← Тафсир

Тафсир · id 37458

فتح البيان في مقاصد القرآن

صديق حسن خان

Полный текст (12 043 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.

стр. 3046

قد أنارت به الدنيا وانقشعت به الظلمة ليطفئه ويذهب أضواءه، قيل المراد بالنور شرائعه وبراهينه، وسميت الدلائل نوراً لأنه يهتدى بها إلى الصواب كما يهتدى بالنور إلى المحسوسات. وقيل المراد به الدلائل الدالة على صحة نبوته ﷺ وهي أمور: أحدها: المعجزات الباهرات الخارقة للعادات. وثانيها: القرآن العظيم وهو معجزة له باقية على الأبد. وثالثها: أن دينه الذي أمر به هو دين الإسلام ليس فيه شيء سوى تعظيم الله والثناء عليه والانقياد لأمره ونهيه والتبري من كل معبود سواه: فهذه أمور نيرة ودلائل واضحة في صحة نبوة محمد ﷺ وعلى صدقه، فمن أراد إبطال ذلك بكذب وتزوير فقد خاب سعيه وبطل عمله. (ويأبى الله إلا أن يتم نوره) أي دينه القويم بإعلاء كلمته، قال في الكشاف أن أبى قد أجري مجرى لم يرد أي ولا يريد إلا أن يتم نوره، وقال علي بن سليمان: إنما جاز هذا في أبى لأنها منع أو امتناع فضارعت النفي. قال النحاس: وهذا أحسن وقال الزجاج: التقدير ويأبى الله كل شيء إلا أن يتم، وقال الفراء: إنما دخلت (إلا) لأن في الكلام طرفاً من الجحد، وإنما صح الاستثناء المفرغ من الموجب لكونه بمعنى النفي، وفيه من المبالغة والدلالة على الامتناع ما ليس في نفي الإرادة، أي لا يريد شيئاً من الأشياء إلا إتمام نوره، فيندرج في المستثنى منه بقاؤه على ما كان عليه فضلاً عن الإطفاء. قاله الكرخي. (ولو كره الكافرون) أي أبى الله إلا أن يتم نوره ويعلي دينه ويظهر كلمته ويتم الحق الذي بعث الله به رسوله ولو كره ذلك الكافرون، وجواب لو محذوف لدلالة ما قبله عليه، والتقدير ولو كره الكافرون تمام نوره لأتمه ولم يبال بكراهتهم وقيل لو لم يكرهوه أو كرفوه أي على كل حال مفروضة.

стр. 3047

هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ثم أكد هذا بقوله:

стр. 3048

(هو الذي أرسل رسوله) يعني محمداً (بالهدى) أي بما يهدي به الناس من البراهين والمعجزات والأحكام التي شرعها الله لعباده والتوحيد والإسلام والقرآن (ودين الحق) وهو دين الإسلام، وفائدة ذكره مع دخوله في الهدى قبله بيان شرفه وتعظيمه كقوله والصلاة الوسطى (ليظهره) أي ليظهر رسوله أو دين الحق بما يشتمل عليه من الحجج والبراهين. (على الدين كله) أي على سائر الأديان، وهو أن لا يعبد الله إلا به، فلا دين بخلاف الإسلام إلا وقد قهرهم المسلمون وظهروا عليهم في بعض المواضع وإن لم يكن كذلك في جميع مواضعهم، فقهروا اليهود وأخرجوهم من بلاد العرب، وغلبوا النصارى على بلاد الشام وما والاها إلى ناحية الروم والغرب، وغلبوا الجوس على ملكهم، وغلبوا عباد الأصنام على كثير من بلادهم مما يلي الترك والهند وكذلك سائر الأديان. فثبت أن الذي أخبر الله عنه في هذه الآية قد وقع وحصل، وكان ذلك إخباراً عن الغيب فكان معجزاً، وقد ذكرنا فتوح الإسلام في كتابنا حجج الكرامة في آثار القيامة الذي حررناه بعد هذا التفسير، وقيل ذلك عند نزول عيسى وخروج المهدي فلا يبقى أهل دين إلا دخلوا في الإسلام، ويدل له بعض الأحاديث، فمنها حديث أبي هريرة: قال النبي ﷺ :

стр. 3049

" وتهلك في زمانه الملل كلها إلا الإسلام " (١). وقال الشافعي: قد أظهر الله دين رسوله على الأديان كلها بأن أبان لكل من سمعه أنه الحق وما خالفه من الأديان باطل، وقيل قهر رسول الله ﷺ الأميين حتى دانوا بالإسلام طوعاً وكرهاً، وقتل أهل الأصنام وسبى حتى دان بعضهم بالإسلام، وأعطى بعضهم الجزية وجرى عليهم حكمه، فهذا ظهوره على الدين كله. وقيل المراد ظهوره على الدين كله في جزيرة العزب وقد حصل ذلك، فإنه تعالى ما أبقى فيها أحداً من الكفار، وقيل المراد أن يوقفه على جميع شرائع الدين ويطلعه عليها بالكلية حتى لا يخفى عليه منها شيء، وقيل المراد ظهوره على الدين كله بالحجة والبيان، وفيه ضعف لأن هذا وعد بأنه تعالى سيفعله والتقوية بالحجة والبرهان كان حاصلاً من أول الأمور. (ولو كره المشركون) الكلام فيه كالكلام في (ولو كره الكافرون) كما قدمنا ذلك ووصفهم بالشرك بعد وصفهم بالكفر للدلالة على أنهم ضموا الكفر بالرسول إلى الكفر بالله تعالى، وهذا آخر الآيات التي أمر علي بالتأذين بها في موسم الحج.

