(والتين) قال أكثر المفسرين هو التين الذي يأكله الناس، وإنما أقسم بالتين لأنه فاكهة مخلصة من شوائب التنغيص، وفيها أعظم عبرة لدلالتها على من هيأها لذلك وجعلها على مقدار اللقمة.
قال كثير من أهل الطب: إن التين أنفع الفواكه للبدن وأكثرها غذاء، وذكروا له فوائد كما في كتب المفردات والمركبات وهو غذاء ودواء.
أما كونه غذاء فالأطباء زعموا أنه طعام لطيف سريع الهضم لا يمكث في المعدة يلين الطبع ويخرج بطريق الرشح، ويقلل البلغم ويطهر الكليتين ويزيل ما في المثانة من الرمل، ويسمن البدن، ويفتح مسام الكبد وسدده والطحال ويقطع البواسير، ويزيل نكهة الفم، ويطول الشعر، وهو أمان من الفالج.
وأما كونه دواء فلأنه سبب في إخراج فضلات البدن وهو مأكول الظاهر والباطن دون غيره كالجوز والتمر.
والتين في النوم رجل غير جبار، ومن نالها في المنام نال مالاً ومن أكلها مناماً رزقه الله أولاداً، وتستر آدم بورق التين حين فارق الجنة، ويشبه فواكه الجنة لأنه بلا عجم وفاكهة طيبة لا فضل له ينفع من النقرس.
وقال الضحاك: التين المسجد الحرام، وقيل: مسجد أصحاب الكهف، وقال ابن زيد: مسجد دمشق، وقال قتادة التين الجبل الذي عليه
стр. 11763
دمشق، وقال عكرمة وكعب الأحبار: التين دمشق، وعن ابن عباس: قال التين بلاد الشام، وفي سنده مجهول وعنه قال مسجد نوح الذي بني على الجودي، وعنه قال الفاكهة التي يأكلها الناس.
(والزيتون) وهو الذي يعصرون منه الزيت الذي هو إدام غالب البلدان ودهنهم ويدخل في كثير من الأدوية، وقال الضحاك المسجد الأقصى، وقال ابن زيد مسجد بيت المقدس، وقال قتادة الجبل الذي عليه بيت المقدس، وقال عكرمة وكعب الأحبار بيت المقدس، وعن ابن عباس قال بلاد فلسطين وفي سنده مجهول، وقال أيضاًً بيت المقدس.
وليت شعري ما الحامل لهؤلاء الأئمة على العدول عن المعنى الحقيقي في اللغة العربية والعدول إلى هذه التفسيرات البعيدة عن المعنى، المبنية على خيالات لا ترجع إلى عقل ونقل، وأعجب من هذا اختيار ابن جرير للآخر منها مع طول باعه في علم الرواية والدراية، قال الفراء؛ سمعت رجلاً يقول التين جبال حلوان إلى همدان، والزيتون جبال الشام.
قلت هب إنك سمعت هذا الرجل فكان ماذا، فليس بمثل هذا تثبت اللغة، ولا هو نقل عن الشارع، وقال محمد بن كعب الزيتون مسجد إيليا، وقيل إنه على حذف مضاف أي ومنابت التين والزيتون، قال النحاس لا دليل على هذا من ظاهر التنزيل ولا من قول من لا يجوز خلافه.
قال الرازي أما الزيتون فهو فاكهة من وجه ودواء من وجه، ويستصبح به، ومن رأى ورق الزيتون في المنام استمسك بالعروة الوثقى.
стр. 11764
(وطور سينين) وهو الجبل الذي كلم الله عليه موسى ﵇ اسمه الطور، ومعنى سينين المبارك الحسن بلغة الحبشة قاله قتادة، وقال مجاهد هو المبارك بالسريانية وقال مجاهد والكلبي سينين كل جبل فيه شجر مثمر فهو سينين وسينا بلغة النبط، قال الأخفش طور جبل وسينين شجر، واحدته سينة.
стр. 11765
قال أبو علي الفارسي سينين فعليل فكررت اللام التي هي نون فيه ولم ينصرف سينين كما لم ينصرف سينا لأنه جعل اسماً للبقعة.
