← Тафсир

Тафсир · id 37458

فتح البيان في مقاصد القرآن

صديق حسن خان

Полный текст (12 043 стр.). Показаны 11971–12010 · переход к 11976.

стр. 11971

(ولا أنتم عابدون ما أعبد) أي ولا أنتم فاعلون في المستقبل ما أطلب منكم من عبادة إلهي. قال الحافظ ابن القيم في البدائع: اشتمال هذه على النفي المحض خاصة هذه السورة العظيمة فإنها سورة براءة من الشرك كما جاء في وصفها فمقصودها الأعظم هو البراءة المطلقة بين الموحدين والمشركين، ولهذا أتى بالنفي في الجانبين تحقيقاً للبراءة المطلوبة، هذا مع أنها متضمنة للإثبات صريحاً. فقوله (لا أعبد ما تعبدون) براءة محضة (ولا أنتم عابدون ما أعبد) إثبات أن له معبوداً يعبده وأنهم بريئون من عبادته، فتضمنت النفي والإثبات فطابقت قول إمام الحنفاء (إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني) وطابقت

стр. 11972

قول الفئة الموحدين (وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله). ولهذا كان النبي ﷺ ، يقرأ بها وبقل هو الله أحد في سنة الفجر وسنة المغرب، فإن هاتين السورتين سورتا الإخلاص، وقد اشتملتا على نوعي التوحيد الذي لا نجاة للعبد ولا فلاح إلا بهما وهما توحيد العمل والاعتقاد المتضمن تنزيه الله عما لا يليق به من الشرك والكفر والولد والوالد وإنه إله واحد صمد لم يلد ولم يولد. والثاني توحيد القصد والإرادة وهو أن لا يعبد إلا إياه فلا يشرك به في عبادته سواه بل يكون وحده المعبود، وهذه السورة مشتملة على هذا التوحيد انتهى.

стр. 11973

(ولا أنا عابد ما عبدتم) أي ولا أنا قط فيما سلف عابد ما عبدتم فيه، والمعنى أنه لم يعهد مني ذلك (ولا أنتم عابدون ما أعبد) أي وما عبدتم في وقت من الأوقات ما أنا على عبادته، كذا قيل، وهذا على قول من قال أنه لا تكرار في هذه الآيات لأن الجملة الأولى لنفي العبادة في المستقبل لما قدمنا من أن (لا) لا تدخل إلا على مضارع في معنى الاستقبال. والدليل على ذلك أن لن تأكيد لما ينفيه (لا) قال الخليل في لن أن أصله (لا) فالمعنى لا أعبد ما تعبدون في المستقبل ولا أنتم عابدون في المستقبل ما أطلبه من عبادة إلهي. ثم قال: ولا أنا عابد ما عبدتم أي ولست في الحال بعابد معبودكم ولا أنتم في الحال بعابدين معبودي وقيل بعكس هذا، وهو أن الجملتين الأوليتين للحال، والجملتين الآخرتين للاستقبال بدليل قوله (ولا أنا عابد ما عبدتم) كما لو قال القائل أنا ضارب زيداً وأنا قاتل عمراً، فإنه لا يفهم منه إلا الإستقبال. قال الأخفش والفراء: المعنى لا أعبد الساعة ما تعبدون ولا أنتم عابدون الساعة ما أعبد ولا أنا عابد في المستقبل ما عبدتم ولا أنتم عابدون في

стр. 11974

المستقبل ما أعبد. قال الزجاج: نفى رسول الله ﷺ ، بهذه السورة عبادة آلهتهم عن نفسه في الحال وفي المستقبل، ونفى عنهم عبادة الله في الحال، وفيما يستقبل، وقيل أن كل واحد منهما يصلح للحال والاستقبال ولكنا نخص أحدهما بالحال والثاني بالاستقبال رفعاً للتكرار. وكل هذا فيه من التكلف والتعسف ما لا يخفى على منصف، فإن جعل قوله لا أعبد ما تعبدون للإستقبال وإن كان صحيحاً على مقتضى اللغة العربية ولكنه لا يتم جعل قوله

стр. 11975

(ولا أنتم عابدون ما أعبد) للاستقبال لأن الجملة الاسمية تفيد الدوام والثبات في كل الأوقات فدخول النفي عليها يرفع ما دلت عليه من الدوام والثبات في كل الأوقات، ولو كان حملها على الاستقبال صحيحاً للزم مثله في قوله: (ولا أنا عابد ما عبدتم) وفي قوله (ولا أنتم عابدون ما أعبد) فلا يتم ما قيل من حمل الجملتين الآخرتين على الحال. وكما يندفع هذا يندفع ما قيل من العكس لأن الجملة الثانية والثالثة والرابعة كلها جمل اسمية مصدرة بالضمائر التي هي المبتدأ في كل واحد منها مخبر عنها باسم الفاعل العامل فيها بعده منفية كلها بحرف واحد وهو لفظ لا في كل واحد منها فكيف يصح القول مع هذا الاتحاد بأن معانيها في الحال والاستقبال مختلفة. وأما قول من قال أن كل واحد منها يصلح للحال والإستقبال فهو إقرار منه بالتكرار، لأن حمل هذا على معنى، وحمل هذا على معنى، مع الاتحاد يكون من باب التحكم الذي لا يدل عليه دليل. وإذا تقرر لك هذا فاعلم أن القرآن نزل بلسان العرب، ومن مذاهبهم التي لا تجحد، واستعمالاتهم التي لا تنكر، أنهم إذا أرادوا التأكيد كرروا كما أن من مذاهبهم أنهم إذا أرادوا الاختصار أوجزوا، هذا معلوم لكل من له علم بلغة العرب، وهذا مما لا يحتاج إلى إقامة البرهان عليه، لأنه إنما