стр. 3050

(يا أيها الذين آمنوا إن كثيراً من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل) لما فرغ سبحانه من ذكر حال أتباع الأحبار والرهبان المتخذين لهم أرباباً، ذكر حال المتبوعين وبين إغواءهم لأراذلهم، قال الضحاك: يعني علماء اليهود والنصارى. وفي قوله: (إن كثيراً) دليل على أن الأقل منهم لم يأكلوا أموال الناس بالباطل ولم يتلبسوا بذلك بل بقوا على ما يوجبه دينهم من غير تحريف ولا تبديل ولا ميل إلى حطام الدنيا، ولعلهم الذين كانوا قبل مبعث النبي صلى الله

стр. 3051

عليه وسلم وعبر عن أخذ الأموال بالأكل لأن المقصود الأعظم من جمع المال الأكل، فسمى الشيء باسم ما هو أعظم مقاصده، والباطل كتب كتبوها لم ينزلها الله فأكلوا بها أموال الناس، وذلك قوله تعالى: (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله). وقيل المعنى أنهم يأخذونها بالوجوه الباطلة كالرشوة في تخفيف الأحكام والمسامحة في الشرائع، وقيل أنهم كانوا يدعون عند العوام والحشرات أنه لا سبيل لأحد إلى الفوز بمرضاة الله تعالى إلا بخدمتهم وطاعتهم وبذل الأموال في طلب مرضاتهم، والعوام كانوا يغترون بتلك الأكاذيب. وقيل التوراة كانت مشتملة على آيات دالة على مبعث محمد ﷺ فكانوا يذكرون في تأويلها وجوهاً فاسدة ويحملونها على محامل باطلة وكانوا يأخذون الرشوة، وقيل كانوا يقررون عند عوامهم أن الدين الحق هو الذي هم عليه، فإذا قرروا ذلك قالوا وتقوية الدين الحق واجبة، ثم قالوا ولا طريق إلى تقويته إلا إذا كان أولئك الفقهاء أصحاب الأموال الكثيرة والجمع العظيم، فبهذا الطريق يحملون العوام عَلى أن يبذلوا في خدمتهم نفوسهم وأموالهم، فهذا هو الباطل الذي كانوا به يأكلون أموال الناس. قال الرازي: وهي بأسرها حاضرة في زماننا وهو الطريق لأكثر الجهال والمزورين إلى أخذ أموال العوام والحمقى من الخلق، انتهى. ولقد اقتدى بهؤلاء الأحبار والرهبان من علماء الإسلام ومشايخه من لا يأتي عليه الحصر في كل زمان، قال الرازي: ولعمري من تأمل في أحوال أهل الناموس والتزوير في زماننا وجد هذه الآيات كأنها ما أنزلت إلا في شأنهم، وفي شرح أحوالهم، فترى الواحد منهم يدعي أنه لا يلتفت إلى الدنيا ولا يتعلق خاطره بجميع المخلوقات، وأنه في الطهارة والعصمة مثل الملائكة المقربين حتى إذا آل الأمر إلى الرغيف الواحد تراه يتهالك عليه ويتحمل نهاية الذل والدناءة في تحصيله انتهى، ولنعم ما قيل:

стр. 3052

عجبت من شيخي ومن زهده ... وذكره النار وأهوالها يكره أن يشرب في فضة ... ويسرق الفضة إن نالها (ويصدون عن سبيل الله) أي عن الطريق إليه وهو دين الإسلام، وعن الإيمان بمحمد ﷺ وعما كان حقاً في شريعتهم قبل نسخها بسبب أكلهم لأموال الناس بالباطل. (والذين يكنزون الذهب والفضة) قيل هم المتقدم ذكرهم من الأحبار والرهبان وأنهم كانوا يصنعون هذا الصنع، قاله معاوية بن أبي سفيان، وقيل هم من يفعل ذلك من المسلمين قاله ابن عباس، وقال السدي: نزلت في مانعي الزكاة من المسلمين، وقال أبو ذر: نزلت في أهل الكتاب وفي المسلمين جميعاً. والأولى حمل الآية على عموم اللفظ فهو أوسع من ذلك، وأصل الكنز في اللغة الضم والجمع، ولا يختص بالذهب والفضة، قال ابن جرير: الكنز كل شيء مجموع بعضه إلى بعض بطن الأرض كان أو على ظهرها انتهى، ومنه ناقة كناز أي مكتنزة اللحم، يقال كنزت المال كنزاً من باب ضرب جمعته وادخرته، وكنزت التمر في وعائه كنزاً أيضاً وهذا زمن الكناز. قال ابن السكيت: لم يسمع إلا بالفتح، وحكى الأزهري الفتح والكسر، والكنز المال المدفون معروف تسمية بالمصدر والجمع كنوز، واكتنز الشيء اكتنازاً اجتمع وامتلأ ومال مكنوز أي مجموع. واختلف أهل العلم في المال الذي أديت زكاته هل يسمى كنزاً أم لا فقال قوم: هو كنز، وقال آخرون: ليس بكنز، ومن القائلين بالأول أبو ذر وقيده بما فضل عن الحاجة، وبالثاني عمر بن الخطاب وابن عمر وابن عباس وجابر وأبو هريرة وعمر بن عبد العزيز وغيرهم وهو الحق لما سيأتي من الأدلة المصرحة بأن ما أديت زكاته فليس بكنز. أخرج أحمد في الزهد والبخاري وابن مماجة وابن مردويه والبيهقي في

стр. 3053

سننه عن ابن عمر قال: إنما كان هذا قبل أن تنزل الزكاة، فلما نزلت الزكاة جعلها الله طهرة للأموال ثم قال: ما أبالي لو كان عندي مثل أحد ذهباً أعلم عدده وأزكيه وأعمك فيه بطاعة الله، وعن أم سلمة مرفوعاً نحوه. ولقد كان كثير من الصحابة كعبد الرحمن بن عوف وطلحة يقتنون الأموال ويتصرفون فيها وما عابهم أحد ممن أعرض عن القنية لأن الإعراض اختيار للأفضل، والاقتناء مباح لا يذم صاحبه. وعن ابن عباس: لما نزلت هذه الآية انطلق عمر واتبعه ثوبان، فأتى النبي ﵌ فقال: يا نبي الله إنه قد كبر على أصحابك هذه الآية فقال: " إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب بها ما بقي من أموالكم، وإنما فرض المواريث من أموال تبقى بعدكم "، الحديث مختصراً أخرجه أبو داود والحاكم وصححه والبيهقي وابن أبي شيبة وأبو يعلى وغيرهم (١). وعن علي قال: أربعة آلاف وما دونها نفقة، وما فوقها كنز، وعن أبي أمامة قال: حلية السيوف من الكنوز ما أحدثكم إلا ما سمعت، وعن عراك ابن مالك وعمر بن عبد العزيز قالا نسختها الآية الأخرى (خذ من أموالهم صدقة) لآية. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي زكاتها إلا جعل له يوم القيامة صفائح ثم أحمى عليها في نار جهنم ثم تكوى بها جنباه وجبهته وظهره في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضي بين الناس فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار " (٢). (ولا ينفقونها في سبيل الله) اختلف في وجه إفراد الضمير مع كون

