(وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا) نزلت في اليهود، قال ابن عباس أن منافقي اليهود كانوا إذا لقوا أصحاب رسول الله ﷺ قالوا لهم آمنا بالذي آمنتم به وأن صاحبكم صادق وقوله حق، وأنا نجد نعته وصفته في كتابنا (وإذا خلا بعضهم إلى بعض) يعني كعب بن الأشرف وكعب بن أسد ووهب ابن يهودا رؤساء اليهود لاموا منافقي اليهود على ذلك، وعن عكرمة أنها نزلت في ابن صوريا.
(قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم) وذلك أن ناساً من اليهود أسلموا ثم نافقوا فكانوا يحدثون المؤمنين من العرب بما عذب به آباؤهم، وقيل أن المراد ما فتح الله عليهم في التوراة في صفة محمد- ﷺ ، والفتح عند العرب القضاء والحكم والفتاح القاضي بلغة اليمن، والفتح النصر، ومن ذلك قوله تعالى (يستفتحون على الذين كفروا) وقوله (إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح) ومن الأول (ثم يفتح بيننا بالحق وهو خير الفاتحين) أي الحاكمين ويكون الفتح بمعنى الفرق بين الشيئين وقيل معناه الإنزال، وقيل الإعلام أو التبيين أو المنّ أي ما منّ به عليكم من نصركم على عدوكم.
(ليحاجوكم به) أي ليخاصمكم أصحاب محمد- ﷺ ويحتجوا عليكم بقولكم فيقولون لكم قد أقررتم أنه نبي حق في كتابكم ألا تتبعونه (عند ربكم) في الدنيا والآخرة وقيل عند بمعنى في، وقيل عند ذكر ربكم والأول أولى، والمحاجة إبراز الحجة أي لا تخبروهم بما حكم عليكم الله به من العذاب
стр. 282
فيكون ذلك حجة لهم عليكم فيقولون نحن أكرم على الله منكم وأحق بالخير منه، والحجة الكلام المستقيم، وحاججت فلاناً فحججته أي غلبته بالحجة (أفلا تعقلون) ما فيه الضرر عليكم من هذا التحديث الواقع منكم لهم، وهذا من تمام مقولهم.
ثم وبخهم الله سبحانه فقال
стр. 283
(أو لا يعلمون) أي اليهود (أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون) ما يخفون وما يبدون ويظهرون من جميع أنواع الأسرار، وأنواع الإعلان، ومن ذلك إسرارهم الكفر وإعلانهم الإيمان وتحريف الكلم عن مواضعه، قال ابن عباس هذه الآيات في المنافقين من اليهود، وقال أبو العالية ما يسرون من كفرهم بمحمد ﷺ وتكذيبهم، وما يعلنون حين قالوا للمؤمنين آمنا، وقد قال بمثل هذا جماعة من السلف.
стр. 284
(ومنهم أميون) أي ومن اليهود، والأمي منسوب إلى الأمة الأميّة التي هي على أصل ولادتها من أمهاتها لم تتعلم الكتابة ولا تحسن القراءة للمكتوب، ومنه حديث إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، وقال أبو عبيدة إنما قيل لهم أميون لنزول الكتاب عليهم كأنهم نسبوا إلى أم الكتاب فكأنه قال ومنهم أهل كتاب، وقيل هم نصارى العرب وقيل هم قوم كانوا أهل كتاب فرفع كتابهم لذنوب ارتكبوها، وقيل هم المجوس حكاه المهدوي وقيل غير ذلك والراجح الأول، وقيل أميون أي عوام ومن هذا شأنه لا يطمع في إيمانه.
(لا يعلمون الكتاب إلا أماني) أي أنهم لا علم لهم به إلا ما هم عليه من الأماني التي يتمنونها ويعللون بها أنفسهم، والأماني جمع أمنية وهي ما يتمناه الإنسان لنفسه، فهؤلاء لا علم لهم بالكتاب الذي هو التوراة لما هم عليه من كونهم لا يكتبون ولا يقرؤون المكتوب، والاستثناء منقطع أي لكن الأماني ثابتة لهم من كونهم مغفوراً لهم بما يدعونه لأنفسهم من الأعمال الصالحة أو بما لهم من السلف الصالح في اعتقادهم، وقيل الأماني الأكاذيب المختلفة، قاله ابن عباس أي ولكن يعتقدون أكاذيب اخذوها تقليداً من المحرفين أو مواعيد فارغة
стр. 285
سمعوها منهم من أن الجنة لا يدخلها إلا من كان هوداً، وقيل الأماني التلاوة، ومنه قوله تعالى (إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته) أي إذا تلى ألقى الشيطان في تلاوته أي لا علم لهم إلا مجرد التلاوة من دون تفهم وتدبر، وقراءة عارية عن معرفة المعنى، وقيل الأماني التقدير، قال الجوهري يقال مني له أي قدر، قال في الكشاف والاشتقاق من منى إذا قدر لأن المتمني يقدر في نفسه ويحرز ما يتمناه، وكذلك المختلق والقاريء يقدران كلمة كذا بعد كذا انتهى، وقيل هو من التمني وهو قولهم (لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة) وغير ذلك مما تمنوه، والمعنى لكن يتمنون أشياء لا تحصل لهم (١).
(وإن هم إلا يظنون) أي ليسوا على يقين، والظن هو التردد الراجح بين طرفي الاعتقاد غير الجازم كذا في القاموس، أي ما هم إلا يترددون بغير جزم ولا يقين: وقيل الظن هنا بمعنى الكذب وقيل هو مجرد الحدس.
لما ذكر الله سبحانه أهل العلم بأنهم غير عاملين بل يحرفون كلام الله من بعد ما عقلوه وهم يعلمون، ذكر أهل الجهل منهم بأنهم يتكلون على الأماني ويعتمدون على الظن الذي لا يقفون من تقليدهم على غيره ولا يظفرون بسواه.
(فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم) الويل الهلاك قال الفراء الأصل في الويل وي أي حزن كما تقول وي لفلان أي حزن له فوصلته العرب باللام، وقال الخليل ولم يسمع على بنائه إلا ويح وويس وويه وويك وويب، وكله متقارب في المعنى، وقد فرق بينها قوم وهي مصادر لم تنطق العرب بأفعالها وجاز الابتداء به وإن كان نكرة لأن فيه معنى الدعاء، وقال ابن عباس الويل شدة العذاب، وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ الويل واد في جهنم يهوي فيه الكافر أربعين خريفاً قبل أن يبلغ قعره أخرجه الترمذي، وقال حديث غريب، والخريف السنة، والكتابة معروفة والمعنى أنهم يكتبون الكتاب المحرف ولا يبينون ولا ينكرونه على فاعله أو ما يكتبونه من التأويلات الزائفة، وقوله (بأيديهم) تأكيد لأن الكتابة لا تكون إلا باليد، فهو مثل قوله (ولا طائر يطير بجناحيه) وقوله (يقولون بأفواههم) قال ابن السراج هو كناية عن أنه من تلقائهم دون أن ينزل عليهم، وفيه أنه قد دل على أنه من تلقائهم قوله (ويكتبون الكتاب) فإسناد الكتابة إليهم يفيد ذلك.
(ثم يقولون هذا) أي جميعاً على الأول وبخصوصه على الثاني وثم للتراخي الرتبي فإن نسبة المحرف والتأويل الزائغ إلى الله سبحانه صريحاً أشد شناعة من نفس التحريف والتأويل (من عند الله ليشتروا به) أي بما كتبوا (ثمناً قليلاً) أي المآكل والرشاء، والاشتراء الاستبدال ووصفه بالقلة لكونه فانياً لا ثواب فيه أو لكونه حراماً لا تحل به البركة فهؤلاء الكتبة لم يكتفوا
стр. 288
بالتحريف، ولا بالكتابة لذلك المحرف حتى نادوا في المحافل بأنه من عند الله لينالوا بهذه المعاصي المتكررة هذا العرض المزر، والعوض الحقير، واستدل به النخعي على كراهة كتابة المصحف بالأجرة.
(فويل لهم مما كتبت أيديهم) تأكيد لقوله (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم) ومع ذلك فيه نوع مغايرة لأن هذا وقع تعليلاً فهو مقصود وذلك وقع صلة فهو غير مقصود، والكلام في هذا كالذي فيما قبله من جهة أن التكرير للتأكيد (وويل لهم مما يكسبون) قيل من الرشاء ونحوها وقيل من المعاصي، وكرر الويل تغليظاً عليهم وتعظيماً لفعلهم وهتكاً لأستارهم. وقال السعد التفتازاني إنما كرر ليفيد أن الهلاك مرتب على كل واحد من الفعلين على حدة لا على مجموع الأمرين، والكسب مسبب فجاء النظم على هذا الترتيب.
وقد ذكر صاحب الدر المنثور آثاراً عن جماعة من السلف أنهم كرهوا بيع المصاحف مستدلين بهذه الآية، ولا دلالة فيها على ذلك، ثم ذكر آثاراً عن جماعة منهم أنهم جوزوا ذلك ولم يكرهوه.
стр. 289
(وقالوا) أي اليهود (لن تمسنا) أي تصيبنا (النار إلا أياماً معدودة) استثناء مفرغ أي قدراً مقدراً يحصرها العد، ويلزمها في العادة القلة ثم يرفع عنا العذاب، وقد اختلف في سبب نزول هذه الآية، قال ابن عباس إن اليهود كانوا يقولون مدة الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنما نعذب بكل ألف سنة من أيام الدنيا يوماً واحداً في النار، وإنما هي سبعة أيام معدودة ثم ينقطع العذاب، فأنزل الله في ذلك هذه الآية.
وعن عكرمة قال اجتمعت يهود يوماً فخاصموا النبي ﷺ فقالوا لن تمسنا النار إلا أربعين يوماً ثم يخلفنا فيها ناس، وأشاروا إلى النبي ﷺ وأصحابه، فقال رسول الله ﷺ ورد يديه على رأسه كذبتم بل أنتم خالدون مخلدون فيها لا نخلفكم
стр. 290
فيها إن شاء الله أبداً ففيهم نزلت هذه الآية، وأخرج أحمد والبخاري والدارمي والنسائي من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ سأل اليهود في خيبر من أهل النار؟ قالوا نكون فيها يسيراً ثم تخلفونا فيها فقال لهم رسول الله ﷺ " اخسئوا والله لا نخلفكم فيها أبدا " (١).
والمراد بقوله (قل أتخذتم عند الله عهداً) الإنكار عليهم لما صدر منهم من هذه الدعوى الباطلة أنها لن تمسهم النار إلا أياماً معدودة أي لم يتقدم لكم مع الله عهد بهذا ولا أسلفتم من الأعمال الصالحة ما يصدق هذه الدعوى حتى يتعين الوفاء بذلك وعدم إخلاف العهد أي إن اتخذتم عهداً (فلن يخلف الله عهده) هذا جواب الاستفهام المتقدم في قوله (أتخذتم) وقال ابن عطية هذا اعتراض بين أثناء الكلام قال الرازي العهد في هذا الوضع يجري مجرى الوعد، وإنما سمى خبره سبحانه عهداً لأن خبره أوكد من العهود المؤكدة (أم تقولون) أم متصلة وحينئذ الاستفهام للتقرير المؤدي إلى التبكيت أو منقطعة والاستفهام لإنكار الاتخاذ ونفيه (على الله ما لا تعلمون).
