← Тафсир

Тафсир · id 37458

فتح البيان في مقاصد القرآن

صديق حسن خان

Полный текст (12 043 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.

стр. 3081

إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ ٤٥) وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ

стр. 3082

(إنما يستأذنك) في القعود عن الجهاد والتخلف عنه من غير عذر، وكذا يقال فيما بعده (الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر) وهم المنافقون وكانوا تسعة وثلاثين رجلاً، وذكر الإيمان بالله أولاً ثم باليوم الآخر ثانياً في الموضعين لأنهما الباعثان على الجهاد في سبيل الله (وارتابت قلوبهم) جاء بالماضي للدلالة على تحقق الريب في قلوبهم وهو الشك فإذا إدخلها الشك كان ذلك نفاقاً. (فهم في ريبهم يترددون) أي في شكهم الذي حل بقلوبهم يتحيرون، والتردد التحير، والمعنى فهؤلاء الذين يستأذنونك ليسوا بمؤمنين، بل كانوا مرتابين حائرين لا يهتدون إلى طريق الصواب ولا يعرفون الحق، والآية محكمة كلها، وقال ابن عباس: نسختها الآية التي في سورة النور (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله) إلى قوله: (غفور رحيم) فجعل الله النبي ﵌ بأعلى النظرين في ذلك من غزا غزا في فضيلة، ومن قعد قعد في غير حرج إن شاء الله.

стр. 3083

(ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة) أي لو كانوا صادقين فيما يدعونه ويخبرونك به من أنهم يريدون الجهاد معك ولكن لم يكن معهم من العدة للجهاد ما يحتاجون إليه لما تركوا إعداد العدة وتحصيلها قبل وقت الجهاد كما يستعد لذلك المؤمنون، فمعنى هذا الكلام أنهم لم يريدوا الخروج أصلاً ولا استعدوا للغزو، والعدة ما يحتاج إليه المجاهد من الزاد والراحلة والسلاح. (ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم) الاستدراك هنا يحتاج إلى تأمل،

стр. 3084

فلذلك قال الزمخشري: ما حاصله ولكن كره الله خروجهم فثبطوا عن الخروج فيكون المعنى ما خرجوا ولكن ثبطوا لأن كراهة الله انبعاثهم تستلزم تثبطهم عن الخروج، والانبعاث الخروج أي حبسهم الله عن الخروج معك وخذلهم وكسلهم لأنهم قالوا إن لم يؤذن لنا في الجلوس أفسدنا وحرضنا على المؤمنين. وقيل المعنى لو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن ما أرادوه لكراهة الله له، وعلى هذا فهو استدراك على نفس المقدم على نهج ما في الأقيسة الاستثنائية، وكان في خروجهم مع رسول الله ﷺ مفسدة عظيمة بدليل أنه تعالى أخبر عنها بقوله الآتي (ما زادوكم إلا خبالاً) وأما عتاب الله لرسوله بقوله (لم أذنت لهم) فإنه أذن لهم قبل تمام الفحص وإكمال التأمل والتدبر في حالهم، فلهذا السبب عاتبه، وقيل إنما عاتبه لأجل أنه أذن لهم قبل أن يوحى إليه في أمرهم بالقعود. (وقيل اقعدوا) والقائل لهم هو الشيطان بما يلقيه إليهم من الوسوسة، وقيل قاله بعضهم لبعض، وقيل قاله رسول الله ﷺ غضباً عليهم، وقيل هو عبارة عن الخذلان أي أوقع الله في قلوبهم القعود خذلاناً لهم، وقال السيوطي: أي قدر الله ذلك أي القعود يعني فلا قول بالفعل لا من الله ولا من النبي ﷺ . (مع القاعدين) أي مع أولى الضرر من العميان والمرضى والنساء والصبيان وفيه من الذم لهم والإزراء عليهم والتنقص بهم ما لا يخفى.