стр. 11976

يستدل على ما فيه خفاء، ويبرهن على ما هو متنازع فيه. وأما ما كان من الوضوح والظهور والجلاء بحيث لا يشك فيه شاك ولا يرتاب فيه مرتاب، فهو مستغن عن التطويل، غير محتاج إلى تكثير القال والقيل. وقد وقع في القرآن الكريم من هذا ما يعلمه كل من يتلو القرآن، وربما يكثر في بعض السور كما في سورة الرحمن وسورة المرسلات، وفي أشعار العرب من هذا ما لا يأتي عليه الحصر. وقد ثبت عن الصادق المصدوق ﵌، وهو أفصح من نطق بلغة العرب أنه كان إذا تكلم بالكلمة أعادها ثلاث مرات. وإذا عرفت هذا ففائدة ما وقع في السورة من التأكيد هو قطع أطماع الكفار عن أن يجيبهم رسول الله ﷺ ، إلى ما سألوه من عبادته آلهتهم، وإنما عبر سبحانه بما التي لغير العقلاء في المواضع الأربعة لأنه يجوز ذلك كما في قوله سبحان ما سخركن لنا ونحوه. والنكتة في ذلك أن يجري الكلام على نمط واحد، ولا يختلف، وقيل أنه أراد الصفة كأنه قال لا أعبد الباطل ولا تعبدون الحق، وقيل أن (ما) في المواضع الأربعة هي المصدرية لا الموصولة أي لا أعبد عبادتكم ولا أنتم عابدون عبادتي الخ. وجملة

стр. 11977

(لكم دينكم) مستأنفة لتقرير قوله لا أعبد ما تعبدون وقوله ولا أنا عابد ما عبدتم كما أن قوله (ولي دين) تقرير لقوله (ولا أنتم عابدون ما أعبد) في الموضعين أي إن رضيتم بدينكم وشرككم فقد رضيت بديني وتوحيدي كما في قوله (لنا أعمالنا ولكم أعمالكم) والمعنى أن دينكم الذي هو الإشراك مقصور على الحصول لكم لا يتجاوزه إلى الحصول لي كما تطمعون، وديني الذي هو التوحيد مقصور على الحصول لي لا يتجاوزه إلى الحصول لكم.

стр. 11978

وقيل المعنى لكم جزاؤكم ولي جزائي، لأن الدين الجزاء. قيل وهذه الآية منسوخة بآية السيف، وقيل ليست بمنسوخة لأنها إخبار، والإخبار لا يدخلها النسخ، وقيل السورة كلها منسوخة. وقال القاضي: (ولي ديني) الذي أنا عليه لا أرفضه، فليس فيه إذن في الكفر، ولا منع عن الجهاد فلا يكون منسوخاً بآية القتال، وقد فسر الدين بالحساب والجزاء والعبادة. وقال الحافظ بن القيم في البدائع: وقد غلط في السورة خلائق وظنوا أنها منسوخة بآية السيف لاعتقادهم أن هذه الآية اقتضت التقرير لهم على دينهم، وظن آخرون أنها خصوصة بمن يقرون على دينهم وهم أهل الكتاب، وكلا القولين غلط محض فلا نسخ في السورة ولا تخصيص، بل هي محكمة عمومها نص محفوظ، وهي من السور التي يستحيل دخول النسخ فيها. وهذه السورة أخلصت للتوحيد، ولهذا تسمى سورة الإخلاص، والآية اقتضت البراءة المحضة وإن ما أنتم عليه من الدين لا أوافقكم عليه فإنه دين باطل، فهو مختص بكم لا نشرككم فيه، ولا تشركوننا في ديننا الحق، فهذا غاية البراءة والتنصل من موافقتهم في دينهم، فأين الإقرار حتى يدعى النسخ والتخصيص؟ أفترى إذا جوهدوا بالسيف كما جوهدوا بالحجة لا يصح أن يقال لهم لكم دينكم ولي دين. بل هذه الآية قائمة محكمة ثابتة بين المؤمنين والكافرين إلى أن يطهر الله منهم بلاده وعباده وكذلك حكم هذه البراءة بين أتباع رسول الله ﷺ ، أهل سنته وبين أهل البدع المخالفين لما جاء به الداعين إلى غير سنته إذ قال لهم خلفاء الرسول وذريته لكم دينكم ولنا ديننا هذا فلا يقتضي إقرارهم على بدعهم بل يقولون لهم هذا براءة منها وهم مع ذلك منتصبون للرد عليهم ولجهادهم بحسب الإمكان انتهى حاصله.

стр. 11979

وقرأ الجمهور (ولي) بإسكان الياء وحذف الياء من (ديني) وصلاً ووقفاً، وقرىء بفتح الياء من قوله لي وإثباتها من ديني وصلاً ووقفاً وقالوا لأنها إسم فلا تحذف، ويجاب بأن حذفها لرعاية الفواصل سائغ وإن كانت اسماً، ويجاب أيضاًً بأنها من ياءات الزوائد فيراعى فيه اتباع رسم المصحف، وهي غير ثابتة فيه اكتفاء بالكسرة.