стр. 3054

المذكور قبله شيئين هما الذهب والفضة فقال ابن الأنباري: أنه قصد إلى الأعم الأغلب وهو الفضة، قال ومثله قوله تعالى: (واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة) رد الكناية إلى الصلاة لأنها أعم، ومثله قوله تعالى: (وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها) أعاد الضمير إلى التجارة لأنها الأعم، وقيل أن الضمير راجع إلى الذهب، والفضة معطوفة عليه والعرب تؤنث الذهب وتذكره. وقيل الضمير راجع إلى الكنوز المدلول عليها بقوله: (يكنزون) لأنه أعم من النقدين وغيرهما، وقيل إلى الأموال، وقيل إلى الزكاة: وقيل إنه اكتفى بضمير أحدهما عن ضمير الآخر مع فهم المعنى وهو كثير في كلام العرب. وقيل أن إفراد الضمير من باب الذهاب إلى المعنى دون اللفظ، لأن كل واحد من الذهب والفضة جملة وافية وعدة كثيرة ودنانير ودراهم، فهو كقوله: (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا) وإنما خص الذهب والفضة بالذكر دون سائر الأموال لكونهما أثمن الأشياء وغالب ما يكنز وإن كان غيرهما له حكمهما في تحريم الكنز. (فبشرهم بعذاب أليم) هذا من باب التهكم بهم كما في قوله: *تحية نبيهم ضرب وجيع* وقيل أن البشارة هي الخبر الذي يتغير له لون البشرة لتأثيره في القلب سواء كان من الفرح أو من الغم، وعن أبي ذر قال: انتهيت إلى النبي ﷺ وهو جالس في ظل الكعبة فلما رآني قال: " هم الأخسرون ورب الكعبة " قال: فقلت: يا رسول الله فداك أبي وأمي من هم قال: " هم الأكثرون أموالاً إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله وقليل ما هم " الحديث مختصراً أخرجه مسلم وفرقه البخاري في موضعين (١).

стр. 3055

يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (٣٥) إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ

стр. 3056

(يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم) أي أن النار توقد عليها وهي ذات حمى وحر شديد، ولو قال: يوم تحمى أي الكنوز لم يعط هذا المعنى، فجعل الإحماء للنار مبالغة، ويحمى يجوز أن يكون من حميت وأحميت ثلاثياً ورباعياً، يقال حميت الحديدة وأحميتها أي أوقدت عليها لتحمى، والتقدير يوم تحمى النار عليها وخص الجباه والجنوب والظهور لأن التألم بكيها أشد لما في داخلها من الأعضاء الشريفة. وقيل ليكون الكي في الجهات الأربع من قدام وخلف وعن يمين ويسار، وقيل لأن الجمال في الوجه والقوة في الظهر والجنبين والإنسان إنما يطلب المال للجمال والقوة، وقيل غير ذلك مما لا يخلو عن تكلف. (هذا ما كنزتم لأنفسكم) أي كنزتموه لتنتفعوا به هذا نفعه، ويقال لهم ذلك على طريق التهكم والتوبيخ (فذوقوا ما كنتم تكنزون) أي ذوقوا وباله وسوء عاقبته وقبح مغبته وشؤم فائدته، لأن الكنوز لا تذاق، وما بمعنى الذي، والآية عامة، وفي الباب أحاديث صحيحة توافق معنى هذه الآية لا نطول بذكرها.

стр. 3057

(إن عدة الشهور) هذا كلام مبتدأ يتضمن ذكر نوع آخر من قبائح الكفار وذلك أن الله سبحانه لما حكم في كل وقت بحكم خاص غيروا تلك الأوقات بالنسىء والكبيسة، فأخبرنا الله بما هو حكمه فقال إن عدة الشهور أي عدد الشهور المعتد بها للسنة. (عند الله) أي في حكمه وقضائه، وحكمته لا بابتداع الناس (اثنا عشر شهراً) هي المحرم وصفر وربيع الأول وربيع الآخر وجمادى الأولى وجمادى الآخرة ورجب وشعبان ورمضان وشوال وذو القعدة وذو الحجة، فهذه شهور السنة القمرية التي تدور على سير القمر في المنازل، وهي شهور العرب التي يعتد بها المسلمون في صياهم ومواقيت حجهم وأعيادهم وسائر أمورهم وأحكامهم، وأيام هذه الشهور ثلثمائة وخمسة وخمسون يوماً، والسنة الشمسية عبارة عن دور الشمس في الفلك دورة تامة وهي ثلثمائة وخمسة وستون يوم وربع يوم فتنقص السنة الهلالية عن السنة الشمسية عشرة أيام، فبسبب هذا النقصان يقع الحج والصوم تارة في الشتاء وتارة في الصيف. (في كتاب الله) أي فيما أثبته في كتابه أي القرآن لأن فيه آيات تدل على الحساب ومنازل القمر، وقيل الكتاب هو اللوح المحفوظ الذي كتب الله فيه جميع أحوال الخلائق وما يأتون وما يذرون، وقيل المراد بالكتاب الحكم الذي أوجبه وأمر عباده بالأخذ به، وفي هذه الآية بيان أن الله سبحانه وضع هذه الشهور وسماها بأسمائها على هذا الترتيب المعروف. (يوم خلق السموات والأرض) أي منذ خلق الإجرام والأزمنة وبيان أن هذا هو الذي جاءت به الأنبياء ونزلت به الكتب، وأنه لا اعتبار بما عند العجم والروم والقبط من الشهور التي يصطلحون عليها ويجعلون بعضها ثلاثين وبعضها أكثر وبعضها أقل.

