(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) الضمير يجوز أن يكون عائداً إلى ما يفهم من السياق لما قدمنا من بيان سبب النزول وإن المشركين قالوا يا محمد انسب لنا ربك فيكون مبتدأ، والله مبتدأ ثان واحداً خبر المبتدأ الثاني، والجملة خبر المبتدأ الأول، ويجوز أن يكون الله بدلاً من هو والخبر أحد، ويجوز أن يكون الله خبراً أول وأحد خبراً ثانياً، ويجوز أن يكون أحد خبراً لمبتدأ محذوف أي هو أحد، ويجوز أن يكون هو ضمير شأن لأنه موضع تعظيم، والجملة بعده مفسرة له وخبر عنه والأول أولى.
قال الزجاج هو كناية عن ذكر الله والمعنى أن ما سألتم تبيين نسبته هو الله أحد، قيل وهمزة أحد بدل من الواو وأصله واحد، ومن جملة القائلين بالقلب الخليل، وقال أبو البقاء همزة أحد أصل بنفسها غير مقلوبة، وذكر أن أحد يفيد العموم دون واحد.
ومما يفيد الفرق بينهما ما قاله الأزهري أنه لا يوصف بالأحدية غير الله تعالى، لا يقال رجل أحد ولا درهم أحد كما يقال رجل واحد ودرهم واحد، قيل والواحد يدخل في الأحد والأحد لا يدخل فيه، فإذا قلت لا يقاومه واحد جاز أن يقال لكنه يقاومه إثنان بخلاف قولك لا يقاومه أحد.
وفرق ثعلب بين واحد وبين أحد بأن الواحد يدخل في العدد، وأحد لا يدخل فيه ورد عليه أبو حيان بأنه يقال أحد وعشرون ونحوه فقد دخله العدد، وهذا كما ترى انتهى.
стр. 12007
وذكر أحد في الإثبات مع أن المشهور أنه يستعمل بعد النفي كما أن الواحد لا يستعمل إلا بعد الإثبات يقال في الدار واحد وما في الدار أحد.
فالجواب عنه ما قال ابن عباس أنه لا فرق بينهما في المعنى، واختاره أبو عبيدة ويؤيده قوله تعالى (فابعثوا أحدكم بورقكم) وعليه فلا يختص أحدهما بمحل دون آخر، وإن اشتهر استعمال أحدهما في النفي والآخر في الإثبات.
ويجوز أن يكون العدول عن المشهور هنا رعاية الفاصلة بعد فدل بقوله (الله) على جميع صفات الكمال وهي الثبوتية كالعلم والقدرة والإرادة وبالأحد على صفات الجلال وهي الصفات السلبية كالقدم والبقاء كذا قال الكرخي.
قرأ الجمهور قل هو الله بإثبات قل، وقرأ ابن مسعود وأبيّ (الله أحد) بدون قل، وقرىء (قل هو الله الواحد) وقرأ الجمهور بتنوين أحد وهو الأصل وقرىء بحذفه للخفة، وقيل إن ترك التنوين لملاقاته لام التعريف فيكون الترك لأجل الفرار من التقاء الساكنين، ويجاب عنه بأن الفرار من التقاء الساكنين قد حصل مع التنوين بتحريك الأول منهما بالكسر.
стр. 12008
(الله الصمد) الإسم الشريف مبتدأ والصمد خبره، والصمد هو الذي يصمد إليه في الحاجات أي يقصد لكونه قادراً على قضائها فهو فعل بمعنى مفعول كالقبض بمعنى المقبوض، لأنه مصمود إليه أي مقصود إليه.
قال الزجاج: الصمد السيد الذي انتهى إليه السؤدد فلا سيد فوقه، وقيل معنى الصمد الدائم الباقي الذي لم يزل ولا يزول، وقيل معنى الصمد ما ذكر بعده من أنه الذي لم يلد ولم يولد، وقيل هو المستغني عن كل أحد، والمحتاج إليه كل أحد، وقيل هو المقصود في الرغائب والمستعان به في المصائب، وهذان القولان يرجعان إلى معنى القول الأول، وقيل هو الذي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وقيل هو الكامل الذي لا عيب فيه.
وقال الحسن وعكرمة والضحاك وسعيد بن جبير وسعيد بن المسيب
стр. 12009
ومجاهد وعبد الله بن بريدة وعطاء وعطية العوفي والسدي: (الصمد) هو المصمت الذي لا جوف له، وهذا لا ينافي القول الأول لجواز أن يكون هذا أصل معنى الصمد ثم استعمل في السيد المصمود إليه في الحوائج، ولهذا أطبق على القول الأول أهل اللغة وجمهور أهل التفسير.
وتكرير الإسم الجليل للإشعار بأن من لم يتصف بذلك فهو بمعزل عن استحقاق الألوهية، وحذف العاطف من هذه الجملة لأنها كالنتيجة للجملة الأولى.
وقيل أن الصمد صفة للإسم الشريف، والخبر هو ما بعده والأول أولى لأن السياق يقتضي استقلال كل جملة.
