(وإذ قلتم) أي اذكروا يا بني إسرائيل إذ قال أسلافكم، وهذا تذكير لجناية أخرى صدرت منهم وإسناد الفعل إلى فروعهم وتوجيه التوبيخ إليهم لما بينهم وبين أصولهم من الأتحاد.
(يا موسى لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها) هذا تضجر منهم بما صاروا فيه من النعمة والرزق الطيب، والعيش المستلذ، ونزوع ما ألفوه قبل ذلك من خشونة العيش، ويحتمل أن لا يكون هذا منهم تشوقاً إلى ما كانوا فيه وبطراً لما صاروا إليه من المعيشة الرافهة بل هو باب من تعنتهم وشعبة من شعب تعجرفهم كما هو دأبهم وهجيرهم في غالب ما قص علينا من أخبارهم.
وقال الحسن البصري أنهم كانوا أهل كراث وأبصال وأعداس فنزعوا إلى مكرهم مكر السوء، واشتاقت طباعهم إلى ما جرت عليه عادتهم فقالوا لن نصبر على طعام واحد أي نوع منه والمراد بالطعام الواحد هو المن والسلوى، وهما وإن كانا طعامين لكن لما كانوا يأكلون أحدهما بالآخر جعلوهما طعاماً واحداً وقيل لتكررهما في كل يوم وعدم وجود غيرهما معهما ولا تبدلة بهما، والبقل كل نبات ليس له ساق والشجر ماله ساق.
وقال في الكشاف البقل ما أنبتته الأرض من الخضر والمراد به أطائب
стр. 247
البقول التي يأكلها الناس كالنعناع والكرفس والكراث وأشباهها انتهى وجمعه بقول، والقثاء معروف الواحد قثاءة وفيها لغتان كسر القاف وضمها والمشهور الكسر والفوم قيل هو الثوم وقد قرأه ابن مسعود بالثاء وروي نحو ذلك عن ابن عباس، وقيل الفوم الحنطة، وإليه ذهب أكثر المفسرين كما قال القرطبي، وقد رجح هذا ابن النحاس، قال الجوهري: وممن قال بهذا الزجاج والأخفش وقال بالأول الكسائي والنضر بن شميل، وقيل الفوم السنبلة وقيل الحمص وقيل الفوم كان حباً يخبز، والعدس والبصل معروفان، قيل إنما طلبوا هذه الأنواع لأنها تعين على تقوية الشهوة أو لأنهم ملوا من البقاء في التيه، فسألوا هذه الأطعمة التي لا توجد إلا في البلاد، وكان غرضهم الوصول إلى البلاد لا تلك الأطعمة والأول أولى.
(قال) يعني موسى ﵇ لهم وقيل القائل هو الله والأول أولى (أتستبدلون الذي هو أدنى) أي أخس وأردأ، وهو الذي طلبوه والاستبدال وضع الشيء موضع الآخر، قال الزجاج أدق مأخوذ من الدنو أي القرب وقيل من الدناءة وقيل أصله أدون من الدون أي الرديء، والهمزة للإنكار مع التوبيخ، والمراد أتضعون هذه الاشياء التي هي دون موضع المن والسلوى اللذين هما خير منها من جهة الاستلذاذ والوصول من عند الله بغير واسطة أحد من خلقه، والحل الذي لا تطرقه الشبهة وعدم الكلفة بالسعي له والتعب في تحصيله (بالذي هو خير) أي أشرف وأفضل وهو ما هم فيه.
(اهبطوا مصراً) أي انزلوا مصراً وانتقلوا من هذا المكان إلى مكان آخر، فالهبوط لا يختص بالنزول من المكان العالي إلى الأسفل بل قد يستعمل في الخروج من أرض إلى أرض مطلقاً قاله الشهاب، وظاهر هذا أن الله أذن لهم بدخول مصر، وقيل أن الأمر للتعجيز والإهانة لأنهم كانوا في التيه لا يمكنهم هبوط مصر لانسداد الطرق عليهم إذ لو عرفوا طريق مصر لما أقاموا أربعين سنة متحيرين لا يهتدون إلى طريق من الطرق، فهو مثل قوله تعالى (كونوا
стр. 248
حجارة أو حديداً) قال الخليل وسيبويه أراد مصراً من الأمصار ولم يرد المدينة المعروفة وهو خلاف الظاهر، بل يجوز صرفه مع حصول العلمية والتأنيث لأنه ثلاثي ساكن الأوسط وبه قال الأخفش والكسائي، والمصر في الأصل الحد الفاصل بين الشيئين وقيل المصر البلدة العظيمة.
(فإن لكم ما سألتم) يعني من نبات الأرض (وضربت عليهم) أي على فروعهم وأخلافهم (الذلة) أي الهوان وقيل الجزية وزي اليهودية وفيه بعد والأول أولى والمعنى جعلت الذلة محيطة بهم مشتملة عليهم وألزموا الذل والهوان بسبب قتلهم عيسى في زعمهم، والذلة بالكسر الصغار والحقارة والذلة بالضم ضد العجز.
(والمسكنة) أي الفقر والفاقة وسمى الفقير مسكيناً لأن الفقر أسكنه وأقعده عن الحركة، ومعنى ضرب الذلة والمسكنة إلزامهم بذلك والقضاء به عليهم قضاء مستمراً لا يفارقهم ولا ينفصل عنهم مع دلالته على أن ذلك مشتمل عليهم اشتمال القباب على من فيها، أو لازم لهم لزوم الدرهم المضرب لسكته.
وهذا الخبر الذي أخبر الله تعالى به وهو معلوم في جميع الأزمنة فإن اليهود أقمأهم الله أذل الفرق وأشدهم مسكنة وأكثرهم تصاغراً، لم ينتظم لهم جمع ولا خفقت على رؤسهم راية، ولا ثبتت لهم ولاية بل ما زالوا عبيد العصى في كل زمن، وطروقة كل فحل في كل عصر، ومن تمسك منهم بنصيب من المال وإن بلغ في الكثرة أي مبلغ فهو متظاهر بالفقر مرتد بأثواب المسكنة ليدفع عن نفسه أطماع الطامعين في ماله، إما بحق كتوفير ما عليه من الجزية أو بباطل كما يفعله كثير من الظلمة من التجارىء على الله بظلم من لا يستطيع الدفع عن نفسه، فلا ترى أحداً من أهل الملل أذل ولا أحرص على المال من اليهود كأنهم فقراء وإن كانوا أغنياء مياسير.
стр. 249
(وباءوا) رجعوا يقال باء بكذا أي رجع والمراد أنهم رجعوا (بغضب من الله) أو صاروا أحقاء بغضبه، وقال أبو عبيدة والزجاج احتملوه وقيل أقروا به وقيل استحقوه وقيل لازموه، وهو الأوجه يقال بوأته منزلاً فتبوأ أي ألزمته فلزمه (ذلك) أي ما تقدم من ضرب الذلة وما بعده.
(بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق) أي بسبب كفرهم بالله وقتلهم الأنبياء بغير حق يحق عليهم اتباعه والعمل به ولم يخرج هذا مخرج التقييد حتى يقال أنه لا يكون قتل الأنبياء بحق في حال من الأحوال لمكان العصمة، بل المراد نعي هذا الأمر عليهم وتعظيمه وأنه ظلم بحت في نفس الأمر، وممكن أن يقال أنه ليس بحق في اعتقادهم الباطل لأن الأنبياء لم يعارضوهم في مال ولا جاه بل أرشدوهم إلى مصالح الدين والدنيا كما كان من شعيا وزكريا ويحيى فإنهم قتلوهم وهم يعلمون ويعتقدون أنهم ظالمون وإنما حملهم على ذلك حب الدنيا واتباع الهوى، عن ابن مسعود قال كانت بنو إسرائيل في اليوم تقتل ثلثمائة نبي ثم يقيمون سوق بقلهم في آخر النهار.
(ذلك) تكرير الإشارة لقصد التأكيد وتعظيم الأمر عليهم وتهويله، ومجموع ما بعد الإشارة الأولى والإشارة الثانية هو السبب لضرب الذلة وما بعده، وقيل يجوز أن يكون الإشارة الثانية إلى الكفر والقتل فيكون ما بعدها سبباً للسبب قاله الزمخشري وهو بعيد جداً (بما عصوا) أمري (وكانوا يعتدون) الاعتداء تجاوز الحد في كل شيء أي يتجاوزون أمري ويرتكبون محارمي.
(إن الذين آمنوا) قيل أن المراد بهم المنافقون بدلالة جعلهم مقترنين باليهود والنصارى والصابئين أي آمنوا في الظاهر، والأولى أن يقال أن المراد الذين صدقوا النبي ﷺ وصاروا من جملة أتباعه، وكأنه سبحانه أراد أن يبين أن حال هذه الملة الإسلامية وحال من قبلها من سائر الملل يرجع إلى شيء واحد وهو أن من آمن منهم بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً استحق ما ذكره الله من الأجر، ومن فاته ذلك فاته الخير كله، والأجر دقه وجله.
بالإيمان ههنا هو ما بينه رسول الله ﷺ من قوله لما سأله جبريل ﵇ عن الإيمان فقال " أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والقدر خيره وشره " ولا يتصف بهذا الإيمان إلا من دخل في الملة الإسلامية، فمن لم يؤمن بمحمد ﷺ ولا بالقرآن فليس بمؤمن، ومن آمن بهما صار مسلماً مؤمناً ولم يبق يهودياً ولا نصرانياً ولا مجوسياً.
(والذين هادوا) معناه صاروا يهوداً قيل هو نسبة لهم إلى يهوذا بن يعقوب بالذال المعجمة فقلبتها العرب دالا مهملة، وقيل معنى هادوا تابوا لتوبتهم عن عبادة العجل، ومنه قوله تعالى (إنا هدنا إليك) أي تبنا، وقيل أن معناه السكون والموادعة وقال في الكشاف معناه دخل في اليهودية.
(والنصارى) قال سيبويه مفرده نصران ونصرانة كندمان وندمانة، ولكن لا يستعمل إلا بياء النسب، فيقال رجل نصراني وامرأة نصرانية، وقال الخليل واحد النصارى نصري، وقال الجوهري ونصران قرية بالشام تنسب إليها النصارى، ويقال ناصرة فعلى هذا فالياء للنسب، وقال في الكشاف أن الياء للمبالغة كالتي في أحمري سموا بذلك لأنهم نصروا المسيح.
стр. 252
(والصابئين) جمع صابيء وقيل صاب، والصابيء في اللغة من خرج ومال من دين إلى دين، ولهذا كانت العرب تقول لمن أسلم قد صبأ، سموا هذه الفرقة صابئة لأنها خرجت من دين اليهود والنصارى وعبدوا الملائكة وقيل عبدوا الكواكب، وقال البيضاوي إنهم قوم بين اليهود والمجوس انتهى، ثم جعل هذا اللقب علماً لطائفة من الكفار، وقيل هم يدعون أنهم على دين صابيء بن شيث بن آدم والأول أولى.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه في الرد على المنطقيين إن حران كانت دار هؤلاء الصابئة وفيها ولد إبراهيم ﵇ أو انتقل إليها من العراق على اختلاف القولين، وكان بها هيكل العلة هيكل العقل الأول هيكل النفس الكلية هيكل زحل هيكل المشتري هيكل المريخ هيكل الشمس، وكذلك الزهرة وعطارد والقمر، وكان هذا دينهم قبل ظهور النصرانية فيهم، ثم ظهرت النصرانية فيهم مع بقاء أولئك الصابئة المشركين حتى جاء الإسلام ولم يزل بها الصابئة والفلاسفة في دولة الإسلام إلى آخر وقت، ومنهم الصابئة الذين كانوا ببغداد وغيرها أطباء وكتاباً وبعضهم لم يسلم.
ولما قدم الفارابي حران في أثناء المائة الرابعة دخل عليهم وتعلم منهم وأخذ عنهم ما أخذ من المتفلسفة، وكان ثابت بن قرة الحراني صاحب الزيج قد شرح كلام أرسطو في الإلهيات، وقد رأيته وبينت بعض ما فيه من الفساد، فإن فيه ضلالاً كثيراً، وكذلك كان دين أهل دمشق وغيرها قبل ظهور دين النصرانية وكانوا يصلون إلى القطب الشمالي، ولهذا يوجد في دمشق مساجد قديمة فيها قبلة إلى القطب الشمالي، وتحت جامع دمشق معبد كبير له قبلة إلى القطب الشمالي كان لهؤلاء، فإن الصابئة نوعان صابئة حنفاء موحدون، وصابئة مشركون، فالأول هم الذين أثنى الله عليهم بهذه الآية فأثنى على من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً من هذه الملل الأربع: المؤمنين واليهود والنصارى والصابئين، فهؤلاء كانوا يدينون بالتوراة قبل النسخ والتبديل، وكذلك الذين دانوا بالإنجيل قبل النسخ والتبديل، والصابئون الذين كانوا قبل
стр. 253
هؤلاء كالمتبعين لملة إبراهيم إمام الحنفاء قبل نزول التوراة والإنجيل، وهذا بخلاف المجوس والمشركين فإنه ليس فيهم مؤمن، فلهذا قال تعالى (إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شي شهيد) فذكر الملل الست هؤلاء، وأخبر أنه يفصل بينهم يوم القيامة لم يذكر في الست من كان مؤمناً، وإنما ذكر ذلك في الأربعة فقط، ثم إن الصابئين ابتدعوا الشرك فصاروا مشركين، والفلاسفة المشركون من هؤلاء المشركين.