стр. 11980

سورة النصر وتسمى سورة التوديع، وهي ثلاث آيات وهي مدنية بالإجماع بلا خلاف قال ابن عباس أنزل بالمدينة إذا جاء نصر الله والفتح وعن ابن عمر قال هذه السورة " نزلت على رسول الله ﵌ أوسط أيام التشريق بمنى وهو في حجة الوداع (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) حتى ختمها فعرف رسول الله ﷺ أنها الوداع " أخرجه البزار وأبو يعلى والبيهقي (١). وعن ابن عباس قال: لما نزلت (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) قال رسول الله ﷺ : " نعيت إليّ نفسي " أخرجه أحمد وغيره، وزاد ابن مردويه في لفظ: وقرب إليّ أجلي، وفي لفظ لما نزلت نعيت لرسول الله ﷺ نفسه حين أنزلت فأخذ في أشد ما كان قط اجتهاداً في أمر الآخرة. وعن أم حبيبة قالت: لما أنزل (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) قال رسول الله ﵌ " إن الله لم يبعث نبياً إلا عمر من أمته شطر ما عمر النبي الماضي قبله، فإن عيسى بن مريم كان أربعين سنة في بني إسرائيل وهذه لي عشرون سنة وأنا ميت في هذه السنة فبكيت فاطمة - رضي الله تعالى عنها - فقال النبي ﷺ أنت أول أهلي بي لحوقاً فتبسمت " أخرجه ابن أبي حاتم وابن مردويه.

стр. 11981

وعن ابن عباس قال لما نزلت (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) دعا رسول الله ﵌ فاطمة وقال: " إنه قد نعيت إليّ نفسي فبكت ثم ضحكت، وقالت أخبرني أنه نعيت إليه نفسي فبكيت، فقال اصبري فإنك أول أهلي لحاقاً بي فضحكت " أخرجه البيهقي " (١). ولقد تقدم في سورة الزلزلة أن هذه السورة تعدل ربع القرآن وهي آخر سورة نزلت جميعاً.

стр. 11982

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)

стр. 11983

(إذا جاء نصر الله) النصر العون مأخوذ من قولهم قد نصر الغيث الأرض إذا أعان على نباتها ومنع من قحطها، يقال نصره على عدوه ينصره نصراً إذا أعانه، والإسم النصرة واستنصره على عدوه إذا سأله أن ينصره عليه. قال الواحدي قال المفسرون إذا جاءك يا محمد نصر الله على من عاداك وهم قريش، وقيل المراد نصره ﵌ على قريش من غير تعيين، وقيل نصره على من قاتله من الكفار، وقيل " إذا " بمعنى قد وقيل بمعنى إذ، ومعنى جاء حصل. وإنما عبر عن الحصول بالمجيء تجوزاً للإشعار بأن المقدرات متوجهة من الأزل إلى أوقاتها المعينة فتقرب منها شيئاًً فشيئاًً، وقد قرب النصر من وقته فكن مترقباً لوروده مستعداً لشكره، قاله القاضي وهو استعارة تبعية لكن قول الراغب المجيء الحصول ويكون في المعاني والأعيان يقتضي خلافه. وفي الخطيب (جاء) بمعنى استقر وثبت في المستقبل بمجيء وقته

стр. 11984

المضروب له في الأزل، وإذا منصوبة بسبح الذي هو جوابها ونصر الله مصدر مضاف لفاعله ومفعوله محذوف أي نصره إياك والمؤمنين. (والفتح) أي فتح مكة وقيل هو فتح سائر البلاد، وقيل هو ما فتح الله عليه من العلوم والأول أظهر والثاني أنسب والثالث أبعد. عن ابن عباس أن عمر سألهم عن قول الله (إذا جاء نصر الله والفتح) فقالوا فتح المدائن والقصور، قال فأنت يا ابن عباس ما تقول، قال قلت مثل ضرب لمحمد ﵌ نعيت له نفسه. وأخرج البخاري غيره عن ابن عباس قال " كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، وكان بعضهم وجد في نفسه فقال لم تدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله فقال عمر أنه من قد علمتم، فدعاهم ذات يوم فأدخله معهم، فما رأيت أنه دعاني فيهم يومئذ إلا ليريهم، فقال ما تقولون في قول الله (إذا جاء نصر الله والفتح) فقال بعضهم أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم فلم يقل شيئاًً فقال لي أكذاك تقول يا ابن عباس؟ فقلت لا فقال ما تقول، فقلت هو أجل رسول الله ﵌ أعلمه الله له قال (إذا جاء نصر الله والفتح) فذلك علامة أجلك (فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان تواباً) فقال عمر لا أعلم منها إلا ما تقول. قال الرازي الفرق بين النصر والفتح أن الفتح هو تحصيل المطلوب الذي كان منغلقاً، والنصر كالسبب للفتح، فلهذا بدأ بذكر النصر، وعطف عليه الفتح، أو يقال النصر كمال الدين، والفتح إقبال الدنيا الذي هو تمام النعمة، أو يقال النصر الظفر، والفتح الجنة هذا معنى كلامه، ويقال الأمر أوضح من هذا وأظهر فإن النصر هو التأييد الذي يكون به قهر الأعداء وغلبهم والإستعلاء عليهم، والفتح هو فتح مساكن الأعداء ودخول منازلهم.

