم تقوية قلبه ﵌ بخلاف قوله تعالى (أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا) لأنه في معرض الذم. ثم أمره بعد ذلك أن يذكر نعم ربه كأنه قال له فالطريق في حقك أن تفعل مع عبيدي مثل ما فعلت في حقك، والهمزة لإنكار النفي وتقرير المنفى على أبلغ وجه فكأنه قال قد وجدك يتيماً والوجود بمعنى العلم، وقيل بمعنى المصادفة، والمعنى وجدك يتيماً لا أب لك قبل ولادتك أي بعد حمله بشهرين وهو الأرجح، وقيل غير ذلك، والتفصيل في المواهب وشرحه. وكانت وفاة أبيه بالمدينة، ودفن في دار التابعة وقيل بالأبواء من أعمال الفرع، وتوفيت أمه وهو ابن أربع أو خمس أو ست أو سبع أو ثمان أو تسع أو اثنتي عشرة سنة وشهر وعشر أيام، وكانت وفاتها بالأبواء، وقيل بالحجون، ومات جده وهو ﵌ ابن ثمان. (فآوى) أي جعل لك مأوى تأوي إليه، قرأ الجمهور فآوى بالألف بعد الهمزة رباعياً من آواه يؤويه، وقرىء ثلاثياً وهو إما بمعنى الرباعي أو هو من أوى له إذا رحمه، وعن مجاهد قال معنى الآية ألم يجدك واحداً في شرفك لا نظير لك فأواك الله بأصحاب يحفظونك ويحوطونك، فجعل يتيماً من قولهم درة يتيمة، وهو بعيد جداً.

стр. 11734

(ووجدك ضالاً فهدى) معطوف على المضارع المنفي وقيل على ما يقتضيه الكلام الذي قبله كما ذكرنا أي قد وجدك يتيماً الخ والضلال هنا بمعنى الغفلة كما في قوله (لا يضل ربي ولا ينسى) وكما في قوله (وإن كنت من

стр. 11735

قبله لمن الغافلين) والمعنى أنه وجدك غافلاً عما يراد بك من أمر النبوة، واختار هذا الزجاج وقيل معنى ضالاً لم تكن تدري القرآن ولا الشرائع فهداك لذلك، يعنى ليس المراد به الإنحراف عن الحق، فهذا كقوله تعالى (ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان) تأمل. وقال الكلبي والسدي والفراء وجدك في قوم ضلال فهداهم الله بك، أو فهداك إلى إرشادهم أو ضالاً عما أنت عليه الآن من الشريعة فهداك الله تعالى إليها، وقيل وجدك ضالاً عن الهجرة فهداك إليها، وقيل ناسياً شأن الاستثناء حين سئلت عن أصحاب الكهف وذي القرنين والروح فذكرك كقوله تعالى (أن تضل إحداهما) وقيل وجدك طالباً للقبلة فهداك إليها كما في قوله (قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها) ويكون الضلال بمعنى الطلب لأن الضال طالب. وقيل وجدك ضائعاً في قومك فهداك إليهم ويكون الضلال بمعنى الضياع، وقيل وجدك محباً للهداية فهداك إليها، ويكون الضلال بمعنى المحبة، كقوله تعالى (إنك لفي ضلالك القديم) وقيل وجدك ضالاً في شعاب مكة فهداك أي ردك إلى جدك عبد المطلب. وعن ابن عباس قال وجدك بين الضالين فاستنقذك من ضلالتهم، وقيل ضل في طريق الشام حين خرج به أبو طالب فرده إلى القافلة. ولا يجوز أن يفهم به عدول عن حق ووقوع في باطل، فقد كان ﵌ من أول حاله إلى نزول الوحي عليه معصوماً من عبادة الأوثان، وقاذورات أهل الفسق والعصيان. وقيل ضالاً نفسك لا تدري من أنت فعرفك نفسك وحالك، وقيل ضالاً ليلة المعراج حين انصرف عنك جبريل وأنت لا تعرف الطريق فهداك إلى ساق العرش، وقيل معناه لا أحد على دينك بل أنت وحيد ليس معك أحد فهديت بك الخلق، وقيل الخطاب للنبي ﵌ والمراد غيره