وإنما أقسم بهذا الجبل لأنه بالشام وهي الأرض المقدسة كما في قوله (إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله) وأعظم بركة حلت به ووقعت عليه تكليم الله لموسى ﵇، قرأ الجمهور سينين بكسر السين وقرىء بفتحها وهي لغة بكر وتميم، وقرىء سيناء بالكسر والمد، وهذه لغات اختلفت في هذا الإسم السرياني على عادة العرب في تلاعبها بالأسماء العجمية.
стр. 11766
(وهذا البلد الأمين) يعني مكة سماه أميناً لأنه آمن كما قال الله تعالى (إنا جعلنا حرماً آمناً) يقال أمن الرجل أمانة فهو أمين، قال الفراء وغيره الأمين بمعنى الآمن أو فعيل بمعنى مفعول من أمنه لأنه مأمون الغوائل، قال ابن عباس أي مكة يعنى لأمن الناس فيها جاهلية وإسلاماً (١).
стр. 11767
(لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم) هذا جواب القسم أي خلقنا جنس الإنسان كائناً في أحسن تقويم وتعديل لصورته، وقال ابن عباس في أحسن خلق.
قال الواحدي قال المفسرون: إن الله خلق كل ذي روح مكباً على وجهه إلا الإنسان خلقه مديد القامة يتناول مأكوله بيده، مزيناً بالعلم والفهم
стр. 11768
والنطق والعقل، والتمييز والأدب، فهو أحسن الخلق بحسب الظاهر والباطن، ومعنى التقويم التعديل يقال قومته فاستقام والمراد القوام لأن التقويم فعل الباري تعالى.
قال القرطبي هو اعتداله واستواء شأنه، كذا قال عامة المفسرين، قال ابن العربي: ليس لله تعالى خلق أحسن من الإنسان فإن الله خلقه حياً عالماً قادراً مريداً متكلماً سميعاً بصيراً مدبراً حكيماً، وهذه صفات الرب سبحانه وعليها حمل بعض العلماء قوله ﵌ " إن الله خلق آدم على صورته " يعني على صفاته التي تقدم ذكرها.
قلت وينبغي أن يضم إلى كلامه هذا قوله سبحانه (ليس كمثله شيء) وقوله (ولا يحيطون به علماً).
ومن أراد أن يقف على حقيقة ما اشتمل عليه الإنسان من بديع الخلق وعجيب الصنع فلينظر في كتاب العبر والإعتبار للجاحظ، وفي الكتاب الذي عنده النيسابوري على قوله (وفي أنفسكم أفلا تبصرون) وهو في مجلدين ضخمين.
روي أن رجلاً قال لامرأته إن لم تكوني أحسن من القمر فأنت طالق فأفتى بعض أهل العلم بأنها صارت مطلقة، وقال الشافعي لم تطلق لأنها من جنس الإنسان، والله تعالى يقول (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم) فلو كان القمر أحسن صورة من الإنسان لم يصفه الله سبحانه بأحسن تقويم، ولنعم ما قيل:
ما أنت مادحها يا من يشبهها ... بالشمس والبدر لا بل أنت هاجيها (١)
من أين للشمس خال فوق وجنتها ... ومضحك من نظام الدر في فيها
من أين للبدر أجفان مكحلة ... بالسحر والغنج تجري في حواشيها
стр. 11769
(ثم رددناه أسفل سافلين) أي رددناه إلى أرذل العمر، قاله ابن عباس وهو الهرم والضعف بعد الشباب والقوة حتى يصير كالصبي فيخرف وينقص عقله، كذا قال جماعة من المفسرين، قال الواحدي: والسافلون هم الضعفاء والزمناء والأطفال، والشيخ الكبير أسفل هؤلاء جميعاً لأنه لا يستطيع حيلة ولا يهتدي سبيلاً لضعف بدنه وسمعه وبصره وعقله، قاله الخازن.
وقال مجاهد وأبو العالية والحسن: المعنى ثم رددنا الكافر إلى النار، وذلك أن النار درجات بعضها أسفل من بعض فالكافر يرد إلى أسفل الدرجات السافلة، ولا ينافي هذا قوله تعالى (إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار) فلا مانع من كون الكفار والمنافقين مجتمعين في ذلك الدرك الأسفل.