وعن بريد قال: (الصمد) الذي لا جوف له وروي عنه مرفوعاً ولا يصح رفعه وعن ابن مسعود مثله وفي لفظ ليس له أحشاء، وعن ابن عباس مثله، وعنه قال الصمد الذي لا يطعم وهو المصمت، وقد روي عنه أنه الذي يصمد إليه في الحوائج، وفي لفظ الصمد السيد الذي قد كمل في سؤدده الشريف الذي قد كمل في شرفه، والعظيم الذي قد كمل في عظمته، والحليم الذي قد كمل في حلمه، والغني الذي قد كمل في غناه، والجبار الذي قد كمل في جبروته، والعالم الذي قد كمل في علمه، والحكيم الذي قد كمل في حكمته، وهو الذي قد كمل في أنواع الشرف والسؤدد، وهو الله سبحانه، هذه صفة لا تنبغي إلا له، ليس له كفء وليس كمثله شيء.
وعن ابن مسعود قال الصمد وهو السيد الذي قد انتهى سؤدده فلا شيء أسود منه، وعن ابن عباس قال الصمد الذي تصمد إليه الأشياء إذا نزل بهم كربة أو بلاء.
стр. 12010
(لم يلد ولم يولد) أي لم يصدر عنه ولد كما ولدت مريم. ولم يصدر هو عن شيء كما ولد عيسى وعزير لأنه لا يجانسه شيء، ولاستحالة نسبة العدم إليه سابقاً ولاحقاً وقد دل على هذا قوله تعالى (أنى يكون له ولد ولم
стр. 12011
تكن له صاحبة) قال قتادة إن مشركي العرب قالوا الملائكة بنات الله، وقالت اليهود عزير ابن الله، وقالت النصارى المسيح ابن الله، فأكذبهم الله فقال لم يلد ولم يولد.
قال الرازي قدم ذكر نفي الولد مع أن الوالد مقدم للإهتمام لأجل ما كان يقوله الكفار من المشركين الملائكة بنات الله واليهود عزير ابن الله والنصارى المسيح ابن الله، ولم يدع أحد أن له والداً فلهذا السبب بدأ بالأهم فقال لم يلد.
ثم أشار إلى الحجة فقال ولم يولد كأنه قيل الدليل على امتناع الولد اتفاقنا على أنه ما كان ولداً لغيره، وإنما عبر سبحانه بما يفيد انتفاء كونه لم يلد ولم يولد في الماضي ولم يذكر ما يفيد انتفاء كونه كذلك في المستقبل لأنه ورد جواباً عن قولهم (ولد الله) كما حكى الله عنهم بقوله ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله.
فلما كان المقصود من هذه الآية تكذيب قولهم وهم إنما قالوا ذلك بلفظ يفيد المنفي فيما مضى وردت الآية لدفع قولهم هذا.
стр. 12012
(ولم يكن له كفواً أحد) هذه الجملة مقررة لمضمون ما قبلها لأنه سبحانه إذا كان متصفاً بالصفات المتقدمة كان متصفاً بكونه لم يكافئه أحد ولم يماثله ولا يشاركه في شيء، وآخر اسم كان لرعاية الفواصل.
وقوله (له) متعلق بقوله كفواً قدم عليه لرعاية الاهتمام لأن المقصود نفي المكافأة عن ذاته. وقيل أنه في محل نصب على الحال والأول أولى.
وقد رد المبرد على سيبويه بهذه الآية لأن سيبويه قال: إنه إذا تقدم الظرف كان هو الخبر وههنا لم يجعل خبراً مع تقدمه، وقد رد على المبرد بوجهين.
(أحدهما) أن سيبويه لم يجعل ذلك حتماً بل جوزه.
стр. 12013
(والثاني) أنا لا نسلم كون الظرف هنا ليس بخبر بل يجوز أن يكون خبراً ويكون كفواً منتصباً على الحال.
وحكي في الكشاف عن سيبويه أن الكلام العربي الفصيح أن يؤخر الظرف الذي هو لغو غير مستقر، واقتصر في هذه الحكاية على نقل أول كلام سيبويه ولم ينظر إلى آخره فإنه قال في آخر كلامه: والتقديم والتأخير والإلغاء والاستقرار عربي جيد كثير انتهى.
قال الشهاب ولعل الوصل بين هذه الجمل الثلاث وهي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد بالعاطف دون ما عداها من هذه السورة لأنها سيقت لمعنى وغرض واحد وهو نفي المماثلة والمناسبة عنه تعالى بوجه من الوجوه وهذه أقسامها لأن المماثل إما ولد أو والد أو نظير، فلتغاير الأقسام واجتماعها في المقسم لزم العطف فيها بالواو وكما هو مقتضى قواعد المعاني. وترك العطف في الله الصمد لأنه محقق ومقرر لما قبله. وكذا ترك العطف في لم يلد لأنه مؤكد للصمدية لأن الغني عن كل شيء المحتاج إليه كل ما سواه لا يكون والداً ولا مولوداً انتهى.
قرأ الجمهور كفواً بضم الكاف والفاء وتسهيل الهمزة، وقرأ الأعرج وسيبويه ونافع في رواية عنه بإسكان الفاء مع إبدال الهمزة واواً في الوقف وأبدلت الواو وصلاً ووقفاً أيضاً وقرىء كفاً بكسر الكاف وفتح الفاء من غير مد وكذلك مع المد، والكفء في لغة العرب النظير، تقول هذا كفؤك أي نظيرك والاسم الكفاءة بالفتح قال ابن عباس ليس له كفء ولا مثل، ومن زعم أن نفي الكفء وهو المثل في الماضي لا يدل على نفيه للحال والكفار يدعونه في الحال فقد تاه في غيه، لأنه إذا لم يكن فيما مضى لم يكن في الحال ضرورة إذ الحادث لا يكون كفاً للقديم، وحاصل كلام الكفرة يؤول إلى الإشراك والتشبيه والتعطيل والسورة الكريمة تدفع الكل.