وأما قدماء الفلاسفة الذين كانوا يعبدون الله وحده لا يشركون به شيئاً ويؤمنون بأن الله محدث لهذا العالم ويقرون بمعاد الأبدان، فأولئك من الصابئة الحنفاء الذين أثنى الله عليهم، ثم المشركون من الصابئة كانوا يقرون بحدوث هذا العالم كما كان المشركون من العرب يقرون بحدوثه، وكذلك المشركون من الهند، وقد ذكر أهل المقالات أن أول من ظهر عنه القول بقدمه من هؤلاء الفلاسفة المشركين هو أرسطو، انتهى المقصود منه.
(من آمن بالله واليوم الآخر) في زمن نبينا (وعمل صالحاً) بشريعته (فلهم أجرهم) أي ثواب أعمالهم، والأجر في الاصل مصدر يقال أجره الله يأجره أجراً، وقد يعبر به عن نفس الشيء المجازى به، والآية الكريمة تحتمل المعنيين.
(عند ربهم) " عند " ظرف مكان لازم للإضافة لفظاً ومعنى أي لهم أجرهم ثابتاً عند ربهم.
وقد تقدم تفسير قوله تعالى: (ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) أي في الآخرة حين يخاف الكفار من العذاب ويحزن المقصرون على تضييع العمر، وتفويت الثواب.
стр. 254
وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٦٣)
(وإذ أخذنا ميثاقكم) أي عهدكم يا معشر اليهود والمراد أنه أخذ سبحانه عليهم الميثاق أن يعملوا بما شرعه لهم في التوراة أو بما هو أعم من ذلك أو أخص (ورفعنا فوقكم الطور) يعني الجبل العظيم، والطور اسم الجبل الذي كلم الله عليه موسى ﵇ وأنزل عليه التوراة فيه، قال ابن عباس وكان بنو إسرائيل أسفل منه، وقيل هو اسم لكل جبل بالسريانية، وفي القاموس يطلق على أي جبل كان وصرح به السمين ويطلق أيضاً على جبال مخصوصة بأعيانها، وهذا الجبل رفع فوقهم كان من جبال فلسطين، وعن ابن عباس الطور ما أنبت من الجبال، وما لم ينبت فليس بطور.
وقد ذكر كثير من المفسرين أن موسى لما جاء بني إسرائيل من عند الله بالألواح قال لهم خذوها والتزموها فقالوا لا إلا أن يكلمنا الله بها كما كلمك فصعقوا ثم أحيوا، فقال لهم خذوها والتزموها فقالوا لا فأمر الله الملائكة فاقتلعت جبلاً من جبال فلسطين طوله فرسخ في مثله، وكذلك كان عسكرهم فجعل عليهم مثل الظلمة وأوتوا ببحر من خلفهم ونار من قبل وجوههم وقيل لهم خذوها وعليكم الميثاق أن لا تضيعوها وإلا سقط عليكم الجبل فسجدوا توبة لله، وأخذوا التوراة بالميثاق، قيل وسجدوا على أنصاف وجوههم اليسرى وجعلوا يلاحظون الجبل بأعينهم اليمنى وهم سجود، فصار ذلك سنة في سجود اليهود، قيل فكأنه حصل لهم بعد هذا القسر والإلجاء قبول وإذعان اختياري، وكان يكفي في الأمم السابقة مثل هذا الإيمان.
قال ابن جرير عن بعض العلماء لو أخذوها أول مرة لم يكن عليهم ميثاق، قال ابن عطية والذي لا يصح سواه أن الله سبحانه اخترع وقت
стр. 255
سجودهم الإيمان لأنهم آمنوا كرهاً وقلوبهم غير مطمئنة انتهى، وهذا تكلف ساقط حمله عليه المحافظة على ما قد ارتسم من قواعد مذهبية قد سكن قلبه إليها كغيره، وكل عاقل يعلم أنه لا سبب من أسباب الإكراه أقوى من هذا أو أشد منه، ونحن نقول أكرههم الله على الإيمان فآمنوا مكروهين ورفع عنهم العذاب بهذا الإيمان، وهو نظير ما ثبت في شرعنا من رفع السيف عمن تكلم بكلمة الإسلام والسيف مصلت قد هزه حامله على رأسه.
وقد ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ قال لمن قتل من تكلم بكلمة الإسلام معتذراً عن قتله بأنه قالها تقية ولم يكن عن قصد صحيح " أأنت فتشت عن قلبه (١) " وقال " لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس " قال القفال إنه ليس إجباراً على الإسلام لأن الجبر ما سلب الاختيار بل كان إكراهاً وهو جائز ولا يسلب الاختيار كالمحاربة مع الكفار؛ فأما قوله (لا إكراه في الدين) وقوله (أفأنت تكره الناس) فقد كان قبل الأمر بالقتال ثم نسخ؛ ذكره الشهاب.
(خذوا ما آتيناكم) أي قلنا لهم خذوا ما أعطيناكم (بقوة) القوة الجد والاجتهاد (واذكروا ما فيه) أي ادرسوا ولا تنسوه؛ والمراد بذكر ما فيه أن يكون محفوظاً عندهم ليعملوا به (لعلكم تتقون) أي لكي تنجو من الهلاك في الدنيا والعذاب في العقبى أو رجاء منكم أن تكونوا متقين.
(ثم توليتم) أصل التولي الإدبار عن الشيء والإعراض بالجسم ثم استعمل في الأعراض عن الأمور والأديان والمعتقدات اتساعاً ومجازاً (من بعد ذلك) أي الميثاق أو رفع الطور أو إيتاء التوراة؛ والمراد هنا إعراضهم عن الميثاق المأخوذ عليهم من بعد البرهان لهم والترهيب بأشد ما يكون وأعظم ما تجوزه العقول. وتقدره الأفهام، وهو رفع الجبل فوق رؤوسهم كأنه ظلة عليهم.
(فلولا) حرف امتناع لوجود تختص بالجمل الإسمية (فضل الله عليكم) بأن تدارككم بلطفه؛ والفضل الزيادة والخير والأفضال والإحسان قاله ابن فارس في المجمل (ورحمته) حتى أظهروا التوبة (لكنتم من الخاسرين) أي المغبونين بذهاب الدنيا والهالكين بالعذاب في العقبى: والخسران النقصان.
стр. 258
(ولقد علمتم) أي عرفتم فيتعدى لواحد فقط والفرق بينهما أن العلم يستدعي معرفة الذات وما هي عليه من الاحوال، والمعرفة تستدعي معرفة الذات أو الفرق أن المعرفة يسبقها جهل بخلاف العلم ولذلك لا يجوز إطلاقها عليه سبحانه.