стр. 291
بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨١)
(بلى) إثبات لما بعد حرف النفي مختص به خبراً واستفهاماً أي بك تمسكم النار أبداً لا على الوجه الذي ذكرتم من كونه أياماً معدودة (من كسب سيئة) المراد بها الجنس هنا ومثله قوله تعالى (وجزاء سيئة سيئة مثلها ومن يعمل سوءاً يجز به) ثم أوضح سبحانه أن مجرد كسب السيئة لا يوجب الخلود في النار بل لا بد أن يكون سببه محيطاً به فقال (وأحاطت به خطيئته) أي أحدقت به من جميع جوانبه فلا تبقى له حسنة وسدت عليه مسالك النجاة، قيل هي الشرك قاله ابن عباس ومجاهد، وقيل هي الكبيرة، وتفسيرها بالشرك أولى لما ثبت في السنة تواتراً من خروج عُصاة الموحدين من النار، ويؤيد ذلك كونها نازلة في اليهود، وإن كان الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب وعليه إجماع المفسرين، وبهذا يبطل تشبث المعتزلة والخوارج، قال الحسن كل ما وعد الله عليه النار فهو الخطيئة استدل به على أن المعلق على شرطين لا ينجز بأحدهما (فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) والخلود في النار هو للكفار والمشركين فيتعين تفسير السيئة والخطيئة في هذه الآية بالكفر والشرك. (١)
(والذين آمنوا وعملوا الصالحات) أي جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح، فإن قلت لو دل الإيمان على العمل لكان ذكر العمل الصالح بعد الإيمان تكراراً، قلت آمنوا يفيد الماضي وعملوا يفيد المستقبل، فكأنه قال آمنوا ثم داموا عليه آخراً، ويدخل فيه جميع الأعمال الصالحة (أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون) لا يخرجون منها ولا يموتون، وأتى بالفاء في الشق الأول دون الثاني إيذاناً بتسبب الخلود في النار على الشرك وعدم تسبب الخلود في الجنة عن الإيمان، بل هو بمحض فضل الله تعالى.
стр. 294
(وإذْ أخذنا) الخطاب مع بني إسرائيل وهم اليهود المعاصرون للنبي ﷺ بما وقع من أسلافهم توبيخاً لهم بسوء صنيع أسلافهم أي اذكروا إذ أخذنا ميثاقهم، وقيل الخطاب للنبي ﷺ والمؤمنين، والأول أولى لأن المقام مقام تذكيرهم، وهذا شروع في تعداد بعض آخر من قبائح أسلاف اليهود بما ينادي بعدم إيمان أخلافهم ليؤديهم التأمل في أحوالهم إلى قطع الطمع في إيمانهم (ميثاق بني إسرائيل) الذين كانوا في زمن موسى، وقد تقدم تفسير الميثاق المأخوذ على بني إسرائيل، وقال مكي إن الميثاق الذي أخذه الله عليهم هنا هو ما أخذه عليهم في حياتهم على ألسن أنبيائهم وهو قوله (لا تعبدون إلا الله) خبر بمعنى النهي وهو أبلغ من صريح النهي لما فيه من الاعتناء بشأن المنهى عنه، وتأكد طلب امتثاله حتى كأنه امتثل وأخبر عنه، وعبادة الله إثبات توحيده
стр. 295
وتصديق رسله، والعمل بما أنزل الله في كتبه.
(وبالوالدين إحساناً) أي معاشرتهما بالمعروف والتواضع لهما وامتثال أمرهما وسائر ما أوجبه الله على الولد لوالديه من الحقوق، ومنه البر بهما والرحمة لهما والنزول عند أمرهما فيما لا يخالف أمر الله ويوصل إليهما ما يحتاجان إليه، ولا يؤذيهما وإن كانا كافرين، وأن يدعوهما إلى الإيمان بالرفق واللين، وكذا إن كانا فاسقين يأمرهما بالمعروف من غير عنف، ولا يقول لهما أف.
(وذي القربى) أي القرابة عطف على الوالدين لأن حقها تابع لحقهما، والإحسان إليهم إنما هو بواسطة الوالدين، والقربى مصدر كالرجعى والعقبى وهم القرابة، والإحسان بهم صلتهم والقيام بما يحتاجون إليه بحسب الطاقة وبقدر ما تبلغ إليه القدرة.
(واليتامى) جمع يتيم، واليتيم في بني آدم من فقد أبوه، وفي سائر الحيوانات من فقدت أمه وأصله الانفراد يقال صبي يتيم أي منفرد من أبيه فإذا بلغ الحلم زال عنه اليتم، وتجب رعاية حقوق اليتيم لثلاثة أمور لصغره ويتمه ولخلوه عمن يقوم بمصلحته إذ لا يقدر هو أن ينتفع بنفسه ولا يقوم بحوائجه.
(والمساكين) جمع مسكين وهو من أسكنته الحاجة وذللته وهو أشد فقراً من الفقير عند أكثر أهل اللغة وكثير من أهل الفقه، وروي عن الشافعي أن الفقير أسوأ حالاً من المسكين، وقد ذكر أهل العلم لهذا البحث أدلة مستوفاة في مواطنها.