أخرج البخاري عن أبي هريرة أن النبي ﵌ قال
стр. 12014
" كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك وشتمني ولم يكن له ذلك: فأما تكذيبه إياي فقوله لن يعيدني كما بدأني وليس أول الخلق بأهون عليّ من إعادته، وأما شتمه إياي فقوله اتخذ الله ولداً وأنا الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد ".
стр. 12015
سورة الفلق
هي خمس آيات وهي مكيّة في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر، ومدنية في أحد قول ابن عباس وقتادة قيل وهو الصحيح، وعن ابن مسعود أنه كان يحك المعوذتين من المصحف يقول لا تخلطوا القرآن بما ليس منه أنهما ليستا من كتاب الله إنما أمر النبي ﵌ أن يتعوذ بهما وكان ابن مسعود لا يقرأ بهما أخرجه أحمد والطبراني وابن مردويه من طرق قال السيوطي صحيحة، قال البزار لم يتابع ابن مسعود أحد من الصحابة، وقد صح عن النبي ﵌ أنه قرأ بهما في الصلاة وأثبتتا في المصحف.
وأخرج أحمد والبخاري والنسائي وغيرهم عن زر بن حبيش قال أتيت المدينة فلقيت أبيّ بن كعب فقلت له أبا المنذر، " إني رأيت ابن مسعود لا يكتب المعوذتين في مصحفه، فقال أما والذي بعث محمداً ﵌ بالحق لقد سألت رسول الله ﵌ عنهما وما سألني عنهما أحد منذ سألته غيرك، قال قيل لي قل فقلت فقولوا فنحن نقول كما قال رسول الله ﵌ ".
قال القرطبي زعم ابن مسعود أن هاتين السورتين دعاء يتعوذ به وليستا من القرآن وقد خالف الإجماع من الصحابة وأهل البيت.
стр. 12016
وقال ابن قتيبة لم يكتب ابن مسعود المعوذتين في مصحفه لأنه كان يسمع رسول الله ﷺ يعوذ الحسن والحسين بهما فقدر أنهما بمنزلة " أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة ".
قال أبو بكر بن الأنباري وهذا مردود على ابن قتيبة لأن المعوذتين من كلام رب العالمين المعجز لجميع المخلوقين، وأعيذكما الخ من كلام البشر، وكلام الخالق الذي هو آية لمحمد - صلى الله عليه وآله - وحجة له باقية على جماعة الكافرين لا يلتبس بكلام الآدميين فضلاً عن مثل عبد الله بن مسعود الفصيح اللسان العالم باللغة العارف بأجناس الكلام وأفانين القول.
وقال بعض الناس لم يكتب عبد الله المعوذتنين لأنه أمن عليهما من النسيان فأسقطهما وهو يحفظهما كما أسقط فاتحة الكتاب من مصحفه.
وأخرج مسلم والترمذي والنسائي وغيرهم عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ " أنزلت عليّ الليلة آيات لم أر مثلهن قط، (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) و (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) ".
وأخرج الترمذي وحسنه وابن مردويه والبيهقي عن أبي سعيد الخدري قال: " كان رسول الله ﷺ يتعوذ من عين الجان ومن عين الإنس، فلما نزلت سورة المعوذتين أخذ بهما وترك ما سوى ذلك ".
وعن ابن مسعود " أن النبي ﷺ كان يكره عشر خصال ومنها أنه كان يكره الرقي إلا بالمعوذتين " أخرجه أبو داود والنسائي والحاكم وصححه.
وعن أم سلمة قالت: قال رسول الله ﷺ " من أحب السور إلى الله (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) و (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) " أخرجه ابن مردويه.
وعن عائشة قالت " إن رسول الله ﷺ كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذتين وينفث فلما اشتد وجعه كنت اقرأ
стр. 12017
عليه وأمسح بيده عليه رجاء بركتها " أخرجه مالك في الموطأ وهو في الصحيحين من طريق مالك.
وعن زيد بن أرقم قال: " سحر النبي ﷺ رجل من اليهود فاشتكى فأتاه جبريل فنزل عليه بالمعوذتين وقال إن رجلاً من اليهود سحرك والسحر في بئر فلان، فأرسل علياً فجاء به فأمره أن يحل العقد ويقرأ بآية ويحل حتى قام النبي ﵌ كأنما نشط من عقال " أخرجه عبد بن حميد في مسنده وأخرجه ابن مردويه من حديث عائشة مطولاً وكذلك من حديث ابن عباس.
قيل وكانت مدة سحره ﷺ أربعين يوماً وقيل ستة أشهر وقيل عاماً قال الحافظ ابن حجر وهو المعتمد.
قال الراغب تأثير السحر في النبي ﷺ لم يكن من حيث أنه نبي، وإنما كان في بدنه حيث أنه إنسان أو بشر كما كان يأكل ويتغوط ويغضب ويشتهي ويمرض فتأثيره فيه من حيث هو بشر لا من حيث هو نبي.