стр. 3058

(منها أربعة حُرم) أي محترمة قد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أبي بكرة أن النبي ﷺ خطب في حجته فقال: " إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السموات والأرض، السنة اثنا عشر شهراً منها أربعة حرم ثلاث متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان " (١) والمعنى رجعت الأشهر إلى ما كانت عليه من الحل والحرمة وعاد الحج إلى ذي الحجة بعد ما كانوا أزالوه عن محله بالنسىء الذي أحدثوه في الجاهلية، وقد وافقت حجة الوداع ذا الحجة، وكانت حجة أبي بكر قبلها في ذي القعدة. واختلف في ترتيبها فقيل أولها المحرم وآخرها ذو الحجة فهي شهور عام، وقيل أولها رجب فهي من عامين، وقيل أولها ذو القعدة وهو الصحيح لتواليها، قاله النووي، وأورد عليه ابن المنير في تفسيره أنه إنما يتمشى على أن أول السنة المحرم وهو حدث في زمن عمر رضي الله تعالى عنه، وكان يؤرخ قبله بعام الفيل ثم أرخ في صدر الإسلام بربيع الأول فتأمل. وقال الضحاك: إنما سمين حرماً لئلا يكون فيهن حرب. قلت: وكانت العرب في الجاهلية تعظمها وتحرم فيها القتال حتى أن أحدهم لو لقي قاتل أبيه أو ابنه أو أخيه في هذه الأربعة الأشهر لم يزعجه، ولما جاء الإسلام لم يزدها إلا حرمة وتعظيماً لأن الحسنات والطاعات فيها تتضاعف، والسيئات فيها أشد من غيرها فلا تنتهك حرمة هذه الأشهر الحرم. (ذلك الدين القيم) أي كون هذه الشهور كذلك ومنها أربعة حرم هو الدين المستقيم دين إبراهيم وإسماعيل، وكانت العرب قد تمسكت به وراثة منهما وقيل الحساب الصحيح والعدد المستوفى، وقيل الدين القيم هو الحكم

стр. 3059

الذي لا يغير ولا يبدل ولا يزول. (فلا تظلموا فيهن) أي في هذه الأشهر الحرم (أنفسكم) بإيقاع المعاصي فإنها فيها أعظم وزراً، وبإيقاع القتال فيها والهتك لحرمتها، وبه قال أكثر المفسرين، وقيل أن الضمير يرجع إلى الشهور كلها الحرم وغيرها وإن الله نهى عن الظلم فيها والأول أولى. وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن تحريم القتال في الأشهر الحرم ثابت محكم لم ينسخ لهذه الآية ولقوله: (يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام) ولقوله: (فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين) الآية. وذهب جماعة آخرون إلى أن تحريم القتال في الأشهر الحرم منسوخ بآية السيف، ويجاب عنه بأن الأمر بقتل المشركين ومقاتلتهم مقيد بانسلاخ الأشهر الحرم كما في الآية الذكورة، فتكون سائر الآيات المتضمنة للأمر بالقتال مقيدة بما ورد في تحريم القتال في الأشهر الحرم كما هي مقيدة بتحريم القتال في الحرم للأدلة الواردة في تحريم القتال فيه. وأما ما استدلوا به من أنه ﷺ حاصر أهل الطائف في شهر حرام وهو ذو القعدة كما ثبت في الصحيحين وغيرهما فقد أجيب عنه بأنه لم يبتدئ محاصرتهم في ذي القعدة بل في شوال، والمحرم إنما هو ابتداء القتال في الأشهر الحرم لا إتمامه، وبهذا يحصل الجمع. (وقاتلوا المشركين كافة) أي جميعاً في كل الشهور لأن عموم الأشخاص يستلزم عموم الأحوال والأزمنة والبقاع، وهو مصدر في موضع الحال من ضمير الفاعل في قاتلوا أو من المفعول وهو المشركين، قال الزجاج: مثل هذا من المصادر كعامة وخاصة لا يثنى ولا يجمع ولا تدخله أل ولا يتصرف فيه بغير الحال.

стр. 3060

إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٣٧) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (كما يقاتلونكم كافة) فيه دليل على وجوب قتال المشركين وأنه فرض على الأعيان إن لم يقم به البعض (واعلموا أن الله مع المتقين) أي ينصرهم ويثبتهم ومن كان الله معه فهو الغالب وله العاقبة.

стр. 3061

(إنما النسيء) قال الجوهري: النسيء فعيل بمعنى مفعول، من قولك نسأت الشيء فهو منسوء إذا أخرته ثم تحول منسوء إلى نسيء كما تحول مقتول إلى قتيل. وإلى ذلك نحا أبو حاتم، وقيل مصدر على فعيل من أنسأ أي أخر كالنذير من أنذر والنكير من أنكر، وهذا ظاهر قول الزمخشري لأنه يحتاج إلى تقدير بخلاف ما إذا كان صفة فإنه لا يخبر عنه بزيادة إلا بتأويل أي ذو زيادة أو إنساء النسيء زيادة. قال ابن جرير: في النسيء بالهمزة معنى الزيادة، يقال نسأ إذا زاد، ولا يكون بترك الهمزة إلا من النسيان كما قال تعالى: (نسوا الله فنسيهم). وقرأ الجمهور النسيء بهمزة بعد الياء وغيرهم بإدغام الياء، وقرئ النسء بإسكان السين، والنسؤ بزنة فعول وهو التأخير، وفعول في المصادر قليل، والنسيئة كالفعيلة التأخير، وكذلك النساء بالفتح والمد التأخير، والنسيء في الآية فعيل بمعنى مفعول كما تقدم.

стр. 3062

وكانت العرب تحرم القتال في الأشهر الحرم المذكورة، فإذا احتاجوا إلى القتال فيها قاتلوا فيها وحرموا غيرها، فإذا قاتلوا في المحرم حرموا بدله شهر صفر وهكذا في غيره، وكان الذي يحملهم على هذا أن كثيراً منهم إنما كانوا يعيشون بإغارة بعضهم على البعض، ونهب ما يمكنهم نهبه من أموال من يغيرون عليه، ويقع بينهم بسبب ذلك القتال، وكانت الأشهر الثلاثة المسرودة يضربهم تواليها وتشتد حاجاتهم وتعظم فاقتهم، فيحلون بعضها ويحرمون مكانه بقدره من غير الأشهر الحرم. فهذا هو معنى النسيء الذي كانوا يفعلونه. وقد وقع الخلاف في أول من فعل ذلك، فقيل هو رجل من بني كنانة يقال له حذيفة بن عبيد ويلقب القلمس، وقيل هو عمرو بن لحي، وقيل هو نعيم بن ثعلبة من بني كنانة. (زيادة في الكفر) أي نوع من أنواع كفرهم ومعصية من معاصيهم المنضمة إلى كفرهم بالله ورسله وكتبه واليوم الآخر، وفي الشهاب يعني أنهم لما توارثوه على أنها شريعة ثم استحلوه كان ذلك مما يعد كفراً. (يضل به الذين كفروا) قرئ على البناء للمعلوم والمجهول، ومعنى الأولى أن الكفار يضلون بما يفعلون من النسيء، ومعنى الثانية أن الذي سن لهم ذلك يجعلهم ضالين بهذه السنة السيئة، والأولى من طريق العشرة، والثانية سبعية. (يحلونه) أي النسيء (عاماً ويحرمونه عاماً) أو الشهر الذي يؤخرونه ويقاتلون فيه، أي يحلونه عاماً بإبداله بشهر آخر من شهور الحل ويحرمونه عاماً أي يحافظون عليه فلا يحلون فيه القتال بل يبقونه على حرمته، والجملة تفسيرية للضلال أو حالية. (ليواطئوا عدة ما حرم الله) أي لكي يواطئوا، والمواطأة الموافقة، يقال