(وقولوا للناس حسناً) أي قولاً حسناً سماه حسناً مبالغة، وقريء حسناً بضمتين وهي لغة أهل الحجاز، وحسنى بغير تنوين على أنه مصدر كبشرى، والمراد به ما فيه تخلق وإرشاد، حكاه الأخفش، قال النحاس وهذا لا يجوز في العربية لا يقال من هذا شيء إلا بالألف واللام نحو الفضلى والكبرى والحسنى، وهذا قول سيبويه، وقرأ زيد بن ثابت وابن مسعود حسناً قال
стр. 296
الأخفش هما بمعنى واحد مثل البخل والبخل، والرشد والرشد، فهو صفة مشبهة لا مصدر، كما فهم من عبارة القاموس فسقط ما للكرخي هنا، والظاهر أن هذا القول الذي أمرهم الله به لا يختص بنوع معين بل كل ما صدق عليه إنه حسن شرعاً كان من جملة ما يصدق عليه هذا الأمر، وقد قيل إن ذلك هو كلمة التوحيد، وقيل الصدق، وقيل الأمر بالمعروف، وقيل هو اللين في القول والعشرة وحسن الخلق والنهي عن المنكر وقيل غير ذلك، قيل إن الخطاب للحاضرين من اليهود في زمن النبي ﷺ فلهذا عدل عن الغيبة إلى الخطاب قاله ابن عباس، وقيل إن المخاطبين به هم الذين كانوا في زمن موسى ﵇، وإنما عدل من الغيبة إلى الخطاب على طريق الالتفات.
وتقدم تفسير قوله (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) وهو خطاب لبني إسرائيل فالمراد الصلاة التي كانوا يصلونها والزكاة التي كانوا يخرجونها قال ابن عطية وزكاتهم هي التي كانوا يضعونها فتنزل النار على ما يقبل ولا تنزل على ما لا يقبل.
والخطاب في قوله (وثم توليتم) قيل للحاضرين منهم في عصر النبي ﷺ لأنهم مثل سلفهم في ذلك، وفيها التفات من الغيبة إلى الخطاب أي أعرضتم عن العهد، ومن فوائد الالتفات تطرية الكلام وصيانة السمع عن الضجر والملال لما جبلت عليه النفوس من حب التنقلات والسآمة من الاستمرار على منوال واحد كما هو مقرر في محله، والإعراض والتولي بمعنى واحد وقيل التولي بالجسم والإعراض بالقلب (إلا قليلاً منكم) منصوب على الإستثناء وهو من أقام اليهودية على وجهها قبل النسخ ومن أسلم منهم كعبد الله بن سلام وأصحابه (وأنتم معرضون) كإعراض آبائكم، أمرهم الله تعالى بهذه التكاليف الثمانية لتكون لها المنزلة عنده بما التزموا به ثم أخبر عنهم أنهم ما وفوا بذلك.
стр. 297
وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤)
(وإذْ أخذنا ميثاقكم) قيل هو خطاب لمن كان في زمن النبي ﷺ من اليهود، والمراد أسلافهم المعاصرون لموسى على سنن التذكيرات السابقة، وهذا شروع في بيان ما فعلوه بالعهد المتعلق بحقوق العباد بعد بيان ما فعلوا بالعهد التعلق بحقوق الله وما يجري مجراها، وقيل لآبائهم وفيه تقريع لهم وتوبيخ (لا تسفكون) أي لا تريقون والسفك الصب وقد تقدم (دماءكم) أي لا يفعل ذلك بعضكم ببعض أو لا تسفكوا دماء غيركم فيسفك دماءكم فكأنكم سفكتم دماء أنفسكم فهو من باب المجاز بأدق ملابسة، أو لأنه يوجبه قصاصاً فهو من باب إطلاق المسبب على السبب (ولا تخرجون أنفسكم من دياركم) أي لا يخرج بعضكم بعضاً من داره، وقيل لا تفعلوا شيئاً فتخرجوا بسببه من دياركم، والدار المنزل الذي فيه أبنية المقام بخلاف منزل الارتحال، وقال الخليل كل موضع حله قوم فهو دار لهم وإن لم يكن فيه أبنية، وقيل سميت دار لدورها على سكانها كما يسمى الحائط حائطاً لأحاطته على ما يحويه (ثم أقررتم) من الإقرار أي حصل منكم الاعتراف بهذا الميثاق المأخوذ عليكم أنه حق (وأنتم تشهدون) يا معشر اليهود، الشهادة هنا بالقلوب، وقيل هي بمعنى الحضور أي أنكم الآن تشهدون على أسلافكم بذلك، وعلى هذا إسناداً لإقرار إليهم مجاز وكان الله سبحانه قد أخذ في التوراة على بني إسرائيل أن لا يقتل بعضهم بعضاً ولا ينفيه ولا يسترقه. (١)
(ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقاً منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان) أي أنتم هؤلاء الحاضرون المشاهدون تخالفون ما أخذه الله عليكم في التوراة، وأصل المظاهرة المعاونة مشتقة من الظهر، لأن بعضهم يقوي بعضاً فيكون له كالظهر، ومنه قوله تعالى (وكان الكافر على ربه ظهيراً) وقوله (والملائكة بعد ذلك ظهير) والمعنى تتعاونون عليهم بالمعصية والظلم، والإثم في الأصل الذنب وجمعه آثام ويطلق على الفعل الذي يستحق به صاحبه الذم واللوم، وقيل هو ما تنفر منه النفس ولا يطمئن إليه القلب، والآية تحتمل ما ذكرنا وتحتمل أن يتجوز به عما يوجب الإثم إقامة للسبب مقام المسبب، والعدوان التجاوز في الظلم وهو مصدر كالكفران والغفران، والمشهور ضم فائه وفيه لغة بالكسر.