وقوله أسفل سافلين إما حال من المفعول أي رددناه حال كونه أسفل سافلين أو صفة لمقدر محذوف أي مكاناً أسفل سافلين.
стр. 11770
(إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات) هذا الاستثناء منقطع على القول الأول أي لكن الذين آمنوا الخ ووجهه أن الهرم والرد إلى أرذل العمر يصاب به المؤمن كما يصاب به الكافر فلا يكون لاستثناء المؤمنين على وجه الإتصال معنى، وعلى القول الثاني متصل من ضمير رددناه فإنه في معنى الجمع أي رددنا الإنسان أسفل سافلين من النار إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات.
وقال الشهاب الإستثناء منقطع لأنه لم يقصد إخراجهم من الحكم وهو مدار الاتصال والانقطاع كما صرح به في الأصول لا الخروج والدخول كما توهم، فلا يرد عليه أنه كيف يكون منقطعاً مع أنهم مردودون أيضاًً فهو للإستدراك لدفع ما يتوهم من أن التساوي في أرذل العمر يقتضي التساوي في غيره، ويكون (الذين) حينئذ مبتدأ والفاء داخلة في خبره لا للتفريع كما في الإتصال، وقيل المعنى رددناه إلى الضلال كما قال (إن الإنسان لفي خسر إلا
стр. 11771
الذين آمنوا وعملوا الصالحات) أي إلا هؤلاء فلا يردون إلى ذلك.
(فلهم أجر غير ممنون) أي غير مقطوع فلهم ثواب دائم غير منقطع على طاعاتهم. فهذه الجملة على القول الأول مبينة لكيفية حال المؤمنين، وعلى الثاني مقررة لا يفيده الإستثناء من خروج المؤمنين عن حكم الرد.
قال ابن عباس في الآية أجر غير منقوص، يقول فإذا بلغ المؤمن أرذل العمر وكان يعمل في شبابه عملاً صالحاً كتب له من الأجر مثل ما كان يعمل في صحته وشبابه ولم يضره ما عمل في كبره، ولم تكتب عليه الخطايا التي يعمل بعد ما يبلغ أرذل العمر، وعنه قال من قرأ القرآن لم يرد إلى أرذل العمر. وذلك قوله (ثم رددناه -إلى قوله- الصالحات) قال لا يكون حتى لا يعلم من بعد علم شيئاًً، وعنه قال يقول إلى الكبر وضعفه فإذا كبر وضعف عن العمل كتب له مثل أجر ما كان يعمل في شبيبته. وأخرج أحمد والبخاري وغيرهما عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ " إذا مرض العبد أو سافر كتب الله له من الأجر مثل ما كان يعمل صحيحاً مقيماً ".
стр. 11772
(فما يكذبك بعد بالدين) الخطاب للإنسان الكافر والإستفهام للتقريع والتوبيخ ولإلزام الحجة أي إذا عرفت أيها الإنسان أن الله خلقك في أحسن تقويم وأنه يردك أسفل سافلين، فما يحملك على أن تكذب بالبعث والجزاء، وعليه ينبغي أن يذهب إلى الإلتفات من الغيبة إلى الخطاب لما جرى من قوله (ولقد خلقنا الإنسان) وعليه جرى في الكشاف.
وقيل الخطاب للنبي ﵌ أي أي شيء يكذبك يا محمد بعد ظهور هذه الدلائل الناطقة فاستيقن مع ما جاءك من الله أنه أحكم الحاكمين، وإلى هذا ذهب القاضى وقدمه على القول الأول.
قال الفراء المعنى فمن يكذبك أيها الرسول بعد هذا البيان بالدين كأنه قال من يقدر على ذلك أي على تكذيبك بالثواب والعقاب بعد ما ظهر من
стр. 11773
قدرتنا على خلق الإنسان ما ظهر، واختار هذا ابن جرير، والدين الجزاء.