стр. 11736

وفيه بعد، وأيضاًً يأباه النظم الكريم. وعندي أن الضلال والهدى عامان في هذ الآية فيشملان كل نوع من أنواع الضلالة والهداية بيد الكفر والشرك لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

стр. 11737

(ووجدك عائلاً فأغنى) أي وجدك فقيراً لا مال لك فأغناك، يقال عال الرجل يعيل عيلة إذا افتقر، قال الكلبي فأغنى أي رضاك بما أعطاك من الرزق واختار هذا الفراء قال: لأنه لم يكن غنياً من كثرة، ولكن الله سبحانه رضاه بما آتاه وذلك حقيقة الغنى، وقيل بإعانة الأنصار حين الهجرة وقيل فأغنى بما فتح لك من الفتوح والغنائم، وفيه نظر، لأن السورة مكية وقيل بمال خديجة بنت خويلد وتربية أبي طالب أولاً وبمال أبي بكر ثانياً، وقيل وجدك فقيراً من الحجج والبراهين فأغناك بها وفيه بعد. قرأ الجمهور عائلاً وقرىء عيلاً بزنة سيد، عن ابن عباس أن النبي ﵌ قال " سألت ربي مسألة وددت أني لم أكن سألته قلت قد كانت قبلي أنبياء منهم من سخرت له الريح ومنهم من كان يحيي الموتى فقال تعالى يا محمد ألم أجدك يتيماً فآويتك ألم أجدك ضالاً فهديتك ألم أجدك عائلاً فأغنيتك ألم أشرح لك صدرك ألم أضع عنك وزرك ألم أرفع لك ذكرك قلت بلى يا رب " أخرجه ابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه البيهقي وأبو نعيم وابن عساكر. وأخرج ابن مردويه عنه قال " لما نزلت والضحى على رسول ﵌ قال رسول الله ﵌ يمن عليّ ربي وأهل أن يمن ربي ". ثم أوصاه سبحانه باليتامى والفقراء فقال

стр. 11738

(فأما اليتيم فلا تقهر) أي لا تقهره بوجه من وجوه القهر كائناً ما كان قال مجاهد لا تحتقر اليتيم فقد كنت يتيماً قال الأخفش لا تسلط عليه بالظلم ادفع إليه حقه واذكر يتمك، قال

стр. 11739

الفراء والزجاج لا تقهره على ماله فتذهب بحقه لضعفه وكذا كانت العرب تفعل في حق اليتامى تأخذ أموالهم وتظلمهم حقوقهم، فكان رسول الله ﵌ يحسن إلى اليتيم ويبره ويوصي باليتامى. قرأ الجمهور فلا تقهر بالقاف وقرىء بالكاف، والعرب تعاقب بين القاف والكاف، قال النحاس إنما يقال كهره إذا اشتد عليه وغلظ، وقيل القهر الغلبة والكهر الزجر، قال أبو حيان هي لغة يعني قراءة الكاف مثل قراءة الجمهور. عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله ﵌ " أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا وأشار بالسبابة وفرج بينهما " أخرجه البخاري وفي الباب أحاديث (١). واليتيم منصوب بتقهر، وبه استدل ابن مالك على أنه لا يلزم من تقديم المعمول تقديم العامل ألا ترى أن اليتيم منصوب بالمجزوم، وقد تقدم على الجازم، ولو قدمت تقهر على " لا " امتنع لأن المجزوم لا يتقدم على جازمه كالمجرور لا يتقدم على جاره قاله السمين.