(الذين اعتدوا منكم) أي جاوزوا الحد (في السبت) يقال سبت اليهود لأنهم يعظمونه ويقطعون فيه أعمالهم، وأصل السبت في اللغة القطع لأن الأشياء تمت فيه وانقطع العمل، وقيل هو مأخوذ من السبوت وهو الراحة والدعة، وقال في الكشاف السبت مصدر سبتت اليهود إذا عظمت يوم السبت انتهى، وفيه نظر، فإن هذا اللفظ موجود واشتقاقه مذكور في لسان العرب قبل
стр. 259
فعل اليهود ذلك.
وقد ذكر جماعة من المفسرين أن اليهود افترقت فرقتين، ففرقة اعتدت في السبت أي جاوزت ما أمر الله به من العمل فيه فصادوا السمك الذي نهاهم الله عن صيده فيه، والفرقة الأخرى انقسمت إلى فرقتين: ففرقة جاهرت بالنهي واعتزلت، وفرقة لم توافق المعتدين ولا صادوا معهم لكنهم جالسوهم ولم يجاهروهم بالنهي، ولا اعتزلوا عنهم، فمسخهم الله جميعاً ولم ينج إلا الفرقة الأولى فقط.
وهذه من جملة المحن التي امتحن الله بها هؤلاء الذين بالغوا في العجرفة وعاندوا أنبياءهم وما زالوا في كل موطن يظهرون من حماقاتهم وسخف عقولهم وتعنتهم نوعاً من أنواع التعسف، وشعبة من شعب التكلف، فإن الحيتان كانت في يوم السبت كما وصف الله سبحانه بقوله: (إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعاً ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم) فاحتالوا لصيدها وحفروا الحفائر وشقوا الجداول، فكانت الحيتان تدخلها يوم السبت فيصيدونها يوم الأحد، فلم ينتفعوا بهذه الحيلة الباطلة وكانت هذه القصة في زمن داود بأرض أيلة.
(فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين) أمر تحويل وتسخير وتكوين وهو عبارة عن تعلق القدرة بنقلهم عن الحقيقة البشرية إلى حقيقة القردة أي كونوا مبعدين عن الرحمة مطرودين عن الشرف، وقيل فيه تقديم وتأخير معناه كونوا خاسئين قردة ولهذا لم يقل خاسئات، والخاسيء المبعد، ومنه قوله تعالى (ينقلب إليك البصر خاسئاً) أي مبعداً وقوله (اخسئوا فيها) أي تباعدوا تباعد سخط ويكون الخاسيء بمعنى الصاغر، والمراد هنا كونوا بين المصير إلى أشكال القردة مع كونهم مطرودين صاغرين، فقردة خبر الكون، وخاسئين خبر آخر، وقيل أنه صفة لقردة، والاول أظهر.
стр. 260
وعن ابن عباس قال مسخهم الله قردة بمعصيتهم ولم يعش مسيخ قط فوق ثلاثة أيام ولم يأكل ولم يشرب ولم ينسل، قال الحسن انقطع ذلك النسل، وقال مجاهد مسخت قلوبهم ولم يمسخوا قردة، إنما هو مثل ضربه الله لهم كقوله (مثل الحمار يحمل أسفاراً) وقال ابن عباس صار شباب القوم قردة، والمشيخة صاروا خنازير (١).
واختلف في مرجع الضمير في قوله
стр. 261
(فجعلناها) فقيل المسخة والعقوبة وقيل الأمة، وقيل القرية، وقيل القردة، وقيل الحيتان، والأول أظهر (نكالا) أي عقوبة وعبرة، والنكال الزجر والعقاب، والنكل القيد لأنه يمنع صاحبه (لما بين يديها وما خلفها) أي عقوبة لما مضى من ذنوبهم وعبرة لمن بعدهم إلى يوم القيامة، وقيل من الذنوب التي عملوا قبل وبعد، قاله ابن عباس (وموعظة للمتقين) من قومهم أو لكل متق سمعها. الموعظة مأخوذ من الاتعاظ والإزجار والوعظ التخويف، وقال الخليل الوعظ التذكير بالخير.
(وإذ قال موسى لقومه) توبيخ آخر لأخلاف بني إسرائيل بتذكير بعض جنايات صدرت من أسلافهم، أي اذكروا وقت قول موسى لأصولكم وقد قتل لهم قتيل لا يدرى قاتله، وسألوه أن يدعو الله أن يبينه لهم فدعاه، والقتيل اسمه عاميل.
(إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة) قيل إن قصة ذبح البقرة المذكورة هنا مقدم في التلاوة ومؤخر في المعنى على قوله تعالى (وإذ قتلتم نفساً فادارأتم فيها) ويجوز أن يكون قوله (إذ قتلتم) مقدماً في النزول ويكون الأمر بالذبح مؤخراً، قال الكرخي وإنما أخر أول القصة تقديماً لذكر مساويهم وتعديداً لها ليكون أبلغ في توبيخهم على القتل، ويجوز أن يكون ترتيب نزولها على حسب تلاوتها، فكأن الله أمرهم بذبح البقرة حتى ذبحوها ثم وقع ما وقع من أمر القتل فأمروا أن يضربوا ببعضها، هذا على فرض أن الواو تقتضي الترتيب، وقد تقرر في علم العربية أنها لمجرد الجمع من دون ترتيب ولا معية.
والبقرة اسم للأنثى ويقال للذكر ثور، وقيل إنها تطلق عليهما وأصله من البقر وهو الشق لأنها تشق الأرض بالحرث، قال الأزهري البقر اسم جنس وجمعه باقر (قالوا اتتخذنا هزواً) أي نحن نسألك أمر القتيل وأنت تأمرنا بذبح بقرة، وإنما قالوا ذلك لبعد ما بين الأمرين في الظاهر ولم يعلموا ما وجه الحكمة فيه، والهزو هنا اللعب والسخرية، وإنما يفعل ذلك أهل الجهل لأنه نوع من العبث الذي لا يفعله العقلاء، ولهذا أجابهم موسى بالاستعاذة بالله
стр. 264
سبحانه من الجهل.
(قال) يعني موسى (أعوذ بالله) أي أمتنع به (أن أكون من الجاهلين) أي بالجواب لا على وفق السؤال أو من المستهزئين بالمؤمنين، وهذا أبلغ من قولك أن أكون جاهلاً.
стр. 265
(قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي) أي ما سنها، وهذا السؤال عن صفة البقرة لا عن حقيقتها فإنها معروفة، وهذا نوع من أنواع تعنتهم المألوفة، فقد كانوا يسلكون هذه المسالك في غالب ما أمرهم الله به، ولو تركوا التعنت والأسئلة المتكلفة لأجزاهم ذبح بقرة من عرض البقر، ولكنهم شددوا فشدد الله عليهم.
(قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر) أي لا هي كبيرة ولا صغيرة، والفارض المسنة التي لم تلد ومعناه في اللغة الواسع، قال في الكشاف وكأنها سميت فارضاً لأنها فرضت سنها أي قطعتها وبلغت آخرها انتهى، ويقال للشيء القديم فارض، والبكر الصغيرة الفتية التي لم تحمل ولم تلد، ويطلق في إناث البهائم وبني آدم على ما لم يفتحله الفحل، ويطلق أيضاً على الأول من الأولاد.
(عوان بين ذلك) أي نصف بين سنين، والعوان المتوسطة بين سني الفارض والبكر وهي التي قد ولدت بطناً أو بطنين، ويقال هي التي ولدت مرة بعد مرة والجمع عون بالضم، والإشارة إلى الفارض والبكر وهما وإن كانتا مؤنثتين فقد أشير إليهما بما هو للمذكر على تأويل المذكور كأنه قال ذلك المذكور، وجاز دخول " بين " المقتضية لشيئين لأن المذكور متعدد.
(فافعلوا ما تؤمرون) به أي من ذبح البقرة ولا تكثروا السؤال وهذا تجديد للأمر وتأكيد له وزجر لهم عن التعنت فلم ينفعهم ذلك ولا نجع فيهم، بل رجعوا إلى طينتهم، وعادوا إلى عكرهم واستمروا على عادتهم المألوفة.
стр. 266
قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (٦٩)
و (قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال إنه يقول أنها بقرة صفراء فاقع لونها) اللون واحد الألوان، وجمهور المفسرين على أنها كانت جميعها صفراء، قال بعضهم حتى قرنها وظلفها، وقال الحسن وسعيد بن جبير أنها كانت صفراء القرن والظلف فقط وهو خلاف الظاهر، والمراد بالصفرة هنا الصفرة المعروفة، وروي عن الحسن أن صفراء معناه سوداء، وهذا من بدع التفاسير ومنكراتها، وليت شعري كيف يصدق على اللون الأسود الذي هو أقبح الألوان أنه يسر الناظرين، وكيف يصح وصفه بالفقوع الذي يعرف كل من يعرف لغة العرب أنه لا يجري على الأسود بوجه من الوجوه، فإنهم يقولون في وصف الأسود حالك وحلكوك ودجوجي وغربيب، قال الكسائي يقال فقع لونها إذا خلصت صفرته، وقال في الكشاف الفقوع أشد ما يكون من الصفرة وأنصعه، ومعنى (تسر الناظرين) تدخل عليهم السرور إذا نظروا إليها إعجاباً بها واستحساناً للونها، قال وهب كانت كأن شعاع الشمس يخرج من جلدها يعجبهم حسنها وصفاء لونها (١).
(قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي) أي سائمة أو عاملة وعلى هذا فليس هذا السؤال تكريراً للسؤال الأول كما ادعاه بعضهم، قاله الخطيب (إن البقر تشابه علينا) أي التبس واشتبه أمرها علينا أي أن جنس البقر متشابه عليهم لكثرة ما يتصف منها بالعوان الصفراء الفاقعة (وإنا إن شاء الله لمهتدون) وعدوا من أنفسهم بالإهتداء إلى ما دلهم عليه والامتثال لما أمروا به، قيل لو لم يستثنوا لما بينت لهم آخر الدهر.
стр. 269
(قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول) أي ليست مذللة والذلول التي يذللها العمل (تثير الأرض) أي تقلبها للزراعة (ولا تسقي الحرث) أي ليست بسانية يعني من النواضح التي يسنى عليها ويسقى الزرع، وحرف النفي الآخر توكيد للأول أي هذه بقرة غير مذللة بالحرث ولا بالنضح، ولهذا قال الحسن كانت البقرة وحشية، وقال قوم إن قوله تثير فعل مستأنف والمعنى إيجاب الحرث لها والنضح بها والأول أرجح لأنها لو كانت مثيرة ساقية لكانت مذللة ريضة وقد نفى الله ذلك عنها.
(مُسلَّمة) أي بريئة من العيوب، والمسلمة هي التي لا عيب فيها وقيل مسلمة من العمل وهو ضعيف لأن الله سبحانه قد نفى ذلك عنها، والتأسيس خير من التأكيد، والإفادة أولى من الإعادة (لاشية فيها) أي لا لون فيها غير لونها، والشية مأخوذة من وشي الثوب إذا نسج على لونين مختلفين، وثور موشى: في وجهه وقوائمه سواد ويقال ثور أشيه وفرس أبلق وكبش أخرج
стр. 270
وتيس أبرق وغراب أبقع، كل ذلك بمعنى أبلق والمراد أن هذه البقرة خالصة الصفرة ليس في جسمها لمعة من لون آخر، فلما سمعوا هذه الأوصاف التي لا يبقى بعدها ريب ولا يخالج سامعها شك، ولا تحتمل الشركة بوجه من الوجوه أقصروا من غوايتهم وانتبهوا من رقدتهم، وغرقوا بمقدار ما أوقعهم فيه تعنتهم من التضييق عليهم.
(قالوا الآن جئت بالحق) أي أوضحت لنا الوصف وبينت لنا الحقيقة التي يجب الوقوف عندها، فحصلوا تلك البقرة الموصوفة بتلك الصفات، قيل " أل " في الآن للتعريف الحضوري وقيل زائدة لازمة (فذبحوها) وامتثلوا الأمر الذي كان يسيراً فعسروه وكان واسعاً فضيقوه.
(وما كادوا يفعلون) ما أمروا به لما وقع منهم من التثبط والتعنت وعدم المبادرة فكان ذلك مظنة للاستبعاد محلاً للمجيء بعبارة مشعرة بالتثبط والتعنت الكائن منهم، وقيل أنهم كادوا يفعلون لعدم وجدان البقرة المتصفة بهذه الأوصاف، وقيل لارتفاع ثمنها، وقيل لخوف انكشاف أمر المقتول والأول أرجح.
وقد استدل جماعة من المفسرين والأصوليين بهذه الآية على جواز النسخ قبل إمكان الفعل، وليس ذلك عندي بصحيح لوجهين:
(الأول) أن هذه الأوصاف، المزيدة بسبب تكرار السؤال هي من باب التقييد للمأمور به لا من باب النسخ، وبين البابين بون يعيد كما هو مقرر في علم الأصول.
(الثاني) أما لو سلمنا أن هذا من باب النسخ لا من باب التقييد لم يكن فيه دليل على ما قالوه فإنه قد كان يمكنهم بعد الأمر الأول أن يعمدوا إلا بقرة من عرض البقر فيذبحوها ثم كذلك بعد الوصف بكونها جامعة بين الوصف بالعوان والصفرة، ولا دليل يدل على أن هذه المحاوره بينهم وبين موسى ﵇ واقعة في لحظة واحدة، بل الظاهر أن هذه الأسئلة المتعنتة كانوا يتواطؤون عليها ويديرون
стр. 271
الرأي بينهم في أمرها ثم يوردونها، وأقل الاحوال الاحتمال القادح في الاستدلال.