стр. 11985

(ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً) أي أبصرت الناس من العرب وغيرهم يدخلون في دين الله الذي بعثك به وهو الإسلام جماعات فوجاً

стр. 11986

بعد فوج. قال الحسن لما فتح رسول الله ﵌ مكة قال العرب أما إذا ظفر محمد ﵌ بأهل الحرم وقد أجارهم الله من أصحاب الفيل فليس لكم به يدان فكانوا يدخلون في دين- الله أفواجاً أي جماعات كثيرة بعد أن كانوا يدخلون واحداً واحداً، واثنين اثنين فصارت القبيلة تدخل بأسرها في الإسلام. قال عكرمة ومقاتل: أراد بالناس أهل اليمن، وذلك أنه ورد من اليمن سبعمائة إنسان مؤمنين. وانتصاب أفواجاً على الحال من فاعل يدخلون ومحل يدخلون النصب على الحال إن كان الرؤية بصرية، وإن كانت بمعنى العلم فهو في محل نصب على أنه المفعول الثاني. وعن أبي هريرة قال لما نزلت (إذا جاء نصر الله والفتح) قال رسول الله ﷺ " جاء أهل اليمن وهم أرق قلوباً، الإيمان يمان والفقه يمان والحكمة يمانية " أخرجه ابن مردويه. وعن ابن عباس قال بينما رسول الله ﵌ في المدينة إذ قال " الله أكبر قد جاء نصر الله والفتح وجاء أهل اليمن قوم رقيقة قلوبهم، لينة طباعهم، الإيمان يمان، والفقه يمان، والحكمة يمانية " أخرجه الطبراني وابن مردويه. وعن جابر بن عبد الله قال سمعت رسول الله ﵌ يقول " إن الناس دخلوا في دين الله أفواجاً وسيخرجون منه أفواجاً " أخرجه ابن مردويه. وعن أبي هريرة قال: " تلا رسول الله ﵌ ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً قال ليخرجن منه أفواجاً، كما دخلوا فيه أفواجاً " أخرجه الحاكم وصححه.

стр. 11987

(فسبح بحمد ربك) هذا جواب انشرط وهو العامل فيه، والتقدير فسبح بحمد ربك إذا جاء نصر الله كما مر، وقال مكي العامل في (إذا) هو جاء، ورجحه أبو حيان وضعف الأول بأن ما جاء بعد فاء الجواب لا يعمل فيما قبلها. وقوله (بحمد ربك) في محل نصب على الحال أي فقل سبحان الله متلبساً بحمده أو حامداً له، وفيه الجمع بين تسبيح الله المؤذن بالتعجب مما يسره الله له مما لم يكن يخطر بباله ولا بال أحد من الناس، وبين الحمد له على جميل صنعه له وعظيم منته عليه بهذه النعمة التي هي النصر والفتح لأم القرى التي كان أهلها قد بلغوا في عداوته إلى أعلى المبالغ حتى أخرجوه منها بعد أن افتروا عليه من الأقوال الباطلة، والأكاذيب المختلقة ما هو معروف من قولهم هو مجنون هو ساحر هو شاعر هو كاهن ونحو ذلك. ثم ضم سبحانه إلى ذلك أمره نبيه ﵌ بالاستغفار فقال (واستغفره) أي اطلب منه المغفرة لذنبك، وسله الغفران هضماً لنفسك واستقصاراً لعملك، واستدراكاً لما فرط منك من ترك ما هو الأولى. وقد كان ﵌ يرى قصوره عن القيام بحق الله ويكثر من الاستغفار والتضرع وإن كان قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وقيل أن الاستغفار منه ﵌ ومن سائر الأنبياء هو تعبد تعبدهم الله به لا لطلب المغفرة لذنب كائن منهم، وقيل إنما أمره الله سبحانه بالاستغفار تنبيها لأمته وتعريضاً بهم، فكأنهم هم المأمورون بالاستغفار. وقيل إن الله سبحانه أمره بالاستغفار لأمته لا لذنبه وقيل المراد بالتسبيح هنا الصلاة، والأولى حمله على معنى التنزيه مع ما أشرنا إليه من كون فيه معنى التعجب سروراً بالنعمة، وفرحاً بما حباه الله من نصر الدين وكبت أعدائه ونزول الذلة بهم، وحصول القهر لهم.

стр. 11988

قال الحسن: أعلم الله رسوله ﵌ أنه قد اقترب أجله فأمره بالتسبيح والتوبة ليختم له في آخر عمره بالزيادة في العمل الصالح، فكان يكثر أن يقول " سبحانك اللهم وبحمدك اغفر لي إنك أنت التواب ". قال قتادة ومقاتل: وعاش ﷺ بعد نزول هذه السورة سنتين. وعن عائشة قالت " كان رسول الله ﷺ يكثر من قول " سبحان الله وبحمده وأستغفره وأتوب إليه " فقلت يا رسول الله أراك تكثر من قول سبحان الله وبحمده واستغفر الله وأتوب إليه، فقال أخبرني ربي أني سأرى علامة من أمتي فإذا رأيتها أكثرت من قول سبحان الله وبحمده وأستغفر الله وأتوب إليه، فقد رأيتها (إذا جاء نصر الله والفتح) فتح مكة ورأيت الناس يدخلون الخ " أخرجه ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه. وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه وغيرهم عن عائشة قالت " كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده " سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي، بتأويل القرآن تعني (إذا جاء نصر الله والفتح) وفي الباب أحاديث. وقوله (إنه كان تواباً) تعليل لأمره سبحانه نبيه ﷺ بالاستغفار أي من شأنه التوبة على المستغفرين له، يتوب عليه ويرحمهم بقبول توبتهم، وتواب من صيغ المبالغة، ففيه دلالة على أنه سبحانه مبالغ في قبول توبة التائبين. وقد حكى الرازي في تفسير اتفاق الصحابة ﵃ على أن هذه السورة دلت على نعي رسول الله ﷺ . وعن ابن عمر نزلت هذه السورة بمنى في حجة الوداع ثم نزل (اليوم