(وإن يأتوكم) أي الفريق الذي تخرجونه من دياره وقت الحرب حال كونه (أسارى) جميع أسير وهو من يؤخذ قهراً، فعيل بمعنى مفعول، أو جمع أسرى وهو جمع أسير كجرحى وجريح، وبه قرأ حمزة، قال أبو حاتم ولا يجوز أسارى، وقال الزجاج يقال أسارى كما يقال سكارى، قال ابن فارس يقال في جمع أسير أسرى وأسارى انتهى، فالعجب من أبي حاتم حيث ينكر ما ثبت في التنزيل وقرأ به الجمهور، والأسير مشتق من السير وهو القد الذي يشد به المحمل فسمي أسيراً، لأنه يشد وثاقه ثم سمى كل أخيذ أسيراً وإن لم يشد
стр. 300
(تفادوهم) أي بالمال وهو استنقاذهم بالشراء وقيل تبادلوهم وهو مفاداة الأسير، والفداء هو ما يؤخذ من الأسير ليفك به أسره، يقال فداه وفاداه أعطى فداءه وأنقذه (وهو) ضمير الشأن ويسمى ضمير القصة ولا يرجع إلا على ما بعده وفائدته الدلالة على تعظيم المخبر عنه وتفخيمه (محرم عليكم إخراجهم) قال المفسرون كان الله سبحانه قد أخذ على بني إسرائيل في التوراة أربعة عهود: ترك القتل وترك الإخراج وترك المظاهرة وفداء أسراهم فأعرضوا عن كل ما أمروا به إلا الفداء فوبخهم الله على ذلك بقوله:
(أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض) أي إن وجدتموهم في يد غيركم فديتموهم وأنتم تقتلونهم بأيديكم فكان إيمانهم الفداء وكفرهم قتل بعضهم بعضاً فذمهم على مناقضة أفعالهم لأنهم أتوا ببعض ما يوجب عليهم وتركوا البعض، وهذا هو مناط التوبيخ حسبما ما يفيده ترتيب النظم الكريم لأن من قضية الإيمان ببعضه الإيمان بالباقي لكون الكل من عند الله داخلاً في الميثاق (فما جزاء من يفعل ذلك منكم) يا معشر اليهود (إلا خزى في الحياة الدنيا).
الخزي الهوان والعذاب، وقد وقع هذا الجزاء الذي وعد الله به الملاعين اليهود موفراً فصاروا في خزي عظيم بما ألصق بهم من الذل والمهانة بالأسر والقتل وضرب الجزية والجلاء، فكان خزي بني قريظة القتل والسبي، وخزي بني النضير الإجلاء والنفي من منازلهم إلى أريحا وأذرعات من أرض الشام.
(ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب) يعني النار لأنهم جاؤا بذنب شديد ومعصية فظيعة، وهذا إخبار من الله سبحانه بأن اليهود لا يزالون في عذاب موفر لازم لهم بالجزية والصغار والذلة والمهانة (وما الله بغافل عما تعملون) فيه وعيد وتهديد عظيم.
(أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة) بأن آثروها عليها لأن الجمع بين لذات الدنيا والآخرة غير ممكن، فمن اشتغل بتحصيل لذات الدنيا فاتته لذات الآخرة، قال قتادة استحبوا قليل الدنيا على كثير الآخرة (فلا يخفف عنهم العذاب) أبداً ما داموا (ولا هم ينصرون) أي لا يمنعون من عذاب الله، لا يوجد لهم ناصر يدفع عنهم ولا يثبت لهم نصر في أنفسهم على عدوهم.
стр. 303
(ولقد آتينا موسى الكتاب) أي أعطيناه التوراة جملة واحدة مفصلة محكمة، شروع في بيان بعض آخر من جناياتهم وتصديره بالجملة القسمية، لإظهار كمال الاعتناء به (وقفينا من بعده بالرسل) أي أتبعنا، والتقفية الاتباع والإرداف وهو أن يقفو إثره الآخر مأخوذ من القفا وهو مؤخر العتق، والمراد أن الله سبحانه أرسل على إثره رسلاً جعلهم تابعين له وكانت الرسل من بعد موسى إلى زمن عيسى متواترة يظهر بعضهم في إثر بعض والشريعة واحدة، وهم أنبياء بني إسرائيل المبعوثون من بعده كالشموئيل بن بابل والياس ومنشائل واليسع ويونس وزكريا ويحيي وشعياء وحزقيل وداود وسليمان وأرمياء وهو الخضر وعيسى ابن مريم، فهؤلاء الرسل بعثهم الله وانتخبهم من أمة موسى وأخذ عليهم ميثاقاً غليظاً أن يؤدوا إلى أمتهم صفة محمد ﷺ وصفة أمته، وكانوا يحكمون بشريعة موسى إلى أن بعث الله عيسى، فجاءهم بشريعة جديدة وغير بعض أحكام التوراة فذلك قوله:
(وآتينا عيسى بن مريم البينات) أي الدلالات الواضحات، وهي الأدلة
стр. 304
التي ذكرها الله في آل عمران والمائدة، وهي الآيات التي وضع على يديه من أحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وخلقه من الطين كهيئة الطير وإبراء الأسقام والإخبار بكثير من الغيوب، وما ورد عليه من التوراة والإنجيل الذي أحدث الله إليه، وقيل هي الإنجيل، واسم عيسى بالسريانية أيشوع، ومريم بالسريانية بمعنى الخادم ثم سمي به فلذلك لم ينصرف، وفي لسان العرب هي المرأة التي تكره مخالطة الرجال، قال أبو السعود وهو بالعبرية من النساء كالزير من الرجال، ووزنه مفعل إذا لم يثبت فعيل، ذكر السيوطي في التحبير أن مدة ما بين موسى وعيسى ألف وتسعمائة سنة وخمس وعشرون سنة.