وإنما يكون ذلك قادحاً في النبوة لو وجد للسحر تأثير في أمر يرجع للنبوة كما أن جرحه وكسر ثنيته يوم أحد لم يقدح فيما ضمن الله له من عصمته في قوله (والله يعصمك من الناس) وكما لا اعتداد بما يقع في الإسلام من غلبة بعض المشركين على بعض النواحي فيما ذكر من كمال الإسلام في قوله تعالى (اليوم أكملت لكم دينكم).
قال القاضي ولا يجب ذلك صدق الكفرة في أنه مسحور لأنهم أرادوا به أنه مجنون بواسطة السحراء.
ومذهب أهل السنة أن السحر حق وله حقيقة ويكون بالقول والفعل، ويؤلم ويمرض ويقتل ويفرق بين الزوجين، وتمام الكلام على هذا في حاشية سليمان الجمل فارجع إليه.
وقد ورد في فضل المعوذتين وفي قراءة رسول الله ﷺ لهما في الصلاة وغيرها أحاديث، وفيما ذكرناه كفاية.
(قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) الفلق الصبح يقال هو أبين من فلق الصبح، وسمي فلقاً لأنه يفلق عنه الليل وهو فعل بمعنى مفعول، قال الزجاج لأن الليل ينفلق عنه الصبح ويكون بمعنى مفعول وهذا قول جمهور المفسرين، وقيل هو سجن في جهنم، وقيل هو اسم من أسماء جهنم وقيل شجرة في النار، وقيل هو الجبال والصخور لأنها تفلق بالمياه أي تشقق، وقيل هو التفليق بين الجبال لأنها تنشق من خوف الله.
قال النحاس يقال لكل ما اطمأن من الأرض فلق، وقيل هو كل ما انفلق عن جميع ما خلق الله من الحيوان والصبح والحب والنوى وكل شيء من نبات وغيره، قاله الحسن والضحاك.
قال القرطبي: هذا القول يشهد له الإنشقاق فإن الفلق الشق يقال فلقت الشيء فلقاً شققته والتفليق مثله يقال فلقته فانفلق وتفلق فكل ما انفلق عن شيء من حيوان وصبح وحب ونوى وماء فهو فلق، قال الله سبحانه (فَالِقُ الْإِصْبَاحِ) وقال (فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى) انتهى.
والقول الأول أولى لأن المعنى وإن كان أعم منه وأوسع مما تضمنه لكنه المتبادر عند الإطلاق، وقد قيل في وجه تخصيص الفلق الإيماء إلى أن القادر على إزالة هذه الظلمات الشديدة عن كل هذا العالم يقدر أيضاًً أن يدفع عن العائذ كل ما يخافه ويخشاه وقيل طلوع الصبح كالمثال لمجيء الفرج فكما أن الإنسان في الليل يكون منتظراً لطلوع الصباح كذلك الخائف يكون مترقباً لطلوع صباح النجاح.
стр. 12020
وقيل غير هذا مما هو مجرد بيان مناسبة ليس فيها كثير فائدة تتعلق بالتفسير.
عن عمرو بن عبسة قال: صلى بنا رسول الله ﷺ فقرأ (قل أعوذ برب الفلق) وقال يا ابن عبسة أتدري ما الفلق؟ قلت الله ورسوله أعلم قال بئر في جهنم " أخرجه ابن مردويه، وأخرجه ابن أبي حاتم موقوفاً عليه غير مرفوع.
وعن عقبة بن عامر قال: قال لي رسول الله ﵌ " اقرأ (قل أعوذ برب الفلق) هل تدري ما الفلق، باب في النار إذا فتح سعرت جهنم " أخرجه ابن مردويه.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: " سألت رسول الله ﷺ عن قول الله (قل أعوذ برب الفلق) فقال هو سجن في جهنم يحبس فيه الجبارون والمستكبرون وأن جهنم لتتعوذ بالله منه " أخرجه ابن مردويه والديلمي.
وعن أبي هريرة عن النبي ﵌ قال " الفلق جب في جهنم " أخرجه ابن جرير.
وهذه الأحاديث لو كانت صحيحة ثابتة عن رسول الله ﷺ لكان المصير إليها واجباً، والقول بها متعيناً.
وعن ابن عباس قال الفلق سجن في جهنم، وعن جابر بن عبد الله قال الفلق الصبح، وعن ابن عباس أيضاًً الفلق الخلق.
стр. 12021
(من شر ما خلق) متعلق بأعوذ أي أعوذ بالله من شر كل ما خلقه من جميع مخلوقاته فيعم جميع الشرور، فهذا عام وما بعده من الشرور الثلاثة خاص فهو من ذكر الخاص بعد العام، وقيل هو إبليس وذريته، وقيل جهنم، ولا وجه لهذا التخصيص كما أنه لا وجه لتخصيص من خصص هذا العموم بالمضار البدنية.
стр. 12022
وقد حرف بعض المتعصبين هذه الآية مدافعة عن مذهبه، وتقويماً لباطله، فقرأ بتنوين شر على أن ما نافية، والمعنى من شر لم يخلقه، ومنهم عمرو بن عبيد وعمرو بن فائد، وفي المدارك قرأ أبو حنيفة رحمه الله تعالى من شر بالتنوين (وما) على هذا مع الفعل بتأويل المصدر في موضع الجر بدل من شر أي شر خلقه أي من خلق شر أو ما زائدة انتهى وفيه أيضاًً بعد وضعف كما ترى.