стр. 11740

(وأما السائل فلا تنهر) يقال نهره وانتهره إذا استقبله بكلام يزجره فهو نهى عن زجر السائل والإغلاظ له، ولكن يبذل اليسير القليل، أو يرده بالجميل. قال الواحدي قال المفسرون يريد السائل على الباب، يقول لا تنهره إذا سألك فقد كنت فقيراً، فإما أن تطعمه وإما أن ترده رداً لينا قال قتادة معناه رد السائل برحمة ولين. وقيل المراد بالسائل طالب العلم والذي يسأل عن الدين فلا تنهره بالغلظة والجفوة وأجبه برفق ولين، كذا قال سفيان، والسائل منصوب بتنهره

стр. 11741

والتقدير مهما يكن من شيء فلا تقهر اليتيم ولا تنهر السائل، وهذه النواهي لرسول الله ﵌ هي نواه له ولأمته ﵌ لأنهم أسوته، فكل فرد من أفراد هذه الأمة منهى بكل فرد من أفراد هذه النواهي.

стр. 11742

(وأما بنعمة ربك فحدث) أمره سبحانه بالتحدث بنعم الله عليه وإظهارها للناس وإشهارها بينهم، والظاهر النعمة على العموم من غير تخصيص بفرد من أفرادها أو نوع من أنواعها، وقال مجاهد والكلبي المراد بالنعمة هنا القرآن، قال الكلبي وكان القرآن أعظم ما أنعم الله به عليه فأمره أن يقرأه، قال الفراء وكان يقرأه ويحدث به، وقال مجاهد أيضاًً المراد بالنعمة النبوة التي أعطاه الله، واختار هذا الزجاج فقال أي بلغ ما أرسلت به وحدث بالنبوة التي أعطاك الله وهي أجل النعم، وقال مقاتل يعني أشكر ما ذكر من النعمة عليك في هذه السورة من الهدى بعد الضلالة وجبر اليتيم والإغناء بعد العيلة، فاشكر هذه النعم، والتحدث بنعمة الله شكر. وهذا الأمر له ﵌ هو أمر له ولأمته لأنهم اسوته في كل ما يأتي ويذر، قال الحسن بن علي في الآية ما عملت من الخير وعنه قال إذا أصبت خيراً فحدث إخوانك، وعن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ على المنبر " من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر، وتركه كفر، والجماعة رحمة " أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند والبيهقي في الشعب والخطيب في المتفق، قال السيوطي بسند ضعيف. وعن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ قال " من أبلى بلاء فذكره فقد شكره وإن كتمه فقد كفره " أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه وأبو يعلى وابن حبان والبيهقي والضياء. وأخرج البخاري في الأدب وأبو داود والضياء عنه قال: قال رسول الله

стр. 11743

صلى الله عليه وآله وسلم " من أعطى عطاء فوجد فليجز به فإن لم يجد فليثن به، فمن أثنى به فقد شكره ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بما لم يعط فإنه كلابس ثوبي زور ". وعن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ " من أوليَ معروفاً فليكافىء به فإن لم يستطع فليذكره فإن من ذكره فقد شكره " أخرجه أحمد والطبراني في الأوسط والبيهقي. قال الكرخي والجار والمجرور متعلق بحدث والفاء غير مانعة من ذلك لأنها كالزائدة والتحدث بها نشرها بالشكر والثناء عليه تعالى. وقوله تعالى (فأما اليتيم فلا تقهر) مقابل لقوله (ألم يجدك يتيماً فآوى) وقوله (وأما السائل) الخ مقابل لقوله (ووجدك عائلاً فأغنى) وأما قوله (وأما بنعمة ربك) الخ فجيء به على العموم. وفي حكمة تأخير حق الله تعالى عن حق اليتيم والسائل وجوه. أحدهما أن الله غني وهما محتاجان، وتقديم المحتاج أولى. وثانيها أنه وضع في حظهما الفعل ورضى لنفسه بالقول. وثالثها أن المقصود من جميع الطاعات استغراق القلب في ذكر الله فختمت به، وأوثر فحدث على فخبر ليكون عنده حديثاً لا ينساه.

стр. 11744

سورة ألم نشرح هي ثمان آيات وهي مكية بلا خلاف، عن عائشة قالت نزلت سورة ألم نشرح بمكة ومثله عن ابن عباس وزاد بعد الضحى.