стр. 11774
(أليس الله) أي أليس الذي فعل ما فعل مما ذكرنا (بأحكم الحاكمين) صنعاً وتدبيراً، وأقضى القاضين وأصحهم وأنقذهم حكماً وقضاء حتى تتوهم عدم الإعادة والجزاء، وفيه وعيد شديد للكفار، والمعنى اتقن الحاكمين في كل ما يخلق، وقيل أحكم الحاكمين قضاء وعدلاً، والاستفهام إذا دخل على النفي صار الكلام إيجاباً وتقريراً كما تقدم في (ألم نشرح).
وعن أبي هريرة مرفوعاً " من قرأ والتين والزيتون فقرأ أليس الله بأحكم الحاكمين فليقل: بلى وأنا على ذلك من الشاهدين " أخرجه الترمذي وابن مردويه.
وعن جابر مرفوعاً " إذا قرأت التين فقرأت أليس الله الخ فقل بلى " أخرجه ابن مردويه وعن ابن عباس " أنه كان إذا قرأ الآية قال: سبحانك اللهم فبلى " أخرجه ابن جرير وابن المنذر.
стр. 11775
سورة اقرأ
ويقال لها سورة العلق وسورة القلم، وهي تسع عشرة آية وقيل عشرون آية، وهي مكية بلا خلاف وهي أول ما نزل من القرآن، قاله ابن عباس وعن أبي موسى الأشعري قال هي أول سورة أنزلت على محمد ﷺ وعن عائشة - رضي الله تعالى عنها - نحوه.
ويدل على هذا الحديث الطويل الثابت في البخاري ومسلم وغيرهما من حديثها وفيه: فجاءه الحق وهو في غار حراء فقال له الملك اقرأ. الحديث، وفي الباب أحاديث وآثار عن جماعة من الصحابة، وقد ذهب الجمهور إلى أن هذه السورة أول ما نزل من القرآن ثم بعده نون والقلم ثم المزمل ثم المدثر إلى آخر ما ذكره الخازن في أول تفسيره، فإنه استوفى الكلام على ترتيب السورة من جهة النزول بمكة ثم بالمدينة.
قال القاضي أبو بكر بن الطيب ترتيب السور على ما هي عليه اليوم في المصحف كان على وجه الاجتهاد من الصحابة، وذكر
стр. 11776
ذلك مكي في تفسير براءة، وذكر أن ترتيب الآيات ووضع البسملة في الأوائل هو من النبي ﷺ ، ولما لم يؤمر بذلك في أول سورة براءة تركت بلا بسملة وهذا أصح ما قيل في ذلك.
وقال قوم أن ترتيب السورة عن توقيف من أصحاب النبي ﵌ وأما ما روي من اختلاف مصحف أبيّ وعلي وعبد الله فإنما كان قبل عرض القرآن على جبريل في المرة الأخيرة وأن رسول الله ﵌ رتب لهم تأليف السور بعد أن لم يكن فعل ذلك.
روى يونس عن ابن وهب قال سمعت مالكاً يقول إنما ألف القرآن على ما كانوا يسمعونه من رسول الله ﵌ وذكر أبو بكر ابن الأنباري في كتاب الرد أن الله أنزل القرآن جملة إلى سماء الدنيا ثم فرقه على النبي ﷺ في عشرين سنة، فكانت السورة تنزل في أمر يحدث، والآية تنزل جواباً لمستخبر يسأل ويوقف جبريل النبي ﷺ على موضع السورة والآية، فانتظام السور كانتظام الآيات والحروف فكله عن رسول الله خاتم النبيين ﵊ عن رب العالمين، فمن أخر سورة مقدمة أو قدم أخرى مؤخرة كمن أفسد نظم الآيات، وغير الحروف والكلمات، ولا حجة على أهل الحق في تقديم البقرة على الأنعام، والأنعام نزلت قبل البقرة لأن رسول الله ﷺ أخذ عنه هذا الترتيب وهو كان يقول " ضعوا هذه السورة موضع كذا وكذا من القرآن " وكان جبريل ﵇ يوقفه على مكان الآيات، انتهى.