(وأيدناه بروح القدس) التأييد التقوية، وروح القدس من إضافة الصفة إلى الوصوف أي الروح المقدسة والقدس الطهارة والمقدس المطهر قيل هو جبريل، قاله ابن مسعود أيد الله به عيسى، وسمي جبريل روحاً وأضيف إلى القدس لأنه كان بتكوين الله له من غير ولادة، وقيل القدس هو الله وروحه جبريل وقيل المراد بروح القدس الاسم الذي كان يحيي به عيسى الموتى واسم الله الأعظم، وقيل المراد به الإنجيل، وقيل المراد به الروح المنفوخ فيه أيده الله به لا فيه من القوة وقد ثبت في الصحيح أن النبي ﵌ قال " اللهم أيد حسان بروح القدس " وكان جبريل يسير مع عيسى حيث سافر فلم يفارقه حتى صعد به إلى السماء وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة.
(أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم) أي بما لا يوافقها ويلائمها، وأصل الهوى الميل إلى الشيء، قال الجوهري وسمي الهوى هوى لأنه يهوي بصاحبه إلى النار، وبخهم الله سبحانه بهذا الكلام المعنون بهمزة التوبيخ (استكبرتم) عن إجابته احتقاراً للرسل واستبعاداً للرسالة، والسين زيادة للمبالغة (ففريقاً كذبتم وفريقاً تقتلون) الفاء للتفصيل ومن الفرق المكذبين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، ومن الفرق المقتولين يحيى وزكريا عليهما الصلاة والسلام وسائر من قتلوه.
(وقالوا قلوبنا غلف) جمع أغلف المراد به هنا الذي عليه غشاوة تمنع من وصول الكلام إليه فلا يعي ولا يفقه، قال في الكشاف هو مستعار من الأغلف الذي لم يختن كقوله (قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه) وقيل إن الغلف جمع غلاف مثل حمار وحمر أي قلوبنا أوعية للعلم فما بالها لا تفهم عنك وقد وعينا علماً كثيراً فنحن مستغنون بما عندنا عن غيره، فرد الله عليهم ما قالوه فقال (بل لعنهم الله بكفرهم) أي طردهم وأبعده من كل خير، وأصل اللعن في كلام العرب الطرد والإبعاد (فقليلاً ما يؤمنون) وصف إيمانهم بالقلة لأنهم الذين قص الله علينا من عنادهم وعجرفتهم وشدة لجاجهم وبعدهم من إجابة الرسل ما قصه، ومن جملة ذلك أنهم يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض.
وقال معمر: المعنى لا يؤمنون إلا بقليل مما في أيديهم ويكفرون بأكثره، قال الواقدي معناه لا يؤمنون قليلاً ولا كثيراً، قال الكسائي تقول العرب مررنا بأرض قلما تنبت الكراث والبصل أي لا تنبت شيئاً، وأخرج أحمد بسند جيد عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﵌ القلوب أربعة: قلب أجرد فيه مثل السراج يزهر، وقلب أغلف مربوط على غلافه، وقلب منكوس، وقلب مصفح، فأما القلب الأجرد فقلب المؤمن سراجه فيه نوره، وأما القلب الأغلف فقلب الكافر، وأما القلب المنكوس فقلب المنافق عرف ثم أنكر، وأما القلب المصفح فقلب فيه إيمان ونفاق فمثل الإيمان فيه كمثل البقلة يمدها الماء الطيب، ومثل النفاق فيه كمثل القرحة يمدها القيح، فأي المادتين غلبت على الأخرى غلبت عليه " وقال قتادة لا يؤمن منهم إلا قليل لأن من آمن من المشركين كان
стр. 307
أكثر منهم، وقيل فزماناً قليلاً يؤمنون فهو على حد قوله (آمنوا وجه النهار واكفروا آخره).
стр. 308
(ولما جاءهم) أي اليهود (كتاب من عند الله) هو القرآن (مصدق لما معهم) من التوراة والإنجيل أنه يخبرهم بما فيهما ويصدقه ولا يخالفه (وكانوا من قبل) مبعث النبي ﷺ (يستفتحون) أي يستنصرون به، والاستفتاح الاستنصار أي كانوا من قبل يطلبون من الله النصر على أعدائهم بالنبي المبعوث في آخر الزمان الذي يجدون صفته عندهم في التوراة، وقيل الاستفتاح هنا بمعنى الفتح أي يخبرونهم بأنه سيبعث ويعرفونهم بذلك (على الذين كفروا) يعني مشركي العرب، وذلك أنهم كانوا إذا أحزنهم أمر ودهمهم عدو يقولون اللهم انصرنا بالنبي المبعوث في آخر الزمان الذي نجد صفته في التوراة فكانوا ينصرون وكانوا يقولون لأعدائهم من المشركين قد أظل زمان نبي يخرج بتصديق ما قلنا فنقتلكم مع قتل عاد وإرم (١).
(فلما جاءهم ما عرفوا) يعني محمداً ﵌ وعرفوا أنه نبي من غير بني إسرائيل (كفروا به) أي جحدوه وأنكروه بغياً وحسداً (فلعنة الله على الكافرين) أي عليهم وضعاً للظاهر موضع المضمر للدلالة على أن اللعنة لحقتهم لكفرهم واستعلت عليهم وشملتهم، واللام للعهد أو للجنس ودخلوا فيه دخولاً أولياً.
(بئسما اشتروا به أنفسهم) أي بئس الشيء وقال الفراء بئسما بجملته شيء واحد ركب كحبذا بئسما باعوا به حظ أنفسهم حين استبدلوا الباطل بالحق (أن يكفروا بما أنزل الله) يعني القرآن (بغياً) أي حسداً، قال الأصمعي البغي مأخوذ من قولهم قد بغى الجرح إذا فسد، وقيل أصله الطلب ولذلك سميت الزانية بغياً وهو علة لقوله يكفروا قالة القاضي، وقال الزمخشري هو علة لقوله اشتروا وقوله الآتي أن ينزل علة لقوله بغياً أي لأن ينزل، والمعنى أنهم باعوا أنفسهم بهذا الثمن البخس حسداً ومنافسة (أن ينزل الله من فضله) وليس بواجب عليه (على من يشاء من عباده فباؤا) أي فرجعوا وصاروا أحقاء (بغضب على غضب) قيل الغضب الأول لعبادتهم العجل والثاني لكفرهم بمحمد ﷺ ، وقيل لكفرهم بعيسى ﵇ والإنجيل ثم لكفرهم بمحمد ﷺ والقرآن، وقيل لكفرهم بمحمد ﷺ ثم البغي عليه، وقال ابن عباس الأول بتضييعهم التوراة وتبديلها والثاني بكفرهم بمحمد ﷺ ، وقيل غير ذلك، والتنكير للتعظيم (وللكافرين عذاب مهين) ذو إهانة مأخوذ من الهوان، وقيل وهو ما اقتضى الخلود في النار.