стр. 11745

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤) فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦) فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨)

стр. 11746

(ألم نشرح لك صدرك) معنى شرح الصدر فتحه بإذهاب ما يصدر عن الإدراك، والإستفهام التقريري إذا دخل على النفي قرره فصار المعنى قد شرحنا لك صدرك حتى وسع مناجاة الحق، ودعوة الخلق، فكان غائباً عنهم بروحه، وحاضراً معهم بجسده الشريف. والمعنى ألم نفسحه بما أودعنا فيه من الحكم وأزلنا عنه ضيق الجهل، أو بما يسرنا لك من تلقي الوحي بعد ما كان يشق عليك. قال الراغب أصل الشرح بسط اللحم ونحوه يقال شرحت اللحم وشرحته، ومنه شرح الصدر وهو بسطه بنور إلهي وسكينته من جهة الله وروح منه وإنما خص الصدر لأنه محل أحوال النفس من العلوم والإدراكات، وقيل لأن الصدر محل الوسوسة كما قال تعالى (يوسوس في صدور الناس) فإزالة تلك الوسوسة وإبدالها بدواعي الخير هي الشرح. والقلب محل العقل والمعرفة وهو الذي يقصده الشيطان فيجىء أولاً إلى الصدر الذي هو حصن القلب فإذا وجد مسلكاً نزل فيه هو وجنده وبث فيه الغموم والهموم والحرص، فيضيق القلب حينئذ ولا يجد للطاعة لذة ولا للإسلام حلاوة، وإذا لم يجد له مسلكاً وطرد حصل الأمن وانشرح الصدر، وتيسر القيام بأداء العبودية.

стр. 11747

ولم يقل نشرح صدرك تنبيهاً على أن منافع الرسالة عائدة عليه ﵌ كأنه يقول إنما شرحنا صدرك لأجلك لا لأجلي، والمراد بالامتنان عليه ﵌ بفتح صدره وتوسيعه حتى قام بما قام به من الدعوة وقدر على ما قدر عليه من حمل أعباء وحفظ الوحي. وقد مضى القول في هذا عند تفسير قوله (أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه) قال ابن عباس في الآية شرح الله صدره للإسلام. قرأ الجمهور نشرح بسكون الحاء بالجزم، وبفتحها قرأ أبو جعفر المنصور العباسي قال الزمخشري قالوا: لعله بين الحاء وأشبعها في مخرجها فظن السامع أنه فتحها. وقال ابن عطية أن الأصل ألم نشرحن بالنون الخفيفة ثم إبدالها ألفاً ثم حذفها تخفيفاً، وهذا مبني على جواز توكيد المجزوم بلم وهو قليل جداً، وخرجها بعضهم على لغة بعض العرب الذين ينصبون بلم ويجزمون بلن، وهذه ما أظنها تصح. وإن صحت فليست من اللغات المعتبرة فإنها جاءت بعكس ما عليه لغة العرب بأسرها. وعلى كل حال فقراءة هذ الرجل مع شدة جوره ومزيد ظلمه وكثرة جبروته وقلة علمه ليست بحقيقة بالاشتغال بها.

стр. 11748

(ووضعنا عنك وزرك) معطوف على معنى ما تقدم لا على لفظه أي قد شرحنا لك صدرك ووضعنا الخ والوزر الذنب أي وضعنا عنك ما كنت فيه من أمر الجاهلية، قال الحسن وقتادة والضحاك ومقاتل المعنى حططنا عنك الذي سلف منك في الجاهلية، وهذا كقوله (ليغفر الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر) وعنك متعلق بوضعنا وتقديمه على المفعول الصريح مع أن حقه التأخر عنه لتعجيل المسرة والتشويق إلى المؤخر. ولما أن في وصفه نوع طول فتأخير الجار والمجرور عنه مخل بتجاوب أطراف النظم الكريم.