стр. 11989

أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي) فعاش النبي ﷺ بعدها ثمانين يوماً ثم نزلت آية الكلالة فعاش بعدها خمسين يوماً، ثم نزل (واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله) فعاش بعدها أحداً وعشرين يوماً، وقيل سبعة أيام، وقيل غير ذلك. وكان فتح مكة في رمضان سنة ثمان، وتوفي ﷺ في ربيع الأول على رأس العاشرة بالنظر لجعل التاريخ من الهجرة وإن كانت لشهرين وشيء مضت من الحادية عشرة إذا اعتبر التاريخ من أول السنة الشرعية وهو المحرم، فلما هاجر ﷺ لاثني عشر من ربيع الأول حسبوا الباقي من هذه السنة سنة مع أنها ناقصة شهرين واثني عشر يوماً، فلما كانت وفاته لاثني عشر من ربيع الأول كان الماضي من هذه السنة وهو شهران واثنا عشر يوماً مكملاً ومتمماً لما نقصته السنة الأولى فصح قولهم أنه توفي في العاشرة أي على رأسها وحين كمالها بالنظر لجعل التاريخ من الهجرة، ويصح أن يقال توفي في الحادية عشرة بالنظر لجعل التاريخ من أول السنة الشرعية تأمل والله تعالى أعلم.

стр. 11990

سورة تبت وتسمى سورة أبي لهب كما في البحر هي خمس آيات وهي مكية بلا خلاف وبه قال ابن عباس وابن الزبير وعائشة.

стр. 11991

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (٢) سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (٣) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (٥)

стр. 11992

(تبت يدا أبي لهب) قال مقاتل وابن عباس: خسرت، وقيل خابت، وقال عطاء: ضلت، وقيل صفرت من كل خير، ومنه قولهم شابت أم تابت أي هالكة من الهرم وقيل المعنى هلكت والأول أولى، وخص اليدين بالتباب لأن أكثر العمل يكون بهما، وقيل المراد باليدين نفسه وقد يعبر باليد عن النفس كما في قوله (بما قدمت يداك) أي نفسك، والعرب تعبر كثيراً ببعض الشيء عن كله كقولهم أصابته يد الدهر وأصابته يد المنايا. قرأ العامة لهب بفتح الهاء وقرىء بسكونها فقيل لغتان بمعنى كالنهر والنهر، والشعر والشعر. وقال الزمخشري هو من تغيير الأعلام، ولم يختلف القراء في قوله (ذات لهب) إنها بالفتح، والفرق أنها فاصلة فلو سكنت زال التشاكل. وأبو لهب اسمه عبد العزى بن عبد المطلب بن هاشم، وذكره سبحانه بكنيته لاشتهاره بها ولكن اسمه كما تقدم عبد العزى، والعزى اسم صنم، ولكون في هذه الكنية ما يدل على أنه ملابس للنار لأن اللهب هو لهب النار، وإن كان إطلاق ذلك عليه في الأصل لكونه كان جميلاً وإن وجهه يتلهب لمزيد حسنه كما تتلهب النار. قال القرطبي أو لأن الله أراد أن يحقق نسبته بأن يدخله النار فيكون أبا لهب تحقيقاً للنسب وإمضاء للفأل والطيرة التي اختارها لنفسه، وقيل اسمه

стр. 11993

كنيته، وروى صاحب الكشاف أنه قرىء تبت يدا أبو لهب وذكر وجه ذلك. (وتب) أي هلك، قال الفراء: الأول دعاء عليه، والثاني خبر كما تقول أهلكه الله وقد هلك، والمعنى أنه قد وقع ما دعى به عليه، وتدل عليه قراءة ابن مسعود (وقد تب) وقيل كلاهما إخبار أراد بالأول هلاك عمله وبالثاني هلاك نفسه، وقيل كلاهما دعاء عليه ويكون في هذا شبه من مجيء العام بعد الخاص، وإن كان حقيقة اليدين غير مرادة. وقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عباس قال: " لما نزلت (وأنذر عشيرتك الأقربين) خرج النبي ﵌، حتى صعد الصفا فهتف يا صباحاه فاجتمعوا إليه فقال أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلاً تخرج بسفح هذا الجبل أكنتم مصدقي قالوا ما جربنا عليك كذباً قال فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، فقال أبو لهب تباً لك إنما جمعتنا لهذا، ثم قام فنزلت هذه السورة (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ) (١).

стр. 11994

(مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ) أي ما دفع عنه ما حل به من التباب وما نزل به من عذاب الله ما جمع من المال ولا ما كسب من الأرباح والجاه، أو المراد بقوله (ماله) ما ورثه من أبيه (وما كسب) الذي كسبه بنفسه. قال مجاهد: وما كسب من ولد وولد الرجل من كسبه، ويجوز أن تكون (ما) في قوله ما أغنى استفهامية أي أيّ شيء أغنى عنه وكذا في قوله (وما كسب) أي وأيّ شيء كسب أو مصدرية أي وكسبه. والظاهر أن (ما) الأولى نافية والثانية موصولة. عن عائشة " قالت إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ابنه من كسبه

стр. 11995

ثم قرأت (ما أغنى عنه ماله وما كسب) قالت وما كسب ولده " أخرجه ابن أبي حاتم، وعن ابن عباس قال كسبه ولده أي عتيبة بالتصغير وأما عتبة فقد أسلم، وفسر الكسب بالولد ليغاير ما قبله فيسلم من التكرار. ومات أبو لهب بالعدسة بعد وقعة بدر لسبع ليال، قال الشهاب العدسة قرحة تعتري الإنسان كانت العرب تهرب منها لأنها بزعمهم تعدي أشد العدوى. ثم أوعده الله سبحانه بالنار فقال