стр. 311
(وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله) وهو القرآن وقيل كل كتاب أي صدقوا بالقرآن أو صدقوا بما أنزل الله من الكتب (قالوا نؤمن بما أنزل علينا) أي
стр. 312
التوراة (ويكفرون) الواو للحال (بما وراءه) أي بما سواه من الكتب، قاله الفراء وبما بعده يعني الإنجيل والقرآن قاله أبو عبيده، قال الجوهري وراء بمعنى خلف وقد يكون بمعنى قدام وأمام فهي من الاضداد ومنه قوله تعالى (وكان وراءهم ملك) أي قدامهم، وفي الموازنة للآمدي وراء ليست من الأضداد إنما هو من المواراة والاستتار فما استتر عنك فهو وراء، خلفاً كان أو قداماً إذا لم تره ولم تشاهده، فأما إذا رأيته فلا يكون وراءك ومنه قوله تعالى (وكان وراءهم ملك) أي أنه كان أمامهم وصح ذلك لأنهم لم يعاينوه ولم يشاهدوه انتهى.
قال الخفاجي وهذا لا ينافي قوله البيضاوي ولذلك عد من الأضداد لأن معناه أنه لما أطلق على خلف وقدام وهما ضدان عد ضداً تسمحاً على عادة أهل اللغة، وإن كان موضوعاً لمعنى شامل لهما لأنه مصدر بمعنى الستر فيهما لكنه قد يستعمل بمعنى الساتر وقد يستعمل بمعنى المستور، ولذا قال في القاموس هو من الأضداد أولاً، وقيل أنه مضاف إلى الفاعل مطلقاً لأن الرجل يواري ما خلفه على من هو قدامه وما قدامه على من هو خلفه انتهى.
(وهو الحق) يعني القرآن (مصدقاً لما معهم) يعني التوراة (قل) يا محمد (فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين) بالتوراة وقد نهيتم فيها عن قتل الأنبياء، وهذا تكذيب لهم لأن الإيمان بالتوراة مناف لقتل أشرف خلقه، وهذا الخطاب وإن كان مع الحاضرين من اليهود فالمراد به أسلافهم، ولكنهم لما كانوا يرضون بأفعال سلفهم كانوا مثلهم، وفي الآية دليل على أن من رضي بالمعصية فكأنه فاعل لها (١).
(ولقد جاءكم موسى) هذا داخل تحت الأمر السابق أي وقل لهم لقد جاءكم موسى والغرض منه بيان كذبهم، هكذا أفاده البيضاوي وكثير من المفسرين وفيه نظر أشار له أبو السعود (بالبينات) أي بالدلالات الواضحة والمعجزات الظاهرة، والبينات يجوز أن يراد بها التوراة أو التسع الآيات المشار إليها بقوله تعالى (ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات) ويجوز أن يراد بها الجميع (ثم اتخذتم العجل من بعده) أي من بعد النظر في تلك البينات أو من بعد موسى لما ذهب إلى الميقات ليأتي بالتوراة (وأنتم ظالمون) أي حال كونكم ظالمين بهذه العبادة الصادرة منكم عناداً بعد قيام الحجة عليكم، وإنما كرره تبكيتاً لهم وتأكيداً للحجة عليهم.
стр. 315
(وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا) قد تقدم تفسير أخذ الميثاق ورفع الطور، والأمر بالسماع معناه الطاعة والقبول وليس المراد مجرد الأدراك بحاسة السمع ومنه قولهم " سمع الله لمن حمده " أي قبل وأجاب (قالوا سمعنا) أي سمعنا قولك بحاسة السمع (وعصينا) يعني أمرك بقلوبنا أي لا نقبل ما تأمرنا به، ويجوز أن يكونوا أرادوا بقولهم سمعنا ما هو معهود من تلاعبهم واستعمالهم المغالطة في مخاطبة أنبيائهم، وذلك بأن يحملوا قوله تعالى (اسمعوا) على معناه الحقيقي أي السماع بالحاسة ثم أجابوا بقولهم سمعنا أي أدركنا ذلك بأسماعنا عملاً بموجب ما تأمرنا به، ولكنهم لما
стр. 316
كانوا يعلمون أن هذا غير مراد لله بل مراده بالأمر بالسماع الأمر بالطاعة والقبول لم يقتصروا على هذه المغالطة بل ضموا إلى ذلك ما هو الجواب عندهم فقالوا وعصينا.
(وأشربوا في قلوبهم العجل) أي تداخل حبه في قلوبهم ورسخ فيها صورته لفرط شغفهم به وحرصهم على عبادته كما يتداخل الصبغ الثوب، والشراب أعماق البدن، وفيه تشبيه بليغ أي جعلت قلوبهم لتمكن حب العجل منها كأنها تشربه، وإنما عبر عن حب العجل بالشرب دون الأكل لأن شرب الماء يتغلغل في الأعضاء حتى يصل إلى باطنها، والطعام يتجاوزها ولا يتغلغل فيها، قال أبو السعود (في قلوبهم) بيان لمكان الإشراب كما في قوله تعالى (إنما يأكلون في بطونهم ناراً) والجملة حال من ضمير قالوا بتقدير " قد " انتهى.