стр. 3063

تواطأ القوم على كذا أي توافقوا عليه واجتمعوا، والمعنى أنهم لم يحلوا شهراً إلا حرموا شهراً لتبقى الأشهر الحرم أربعة، قال قطرب: معناه عمدوا إلى صفر فزادوه في الأشهر الحرم وقرنوه بالمحرم في التحريم، وكذا قال الطبري. (فيحلوا ما حرم الله) من الأشهر الحرم التي أبدلوها بغيرها، ولم ينظروا إلى أعيانها (زين لهم سوء أعمالهم) أي زين لهم الشيطان أعمالهم السيئة التي يعملونها ومن جملتها النسيء فظنوه حسناً، وقرئ على البناء للفاعل (والله لا يهدي القوم الكافرين) أي المصرين على كفرهم المستمرين عليه فلا يهديهم هداية توصلهم إلى المطلوب، وأما الهداية بمعنى الدلالة على الحق والإرشاد إليه فقد نصبها الله سبحانه لجميع عباده.

стр. 3064

(يا أيها الذين آمنوا مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله أثاقلتم إلى الأرض) لما شرح معائب أولئك الكفار عاد إلى ترغيب المؤمنين في قتالهم، والاستفهام في (ما لكم) للإنكار والتوبيخ، أي أيّ شيء يمنعكم عن ذلك، ولا خلاف أن هذه الآية نزلت عتاباً لمن تخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، وكانت في رجب سنة تسع من الهجرة بعد رجوعه من الطائف بعد الفتح بعام، وتبوك مكان على طرف الشام بينه وبين المدينة عشرة مراحل، وهو ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث وبعضهم يصرفه على إرادة الموضع، فقد جاء في البخاري مصروفاً وممنوعاً منه، وقصة هذه الغزوة في سيرة الحلبي مفصلة. والنَّفر هو الانتقال بسرعة من مكان إلى مكان لأمر يحدث، يقال استنفر الإمام الناس إذا حثهم على الخروج إلى الجهاد ودعاهم إليه، ومنه قوله ﷺ : " إذا استنفرتم فانفروا " (١)، والاسم النفير.

стр. 3065

واثاقلتم معناه تباطأتم وعدي بإلى لتضمنه معنى الميل والإخلاد، وقيل معناه ملتم إلى الإقامة بأرضكم والبقاء فيها عن الجهاد، وقرئ أثاقلتم على الاستفهام ومعناه التوبيخ مع النفي. (أرضيتم) استفهام توبيخ وتعجيب (بالحياة الدنيا) أي بخفض العيش وزهرة الدنيا ودعتها ونعيمها بدلاً من الآخرة كقوله تعالى: (ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة) أي بدلاً منكم (فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة) أي محسوباً في جنبها وفي مقابلتها، و (في) هذه تسمى قياسية (إلا قليل) أي إلا متاع حقير لا يعبأ به لأن لذات الدنيا خسيسة في نفسها ومشوبة بالآفات والبليات، ومنقطعة عن قرب لا محالة، ومنافع الآخرة شريفة عالية خالصة عن الآفات دائمة أبدية سرمدية وذلك يوجب القطع بأن متاع الدنيا في جنب متاع الآخرة قليل. ويجوز أن يراد بالقليل العدم إذ لا نسبة للمتناهي الزائل إلى غير المتناهي الباقي والظاهر أن هذا التثاقل لم يصدر من الكل إذ من البعيد أن يطبقوا جمعاً على التباطؤ والتثاقل، وإنما هو من باب نسبة ما يقع من البعض إلى الكل وهو كثير شائع، وفي الآية دليل على وجوب الجهاد في كل حال وفي كل وقت لأن الله سبحانه نص على أن تثاقلهم عَن الجهاد أمر منكر، فلو لم يكن منكراً لما عاتبهم على ذلك.

стр. 3066

لَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ويؤيد هذا قوله:

стр. 3067

(لا تنفروا يعذبكم عذاباً أليماً) أي يهلككم بعذاب شديد مؤلم، قيل في الدنيا فقط باحتباس المطر وغيره، وقيل هو أعم من ذلك لأن العذاب الأليم لا يكون إلا في الآخرة، قال الحسن وعكرمة: هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: (وما كان المؤمنون لينفروا كافة) وقال الجمهور: هذه الآية محكمة لأنها خطاب لقوم استنفرهم رسول الله ﷺ فلم ينفروا كما نقل عن ابن عباس، وعلى هذا التقدير فلا نسخ، وفي الآية تهديد شديد ووعيد مؤكد لمن ترك النفر مع رسول الله ﷺ . (ويستبدل قوماً غيركم) أي يجعل لرسله بدلاً منكم ممن لا يتباطأ عند حاجتهم إليهم ويكون خيراً منكم وأطوع، واختلف في هؤلاء القوم من هم فقيل أهل اليمن، وقيل أهل فارس، قاله سعيد بن جبير، ولا وجه للتعيين بدون دليل (ولا تضروه) أي الله بترك امتثال أمره بالنفير (شيئاً) لأنه غني عن العالمين أو لا تضروا رسول الله بترك نصره والنفير معه شيئاً فان الله ناصره على أعدائه ولا يخذله أبداً نفرتم أو اثاقلتم. والله على كل شيء قدير ومن جملة مقدوراته تعذيبكم والاستبدال بكم.