стр. 3085

لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٤٧) لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ

стр. 3086

(لو خرجوا) شروع في بيان المفاسد التي تترتب على خروجهم، وفيه تسلية لرسول الله ﷺ وللمؤمنين عن تخلف المنافقين، ومعنى (فيكم) في جيشكم أو (في) بمعنى مع أي معكم (ما زادوكم إلا خبالاً) هو الشر والفساد والنميمة وإيقاع الاختلاف والأراجيف، وأصله اضطراب ومرض يؤثر في العقل كالجنون، قيل هذا الاستثناء منقطع أي ما زادوكم قوة، ولكن طلبوا الخبال وليس بذاك لأنه لا يكون مفرغاً، قاله الزمخشري والبيضاوي وأبو السعود. قال الخفاجي: وفيه بحث لأنه لا مانع منه إذا دلت القرينة عليه، كما إذا قيل ما أنيسك في البادية؟ فقلت ما لي بها إلا اليعافير، أي ما لي أنيس إلا هذه، انتهى. وقيل المعنى لا يزيدونكم فيما يترددون فيه من الرأي إلا خبالاً، فيكون متصلاً، وقيل قوله استثناء من أعم العام أي ما زادوكم شيئا إلا خبالاً فيكون الاسثثناء من قسم المتصل لأن الخبال من جملة ما يصدق عليه الشيء. (ولأوضعوا خلالكم) الإيضاع سرعة السير، يقال أوضع البعير إذا أسرع السير، وقيل هو سير الخبب، وأوضع يستعمل لازماً كما في القاموس ومتعدياً كما في المختار، والخلة الفرجة بين الشيئين والمفرد خلل، والجمع الخلال كجمل وجمال أي الفرج التي تكون بين الصفوف.

стр. 3087

والمعنى على الأول لسعوا بينكم بالإفساد بما يختلقونه من الأكاذيب المشتملة على الأرجاف والنمائم الموجبة لفساد ذوات البين، وعلى الثاني أسرعوا ركائبكم بينكم بالنميمة، وفيه استعارة تخييلية ومكنية، وقيل إنه استعارة تبعية شبه سرعة إفسادهم لذات البين بالنميمة بسرعة سير الركائب المسماة بالإيضاع وهو إسراع سير البعير، ثم استعير لسرعة الإفساد لفظ الإيضاع وهو للإبل ثم اشتق منه أوضعوا وأصل الاستعارة ولأوضعوا ركائب نمائمهم خلالكم، ثم حذف النمائم وأقيم المضاف إليه مقامها لدلالة سياق الكلام على أن المراد النميمة ثم حذف الركائب، قاله الطيبي كما ذكره زكريا. (يبغونكم) يقال بغيته كذا طلبته له وأبغيته كذا أعنته على طلبه، والمعنى يطلبون لكم (الفتنة) أي ما يفتنون به في ذات بينكم بما يصنعونه من التحريش والإفساد، وقولهم للمؤمنين لقد جمعوا لكم كذا وكذا ولا طاقة لكم بهم وإنكم ستهزمون منهم وسيظهرون عليكم، ونحو ذلك من الأحاديث الكاذبة التي تورث الجبن والفشل، وقيل الفتنة العيب والشر، وقيل الفتنة هنا الشرك. (وفيكم سماعون لهم) أي والحال أن فيكم من يستمع ما يقولونه من الكذب فينقله إليكم، فيتأثر من ذلك الاختلاف بينكم والفساد لأحوالكم، قال مجاهد: معناه محدثون لهم بأحاديثكم غير منافقين وهم عيون للمنافقين. انتهى. فعلى هذا يكون المراد فيكم جواسيس منهم يسمعون لهم الأخبار منكم فاللام على الأول للتقوية، وعلى الثاني للتعليل أي لأجلهم (والله عليم بالظالمين) وبما يحدث منهم لو خرجوا معكم فلذلك اقتضت حكمته البالغة أن لا يخرجوا معكم وكره انبعاثهم معكم. ولا ينافي حالهم هذا لو خرجوا مع رسول الله ﷺ ما تقدم من عتابه على الإذن لهم في التخلف، لأنه سارع إلى الإذن لهم ولم يكن