(اقرأ) قرأ الجمهور بسكون الهمزة أمراً من القراءة وقرىء بفتح الراء وكأنه قلب الهمزة ألفاً ثم حذفها للأمر، والأمر بالقراءة يقتضي مقروءاً فالتقدير اقرأ ما يوحى إليك أو ما نزل عليك أو ما أمرت بقراءته.
وقوله (باسم ربك) متعلق بمحذوف هو حال أي اقرأ متلبساً باسم ربك أو مبتدأ به أو مفتتحاً أو الباء زائدة أي اقرأ اسم ربك قاله أبو عبيدة، وقال أيضاًً والاسم صلة أي اذكر ربك، وقيل الباء بمعنى على أي اقرأ على اسم ربك، يقال افعل كذا باسم الله وعلى اسم الله قاله الأخفش، وقيل الباء للاستعانة أي مستعيناً به، وبسم الله تكتب من غير ألف استغناء عنها بباء الإلصاق في اللفظ والخط لكثرة الاستعمال بخلاف قوله تعالى (اقرأ باسم ربك) فإنها لم تحذف فيه لقلة الاستعمال.
عن عبد الله بن شداد قال " أتى جبريل محمداً ﷺ فقال يا محمد اقرأ فقال وما اقرأ فضمه ثم قال يا محمد اقرأ قال وما اقرأ قال اقرأ باسم ربك -حتى بلغ- ما لم يعلم " أخرجه ابن أبي شيبة وابن جرير وأبو نعيم في الدلائل.
وفي الصحيحين وغيرهما من حديث عائشة فجاءه الملك فقال اقرأ فقال قلت ما أنا بقارىء قال فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال
стр. 11779
اقرأ فقلت ما أنا بقارىء فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال اقرأ فقلت ما أنا بقارىء فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد فقال اقرأ باسم ربك الخ ".
ثم الظاهر أن هذه الجملة ليست من القرآن لأن الأمر بتحصيل الشيء غير ذلك الشيء، ولكن قام الإجماع على أنها من جملة القرآن خصوصاً مع إثباتها في المصاحف بخطها سلفاً وخلفاً من غير نكير، فعلم منه أنها من جملة القرآن، تأمل.
قال السيوطي في إتقانه إن أول سورة اقرأ مشتمل على نظير ما اشتملت عليه الفاتحة من براعة الاستهلال لكونها أول ما نزل من القرآن فإن فيها الأمر بالقراءة وفيها البداءة باسم الله وفيها الإشارة إلى علم الأحكام، وفيها ما يتعلق بتوحيد الرب وإثبات ذاته وصفاته من صفة ذات وصفة فعل، وفي هذا الإشارة إلى أصول الدين وفيها ما يتعلق بالإخبار من قوله (علم الإنسان ما لم يعلم) ولهذا قيل إنها جديرة أن تسمى عنوان القرآن لأن عنوان الكتاب يجمع مقاصده بعبارة وجيزة في أوله انتهى ذكره ابن لقيمة في حاشية البيضاوي، والتعرض لعنوان الربوبية المنبئة عن التربية والتبليغ إلى الكمال اللائق شيئاًً فشيئاًً مع الإضافة إلى ضميره ﵌ للإشعار بتبليغه ﵌ إلى الغاية القاصية من الكمالات، البشرية، قاله أبو السعود.
ثم وصف الرب بقوله (الذي خلق) لتذكير أول النعم الفائضة عليه منه تعالى، لأن الخلق هو أعظم النعم وعليه يترتب سائر النعم، قال الكلبي يعني الخلائق وفيه تنبيه على أن من قدر على خلق الإنسان على ما هو عليه من الحياة وما يتبعها من الكمالات قادر على تعليم القراءة.
стр. 11780
(خلق الإنسان من علق) يعني بني آدم، والعلقة الدم الجامد، وإذا جرى فهو المسفوح، وقال من علق يجمع علقة لأن المراد بالإنسان الجنس،
стр. 11781
والمعنى خلق جنس الإنسان من جنس العلق، وإذا كان المراد بقوله (الذي خلق) كل المخلوقات فيكون تخصيص الإنسان بالذكر تشريفاً له لما فيه من بديع الخلق وعجيب الصنع، وإذا كان المراد بالذي خلق، الذي خلق الإنسان فيكون الثاني تفسيراً للأول، والنكتة ما في الإبهام ثم التفسير من التفات الذهن وتطلعه إلى معرفة ما أبهم أولاً ثم فسر ثانياً، وقال من علق ولم يقل من نطفة مراعاة للفواصل.