стр. 3068

إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ

стр. 3069

(إلا تنصروه فقد نصره الله) أي إن تركتم نصره فالله متكفل به أعنتموه أو لا فقد نصره في مواطن القلة وأظهره على عدوه بالغلبة والقهر أو فسينصره من نصره حين لم يكن معه إلا رجل واحد (إذ أخرجه الذين كفروا) أي وقت إخراجهم إياه حال كونه (ثاني اثنين) وقرئ بسكون الياء على لغة من يجري الناقص مجرى المقصور في الإعراب أي أحد اثنين وهما رسول الله ﵌ وأبو بكر الصديق ﵁ من غير اعتبار كونه ﷺ ثانياً فإن معنى قولهم ثالث ثلاثة ورابع أربعة ونحو ذلك أحد هذه الأعداد مطلقاً لا الثالث والرابع خاصة، ولذلك منع الجمهور أن ينصب ما بعده بأن يقال ثالث ثلاثة ورابع أربعة. (إذ هما في الغار) هو ثقب عظيم في الجبل المسمى ثوراً، وهو المشهور بغار ثور وهو جبل قريب من مكة وبينهما مسيرة ساعة ويجمع على غيران، والغار أيضاً نبت طيب والجماعة والغاران البطن والفرج، وألف الغار منقلبة عن واو، وقصة خروجه ﷺ من مكة إلى المدينة هو وأبو بكر ودخولهما الغار ومكثهما فيه ثلاثاً مشهورة مذكورة في كتب السير والحديث، وسبياق حديث الهجرة من أفراد البخاري وهو طويل جداً. (إذ يقول لصاحبه) أي وقت قوله لأبي بكر (لا تحزن) أي دع الحزن (إن الله) بنصره وعونه وتأييده وعصمته وحفظه وولايته ومعونته وتسديده

стр. 3070

(معنا) والمراد بالمعية المعية الدائمة التي لا تحوم حول صاحبها شائبة شيء من الحزن، وما هو المشهور من اختصاص " مع " بالمتبوع فالمراد بما فيه من المتبوعية هو المتبوعية في الأمر المباشر، قاله أبو السعود، وقال الخفاجي: أنها معية مخصوصة وإلا فهو مع كل أحد اهـ. والمعنى من كان الله معه فلن يغلب ومن لا يغلب فيحق له أن لا يحزن وذلك أن أبا بكر خاف من الطلب (١) أن يعلموا بمكانهم، فجزع من ذلك وكان حزنه على رسول الله ﷺ لا على نفسه وقال: إذا أنا مت فأنا رجل واحد وإذا مت أنت هلكت الأمة والدين. أخرج الشيخان عنه ﵁ قال: نظرت إلى أقدام المشركين ونحن في الغار وهم على رؤوسنا فقلت: يا رسول الله لو أن أحدهم نظر إلى قدميه أبصرنا تحت قدميه فقال: " يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما " (٢) وزاد البزار والطبراني والبيهقي في الدلائل عن أنس والمغيرة بن شعبة فأعماهم الله عن الغار فجعلوا يترددون حوله فلم يروه. قال النووي: هو داخل في قوله سبحانه: (إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون) وفيه بيان عظيم توكل النبي ﵌ حتى في هذا المقام وفيه فضيلة لأبي بكر وهي من أجل مناقبه، وقال الشعبي: عاتب الله أهل الأرض جميعاً في هذه الآية غير أبي بكر. وقال الحسن بن الفضل: من قال أن أبا بكر لم يكن صاحب رسول الله ﷺ فهو كافر لإنكاره نص القرآن، وعن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال لأبي بكر: أنت صاحبي على الحوض وصاحبي في الغار (٣)، أخرجه الترمذي، وقال حديث صحيح حسن غريب، وعبارة أبي

стр. 3071

السعود وفيه من الدلالة على علو طبقة الصديق رضي الله تعالى عنه وسابقة صحبته ما لا يخفى اهـ. وفي الكشاف: وقالوا من أنكر صحبة أبي بكر فقد كفر لإنكاره كلام الله، وليس ذلك لسائر الصحابة، وقيل أنه ليس بمنصوص عليه فيها بل المنصوص عليه أن له ثانياً هو صاحبه فيه، فإنكار ذلك يكون كفراً لا إنكار صحبته بخصوصه، ولذا قال قالوا فجعل العهدة فيه على غيره، وفيه نظر، قاله الخفاجي، وقد استنبط أهل العلم من هذه الآية وجوهاً كثيرة على فضل أبي بكر الصديق ﵁ يطول ذكرها. (فأنزل الله سكينته) هي تسكين جأشه وتأمينه حتى ذهب روعه وحصل له الأمن على أن الضمير في (عليه) لأبي بكر، وبه قال ابن عباس وأكثر المفسرين، وقيل هو للنبي ﵌ ويكون المراد بالسكينة النازلة عليه عصمته عن حصول سبب من أسباب الخوف له. ويؤيد كون الضمير في (عليه) للنبي ﷺ الضمير في (وأيده بجنود لم تروها) فإنه للنبي ﵌ لأنه المؤيد بهذه الجنود التي هي الملائكة في الغار يحرسونه ويسكنون روعه ويصرفون أبصار الكفار عنه كما كان في يوم بدر، وقيل أنه لا محذور في رجوع الضمير من (عليه) إلى أبي بكر، ومن (وأيده) إلى النبي ﷺ فإن ذلك كثير في القرآن وفي كلام العرب. (وجعل كلمة الذين كفروا) أي كلمة الشرك وهي دعوتهم إليه ونداؤهم للأصنام أو كل ما يدل على الشرك أو المراد بها عقيدة الشرك أي الكفر مطلقاً بسائر أنواعه، أقوال للمفسرين (والسفلى) المغلوبة إلى يوم القيامة (وكلمة الله هي العليا) في ضمير الفصل أعني هي تأكيد لفضل كلمته في العلو، وأنها المختصة به دون غيرها، والمراد بها كلمة التوحيد والدعوة إلى الإسلام، فهي ظاهرة غالبة باقية إلى يوم القيامة عالية والله عزيز حكيم) أي غالب قاهر لا يفعل إلا ما فيه حكمة وصواب.