стр. 3088

قد علم من أحوالهم لو خرجوا أنهم يفعلون هذه الأفاعيل، فعوتب ﷺ على تسرعه إلى الإذن لهم قبل أن يتبين له الصادق منهم في عذره من الكاذب، ولهذا قال الله سبحانه فيما يأتي في هذه السورة (فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبداً) الآية. وقال في سورة الفتح (سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها) إلى قوله: (قل لن تتبعونا) وفي الآية وعيد وتهديد للمنافقين الذين يلقون الفتن والشبهات بين المؤمنين، ووضع المظهر موضع المضمر للتسجيل عليهم بالظلم والتشديد في الوعيد والإشعار بترتبه على الظلم، قال أبو السعود: ولعله شامل للفريقين السماعين والقاعدين.

стр. 3089

(لقد ابتغوا الفتنة من قبل) أي لقد طلبوا الإفساد والخبال وتفريق كلمة المؤمنين وتشتت شملهم من قبل هذه الغزوة التي تخلفوا عنك فيها، كما وقع من عبد الله بن أبيّ وغيره يوم أحد حيث انصرف بأصحابه عنك، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون. (وقلبوا لك الأمور) أي صرفوها من وجه إلى وجه ودبروا لك الحيل والمكايد، وردوا الآراء في إبطال أمرك وتقليب الأمر تصريفه من أمر إلى أمر وترديده لأجل التدبير والاجتهاد في المكر والحيلة، ومنه قول العرب للرجل حوَّل وقلب إذا كان دائراً حول المكايد والحيل يدبر الوأي فيها ويتدبره، وقرئ بالتخفيف. (حتى جاء الحق) أي إلى غاية هي مجيء الحق وهو النصر لك والتأييد، وقيل الحق القرآن (وظهر أمر الله) بإعزاز دينه وإعلاء شريعته وقهر أعدائه (وهم كارهون) لمجيء الحق وظهور أمر الله، ولكن كان ذلك على رغم منهم

стр. 3090

وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (٤٩) إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ

стр. 3091

(ومنهم) أي من المنافقين (من يقول) لرسول الله ﷺ (ائذن لي) في التخلف عن الجهاد (ولا تفتني) أي لا توقعني في الفتنة أي المعصية والإثم إذا لم تأذن لي فتخلفت بغير إذنك، وقيل معناه لا توقعني في الهلكة بالخروج. عن ابن عباس قال: لما أراد النبي ﷺ أن يخرج إلى غزوة تبوك قال للجدّبن قيس: يا جد بن قيس ما تقول في مجاهدة بني الأصفر؟ فقال: يا رسول الله إني امرؤ صاحب نساء، ومتى أرى نساء بني الأصفر أفتتن، فأْذن لي ولا تفتني، فأنزل الله (ومنهم من يقول ائذن لي) الآية (١). (ألا في الفتنة سقطوا) أي في نفس الفتنة، وهي فتنة التخلف عن الجهاد والاعتذار الباطل، والمعنى أنهم ظنوا أنهم بالخروج أو بترك الإذن لهم يقعون في الفتنة وهم بهذا التخلف سقطوا في الفتنة العظيمة، وفي التعبير بالسقوط ما يشعر بأنهم وقعوا فيها وقوع من يهوي من أعلى إلى أسفل، وذلك أشد من مجرد الدخول في الفتنة. ثم توعدهم على ذلك فقال: (وإن جهنم لمحيطة بالكافرين) أي مشتملة عليهم من جميع الجوانب لا يجدون عنها مخلصاً، ولا يتمكنون من الخروج منها بحال من الأحوال، وهذا وعيد لهم على ما فعلوا معطوف على

стр. 3092

الجملة السابقة داخل تحت التنبيه، وقصة تبوك مذكورة في كتب الحديث والسير فلا نطول بذكرها.