стр. 11996

(سيصلى ناراً) قرأ الجمهور بفتح اللام وإسكان الصاد وتخفيف اللام أي سيصلى هو بنفسه النار ويحترق بها، وصلى من باب تعب، وقرىء بضم الياء وفتح الصاد وتشديد اللام والمعنى سيصليه الله. ومعنى (ذات لهب) ذات اشتعال وتوقد وهي نار جهنم

стр. 11997

(وامرأته حمالة الحطب) معطوف على الضمير في يصلى وجاز ذلك للفصل، أي وتصلى امرأته ناراً ذات لهب، وهي أم جميل بنت حرب أخت أبي سفيان، وكانت عوراء تحمل الغضى والشوك والسعدان فتطرحها بالليل على طريق النبي ﷺ ، كذا قال ابن زيد والضحاك والربيع بن أنس ومرة الهمداني. وقال مجاهد وقتادة والسدي: أنها كانت تمشي بالنميمة بين الناس، والعرب تقول فلان يحطب على فلان إذا نم به، وقال سعيد بن جبير معنى حمالة الحطب أنها حمالة الخطايا والذنوب من قولهم فلان يحتطب على ظهره كما في قوله (وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم) وقيل المعنى حمالة الحطب في النار. قرأ الجمهور حمالة بالرفع على الخبرية على أنها جملة مسوقة للإخبار بأن امرأة أبي لهب حمالة الحطب، وأما على ما قدمنا من عطف (وامرأته) على الضمير في (يصلى) فيكون رفع حمالة على النعت لامرأته والإضافة

стр. 11998

حقيقية لأنها بمعنى المضي أو على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هي حمالة. وقرأ عاصم بالنصب على الذم أو على أنه حال من امرأته، وقرىء حاملة الحطب، وعن ابن عباس في الآية قال كانت تحمل الشوك فتطرحه على طريق النبي ﵌، لتعقره وأصحابه، وقال حمالة الحطب: نقالة الحديث.

стр. 11999

(في جيدها حبل من مسد) الجيد العنق والمسد الليف الذي تفتل منه الحبال، قال أبو عبيدة المسد هو الحبل من صوف، وقال الحسن هي حبال تكون من شجر ينبت باليمن يسمى بالمسد، وقد تكون الحبال من جلود الإبل أو من أوبارها والمسد أيضاًً ليف المقل أو مطلق الليف، والمقل شجر الدوم كما في المصباح والمختار. وفي القاموس (المسد) بسكون السين مصدر بمعنى الفتل، وبفتحها المحور من الحديد أو حبل من ليف أو كل حبل محكم الفتل، والجمع مساد وأمساد. قال الضحاك وغيره هذا في الدنيا كانت تعير النبي ﵌، بالفقر وهي تحتطب في حبل تجعله في عنقها فخنقها الله به فأهلكها، وهو في الآخرة حبل من نار. وقال مجاهد وعروة بن الزبير هو سلسلة من نار يدخل في فيها ويخرج من أسفلها، وقال قتادة هو قلادة من ودع كانت لها قال الحسن إنما كان خرزاً في عنقها، وقال سعيد بن المسيب كانت لها قلادة فاخرة من جوهر فقالت واللات والعزى لأنفقتها في عداوة محمد ﵌ فيكون ذلك عذاباً في جسدها يوم القيامة. والمسد الفتل يقال مسد حبله يمسده مسداً أجاد فتله، قال ابن عباس هي حبال تكون بمكة، ويقال المسد العصا التي تكون في البكرة. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو زرعة عن أسماء بنت أبي بكر قالت " لما نزلت

стр. 12000

(تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ) أقبلت العوراء أم جميل بنت حرب ولها ولولة وفي يدها فهر وهي تقول: مذمماً أبينا .. ودينه قلينا .. وأمره عصينا ورسول الله صلى الله عليه وآله جالس في المسجد ومعه أبو بكر، فلما رآها أبو بكر قال يا رسول الله قد أقبلت وأنا أخاف أن تراك، فقال رسول الله ﵌ إنها لن تراني ". قال تعالى (وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا) فأقبلت حتى وقفت على أبي بكر ولم تر رسول الله ﵌ فقالت يا أبا بكر إني أخبرت أن صاحبك هجاني، قال لا ورب الكعبة ما هجاك فولت وهي تقول: قد علمت قريش أني ابنة سيدها وأخرجه البزار بمعناه وقال لا نعلمه يروى بأحسن من هذا الإسناد.

стр. 12001

سورة الإخلاص ولها أسماء كثيرة ذكرها الخطيب، وزيادة أسماء تدل على شرف المسمى، وهذه السورة مصرحة بالتوحيد رادة على عباد الأصنام والأوثان والقائلين بالثنوية والتثليث، هي أربع أو خمس آيات وهي مكية في قول ابن مسعود والحسن وعطاء وعكرمة وجابر، ومدنية في أحد قولي ابن عباس وقتادة والضحاك والسدي. عن أبيّ بن كعب " أن المشركين قالوا للنبي ﵌ يا محمد انسب لنا ربك فأنزل الله (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) إلخ أليس شيء يولد إلا سيموت وليس شيء يموت إلا سيورث وإن الله لا يموت ولا يورث ولم يكن له شبيه ولا عدل وليس كمثله شيء " رواه أحمد والبخاري في تاريخه وابن خزيمة والحاكم وصححه وغيرهم، ورواه الترمذي من طريق أخرى عن أبي العالية مرسلاً ولم يذكر أبياً ثم قال وهذا أصح. وعن جابر قال: جاء أعرابي إلى النبي ﵌ فقال انسب لنا ربك فأنزل الله (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) إلى آخر السورة أخرجه الطبراني والبيهقي وأبو نعيم وغيرهم وحسن السيوطي إسناده (١). وعن ابن مسعود قال: قالت قريش لرسول الله ﵌ انسب لنا ربك فنزلت هذه السورة " أخرجه أبو الشيخ في العظمة والطبراني.