стр. 12023
(ومن شر غاسق إذا وقب) الغاسق الليل والغسق الظلمة، قال الفراء يقال غسق الليل وأغسق إذا أظلم، وقال الزجاج: قيل لليل غاسق لأنه أبرد من النهار والغاسق البارد، والغسق البرد، ولأن في الليل تخرج السباع من آجامها والهوام من أماكنها وينبعث أهل الشر على العبث والفساد كذا قال وهو قول بارد، فإن أهل اللغة على خلافه، وكذا جمهور المفسرين، ووقوبه دخول ظلامه يقال وقبت الشمس إذا غابت، وقيل الغاسق الثريا وذلك أنها إذا سقطت كثرت الأسقام والطواعين، وإذا طلعت إرتفع ذلك، وبه قال ابن زيد، وهذا محتاج إلى نقل عن العرب أنهم يصفون الثريا بالغسوق.
وقال الزهري: هو الشمس إذا غربت، وكأنه لاحظ معنى الوقوب ولم يلاحظ معنى الغسوق، وقيل هو القمر إذا خسف، وقيل إذا غاب، وبهذا قال قتادة وغيره.
واستدلوا بحديث أخرجه أحمد والترمذي والحاكم وصححه وغيرهم عن عائشة قالت " نظر رسول الله ﵌ يوماً إلى القمر لما طلع فقال يا عائشة استعيذي بالله من شر هذا فإن هذا هو الغاسق إذا وقب " قال الترمذي بعد إخراجه حسن صحيح.
وهذا لا ينافي قول الجمهور لأن القمر آية الليل ولا يوجد له سلطان إلا فيه، وهكذا يقال في جواب من قال أنه الثريا.
стр. 12024
قال ابن الأعرابي في تأويل هذا الحديث: وذلك أن أهل الريب يتحينون وجبة القمر، وقيل الغاسق الحية إذا لدغت وقيل الغاسق كل هاجم يضر كائناً ما كان من قولهم غسقت القرحة إذا جرى صديدها، وقيل الغاسق هو السائل.
وقد عرفناك أن الراجح في تفسير هذه الآية هو ما قاله أهل القول الأول ووجه تخصيصه أن الشر فيه أكثر والتحرز من الشرور فيه أصعب، ومنه قولهم الليل أخفى للويل.
وعن أبي هريرة عن النبي ﵌ قال " النجم هو الغاسق وهو الثريا " أخرجه ابن جرير وأبو الشيخ وغيرهما، وروي من وجه آخر عنه غير مرفوع.
وقد قدمنا تأويل ما ورد أن الغاسق القمر.
وأخرج أبو الشيخ عنه أيضاًً قال: قال رسول الله ﵌ " إذا ارتفعت النجوم رفعت كل عاهة عن كل بلد " وهذا لو صح لم يكن فيه دليل على أن الغاسق هو النجم أو النجوم " وعن ابن عباس في الآية قال: الليل إذا أقبل.
стр. 12025
(ومن شر النفاثات في العقد) النفاثات هن السواحر أي وأعوذ برب الفلق من شر النفوس النفاثات أو النساء النفاثات والنفث النفخ كما يفعل ذلك من يرقي ويسحر، قيل مع ريق، وقيل بدون ريق، وهو دليل بطلان قول المعتزلة في إنكار تحقق السحر وظهور أثره.
والعقد جمع عقدة وذلك أنهن كن ينفثن في عقد الخيوط حين يسحرن بها. قال أبو عبيدة النفاثات هن بنات لبيد بن الأعصم اليهودي سحرن النبي ﵌.
قرأ الجمهور النفاثات جمع نفاثة على المبالغة، وقرىء النفاثات جمع نافثة والنفاثات بضم النون والنفثات بدون ألف. وقال ابن عباس الساحرات وعنه قال هو ما خالط السحر من الرقى.
стр. 12026
وأخرج النسائي وابن مردويه عن أبي هريرة أن النبي ﵌ قال: " من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك ومن تعلق شيئاًً وكل إليه ".
وعنه قال جاء النبي ﵌ يعوذني فقال: " ألا أرقيك برقية رقاني بها جبريل فقلت بلى بأبي أنت وأمي قال بسم الله أرقيك والله يشفيك من كل داء فيك (من شر النفاثات في العقد ومن شر حاسد إذا حسد)، فرقى بها ثلاث مرات " أخرجه ابن ماجه وابن سعد والحاكم وغيرهم.
واختلفوا في جواز النفخ في الرقي والتعاويذ الشرعية فجوزه الجمهور من الصحابة والتابعين ومن بعدهم يدل عليه حديث عائشة قالت: " كان رسول الله ﷺ إذا مرض أحد من أهله نفث عليه بالمعوذات " الحديث.
وأنكر جماعة التفل والنفث في الرقى وأجازوا النفخ بلا ريق، قال عكرمة لا ينبغي للراقي أن ينفث ولا يمسح ولا يعقد.
قال النسفي جوز الاسترقاء بما كان من كتاب الله وكلام رسول الله ﵌ لا بما كان بالسريانية والعبرانية والهندية فإنه لا يحل اعتقاده ولا اعتماد عليه.