стр. 3072

انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤١) لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ثم لما توعد من لم ينفر مع الرسول ﷺ وضرب له من الأمثال ما ذكره، عقبه بالأمر بالجزم فقال: وانفروا حال كونكم

стр. 3073

(خفافاً وثقالاً) أي على الصفة التي يخف عليكم الجهاد فيها وعلى الصفة التي يثقل عليكم الجهاد فيها وهذان الوصفان يدخل تحتهما أقسام كثيرة فلهذا اختلفت عبارات المفسرين فيهما فقيل المراد منفردين أو مجتمعين، وقيل نشاطاً وغير نشاط، وقيل فقراء وأغنياء وقيل شباباً وشيوخاً، وقيل ركباناً ومشاة رجالاً وفرساناً، وقيل من سبق إلى الحرب كالطلائع ومن يتأخر كالجيش. وقيل أهل الميسرة وأهل العسرة، وقيل مقلين من السلاح ومستكثرين منه وقيل مشاغيل وغير مشاغيل، وقيل أصحاء ومرضى وقيل عزاباً ومتأهلين، وقيل خفافاً من الحاشية والأتباع وثقالاً مستكثرين منهم، وقيل مسرعين في الخروج إلى الغزو ساعة سماع النفير وبعد التروي فيه والاستعداد له، وقيل غير ذلك. ولا مانع من حمل الآية على جميع هذه المعاني، لأن معنى الآية انفروا خفت عليكم الحركة أو ثقلت، فالأولى أن هذا عام لكل الأحوال فيهما، والأمر محمول على الوجوب. قال السدي: وهذه الآية منسوخة بقوله تعالى: وليس على الضعفاء ولا

стр. 3074

على المرضى) وقيل الناسخ لها قوله: (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة) الآية. قاله ابن عباس. وقيل الأمر محمول على الندب وهي محكمة وليست بمنسوخة، ويكون إخراج الأعمى والأعرج بقوله: (ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج) وإخراج الضعيف والمريض بقوله: (ليس على الضعفاء ولا على المرضى) من باب التخصيص لا من باب النسخ على فرض دخول هؤلاء تحت قوله: (خفافاً وثقالاً) والظاهر عدم دخولهم تحت العموم، ويدل عليه أن هذه الآية نزلت في غزوة تبوك وأن النبي ﷺ خلف في المدينة في تلك الغزوة النساء وبعض الرجال فذلك دل على أن الجهاد من فروض الكفايات ليس على الأعيان. (وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله) فيه الأمر بالجهاد بالأنفس والأموال وإيجابه على العباد، فالفقراء يجاهدون بأنفسهم، والأغنياء بأموالهم وأنفسهم، والجهاد من أكبر الفرائض وأعظمها، وهو فرض كفاية مهما كان البعض يقوم بجهاد العدو ويدفعه، فإن كان لا يقوم بالعدو إلا جميع المسلمين في قطر من الأرض أو أقطار وجب عليهم ذلك وجوب عين. (ذلكم) أي ما تقدم من الأمر بالنفير والأمر بالجهاد (خير لكم) عظيم في نفسه وخير من السكون والدعة (إن كنتم تعلمون) ذلك وتعرفون الأشياء الفاضلة وتميزونها عن المفضولة فافعلوه. ونزل في الذين تخلفوا عن غزوة تبوك

стр. 3075

(لو كان) المدعو إليه أو ما تدعوهم إليه (عرضاً) هو ما يعرض من منافع الدنيا ومتاعها، يقال الدنيا عرض حاضر يأكل منه البر، والفاجر (قريباً) والعنى غنيمة سهلة قريبة التناول غير بعيدة (وسفراً قاصداً) أي متوسطاً بين القرب والبعد، وكل

стр. 3076

متوسط بين الإفراط والتفريط فهو قاصد (لاتَّبعوك) أي لوافقوك في الخروج ولخرجوا معك طمعاً في تلك المنافع التي تحصل لهم (ولكن بعدت عليهم الشقة) قال أبو عبيدة وغيره: إن الشقة السفر إلى أرض بعيدة، يقال منه شقة وشاقة، والشقة المسافة التي تقطع بمشقة. قال الجوهري: الشقة بالضم من الثياب والشقة أيضاً السفر البعيد، وربما قالوه بالكسر فهي مشتقة من المشقة كما في السمين، والمراد بها غزوة تبوك فإنها كانت سفرة بعيدة شاقة وكانوا يستعظمون غزو الروم، لا جرم تخلفوا بهذا السبب. (وسيحلفون) أي المتخلفون عن غزوة تبوك، وأتى بالسين لأنه من قبيل الإخبار بالغيب فإن الله أنزل هذه الآية قبل رجوعه من تبوك أي سيحلفون (بالله) اعتذاراً عنه حال كونهم قائلين (لو استطعنا) أي لو قدرنا على الخروج ووجدنا ما نحتاج إليه فيه مما لا بد منه، وقيل: لو كان لنا استطاعة من جهة العدة أو من جهة الصحة أو من جهتهما حسبما عنَّ لهم من الكذب والتعلل وعلى كلا التقديرين فقوله: (لخرجنا معكم) ساد مسد جوابي القسم والشرط جميعاً وقد وقع حسبما أخبر به وهو من جملة المعجزات الباهرة. وقوله: (يهلكون أنفسهم) بدل من قوله: (سيحلفون) لأن من حلف كذباً فقد أهلك نفسه، ولذا قال ﷺ : " اليمين الفاجرة تدع الديار بلاقع " أو يكون حالاً أي مهلكين أنفسهم موقعين لها موقع الهلاك بسبب هذه الأيمان الكاذبة (والله يعلم إنهم لكاذبون) في حلفهم الذي سيحلفون به لك لأنهم كانوا مستطيعين للخروج.