стр. 11749

ثم وصف هذا الوزر فقال

стр. 11750

(الذي أنقض ظهرك) قال المفسرون: أي ثقل ظهرك، قال الزجاج: أثقله حتى سمع له نقيض أي صوت. وهذا مثل معناه أنه لو كان حملاً يحمل لسمع نقيض ظهره، وأهل اللغة يقولون، أنقض الحمل ظهر الناقة إذا سمع له صرير من شدة الحمل، قال قتادة: كان للنبي ﵌ ذنوب قد أثقلته فغفرها الله له. وقوم يذهبون إلى أن هذا تخفيف أعباء النبوة التي تثقل الظهر من القيام بأمرها سهل الله ذلك عليه حتى تيسرت له، وكذا قال أبو عبيدة وغيره، وقرأ ابن مسعود (وحللنا عنك وقرك) وقيل معناه عصمناك من الوزر الذي ينقض ظهرك ولو كان ذلك الوزر حاصلاً، قاله الرازي وفيه استعارة تمثيلية حيث سمى العصمة وضعاً مجازاً. ثم ذكر سبحانه منته وكرامته عليه فقال

стр. 11751

(ورفعنا لك ذكرك) وزيادة لك في الموضعين وعنك في موضع تفيد إبهام المشروح والموضوع والمرفوع ثم توضيحه. والإيضاح بعد الإبهام أوقع في الذهن، قال الحسن وذلك أن الله لا يذكر في موضع إلا ذكر ﷺ معه. قال قتادة: رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة فليس خطيب ولا متشهد؛ ولا صاحب صلاة إلا ينادي فيقول أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمداً رسول الله، قال مجاهد يعني بالتأذين، وعبارة الخطيب تذكر معي في الأذان والإقامة والتشهد ويوم الجمعة على المنابر ويوم الفطر، ويوم الأضحى، ويوم عرفة وأيام التشريق وعند الجمار وعلى الصفا والمروة، وفي خطبة النكاح ومشارق الأرض ومغاربها، ولو أن رجلاً عبد الله وصدق بالجنة والنار وكل شيء ولم يشهد أن محمداً رسول الله لم ينتفع بشيء وكان كافراً انتهى. وقيل المعنى ذكرناك في الكتب المنزلة على الأنبياء قبلك وأمرناهم بالبشارة بك، ولا دين إلا ودينك يظهر عليه، وقيل رفعنا ذكرك عند الملائكة في السماء وعند المؤمنين في الأرض، ونرفع ذكرك في الآخرة بما نعطيك من المقام

стр. 11752

المحمود وكرائم الدرجات وجلائل المراتب، قال الضحاك لا تقبل صلاة إلا به ولا تجوز خطبة إلا به. وقيل رفع ذكره بأخذ ميثاقه على النبيين وإلزامهم الإيمان به والإقرار بفضله. والظاهر أن هذا الرفع لذكره الذي امتن الله به عليه يتناول جميع هذه الأمور، فكل واحد منها من أسباب رفع الذكر، وكذلك أمره بالصلاة والسلام عليه وإخباره ﵌ عن الله أن من صلى عليه واحدة صلى الله عليه بها عشراً. وكم من موضع في القرآن يذكر فيه النبي ﵌ مع الله سبحانه من ذلك قوله تعالى (والله ورسوله أحق أن يرضوه) وأمر الله بطاعته ﵌ كقوله (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول) وقوله (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا عنه) وقوله: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله) وغير ذلك. وبالجملة فقد ملأ ذكره الجميل السموات والأرضين، وجعل الله له من لسان الصدق والذكر الحسن والثناء الصالح ما لم يجعله لأحد من عباده، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله عدد ما صلى عليه المصلون بكل لسان في كل زمان. وما أحسن قول حسان رضي الله تعالى عنه: أغر عليه للنبوة خاتم ... من الله مشهور يلوح ويشهد وضم الإله اسم النبي مع اسمه ... إذا قال في الخمس المؤذن أشهد وشق له من اسمه ليجله ... فذو العرش محمود وهذا محمد عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﵌ قال " أتاني جبريل فقال إن ربك يقول تدري كيف رفعت ذكرك. قلت الله ورسوله

стр. 11753

أعلم، قال إذا ذكرت ذكرت معي " (١) أخرجه أبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل وقد روي بطرق. وقال ابن عباس في الآية لا يذكر الله إلا ذكر معه فهو الذي يطوى به الذكر الجميل ويبدأ.