стр. 12027
(ومن شر حاسد) الحسد تمني زوال النعمة التي أنعم الله بها على المحسود، ومعنى (إذا حسد) إذا أظهر ما في نفسه من الحسد وعمل بمقتضاه وحمله الحسد على إيقاع الشر بالمحسود، قال عمر بن عبد العزيز: لم أر ظالماً أشبه بالمظلوم من حاسد، وقد نظم الشاعر هذا المعنى فقال:
قل للحسود إذا تنفس طعنة ... يا ظالما وكأنه مظلوم
ذكر الله سبحانه في هذه السورة إرشاد رسوله ﵌ إلى الإستعاذة من شر كل مخلوقاته على العموم، ثم ذكر بعض الشرور على
стр. 12028
الخصوص مع اندارجه تحت العموم لزيادة شره ومزيد ضره وهو الغاسق والنفاثات والحاسد، فكان هؤلاء لما فيهم من مزيد الشر حقيقون بإفراد كل واحد منهم بالذكر، وختم بالحسد ليعلم أنه أشد وأشر، وهو أول ذنب عصى الله به في السماء من إبليس وفي الأرض من قابيل، وإنما عرف بعض المستعاذ منه ونكر بعضه لأن كل نفاثة شريرة فلذا عرفت النفاثات ونكر غاسق لأن كل غاسق لا يكون فيه الشر، إنما يكون في بعض دون بعض، وكذلك كل حاسد لا يضر، وربما حسد يكون محموداً كالحسد في الخيرات، ذكره النسفي في المدارك. وعن ابن عباس في قوله (ومن شر حاسد إذا حسد) قال نفس ابن آدم وعينه.
стр. 12029
سورة الناس
هي ست آيات والخلاف في كونها مكية أو مدنية كالخلاف الذي تقدم في سورة الفلق، قال ابن عباس أنزل بمكة (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ)، وعن بن الزبير قال أنزل بالمدينة.
وقد قدمنا في سورة الفلق ما ورد في سبب نزول هذه السورة وما ورد في فضلها فارجع إليه، وأتى الحافظ ابن القيم في البدائع بفوائد بديعة كثيرة تتعلق بالمعوذتين، وكتب عشرين ورقة في بيان ذلك لا يتسع هذا المقام لبسطها إن شئت فراجعه.
(قُلْ أَعُوذُ) قرأ الجمهور بالهمزة وقرىء بحذفها ونقل حركتها إلى اللام (برب الناس) قرأ الجمهور بترك الإمالة في الناس وقرىء بالإمالة، والمعنى مالك أمرهم ومربيهم ومصلح أحوالهم وإنما قال رب الناس مع أنه رب جميع مخلوقاته للدلالة على شرفهم ولكون الاستعاذة وقعت من شر ما يوسوس في صدورهم.
وقوله
стр. 12032
(ملك الناس) عطف بيان جيء به لبيان أن رتبته سبحانه ليست كرتبة سائر الملاك لما تحت أيديهم من مماليكهم بل بطريق الملك الكامل والسلطان القاهر وقد أجمع جميع القراء في هذه السورة على إسقاط الألف بخلاف الفاتحة فاختلفوا فيها كما مضى.
стр. 12033
(إله الناس) هو أيضاًً عطف بيان لبيان أن ربوبيته وملكه قد انضم إليهما المعبودية المؤسسة على الألوهية المقتضية للقدرة التامة على التصرف الكلي بالإيجاد والإعدام.
وأيضاًً الرب قد يكون ملكاً وقد لا يكون ملكاً كما يقال رب الدار، ورب المتاع، ومنه قوله (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله) فبين أنه ملك الناس، ثم الملك قد يكون إلهاً وقد لا يكون فبين إنه إله لأن اسم الإله خاص به لا يشاركه فيه أحد.
стр. 12034
وأيضاًً بدأ باسم الرب وهو اسم لمن قام بتدبيره وإصلاحه من أوائل عمره إلى أن صار عاقلاً كاملاً، فحينئذ عرف بالدليل أنه عبد مملوك فذكر أنه ملك الناس.
ثم لما علم أن العبادة لازمة له واجبة عليه وأنه عبد مخلوق وإن خالقه إله معبود بين سبحانه أنه إله الناس، وكرر لفظ الناس في الثلاثة المواضع لأن عطف البيان يحتاج إلى مزية الإظهار والبيان، ولأن التكرير يقتضي مزيد شرف الناس، وقيل أراد بالأول الأطفال، ومعنى الربوبية يدل عليه، وبالثاني الشباب ولفظ الملك المنبيء عن السياسة يدل عليه، وبالثالث الشيوخ ولفظ الإله المنبيء عن العبادة يدل عليه، وبالرابع الصالحين إذ الشيطان مولع بإغوائهم، وبالخامس المفسدين لعطفه على المعوذ منه، ذكره النسفي، ولا وجه لهذا التخصيص وإنما هذا الكلام من لطائف البيان.
стр. 12035
(من شر الوسواس) قال الفراء هو بفتح الواو بمعنى الاسم أي الموسوس وبكسرها المصدر أي الوسوسة كالزلزال بمعنى الزلزلة، وقيل هو بالفتح اسم لمعنى الوسوسة، والوسوسة هي حديث النفس يقال وسوست إليه نفسه وسوسة أي حدثته حديثاً، وأصلها الصوت الخفي، ومنه قيل لأصوات الحلى وسواس.