стр. 12002

وعن ابن عباس " أن اليهود جاءت إلى النبي ﵌ منهم كعب بن الأشرف وحيي بن أخطب فقالوا يا محمد صف لنا ربك الذي بعثك فأنزل الله (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ) فيخرج من الولد (وَلَمْ يُولَدْ) فيخرج من شيء " رواه البيهقي وغيره. وعن أبيّ بن كعب قال: قال رسول الله ﵌ " من قرأ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) فكأنما قرأ ثلث القرآن " أخرجه أحمد والنسائي وغيرهما).

стр. 12003

وعن أنس قال " جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال إني أحب هذه السورة (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) فقال رسول الله ﷺ " حبك إياها أدخلك الجنة " رواه أحمد والترمذي وابن الضريس والبيهقي في سننه. وقد وردت أحاديث كثيرة في أن من قرأ هذه السورة كذا غفر له ذنوب كذا وكذا، وهي في السنن وغيرها ولكنها ضعيفة غريبة، وفيها من هو متهم بالوضع، وقد روي من غير وجه أنها تعدل ثلث القرآن (١) وفيها ما هو صحيح وفيها ما هو حسن. فمن ذلك ما أخرجه أحمد والبخاري وغيرهما عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﵌ " والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن يعني (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) " (٢)، قيل ولاشتمال هذه السورة مع قصرها على جميع المعارف الإلهية، والرد على من ألحد فيها جاء في الحديث أنها تعدل ثلث القرآن، فإن مقاصده محصورة في بيان العقائد والأحكام والقصص، وما في الكشاف من أنها تعدل القرآن كله قال الدواني لم أره في شيء من كتب التفسير والحديث انتهى. ولو لم يرد في فضل هذه السورة إلا حديث عائشة عند البخاري ومسلم وغيرهما، أن النبي ﵌ بعث رجلاً في سرية فكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم فيختم بقل هو الله أحد، فلما رجعوا ذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فقال " سلوه لأي شيء يصنع ذلك " فسألوه فقال لأنها صفة الرحمن وأنا أحب أن أقرأ بها فقال " أخبروه أن الله تعالى يحبه ". هذا لفظ البخاري في كتاب التوحيد، وأخرج البخاري أيضاً في كتاب الصلاة من حديث أنس قال كان رجلاً من الأنصار في مسجد قباء فكان كلما افتتح سورة فقرأ بها لهم في الصلاة مما يقرأ به افتتح بقل هو الله أحد حتى يفرغ منها ثم يقرأ سورة أخرى معها وكان يصنع ذلك في كل ركعة، فكلمه أصحابه فقالوا إنك تفتتح بهذه السورة ثم لا ترى أنها تجزيك حتى تقرأ بالأخرى، فإما أن تقرأ بها وإما أن تدعها وتقرأ

стр. 12004

بأخرى قال ما أنا بتاركها إن أحببتم أن أؤمكم بذلك فعلت وإن كرهتم تركتكم، وكانوا يرون أنه من أفضلهم، فكرهوا أن يؤمهم غيره، فلما أتاهم النبي ﵌ أخبروه الخبر فقال " يا فلان ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك وما حملك على لزوم هذه السورة في كل ركعة "، فقال إني أحبها قال " حبك إياها أدخلك الجنة " وقد روي بهذا اللفظ من غير وجه عند غير البخاري. وهذه السورة قد تجردت للتوحيد والصفات، وفيه دليل على شرف علم التوحيد وكيف لا والعلم يشرف بشرف المعلوم، ويتضع بضعته، ومعلوم هذا العلم هو الله سبحانه وصفاته وما يجوز عليه وما لا يجوز عليه، فما ظنك بشرف منزلته وجلالة محله. وفي التوحيد وصفاته سبحانه كتب ورسائل مستقلة مفرزة تصدّي لجمعها وتأليفها عصابة من أهل العلم بالكتاب العزيز والسنة المطهرة منهم شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني وتلميذه الحافظ محمد بن أبي بكر بن القيم وغيرهما من سلف الأئمة وخلفها كالمقريزي والشوكاني ومحمد بن إسماعيل الأمير اليماني ومحمد بن إسماعيل واحشرنا في زمرة العالمين بك العاملين لك، الراجين لثوابك الخائفين من عقابك المكرمين بلقائك، وتقبل منا إنك أنت السميع العليم.

стр. 12005

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)

стр. 12006

(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) الضمير يجوز أن يكون عائداً إلى ما يفهم من السياق لما قدمنا من بيان سبب النزول وإن المشركين قالوا يا محمد انسب لنا ربك فيكون مبتدأ، والله مبتدأ ثان واحداً خبر المبتدأ الثاني، والجملة خبر المبتدأ الأول، ويجوز أن يكون الله بدلاً من هو والخبر أحد، ويجوز أن يكون الله خبراً أول وأحد خبراً ثانياً، ويجوز أن يكون أحد خبراً لمبتدأ محذوف أي هو أحد، ويجوز أن يكون هو ضمير شأن لأنه موضع تعظيم، والجملة بعده مفسرة له وخبر عنه والأول أولى. قال الزجاج هو كناية عن ذكر الله والمعنى أن ما سألتم تبيين نسبته هو الله أحد، قيل وهمزة أحد بدل من الواو وأصله واحد، ومن جملة القائلين بالقلب الخليل، وقال أبو البقاء همزة أحد أصل بنفسها غير مقلوبة، وذكر أن أحد يفيد العموم دون واحد. ومما يفيد الفرق بينهما ما قاله الأزهري أنه لا يوصف بالأحدية غير الله تعالى، لا يقال رجل أحد ولا درهم أحد كما يقال رجل واحد ودرهم واحد، قيل والواحد يدخل في الأحد والأحد لا يدخل فيه، فإذا قلت لا يقاومه واحد جاز أن يقال لكنه يقاومه إثنان بخلاف قولك لا يقاومه أحد. وفرق ثعلب بين واحد وبين أحد بأن الواحد يدخل في العدد، وأحد لا يدخل فيه ورد عليه أبو حيان بأنه يقال أحد وعشرون ونحوه فقد دخله العدد، وهذا كما ترى انتهى.