стр. 11754

(فإن مع العسر يسراً) أي أن مع الضيقة سعة، ومع الشدة رخاء ومع الكرب فرجاً، وفي هذا وعد منه سبحانه بأن كل عسير يتيسر، وكل شديد يهون، وكل صعب يلين، ومع بمعنى (بعد)، وفي التعبير بها إشعار بغاية سرعة مجيء اليسر كأنه مقارن. عن أنس قال كان النبي ﵌ جالساً وحياله جحر فقال: " لو دخل العسر هذا الجحر لجاء اليسر حتى يدخل عليه فيخرجه فأنزل الله

стр. 11755

(إن مع العسر يسراً) الخ ولفظ الطبراني: وتلا رسول الله ﵌ (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) " وأخرج الطبراني وابن مردويه عنه مرفوعاً نحوه. قال السيوطي وسنده ضعيف. وعن ابن مسعود مرفوعاً " لو كان العسر في جحر لتبعه اليسر حتى يدخل فيه فيخرجه ولن يغلب عسر يسرين إن الله يقول إن مع العسر يسراً " (١) الخ أخرجه عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا في الصبر، وابن المنذر والبيهقي في الشعب، قال البزار لا نعلم رواه عن أنس

стр. 11756

إلا عائذ بن شريح قال فيه أبو حاتم الرازي في حديثه ضعف، ولكن رواه شعبة عن معاوية بن قرة عن رجل عن ابن مسعود. ثم زاد سبحانه هذا الوعد تقريراً وتوكيداً فقال مكرراً له بلفظ (إن مع العسر يسراً) أي أن مع ذلك العسر المذكور سابقاً يسراً آخر لما تقرر من أنه إذا أعيد المعرف يكون الثاني عين الأول سواء كان المراد به الجنس أو العهد بخلاف المنكر إذا أعيد فإنه يراد بالثاني فرد مغاير لما أريد بالفرد الأول في الغالب، ولهذا قال النبي ﷺ في معنى هذه الآية أنه لن يغلب عسر يسرين. قال الواحدي: وهذا قول النبي ﵌ والصحابة والمفسرين على أن العسر واحد واليسر إثنان قال الزجاج ذكر العسر مع الألف واللام، ثم ثنى ذكره فصار المعنى أن مع العسر يسرين، قيل والتنكير في اليسر للتفخيم والتعظيم وهو في مصحف ابن مسعود غير مكرر. قرأ الجمهور بسكون السين في العسر واليسر في الموضعين، وقرىء بضمها في الجميع وفيه خلاف هل هو أصل أو مثقل من المسكن. وعن الحسن قال: " خرج رسول الله ﷺ يوماً فرحاً مسروراً وهو يضحك ويقول لن يغلب عسر يسرين إن مع العسر يسراً إن مع العسر يسراً " أخرجه عبد الرزاق وابن جرير والحاكم والبيهقي، وهذا مرسل وروي نحوه مرفوعاً مرسلاً عن قتادة. ولما عدد سبحانه عليه ﷺ نعمه السالفة ووعده بالنعم الآتية بعثه على الشكر والاجتهاد في العبادة فقال

стр. 11757

(فإذا فرغت فانصب) أي إذا فرغت من صلاتك أو من التبليغ أو من الغزو فاجتهد في الدعاء واطلب من الله حاجتك، أو فانصب في العبادة أو اتعب في الدعاء قبل السلام وبعده، والنصب التعب يقال نصب ينصب نصباً أي تعب. قال قتادة والضحاك ومقاتل والكلبي: إذا فرغت من الصلاة المكتوبة