قال الزجاج الوسواس هو الشيطان أي ذي الوسواس ويقال إن الوسواس ابن لإبليس وسمى بالمصدر كأنه وسوسة في نفسه لأنها شغله الذي هو عاكف عليه، وقد سبق تحقيق معنى الوسوسة في تفسير قوله (فوسوس لهما الشيطان) ومعنى (الخناس) كثير الخنس وهو التأخر يقال خنس إذا تأخر، قال مجاهد إذا ذكر الله خنس وانقبض وإذا لم يذكر انبسط على القلب.
ووصف بالخناس لأنه كثير الإختفاء ومنه قوله تعالى (فلا أقسم بالخنس) يعني النجوم لاختفائها بعد ظهورها كما تقدم، وقيل الخناس اسم لابن إبليس كما تقدم في الوسواس.
стр. 12036
وعن ابن عباس في قوله الوسواس الخناس قال مثل الشيطان كمثل ابن عرس واضع فمه على فم القلب فيوسوس إليه، فإن ذكر الله خنس وإن سكت عاد إليه فهو الوسواس الخناس.
وعن أنس أن النبي ﵌ قال " إن الشيطان واضع خطمه على قلب ابن آدم فإن ذكر الله خنس وإن نسيه التقم قلبه فذلك الوسواس الخناس " أخرجه ابن أبي الدنيا في مكايد الشيطان وأبو يعلى وابن شاهين والبيهقي في الشعب.
وعن ابن عباس في الآية قال الشيطان جاث على قلب ابن آدم فإذا سها وغفل وسوس وإذا ذكر الله خنس وعنه قال ما من مولود يولد إلا على قلبه الوسواس فإذا ذكر الله خنس وإذا غفل وسوس، فذلك قوله الوسواس الخناس.
وقد ورد في معنى هذا غيره وظاهره أن مطلق ذكر الله يطرد الشيطان وإن لم يكن على طريق الإستعاذة، ولذكر الله سبحانه فوائد جليلة حاصلها الفوز بخيري الدنيا والآخرة.
стр. 12037
(الذي يوسوس في صدور الناس) قال قتادة أن الشيطان له خرطوم كخرطوم الكلب في صدر الإنسان فإذا غفل ابن آدم عن ذكر الله وسوس له وإذا ذكر العبد ربه خنس.
قال مقاتل إن الشيطان في صورة خنزير يجري من ابن آدم مجرى الدم في عروقه سلطه الله على ذلك، ووسوسته هي الدعاء إلى طاعته بكلام خفي يصل إلى القلب من غير سماع صوت.
والجملة في محل الجر على الصفة أو الرفع على تقدير مبتدأ والنصب على الذم، وعلى هذين الوجهين يحسن الوقف على الخناس.
ثم بين سبحانه الذي يوسوس بأنه ضربان جني وإنسي فقال (من الجنة
стр. 12038
والناس) أما شيطان الجن فيوسوس في صدور الناس، وأما شيطان الإنس فوسوسته، في صدور الناس أنه يرى نفسه كالناصح المشفق فيوقع في الصدر من كلامه الذي أخرجه مخرج النصيحة ما يوقع الشيطان فيه بوسوسته كما قال سبحانه (شياطين الإنس والجن) ويجوز أن يكون متعلقاً بيوسوس أي يوسوس في صدورهم من جهة الجنة ومن جهة الناس ويجوز أن يكون بياناً للناس.
قال الرازي وقال قوم من الجنة والناس قسمان مندرجان تحت قوله (في صدور الناس) لأن القدر المشترك بين الجن والإنس سمي إنساناً، والإنسان أيضاًً سمى إنساناً فيكون لفظ الإنسان واقعاً على الجنس والنوع بالإشتراك.
والدليل على أن لفظ الإنسان يندرج فيه لفظ الإنس والجن ما روي أنه جاء نفر من الجن فقيل لهم من أنتم قالوا ناس من الجن وأيضاًً قد سماهم الله تعالى رجالاً في قوله (وإنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن) وقيل يجوز أن يكون المراد أعوذ برب الناس من الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس، كأنه استعاذ ربه من ذلك الشيطان الواحد ثم استعاذ بربه من جميع الجنة والناس.
وقيل المراد بالناس " الناسي " وسقطت الياء كسقوطها في قوله يوم يدع الداع، ثم بين بالجنة والناس لأن كل فرد من أفراد الفريقين في الغالب مبتلى بالنسيان.
وأحسن من هذا أن يكون قوله (والناس) معطوفاً على الوسواس أي من شر الوسواس ومن شر الناس كأنه أمر أن يستعيذ من شر الجن والإنس، قال الحسن أما شيطان الجن فيوسوس في صدور الناس مباشرة أما شيطان الإنس فيأتي علانية.
وقال قتادة: إن من الجن شياطين وإن من الإنس شياطين فنعوذ بالله من شياطين الجن والإنس، وقيل إن إبليس يوسوس في صدور الإنس.
стр. 12039
وواحد الجنة جني كما أن واحد الإنس إنسي والقول الأول هو أرجح هذه الأقوال وإن كان وسوسة الإنس في صدور الناس لا تكون إلا بالمعنى الذي قدمنا ويكون هذا البيان تذكر الثقلين للإرشاد إلى أن من استعاذ بالله منهما ارتفعت عنه محن الدنيا والآخرة.