стр. 12007

وذكر أحد في الإثبات مع أن المشهور أنه يستعمل بعد النفي كما أن الواحد لا يستعمل إلا بعد الإثبات يقال في الدار واحد وما في الدار أحد. فالجواب عنه ما قال ابن عباس أنه لا فرق بينهما في المعنى، واختاره أبو عبيدة ويؤيده قوله تعالى (فابعثوا أحدكم بورقكم) وعليه فلا يختص أحدهما بمحل دون آخر، وإن اشتهر استعمال أحدهما في النفي والآخر في الإثبات. ويجوز أن يكون العدول عن المشهور هنا رعاية الفاصلة بعد فدل بقوله (الله) على جميع صفات الكمال وهي الثبوتية كالعلم والقدرة والإرادة وبالأحد على صفات الجلال وهي الصفات السلبية كالقدم والبقاء كذا قال الكرخي. قرأ الجمهور قل هو الله بإثبات قل، وقرأ ابن مسعود وأبيّ (الله أحد) بدون قل، وقرىء (قل هو الله الواحد) وقرأ الجمهور بتنوين أحد وهو الأصل وقرىء بحذفه للخفة، وقيل إن ترك التنوين لملاقاته لام التعريف فيكون الترك لأجل الفرار من التقاء الساكنين، ويجاب عنه بأن الفرار من التقاء الساكنين قد حصل مع التنوين بتحريك الأول منهما بالكسر.

стр. 12008

(الله الصمد) الإسم الشريف مبتدأ والصمد خبره، والصمد هو الذي يصمد إليه في الحاجات أي يقصد لكونه قادراً على قضائها فهو فعل بمعنى مفعول كالقبض بمعنى المقبوض، لأنه مصمود إليه أي مقصود إليه. قال الزجاج: الصمد السيد الذي انتهى إليه السؤدد فلا سيد فوقه، وقيل معنى الصمد الدائم الباقي الذي لم يزل ولا يزول، وقيل معنى الصمد ما ذكر بعده من أنه الذي لم يلد ولم يولد، وقيل هو المستغني عن كل أحد، والمحتاج إليه كل أحد، وقيل هو المقصود في الرغائب والمستعان به في المصائب، وهذان القولان يرجعان إلى معنى القول الأول، وقيل هو الذي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وقيل هو الكامل الذي لا عيب فيه. وقال الحسن وعكرمة والضحاك وسعيد بن جبير وسعيد بن المسيب

стр. 12009

ومجاهد وعبد الله بن بريدة وعطاء وعطية العوفي والسدي: (الصمد) هو المصمت الذي لا جوف له، وهذا لا ينافي القول الأول لجواز أن يكون هذا أصل معنى الصمد ثم استعمل في السيد المصمود إليه في الحوائج، ولهذا أطبق على القول الأول أهل اللغة وجمهور أهل التفسير. وتكرير الإسم الجليل للإشعار بأن من لم يتصف بذلك فهو بمعزل عن استحقاق الألوهية، وحذف العاطف من هذه الجملة لأنها كالنتيجة للجملة الأولى. وقيل أن الصمد صفة للإسم الشريف، والخبر هو ما بعده والأول أولى لأن السياق يقتضي استقلال كل جملة. وعن بريد قال: (الصمد) الذي لا جوف له وروي عنه مرفوعاً ولا يصح رفعه وعن ابن مسعود مثله وفي لفظ ليس له أحشاء، وعن ابن عباس مثله، وعنه قال الصمد الذي لا يطعم وهو المصمت، وقد روي عنه أنه الذي يصمد إليه في الحوائج، وفي لفظ الصمد السيد الذي قد كمل في سؤدده الشريف الذي قد كمل في شرفه، والعظيم الذي قد كمل في عظمته، والحليم الذي قد كمل في حلمه، والغني الذي قد كمل في غناه، والجبار الذي قد كمل في جبروته، والعالم الذي قد كمل في علمه، والحكيم الذي قد كمل في حكمته، وهو الذي قد كمل في أنواع الشرف والسؤدد، وهو الله سبحانه، هذه صفة لا تنبغي إلا له، ليس له كفء وليس كمثله شيء. وعن ابن مسعود قال الصمد وهو السيد الذي قد انتهى سؤدده فلا شيء أسود منه، وعن ابن عباس قال الصمد الذي تصمد إليه الأشياء إذا نزل بهم كربة أو بلاء.

стр. 12010

(لم يلد ولم يولد) أي لم يصدر عنه ولد كما ولدت مريم. ولم يصدر هو عن شيء كما ولد عيسى وعزير لأنه لا يجانسه شيء، ولاستحالة نسبة العدم إليه سابقاً ولاحقاً وقد دل على هذا قوله تعالى (أنى يكون له ولد ولم
следующие страницы →