وعن عبيدة السلماني قال كان رجل من بني إسرائيل عقيماً لا يولد له وكان له مال كثير وكان ابن اخيه وارثه فقتله ثم احتمله ليلاً فوضعه على باب رجل منهم، ثم أصبح يدعيه عليهم حتى تسلحوا وركب بعضهم إلى بعض، فقال ذو الرأي منهم علام يقتل بعضكم بعضاً، وهذا رسول الله فيكم، فأتوا موسى فذكروا ذلك له فقال (إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة) الآية قال فلو لم يعترضوا لأجزأت عنهم أدنى بقرة، ولكنهم شددوا فشدد عليهم حتى انتهوا إلى البقرة التي أمروا بذبحها فوجدوها عند رجل ليس له بقرة غيرها فقال والله لا أنقصها من ملء جلدها ذهباً، فأخذوها بملء جلدها ذهباً فذبحوها فضربوه ببعضها فقام، فقالوا من قتلك، فقال هذا لإبن أخيه، ثم مال ميتاً فلم يعط من ماله شيئاً ولم يورث قاتل بعده.
وعن ابن عباس أن القتيل وجد بين قريتين وأن البقرة كانت لرجل كان يبر أباه فاشتروها بوزنها ذهباً، وقد روي في هذا قصص مختلفة لا يتعلق بها كثير فائدة.
وفي القصة أحكام منها الاستدلال بقوله (إن الله يأمركم) على أن الآمر لا يدخل في عموم الأمر فإن موسى لم يدخل في الأمر بدليل قوله (فذبحوها) ومنها الاستدلال على أن السنة في البقرة الذبح، ومنها الاستدلال على جواز ورود الأمر مجملاً وتأخير بيانه، ومنها دلالة قوله لا فارض ولا بكر وقوله مسلمة على جواز الأجتهاد واستعمال غالب الظن في الأحكام لأن ذلك لا يعلم إلا بالإجتهاد، ومنها أن المستهزيء يستحق سمة الجهل، ومنها دلالة قوله (إن شاء الله) على الاستثناء في الأمور، ومنها دليل أهل السنة في أن الأمر لا يستلزم المشيئة، ومنها الدلالة على حصر الحيوان بالوصف وجواز السلم فيه، ومنها دلالة قوله (فافعلوا ما تؤمرون) على أن الأمر على الفور ويدل على ذلك أنه استقصرهم حين لم يبادروا إلى فعل ما أمرهم به وقال فذبحوها وما كادوا يفعلون.
(وإذ قتلتم نفساً) أي واذكروا يا بني إسرائيل وقت قتل هذه النفس وما وقع فيه من القصة والخطاب لليهود المعاصرين للنبي ﷺ ، وإسناد القتل والتدارىء إليهم، لأن ما يصدر عن الأسلاف ينسب للأخلاف توبيخاً وتقريعاً.
قال الرازي في تفسيره اعلم أن وقوع القتل لابد أن يكون متقدماً لأمره تعالى بالذبح، فأما الإخبار عن وقوع القتل وعن أنه لابد أن يضرب القتيل ببعض تلك البقرة فلا يجب أن يكون متقدماً على الإخبار عن قصة البقرة، فقول من يقول هذه القصة يجب أن تكون متقدمة في التلاوة على الأولى خطأ لأن هذه القصة في نفسها يجب أن تكون متقدمة على الأولى في الوجود، فأما التقدم في الذكر فغير واجب لأنه تارة يقدم ذكر السبب على الحكم، وأخرى على العكس من ذلك، فكأنهم لما وقعت لهم تلك الواقعة أمرهم الله بذبح البقرة فلما ذبحوها قال (وإذ قتلتم نفساً) من قبل، ونسب القتل إليهم لكون القاتل منهم انتهى، والقتيل اسمه عاميل ذكره الكرماني وقيل نكار حكاه الماوردي وقاتله ابن أخيه وقيل أخوه.
(فادارأتم فيها) اختلفتم وتنازعتم لأن المتنازعين يدرأ بعضهم بعضاً أي يدفعه (والله مخرج ما كنتم تكتمون) أي ما كتمتم بينكم من أمر القتل فالله مظهره لعباده ومبينه لهم، وعن المسيب بن رافع قال ما عمل رجل حسنة في سبعة أبيات إلا أظهرها الله وما عمل رجل سيئة في سبعة أبيات إلا أظهرها الله، وتصديق ذلك في كتاب الله.
(والله مخرج ما كنتم تكتمون) وأخرج أحمد والحاكم وصححه عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ لو أن رجلاً عمل عملاً في صخرة صماء لا
стр. 274
باب لها ولا كوة خرج عمله إلى الناس كائناً ما كان.
وأخرج البيهقي من حديث عثمان قال: قال رسول الله ﷺ من كانت له سريرة صالحة أو سيئة أظهر الله عليه منها رداء يعرف به، والموقوف أصح، ولجماعة من الصحابة والتابعين كلمات تفيد هذا المعنى.
стр. 275
(فقلنا اضربوه ببعضها) يعني القتيل، واختلف في تعيين البعض الذي أمروا بأن يضربوا به القتيل فقيل بلسانها وقيل بعجب الذنب وقيل بفخذها اليمين، وقال ابن عباس بالعظم الذي يلي الغضروف، وهو أصل الاذن، ولا حاجة إلى ذلك مع ما فيه من القول بغير علم، ويكفينا أن نقول أمرهم الله بأن يضربوه ببعضها فأي بعض ضربوا به فقد فعلوا ما أمروا به، وما زاد على هذا فهو من فضول العلم إذا لم يرد به برهان، وليس في الكتاب العزيز والسنة المطهرة ما يدل على ذلك البعض ما هو، وذلك يقتضي التخيير.
(كذلك يحيى الله الموتى) أي كمثل هذا الإحياء يوم القيامة، فلا فرق بينهما في الجواز والإمكان، والغرض من هذا الرد عليهم في إنكار البعث، وهذا يقتضي أن يكون الخطاب مع العرب لا مع اليهود لأنهم يقرون بالبعث والجزاء، وعلى هذا الجملة اعتراض في خلال الكلام المسوق في شأن اليهود (ويريكم آياته) أي علاماته ودلائله الدالة على كمال قدرته، وهذا يحتمل أن يكون خطاباً لمن حضر القصة ويحتمل أن يكون خطاباً للموجودين عند نزول القرآن، والرؤية هنا بصرية (لعلكم تعقلون) أي تمنعون أنفسكم من المعاصي.
وقد أخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ في العظمة عن وهب بن منبه قصة طويلة في ذكر البقرة وصاحبها لا حاجة إلى التطويل بذكرها وقد استوفاها السيوطي في الدر المنثور.