стр. 3077

عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (٤٣) لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ

стр. 3078

(عفا الله عنك لم أذنت لهم) الاستفهام للإنكار من الله تعالى على رسوله ﷺ حيث وقع منه الإذن لمن استأذنه في القعود قبل أن يتبين من هو صادق منهم في عذره الذي أبداه، ومن هو كاذب فيه، وفي ذكر العفو عنه ﷺ ما يدل على أن هذا الإذن الصادر منه كان خلاف الأولى، وفي هذا عتاب لطيف من الله سبحانه، وقيل أن هذا عتاب له ﵌ في إذنه للمنافقين بالخروج معه لا في إذنه لهم بالقعود عن الخروج، قاله الطبري والأول أولى. وقد رخص له سبحانه في سورة النور بقوله: (فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم) ويمكن أن يجمع بين الآيتين بأن العتاب هنا متوجه إلى الإذن قبل الاستثبات حتى يتبين الصادق من الكاذب، والإذن هنالك متوجه إلى الإذن بعد الاستثبات والله أعلم. وقيل إن قوله: (عفا الله عنك) افتتاح كلام كما تقول أصلحك الله وأعزك ورحمك كيف فعلت كذا وكذا، حكاه مكي والنحاس والمهدوي، وعلى هذا التأويل يحسن الوقف على (عفا الله عنك) وعلى التأويل الأول لا يحسن، ولا يخفاك أن التفسير الأول هو المطابق لما يقتضيه اللفظ على حسب اللغة العربية، ولا وجه لإخراجه عن معناه العربي. وفي الآية دليل على جواز الاجتهاد منه ﷺ والمسألة

стр. 3079

مدونة في الأصول، وفيها أيضاً دلالة على مشروعية الاحتراز عن العجلة والاغترار بظواهر الأمور. وقال عمرو بن ميمون: اثنان فعلهما رسول الله ﷺ باجتهاده لم يؤمر فيهما بشيء: إذنه للمنافقين في التخلف، وأخذه الفداء من أسارى بدر، فعاتبه الله كما تسمعون، قال سفيان بن عيينة: انظر هذا التلطف به، بدأ بالعفو قبل أن يعيره بالذنب. و (حتى) في قوله: (حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين) للغاية، كأنه قيل لم سارعت إلى الإذن لهم، وهلا تأنيت حتى يتبين لك صدق من هو صادق منهم في العذر الذي أبداه، وكذب من هو كاذب منهم في دعواه، قال ابن عباس: لم يكن يعرف رسول الله ﵌ المنافقين يومئذ حتى نزلت سورة براءة. ثم ذكر سبحانه أنه ليس من عادة المؤمنين أن يستأذنوا رسول الله ﷺ في القعود عن الجهاد، بل كان من عادتهم أنه ﷺ إذا أذن لواحد منهم بالقعود شق عليه ذلك فقال:

стр. 3080

(لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم) وهذا على أن معنى الآية أن لا يجاهدوا وقيل المعنى لا يستأذنك في التخلف كراهة الجهاد، وقيل أن معنى الاستئذان في الشيء الكراهة. وأما على ما يقتضيه ظاهر اللفظ فالمعنى لا يستأذنك المؤمنون في الجهاد بل دأبهم أن يبادروا إليه من غير توقف ولا ارتقاب منهم لوقوع الإذن منك فضلاً أن يستأذنوك في التخلف، فحيث استأذنك هؤلاء في التخلف كان ذلك مظنة للتأني في أمرهم بل دليلاً على نفاقهم (والله عليم بالمتقين) الذين لم يستأذنوا

стр. 3081

إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ ٤٥) وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ

стр. 3082

(إنما يستأذنك) في القعود عن الجهاد والتخلف عنه من غير عذر، وكذا يقال فيما بعده (الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر) وهم المنافقون وكانوا تسعة وثلاثين رجلاً، وذكر الإيمان بالله أولاً ثم باليوم الآخر ثانياً في الموضعين لأنهما الباعثان على الجهاد في سبيل الله (وارتابت قلوبهم) جاء بالماضي للدلالة على تحقق الريب في قلوبهم وهو الشك فإذا إدخلها الشك كان ذلك نفاقاً. (فهم في ريبهم يترددون) أي في شكهم الذي حل بقلوبهم يتحيرون، والتردد التحير، والمعنى فهؤلاء الذين يستأذنونك ليسوا بمؤمنين، بل كانوا مرتابين حائرين لا يهتدون إلى طريق الصواب ولا يعرفون الحق، والآية محكمة كلها، وقال ابن عباس: نسختها الآية التي في سورة النور (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله) إلى قوله: (غفور رحيم) فجعل الله النبي ﵌ بأعلى النظرين في ذلك من غزا غزا في فضيلة، ومن قعد قعد في غير حرج إن شاء الله.

стр. 3083

(ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة) أي لو كانوا صادقين فيما يدعونه ويخبرونك به من أنهم يريدون الجهاد معك ولكن لم يكن معهم من العدة للجهاد ما يحتاجون إليه لما تركوا إعداد العدة وتحصيلها قبل وقت الجهاد كما يستعد لذلك المؤمنون، فمعنى هذا الكلام أنهم لم يريدوا الخروج أصلاً ولا استعدوا للغزو، والعدة ما يحتاج إليه المجاهد من الزاد والراحلة والسلاح. (ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم) الاستدراك هنا يحتاج إلى تأمل،

стр. 3084

فلذلك قال الزمخشري: ما حاصله ولكن كره الله خروجهم فثبطوا عن الخروج فيكون المعنى ما خرجوا ولكن ثبطوا لأن كراهة الله انبعاثهم تستلزم تثبطهم عن الخروج، والانبعاث الخروج أي حبسهم الله عن الخروج معك وخذلهم وكسلهم لأنهم قالوا إن لم يؤذن لنا في الجلوس أفسدنا وحرضنا على المؤمنين. وقيل المعنى لو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن ما أرادوه لكراهة الله له، وعلى هذا فهو استدراك على نفس المقدم على نهج ما في الأقيسة الاستثنائية، وكان في خروجهم مع رسول الله ﷺ مفسدة عظيمة بدليل أنه تعالى أخبر عنها بقوله الآتي (ما زادوكم إلا خبالاً) وأما عتاب الله لرسوله بقوله (لم أذنت لهم) فإنه أذن لهم قبل تمام الفحص وإكمال التأمل والتدبر في حالهم، فلهذا السبب عاتبه، وقيل إنما عاتبه لأجل أنه أذن لهم قبل أن يوحى إليه في أمرهم بالقعود. (وقيل اقعدوا) والقائل لهم هو الشيطان بما يلقيه إليهم من الوسوسة، وقيل قاله بعضهم لبعض، وقيل قاله رسول الله ﷺ غضباً عليهم، وقيل هو عبارة عن الخذلان أي أوقع الله في قلوبهم القعود خذلاناً لهم، وقال السيوطي: أي قدر الله ذلك أي القعود يعني فلا قول بالفعل لا من الله ولا من النبي ﷺ . (مع القاعدين) أي مع أولى الضرر من العميان والمرضى والنساء والصبيان وفيه من الذم لهم والإزراء عليهم والتنقص بهم ما لا يخفى.

стр. 3085

لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٤٧) لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ
следующие страницы →