ثم كرر الأمر بالقراءة للتأكيد والتقرير فقال
стр. 11782
(اقرأ) أي افعل ما أمرت به من القراءة وجملة (وربك الأكرم) مستأنفة لإزاحة ما اعتذر به ﷺ من قوله " ما أنا بقارىء " يريد أن القراءة شأن من يكتب ويقرأ، وهو أمي فقيل له اقرأ وربك الذي أمرك بالقراءة هو الأكرم، قال الكلبي يعني الحليم عن جهل العباد فلم يعجل بعقوبتهم.
وقيل إنه أمره بالقراءة أولاً لنفسه ثم أمره بالقراءة ثانياً للتبليغ، فلا يكون من باب التأكيد والأول أولى، والأكرم صفة تدل على المبالغة في الكرم إذ كرمه يزيد على كل كرم، لأنه ينعم بالنعم التي لا تحصى.
قال في البحر: ومن غريب ما رأينا تسمية النصارى بهذه الصفة التي هي صفة الله تعالى يسمون الأكرم والرشيد وفخر السعداء وسعيد السعداء في ديار مصر ويدعوهم بها المسلون ويزيدون عليها على سبيل التعظيم: الشيخ الأكرم، والشيخ الأسعد والشيخ الرشيد، فيالها من خزي يوم عرض الأقوال والأفعال على الله تعالى.
стр. 11783
(الذي علم بالقلم) أي علم الإنسان الخط بالقلم فكان بواسطة ذلك يقدر على أن يعلم كل مكتوب، قال الزجاج علم الإنسان الكتابة بالقلم قال قتادة: بالقلم نعمة من الله عظيمة لولا ذلك لم يقم دين ولم يصلح عيش، فدل على كمال كرمه بأنه علم عباده ما لم يعلموا ونقلهم من ظلمة الجهل إلى نور العلم، ونبه على فضل علم الكتابة لما فيه من المنافع العظيمة
стр. 11784
التي لا يحيط بها إلا هو، وما دونت العلوم ولا قيدت الحكم ولا ضبطت أخبار الأولين ومقالاتهم، ولا كتب الله المنزلة إلا بالكتابة، ولولا هي ما استقامت أمور الدين ولا أمور الدنيا، ولو لم يكن على دقيق حكمة الله ولطيف تدبيره دليل إلا القلم والخط لكفى به، وسمي قلماً لأنه يقلم أي يقطع وأول من خط به إدريس، وقيل آدم وقد حققنا أحوال القلم وما يتعلق به في كتابنا الأكبر في أصول التفسير فإن شئت فارجع إليه.
وجملة
стр. 11785
(علم الإنسان ما لم يعلم) بدل اشتمال من التي قبلها أي علمه بالقلم من الأمور الكلية والجزئية ما لم يعلم به منها قيل المراد بالإنسان هنا آدم كما في قوله (وعلم آدم الأسماء كلها) وقيل الإنسان هنا هو رسول الله ﷺ ، والأولى حمل الإنسان على العموم، والمعنى أن من علمه الله سبحانه من هذا الجنس بواسطة القلم فقد علمه ما لم يعلم.
стр. 11786
(كلا) ردع وزجر لمن كفر نعم الله عليه بسبب طغيانه وإن لم يتقدم له ذكر، وقيل معناه حقاً، وهو مذهب الكسائي ومن تبعه لأنه ليس قبله ولا بعده شيء يكون (كلا) رداً له كما قالوا في كلا والقمر، ومذهب أبي حيان أنها بمعنى ألا الاستفتاحية وصوبه ابن هشام لكسر همزة إن بعدها أي لكونه مظنة جملة كما بعد حرف التنبيه نحو (ألا إنهم هم المفسدون) ولو كانت بمعنى حقاً لما كسرت إن بعدها لكونها مظنة مفرد، وفي الكواشي يجوز في (كلا) أن تكون تنبيهاً فيقف على ما قبلها، وردعاً فيقف عليها.