стр. 276
ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٧٤)
(ثم) موضوعة للتراخي في الزمان ولا تراخي هنا فهي محمولة على الإستبعاد مجازاً (قست قلوبكم) أي يبست وجفت وقيل غلظت واسودت وصلبت، وقساوة القلب انتزاع الرحمة منه والقسوة الصلابة واليبس وهي عبارة عن خلوها من الإنابة والإذعان لآيات الله مع وجود ما يقتضي خلاف هذه القسوة من إحياء القتيل وتكلمه وتعيينه لقاتله، وفيه استعارة تبعية تمثيلية تشبيهاً لحال القلوب في عدم الاعتبار والإتعاظ بالقسوة.
والإشارة بقوله (من بعد ذلك) إلى ما تقدم من الأيات الموجبة للين القلب ورقته التي جاء بها موسى أو إحياء القتيل بعد ضربه ببعض البقرة، وهذا مؤكد للاستبعاد المذكور أشد تأكيد (فهي) أي القلوب في الغلظة والشدة (كالحجارة) أي كالشيء الصلب الذي لا تخلخل فيه.
قيل (أو) في قوله (أو أشد قسوة) بمعنى الواو كما في قوله تعالى (آثماً أو كفوراً) وقيل هي بمعنى بل واختاره أبو حيان، وعلى أن " أو " على أصلها أو بمعنى الواو فالعطف على قوله كالحجارة أي هذه القلوب هي كالحجارة أو هي أشد قسوة منها فشبهوها بأي الأمرين شئتم فإنكم مصيبون في هذا التشبيه، وقد أجاب الرازي في تفسيره عن وقوع أو ههنا مع كونها للترديد الذي لا يليق بعلام الغيوب بثمانية أوجه.
(وإن من الحجارة) قال في الكشاف إنه بيان لفضل قلوبهم على الحجارة في شدة القسوة وتقرير لقوله أو أشد قسوة انتهى، وفيه أن مجيء البيان بالواو غير معروف ولا مألوف والأولى جعل ما بعد الواو تذييلاً أو حالاً (لما
стр. 277
يتفجر منه الأنهار) قيل أراد به جميع الحجارة وقيل أراد به الحجر الذي كان يضرب عليه موسى ليسقي الأسباط، والتفجر التفتح بالسعة والكثرة (وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء) يعني العيون الصغار التي هي دون الأنهار، التفجر التفتح والشق واحد الشقوق وهو يكون بالطول أو بالعرض بخلاف الانفجار فهو الإنفتاح من موضع واحد مع اتساع الخرق، والمراد أن الماء يخرج من الحجارة من مواضع الانفجار والانشقاق. (١)
(وإن منها لما يهبط من خشية الله) أي أن من الحجارة لما ينحط من المكان الذي هو فيه إلى أسفل منه من الخشية التي تداخله وتحل به، وقيل أن الهبوط مجاز عن الخشوع منها والتواضع الكائن فيها انقياداً لله ، فهو مثل قوله تعالى (لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله) واختاره ابن عطية، وقد حكى ابن جرير عن فرقة أن الخشية للحجارة مستعارة كما استعيرت الإرادة للجدار، وذكر الجاحظ أن الضمير في قوله (وإن منها) راجع إلى القلوب لا إلى الحجارة وهو فاسد فإن الغرض من سياق هذا الكلام هو التصريح بأن قلوب هؤلاء بلغت في القسوة وفرط اليبس الموجبين لعدم قبول الحق والتأثر للمواعظ إلى مكان لا تبلغ إليه الحجارة التي هي أشد الأجسام صلابة وأعظمها صلادة، فإنها ترجع إلى نوع من اللين وهو تفجرها بالماء وتشققها عنه، وقبولها لما توجبه الخشية لله من الخشوع والانقياد بخلاف تلك القلوب.
وفي قوله (وما الله بغافل عما تعملون) من التهديد وتشديد الوعيد ما لا يخفى، فإن الله إذا كان عالماً بما يعملونه مطلعاً عليه، غير غافل عنه، كان لمجازاتهم بالمرصاد.
стр. 278
أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥)
(أفتطمعون) الهمزة للاستفهام وتدخل على ثلاثة من حروف العطف الفاء كما هنا والواو كقوله الآتي (أو لا يعلمون) وثم كقوله (أثم إذا ما وقع) واختلف في مثل هذه التراكيب فذهب الجمهور إلى أن الهمزة مقدمة من تأخير لأن لها الصدر، والتقدير فأتطمعون وألا يعلمون وثم أإذا. وذهب الزمخشري إلى أنها داخلة على محذوف دل عليه سياق الكلام والتقدير هنا أتسمعون إخبارهم وتعلمون أحوالهم فتطمعون (أن يؤمنوا لكم) مع أنهم لم يؤمنوا بموسى، هذا الاستفهام فيه معنى الإنكار كأنه أيسها من إيمان هذه الفرقة من اليهود، والخطاب لأصحاب النبي ﷺ ، أوله ﷺ والجمع للتعظيم (وقد كان فريق منهم) قيل المراد بالفريق هم الذين كانوا مع موسى ﵇ يوم الميقات والفريق اسم جمع لا واحد له من لفظه.
(يسمعون كلام الله) أي التوراة وقيل إنهم سمعوا خطاب الله لموسى ﵇ حين كلمه، وعلى هذا فيكون الفريق هم السبعون الذين اختارهم موسى (ثم يحرفونه) أي يغيرونه ويبدلونه والتحريف الإمالة والتحويل، وثم للتراخي إما في الزمان أو في الرتبة، والمراد من التحريف أنهم عمدوا إلى ما سمعوه من التوراة فجعلوا حلاله حراماً أو نحو ذلك مما فيه موافقة لأهوائهم كتحريفهم صفة رسول الله ﷺ ، وإسقاط الحدود عن أشرافهم، أو سمعوا كلام الله لموسى ﵇ فزادوا فيه ونقصوا، وهذا إخبار عن إصرارهم على الكفر وإنكار على من طمع في إيمانهم وحالهم هذه الحال، أي ولهم سلف حرفوا كلام الله وغيروا شرائعه وهم مقتدون بهم متبعون سبيلهم (من بعدما عقلوه) أي علموا صحة كلام الله ومراده فيه (وهم يعلمون) أي ذلك الذي فعلوه هو تحريف مخالف لما أمرهم الله به من تبليغ شرائعه كما هي، فهم وقعوا
стр. 279
في المعصية عالمين بها وذلك أشد لعقوبتهم وأبين لضلالتهم.