стр. 11758

فانصب إلى ربك في الدعاء وارغب إليه في المسألة يعطك، وكذا قال مجاهد. قال الشعبي إذا فرغت من التشهد فادع لدنياك وآخرتك، وكذا قال الزهري وقال الكلبي أيضاًً إذا فرغت من تبليغ الرسالة فانصب أي (استغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات). وقال الحسن وقتادة وزيد بن أسلم: إذا فرغت من جهاد عدوك فانصب لعبادة ربك، وفيه نظر، لأن السورة مكية والأمر بالجهاد إنما كان بعد الهجرة فلعله تفسير الذاهب إلى أن السورة مدنية، قال مجاهد أيضاًً: إذا فرغت من دنياك فانصب في صلاتك. وقال ابن عباس: إذا فرغت من الصلاة فانصب في الدعاء واسأل الله وارغب إليه، وعنه قال: قال الله لرسوله ﵌ إذا فرغت من الصلاة وتشهدت فانصب إلى ربك واسأله حاجتك. وعن ابن مسعود قال: فانصب إلى الدعاء وإلى ربك فارغب في المسألة، وعنه قال إذا فرغت من الفرائض فانصب في قيام الليل، قال عمر ابن الخطاب: إني أكره أن أرى أحدكم فارغاً لا في عمل الدنيا ولا في عمل الآخرة.

стр. 11759

(وإلى ربك) المحسن إليك بفضائل النعم خصوصاً بما ذكر في هاتين السورتين (فارغب) أي اجعل رغبتك إليه خصوصاً ولا تسأل إلا فضله متوكلاً عليه، وقيل تضرع إليه، قال الزجاج أي اجعل رغبتك إلى الله وحده وقال عطاء يريد أنه يضرع إليه راهباً من النار، راغباً في الجنة. والمعنى أنه يرغب إليه سبحانه لا إلى غيره كائناً من كان فلا يطلب حاجاته إلا منه، ولا يعول في جميع أموره إلا عليه، قرأ الجمهور فارغب وقرأ زيد بن علي وابن أبي عبلة فرغب بتشديد الغين أي فرغب الناس إلى الله وشوقهم إلى ما عنده من الخير.

стр. 11760

سورة التين هي ثمان آيات وهي مكية في قول الجمهور وروى القرطبي عن ابن عباس أنها مدنية ويخالف هذه الرواية ما أخرجه ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال أنزلت سورة التين بمكة، وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله. وأخرج البخاري ومسلم وأهل السنن وغيرهم عن البراء بن عازب قال " كان النبي ﵌ في سفر فصلى العشاء فقرأ في إحدى الركعتين بالتين والزيتون فما سمعت أحداً أحسن صوتاً ولا قراءة منه ". وعنه قال: " صليت مع رسول الله ﵌ المغرب فقرأ بالتين " أخرجه الخطيب وعن عبد الله بن يزيد نحوه عند الطبراني وابن شيبة. وعن زرعة بن خليفة قال: " أتيت النبي ﵌ من اليمامة فعرض علينا الإسلام فأسلمنا فلما صلينا الغداة قرأ بالتين والزيتون وإنا أنزلناه في ليلة القدر " وأخرجه ابن قانع وابن الساكن والشيرازي في الألقاب.

стр. 11761

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦) فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (٧) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (٨)