وعن ابن عباس قال: قيل يا رسول الله " أي الأعمال أحب إلى الله تعالى قال الحال المرتحل، قيل وما الحال المرتحل، قال الذي يضرب من أول القرآن إلى آخره كلما حل ارتحل "، أخرجه الترمذي.
стр. 12040
الخاتمة
يقول العبد الضعيف الخامل المتواري، مؤلف هذا التفسير صديق ابن حسن بن علي الحسيني القنوجي البخاري، ختم الله له بالحسنى، وأذاقه حلاوة رضوانه الأسنى.
وإلى هنا انتهى هذا التفسير الجامع بين فني الرواية والدراية، الرافع من ألوية التحقيق والتنقيح أعظم راية، وكان الفراغ منه في ضحوة يوم الجمعة لعله التاسع والعشرون من شهر ذي الحجة أحد شهور سنة تسع وثمانين بعد مائتين وألف من الهجرة النبوية، على صاحبها الصلاة والسلام والتحية، وقد تم بتمامه، وانتهى بانتهائه الأسبوع والشهر والسنة اللهم كما مننت علي بإكمال هذا التفسير وأعنتني على تحصيله وتفضلت عليّ بالفراغ منه على ما أردت فامنن علي بقبوله واجعله لي ذخيرة خير عندك وأجزل لي المثوبة بما صرفت الوقت في تحريره كما قلت في كتابك (أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ) وكما قلت في هذا الباب.
كل يجيء بكسبه وكتابه ... يوم القيامة آخر الأزمان
في حضرة الرحمن ﷻ ... عم الورى بالعفو والغفران
ويجيء هذا العبد وهو مقصر ... بكتابه التفسير فتح بيان
ثم اللهم انفع به من أخلفه من بعدي من ولدي ومن شئت من عبادك المؤمنين ليدوم لي الانتفاع به بعد موتي، فإن هذا هو المقصد الجليل، والمطلب الجميل، من هذا الجمع والتأليف واجعله خالصاً لوجهك الكريم وتجاوز عني إذا خطر لي من خواطر السوء ما فيه شائبة تخالف الإخلاص والتوحيد، واغفر لي ما لا يطابق مرادك، فإني لم أقصد في جميع أبحاثي فيه إلا إصابة الحق وموافقة ما ترضاه، فإن أخطأت فأنت غافر الخطيآت ومسبل ذيل الستر على الهفوات، وإن أصبت فأنت قابل الطاعات، ومانح العطيات يا باريء
стр. 12041
الباريات، وقد جمعته في زمنٍ أَهْلهُ بغير الكتاب والسنة يفخرون، وصنعته كما صنع نوح ﵇ الفلك ومنه يسخرون، ولله در من يقول:
إذا رضيت علي كرام عشيرتي ... فلا زال غضباناً عليّ لئامها
ثم اللهم أحمدك على ما أوليتني من نعمك الوافرة من الأموال والأولاد والعلم النافع من الكتاب العزيز والسنة المطهّرة لا أحصي حمداً لك، وأشكرك على ما رزقتني من خلوص النية في القول والعمل والاعتقاد، لا أحصي شكرك أنت كما أثنيت على نفسك، وقد رويت في صحيح مسلم بن الحجاج بسنده المتصل إلى أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله عليه وآله وسلم " إذ مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له " اللهم فهذا علم ينتفع به وقد علمت نيتي وعدم انتصاري في تفسير كتابك لمذهب ذاهب أو قول قائل ما عدا قولك وما صحّ عن رسولك (١) ﵌ فانفعني به في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وأجزني بما أنت له أهل يا أهل التقوى وأهل المغفرة، وهذه أولادي فاجعلهم من عبادك الصالحين وممن يدعو لي بعد مماتي ووفقهم للعلم النافع والعمل الصالح، واحفظهم من بين أيديهم ومن خلفهم مما لا تحبه ولا ترضاه واجعل لي ولهم لسان صدق في الآخرين، رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحاً ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين، وقد طعنت في العشر الخامس من عمري و (وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا) فاعذرني فلم (أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا).
ولنختتم الكلام بالحمد لله رب العالمين كما بدأنا به أول مرة، وصلى الله تعالى وسلم وبارك على خير خلقه محمد وآله وصحبه كرة بعد كرة.
انتهى الكتاب بعون الله
стр. 12042
خاتمة الجزء الخامس عشر
تم بعونه تعالى الجزء الخامس عشر من كتاب فتح البيان في مقاصد القرآن وبذلك نكون قد أتممنا الكتاب بأجزائه الخمسة عشر.
стр. 12043
إن المؤلف ﵀ وضع بعض الحواشي ثم وضع الأستاذ المطيعي عند طبعه الكتاب الطبعة الأولى في الهند بعض الحواشي ووضعنا قربها كلمة المطيعي.
أما معظم الحواشي وتخريج الآيات والأحاديث من كتب الحديث وبعض التعليقات المفيدة التي وضعت في الكتاب فهي من كتابة فضيلة الشيخ عبد الله بن إبراهيم الأنصاري وقد قام عدة علماء أجلاء بقراءتها والموافقة عليها.
الشيخ عبد الله بن إبراهيم الأنصاري.