واعلم أن التوراة والإنجيل اللذين عند اليهود والنصارى الآن اختلف فيهما هل هما مبدلان ومحرفان لفظاً أو تأويلاً، فأما التوراة فأفرط فيها قوم وقالوا كلها أو جلها مبدل، وذهبت طائفة من الفقهاء والمحدثين إلى أن ذلك إنما وقع في التأويل فقط كما صرح به البخاري، واختاره الفخر الرازي وغيره لقوله تعالى (قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين) وهو أمر للنبي ﷺ بالاحتجاج بها، والمبدل لا يحتج به ولما اختلفوا في الرجم لم يمكنهم تغيير آيته منها، وتوسطت طائفة وهو الحق فقالوا بدل بعض منهما وحرف لفظه، وأول بعض منهما بغير المراد منه، وأنه لم يعط منها موسى لبني اسرائيل غير سورة واحدة وجعل ما عداها عند أولاد هارون، فلم تزل عندهم حتى قتلوا عن آخرهم في وقعة بختنصر، وبعد ذلك جمع عزير بعضاً منها ممن حفظها فهو الذي عندهم اليوم، وليس أصلها، وفيه زيادة ونقص وخلاف وترجمة وتأويل. (١)
وأما الإنجيل ففيه تبديل وتحريف في بعض ألفاظه ومعانيه وهو مختلف النسخ، والأناجيل أربعة كما فصله بعضهم في كتاب عقده لذلك سماه المفيد في التوحيد.
(وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا) نزلت في اليهود، قال ابن عباس أن منافقي اليهود كانوا إذا لقوا أصحاب رسول الله ﷺ قالوا لهم آمنا بالذي آمنتم به وأن صاحبكم صادق وقوله حق، وأنا نجد نعته وصفته في كتابنا (وإذا خلا بعضهم إلى بعض) يعني كعب بن الأشرف وكعب بن أسد ووهب ابن يهودا رؤساء اليهود لاموا منافقي اليهود على ذلك، وعن عكرمة أنها نزلت في ابن صوريا.
(قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم) وذلك أن ناساً من اليهود أسلموا ثم نافقوا فكانوا يحدثون المؤمنين من العرب بما عذب به آباؤهم، وقيل أن المراد ما فتح الله عليهم في التوراة في صفة محمد- ﷺ ، والفتح عند العرب القضاء والحكم والفتاح القاضي بلغة اليمن، والفتح النصر، ومن ذلك قوله تعالى (يستفتحون على الذين كفروا) وقوله (إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح) ومن الأول (ثم يفتح بيننا بالحق وهو خير الفاتحين) أي الحاكمين ويكون الفتح بمعنى الفرق بين الشيئين وقيل معناه الإنزال، وقيل الإعلام أو التبيين أو المنّ أي ما منّ به عليكم من نصركم على عدوكم.
(ليحاجوكم به) أي ليخاصمكم أصحاب محمد- ﷺ ويحتجوا عليكم بقولكم فيقولون لكم قد أقررتم أنه نبي حق في كتابكم ألا تتبعونه (عند ربكم) في الدنيا والآخرة وقيل عند بمعنى في، وقيل عند ذكر ربكم والأول أولى، والمحاجة إبراز الحجة أي لا تخبروهم بما حكم عليكم الله به من العذاب
стр. 282
فيكون ذلك حجة لهم عليكم فيقولون نحن أكرم على الله منكم وأحق بالخير منه، والحجة الكلام المستقيم، وحاججت فلاناً فحججته أي غلبته بالحجة (أفلا تعقلون) ما فيه الضرر عليكم من هذا التحديث الواقع منكم لهم، وهذا من تمام مقولهم.
ثم وبخهم الله سبحانه فقال
стр. 283
(أو لا يعلمون) أي اليهود (أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون) ما يخفون وما يبدون ويظهرون من جميع أنواع الأسرار، وأنواع الإعلان، ومن ذلك إسرارهم الكفر وإعلانهم الإيمان وتحريف الكلم عن مواضعه، قال ابن عباس هذه الآيات في المنافقين من اليهود، وقال أبو العالية ما يسرون من كفرهم بمحمد ﷺ وتكذيبهم، وما يعلنون حين قالوا للمؤمنين آمنا، وقد قال بمثل هذا جماعة من السلف.
стр. 284
(ومنهم أميون) أي ومن اليهود، والأمي منسوب إلى الأمة الأميّة التي هي على أصل ولادتها من أمهاتها لم تتعلم الكتابة ولا تحسن القراءة للمكتوب، ومنه حديث إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، وقال أبو عبيدة إنما قيل لهم أميون لنزول الكتاب عليهم كأنهم نسبوا إلى أم الكتاب فكأنه قال ومنهم أهل كتاب، وقيل هم نصارى العرب وقيل هم قوم كانوا أهل كتاب فرفع كتابهم لذنوب ارتكبوها، وقيل هم المجوس حكاه المهدوي وقيل غير ذلك والراجح الأول، وقيل أميون أي عوام ومن هذا شأنه لا يطمع في إيمانه.
(لا يعلمون الكتاب إلا أماني) أي أنهم لا علم لهم به إلا ما هم عليه من الأماني التي يتمنونها ويعللون بها أنفسهم، والأماني جمع أمنية وهي ما يتمناه الإنسان لنفسه، فهؤلاء لا علم لهم بالكتاب الذي هو التوراة لما هم عليه من كونهم لا يكتبون ولا يقرؤون المكتوب، والاستثناء منقطع أي لكن الأماني ثابتة لهم من كونهم مغفوراً لهم بما يدعونه لأنفسهم من الأعمال الصالحة أو بما لهم من السلف الصالح في اعتقادهم، وقيل الأماني الأكاذيب المختلفة، قاله ابن عباس أي ولكن يعتقدون أكاذيب اخذوها تقليداً من المحرفين أو مواعيد فارغة
стр. 285
سمعوها منهم من أن الجنة لا يدخلها إلا من كان هوداً، وقيل الأماني التلاوة، ومنه قوله تعالى (إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته) أي إذا تلى ألقى الشيطان في تلاوته أي لا علم لهم إلا مجرد التلاوة من دون تفهم وتدبر، وقراءة عارية عن معرفة المعنى، وقيل الأماني التقدير، قال الجوهري يقال مني له أي قدر، قال في الكشاف والاشتقاق من منى إذا قدر لأن المتمني يقدر في نفسه ويحرز ما يتمناه، وكذلك المختلق والقاريء يقدران كلمة كذا بعد كذا انتهى، وقيل هو من التمني وهو قولهم (لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة) وغير ذلك مما تمنوه، والمعنى لكن يتمنون أشياء لا تحصل لهم (١).
(وإن هم إلا يظنون) أي ليسوا على يقين، والظن هو التردد الراجح بين طرفي الاعتقاد غير الجازم كذا في القاموس، أي ما هم إلا يترددون بغير جزم ولا يقين: وقيل الظن هنا بمعنى الكذب وقيل هو مجرد الحدس.
لما ذكر الله سبحانه أهل العلم بأنهم غير عاملين بل يحرفون كلام الله من بعد ما عقلوه وهم يعلمون، ذكر أهل الجهل منهم بأنهم يتكلون على الأماني ويعتمدون على الظن الذي لا يقفون من تقليدهم على غيره ولا يظفرون بسواه.