ومعنى (إن الإنسان ليطغى) أنه يجاوز الحد ويستكبر على ربه، قيل المراد بالإنسان هنا أبو جهل وهو المراد بهذا وما بعده إلى آخر السورة، وأنه تأخر نزول هذا وما بعده عن الخمس الآيات المذكورة في أول هذه السورة.
وقوله
стр. 11787
(أن رآه استغنى) علة ليطغى أي ليطغى أن رأى نفسه مستغنياً، والرؤية هنا بمعنى العلم ولو كانت بصرية لامتنع الجمع بين الضميرين في فعلها لشيء واحد، لأن ذلك من خواص باب علم ونحوه، قال الفراء: لم يقل رأى نفسه كما قيل قتل نفسه لأن رأى من الأفعال التي ترد
стр. 11788
اسماً وخبراً نحو الظن والحسبان فلا يقتصر فيه على مفعول واحد، والعرب تطرح النفس من هذا الجنس تقول رأيتني وحسبتني ومتى نراك خارجاً ومتى نظنك خارجاً.
قيل والمراد هنا أنه استغنى بالعشيرة والأنصار والأموال، قرأ الجمهور أن رآه بمد الهمزة وقرىء بقصرها، قال مقاتل كان أبو جهل إذا أصاب مالاً زاد في ثيابه ومركبه وطعامه وشرابه فذلك طغيانه وكذا قال الكلبي.
قال الرازي أول السورة يدل على مدح العلم، وآخرها يدل على ذم المال وكفى بذلك مرغباً في الدين والعلم، ومنفراً عن الدنيا والمال.
ثم هدد سبحانه وخوف فقال
стр. 11789
(إن إلى ربك الرجعى) أي المرجع، والرجعى والمرجع والرجوع مصادر، يقال رجع إليه مرجعاً ورجوعاً ورجعى، وتقدم الجار والمجرور للقصر أي الرجعى إليه سبحانه لا إلى غيره، وفيه التفات من الغيبة إلى الخطاب تهديداً له وتحذيراً من عاقبة الطغيان، فإن الله يرده ويرجعه إلى النقصان والفقر والموت كما رده من النقصان إلى الكمال حيث نقله من الجمادية إلى الحيوانية، ومن الفقر إلى الغنى، ومن الذل إلى العز، فما هذا التعزز والقوة، قاله الرازي.
стр. 11790
(أرأيت الذي ينهى عبداً إذا صلى) قال المفسرون الذي ينهى أبو جهل، والمراد بالعبد محمد ﵌، قال ابن عباس هو أبو جهل بن هشام حين رمى رسول الله ﵌ بالسلى (١) على ظهره وهو ساجد لله ، وفيه تقبيح لصنعه وتشنيع لفعله، حتى كأنه بحيث يراه كل من تتأتى منه الرؤية.
وعن ابن عباس قال: قال أبو جهل: لئن رأيت محمداً يصلي عند الكعبة لأطأن عنقه فبلغ النبي ﷺ فقال لو فعل لأخذته الملائكة عياناً.
(أرأيت إن كان على الهدى) يعني العبد المنهي إذا صلى، وهو محمد صلى الله عليه وآله وسلم
стр. 11793
(أو أمر بالتقوى) أي بالإخلاص والتوحيد والعمل الصالح الذي تتقي به النار.
стр. 11794
(أرأيت إن كذب وتولى) يعني أبا جهل كذب بما جاء به رسول الله ﵌ وتولى عن الإيمان، وقوله (أرأيت) في الثلاثة المواضع بمعنى أخبرني، لأن الرؤية لما كانت سبباً للأخبار عن المرئي أجرى الاستفهام عنها مجرى الاستفهام عن متعلقها، والخطاب لكل من يصلح له.