قيل أن موسى أمر أن يبرد العجل ويذرى في النهر وأمرهم أن يشربوا منه فمن بقي في قلبه شيء من حب العجل ظهر سحالة الذهب على شاربه وما أبعده، والإشراب مخالطة المائع للجامد ثم اتسع فيه حتى قيل في الألوان نحو اشرب بياضه حمرة.
(بكفرهم) الباء للسببية أي بسبب كفرهم السابق الموجب لذلك، قيل كانوا مجسمة أو حلولية ولم يروا جسماً أعجب منه فتمكن في قلوبهم ما سول لهم السامري (قل بئسما يأمركم به إيمانكم) الذي زعمتم أنكم تؤمنون بما أنزل عليكم وتكفرون بما وراءه، فإن هذا الصنع وهو في قولكم سمعنا وعصينا في جواب ما أمرتم به في كتابكم وأخذ عليكم الميثاق به مناد عليكم بأبلغ نداء بخلاف ما زعمتم، وكذلك ما وقع منكم من عبادة العجل ونزول حبه من قلوبكم منزلة الشراب هو من أعظم ما يدل على أنكم كاذبون في قولكم نؤمن بما أنزل علينا لا صادقون، فإن زعمتم إن كتابكم الذي آمنتم به أمركم بهذا فبئس ما يأمركم به إيمانكم بكتابكم، وفي هذا من التهكم ما لا يخفى (إن كنتم مؤمنين) بزعمكم، والمعنى لستم بمؤمنين لأن الإيمان لا يأمر بعبادة العجل والمراد آباؤهم أي فكذلك لستم بمؤمنين بالتوراة وقد كذبتم محمداً والإيمان بها لا يأمر بتكذيبه.
стр. 317
قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآَخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٤)
(قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله) أي نعيمها لأن الدار الآخرة في الحقيقة هي انقضاء الدنيا وهي للفريقين، وهذا رد عليهم لما ادعوا أنهم يدخلون الجنة ولا يشاركهم في دخولها غيرهم، وإلزام لهم بما تبين به أنهم كاذبون تلك الدعوى، وأنها صادرة منهم لا عن برهان (خالصة) مصدر كالعافية والعاقبة وهو بمعنى الخلوص، والمراد أنه لا يشاركهم فيها غيرهم إذا كانت اللام في قوله (من دون الناس) للجنس أو لا يشاركهم فيها المسلمون إن كانت اللام للعهد، وهذا أرجح لقولهم في الآية الأخرى (وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى) وهو مؤكد له لأن " دون " تستعمل للاختصاص يقال هذا لي دونك أو من دونك أي لا حق لك فيه، وقد تأتي في غير هذا للانتقاص في المنزلة أو المكان أو المقدار (فتمنوا الموت) أي فاطلبوه واسألوه، وإنما أمرهم بتمني الموت لأن من اعتقد أنه من أهل الجنة كان الموت أحب إليه من الحياة إذ لا سبيل إلى دخولها إلا بعد الموت، ولما كان ذلك منهم مجرد دعوى أحجموا (إن كنتم صادقين) في قولكم ودعواكم ولهذا قال سبحانه. (١)
(ولن يتمنوه أبداً) هو ظرف زمان يصدق بالماضي والمستقبل تقول ما فعلت أبداً ذكره السمين، وقال هنا " لن " وفي الجمعة " لا " لأن لن أبلغ في النفي من لا ودعواهم هنا بالغة قاطعة فناسب ذكر لن فيها، ودعواهم في الجمعة قاصرة مردودة وهي زعمهم أنهم أولياء الله فناسب ذكر " لا " فيها (بما قدمت أيديهم) أي بما قدمته من الذنوب التي يكون فاعلها غير آمن من العذاب بل غير طامع في دخول الجنة فضلاً عن كونها خالصة له مختصة به، وإنما أضاف العمل إلى اليد لأن أكثر جنايات الإنسان تكون خالصة له مختصة به، وإنما أضاف العمل إلى اليد لأن أكثر جنايات الإنسان تكون من يده.
وقيل أن الله سبحانه صرفهم عن التمني ليجعل ذلك آية لنبيه، والمراد بالتمني هنا هو التلفظ بما يدل عليه لا مجرد خطوة بالقلب وميل النفس إليه، فإن ذلك لا يراد في مقام المحاجة ومواطن الخصومة ومواقف التحدي، وفي تركهم للتمني أو صرفهم عنه معجزة لرسول الله فإنهم قد كانوا يسلكون من التعجرف والتجري على الله وعلى أنبيائه بالدعاوى الباطلة في غير موطن ما قد حكاه عنهم التنزيل، فلم يتركوا عادتهم هنا إلا لما قد تقرر عندهم من أنهم إذا فعلوا ذلك التمني نزل بهم الموت إما لأمر قد علموه أو للصرفة من الله ، وقد يقال قد ثبت النهي عن النبي في شريعته، ويجاب بأن المراد هنا إلزامهم الحجة وإقامة البرهان على بطلان دعواهم.
عن ابن عباس قال: قال لهم رسول الله إن كنتم في مقالتكم صادقين فقولوا اللهم أمتنا، فوالذي نفسي بيده لا يقولها رجل منكم إلا غص بريقه
стр. 320
فمات مكانه، وعنه لو أن اليهود تمنوا لماتوا ولرأوا مقاعدهم من النار (والله عليم بالظالمين) فيه تخويف وتهديد لهم، وإنما خصهم بالظلم لأنه أعم من الفكر لأن كل كافر ظالم وليس كل ظالم كافراً فلهذا كان أعم وكانوا أولى به.