стр. 11762

(والتين) قال أكثر المفسرين هو التين الذي يأكله الناس، وإنما أقسم بالتين لأنه فاكهة مخلصة من شوائب التنغيص، وفيها أعظم عبرة لدلالتها على من هيأها لذلك وجعلها على مقدار اللقمة. قال كثير من أهل الطب: إن التين أنفع الفواكه للبدن وأكثرها غذاء، وذكروا له فوائد كما في كتب المفردات والمركبات وهو غذاء ودواء. أما كونه غذاء فالأطباء زعموا أنه طعام لطيف سريع الهضم لا يمكث في المعدة يلين الطبع ويخرج بطريق الرشح، ويقلل البلغم ويطهر الكليتين ويزيل ما في المثانة من الرمل، ويسمن البدن، ويفتح مسام الكبد وسدده والطحال ويقطع البواسير، ويزيل نكهة الفم، ويطول الشعر، وهو أمان من الفالج. وأما كونه دواء فلأنه سبب في إخراج فضلات البدن وهو مأكول الظاهر والباطن دون غيره كالجوز والتمر. والتين في النوم رجل غير جبار، ومن نالها في المنام نال مالاً ومن أكلها مناماً رزقه الله أولاداً، وتستر آدم بورق التين حين فارق الجنة، ويشبه فواكه الجنة لأنه بلا عجم وفاكهة طيبة لا فضل له ينفع من النقرس. وقال الضحاك: التين المسجد الحرام، وقيل: مسجد أصحاب الكهف، وقال ابن زيد: مسجد دمشق، وقال قتادة التين الجبل الذي عليه

стр. 11763

دمشق، وقال عكرمة وكعب الأحبار: التين دمشق، وعن ابن عباس: قال التين بلاد الشام، وفي سنده مجهول وعنه قال مسجد نوح الذي بني على الجودي، وعنه قال الفاكهة التي يأكلها الناس. (والزيتون) وهو الذي يعصرون منه الزيت الذي هو إدام غالب البلدان ودهنهم ويدخل في كثير من الأدوية، وقال الضحاك المسجد الأقصى، وقال ابن زيد مسجد بيت المقدس، وقال قتادة الجبل الذي عليه بيت المقدس، وقال عكرمة وكعب الأحبار بيت المقدس، وعن ابن عباس قال بلاد فلسطين وفي سنده مجهول، وقال أيضاًً بيت المقدس. وليت شعري ما الحامل لهؤلاء الأئمة على العدول عن المعنى الحقيقي في اللغة العربية والعدول إلى هذه التفسيرات البعيدة عن المعنى، المبنية على خيالات لا ترجع إلى عقل ونقل، وأعجب من هذا اختيار ابن جرير للآخر منها مع طول باعه في علم الرواية والدراية، قال الفراء؛ سمعت رجلاً يقول التين جبال حلوان إلى همدان، والزيتون جبال الشام. قلت هب إنك سمعت هذا الرجل فكان ماذا، فليس بمثل هذا تثبت اللغة، ولا هو نقل عن الشارع، وقال محمد بن كعب الزيتون مسجد إيليا، وقيل إنه على حذف مضاف أي ومنابت التين والزيتون، قال النحاس لا دليل على هذا من ظاهر التنزيل ولا من قول من لا يجوز خلافه. قال الرازي أما الزيتون فهو فاكهة من وجه ودواء من وجه، ويستصبح به، ومن رأى ورق الزيتون في المنام استمسك بالعروة الوثقى.

стр. 11764

(وطور سينين) وهو الجبل الذي كلم الله عليه موسى ﵇ اسمه الطور، ومعنى سينين المبارك الحسن بلغة الحبشة قاله قتادة، وقال مجاهد هو المبارك بالسريانية وقال مجاهد والكلبي سينين كل جبل فيه شجر مثمر فهو سينين وسينا بلغة النبط، قال الأخفش طور جبل وسينين شجر، واحدته سينة.

стр. 11765

قال أبو علي الفارسي سينين فعليل فكررت اللام التي هي نون فيه ولم ينصرف سينين كما لم ينصرف سينا لأنه جعل اسماً للبقعة. وإنما أقسم بهذا الجبل لأنه بالشام وهي الأرض المقدسة كما في قوله (إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله) وأعظم بركة حلت به ووقعت عليه تكليم الله لموسى ﵇، قرأ الجمهور سينين بكسر السين وقرىء بفتحها وهي لغة بكر وتميم، وقرىء سيناء بالكسر والمد، وهذه لغات اختلفت في هذا الإسم السرياني على عادة العرب في تلاعبها بالأسماء العجمية.
следующие страницы →