وقد ذكر هنا أرأيت ثلاث مرات، وصرح بعد الثالثة منها بجملة استفهامية فيكون في موضع المفعول الثاني لها، ومفعولها الأول محذوف وهو ضمير يعود على الذي ينهى الواقع مفعولاً أول لأرأيت الأولى، ومفعول أرأيت الأولى الثاني محذوف وهو جملة استفهامية كالجملة الواقعة بعد أرأيت الثانية، وأما أرأيت الثانية فلم يذكر لها مفعول لا أول ولا ثان، حذف الأول لدلالة مفعول أرأيت الثالثة عليه، فقد حذف الثاني من الأولى، والأول من الثالثة، والاثنان من الثانية، وليس طلب كل من رأيت للجملة الاستفهامية على سبيل التنازع، لأنه يستدعي إضماراً، والجمل لا تضمر إنما تضمر المفردات، وإنما ذلك من باب الحذف للدلالة.
وأما جواب الشرط المذكور مع أرأيت في الموضعين الأخيرين فهو محذوف تقديره إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى.
стр. 11795
(ألم يعلم بأن الله يرى) وإنما حذف لدلالة ذكره في جواب الشرط
стр. 11796
الثاني، ومعنى ألم يعلم الخ أي ألم يطلع على أحواله فيجازيه بها فكيف اجترأ على ما اجترأ عليه، والاستفهام للتقريع والتوبيخ، وقيل أرأيت الأولى مفعولها الأول الموصول ومفعولها الثاني الشرطية الأولى بجوابها المحذوف المدلول عليه بالمذكور، وأرأيت في الموضعين تكرير للتأكيد، وقيل كل واحد من أرأيت بدل من الأولى، وألم يعلم بأن الله يرى: الخبر.
стр. 11797
(كلا) ردع للناهي ومنع له عن نهيه، واللام في (لئن لم ينته) هي الموطئة للقسم أي والله لئن لم ينته عما هو عليه ولم ينزجر (لنسفعاً بالناصية) السفع الجذب الشديد، ويقال سفعت الشيء إذا قبضته وجذبته، ويقاك سفع بناصية فرسه.
قال الراغب: السفع الأخذ بسفعة الفرس أي بسواد ناصيته، وباعتبار السواد قيل به سفعة غضب، اعتباراً بما يعلو من اللون الدخاني من اشتد به الغضب، وقيل للصقر أسفع لما فيه من لمع السواد، أو امرأة سفعاء اللون. انتهى.
وقيل مأخوذ من سفعته النار والشمس إذا غيرت وجهه إلى سواد، والمعنى لنأخذن بناصيته ولنجرنه إلى النار، وهذا كقوله (فيؤخذ بالنواصي والأقدام) وقيل في الدنيا يوم بدر فقد جره المسلمون إلى القتل فقتله ابن مسعود وهو طريح بين الجرحى وبه رمق وهو يخور، وعبر بالناصية عن جميع الشخص، واكتفى بتعريف العهد عن الإضافة لأنه علم أنها ناصية الناهي.
стр. 11798
(ناصية) وهي شعر مقدم الرأس، وإنما أبدل النكرة من المعرفة لوصفها بقوله (كاذبة) أي في قولها (خاطئة) في فعلها، وهذا على مذهب الكوفيين، فإنهم لا يجيزون إبدال النكرة من المعرفة إلا بشرط وصفها، وأما على مذهب البصريين فيجوز بلا شرط.
قرأ الجمهور بالجر وقرىء بالرفع على إضمار مبتدأ أي هي ناصية، وقرىء بالنصب على الذم، قال مقاتل أخبر عنه بأنه فاجر خاطىء فقال ناصية
стр. 11799
كاذبة خاطئة، تأويلها صاحبها كاذب خاطىء، وفي هذا الإسناد المجازي من الحسن والجزالة ما ليس في قولك ناصية كاذب خاطىء.
стр. 11800
(فليدع ناديه) أي أهل ناديه لأن النادي هو المجلس الذي يجلس وينتدي فيه القوم ويجتمعون فيه من الأهل والعشيرة، ولا يسمى المكان نادياً حتى يكون فيه أهله، والمعنى ليدع عشيرته وأهله ليعينوه وينصروه، قيل إن أبا جهل قال لرسول الله ﷺ أتهددني وأنا أكثر أهل الوادي نادياً فنزلت (فليدع ناديه) قال ابن عباس أي ناصره.