стр. 3093

(إن تصبك حسنة تسؤهم) أي حسنة كانت بأي سبب اتفق كما يفيده وقوعها في حيز الشرط وكذلك القول في المصيبة وتدخل الحسنة والمصيبة الكائنة في القتال كما يفيده السياق دخولاً أولياً. فمن جملة ما يصدق عليه الحسنة الغنيمة والظفر، ومن جملة ما يصدق عليه المصيبة الخيبة والانهزام، وهذا ذكر نوع آخر من خبث ضمائر المنافقين وسوء أفعالهم والإخبار بعظم عدواتهم لرسول الله ﵌ وللمؤمنين، فإن المساءة بالحسنة، والفرح بالمصيبة من أعظم ما يدل على أنهم قد بلغوا في العداوة إلى الغاية. (وإن تصبك مصيبة) أي هزيمة أو شدة كما تقدم، وقابل الله هنا الحسنة بالمصيبة ولم يقابلها بالسيئة كما قال في سورة آل عمران (وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها) لأن الخطاب هنا للنبي ﷺ وهي في حقه مصيبة يثاب عليها لا سيئة يعاتب عليها، والتي هناك خطاب للمؤمنين. قاله الشهاب. (يقولوا) أي المنافقون حامدين لرأيهم (قد أخذنا أمرنا من قبل) أي احتطنا لأنفسنا وأخذنا بالحزم واعتزلنا عنهم، وقعدنا عن الحرب، فلم نخرج للقتال كما خرج المؤمنون حتى نالهم ما نالهم من المصيبة (ويتولوا وهم فرحون) أي رجعوا إلى أهلهم عن مقامات الاجتماع ومواطن التحدث حال كونهم فرحين بالصيبة التي أصابت المؤمنين وبما صنعوا من أخذ الأمر، وبما أصابه ﵌، والجملة حال من الضمير في يقولوا ويتولوا لا من الأخير فقط لمقارنة الفرح ما معاً.

стр. 3094

قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١) قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ (٥٢) قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ ثم لما قالوا هذا القول أمر الله رسوله ﵌ بأن يجيب عليهم فقال:

стр. 3095

(قل) لهم بياناً لبطلان ما بنوا عليه مسرتهم من الاعتقاد لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا في اللوح المحفوظ أو في كتابه المنزل علينا، وفائدة هذا الجواب أن الإنسان إذا علم أن ما قدره الله كائن وإن كل ما ناله من خير أو شر إنما هو بقدر الله وقضائه، هانت عليه المصائب ولم يجد مرارة شماتة الأعداء وتشفي الحسدة. (هو مولانا) أي ناصرنا وجاعل العاقبة لنا ومظهر دينه على جميع الأديان (وعلى الله فليتوكل المؤمنون) الفاء سببية والأصل ليتوكل قدم الظرف على الفعل لإفادة القصر، ثم أدخلت الفاء للدلالة على استيجابه تعالى للتوكل كما في قوله: (وإياي فارهبون) والتوكل على الله تفويض الأمور إليه والمعنى أن من حق المؤمنين أن يجعلوا توكلهم في جميع أمورهم مختصاً بالله سبحانه لا يتوكلون على غيره.

стр. 3096

(قل هل تربصون بنا) أي هل تنتظرون أيها المنافقون أن يقع بنا (إلا إحدى) الخصلتين (الحسنيين) إما النصرة والغنيمة أو الشهادة والمغفرة وكلاهما مما يحسن لدينا، والحسنى تأنيث الأحسن ومعنى الاستفهام التقريع والتوبيخ، وهذا إيضاح وكشف لقوله إلا ما كتب الله لنا.

стр. 3097

(ونحن نتربص بكم) وإحدى المساءتين لكم من العواقب إما (أن يصيبكم الله بعذاب من عنده) أي قارعة نازلة من السماء كما أصاب من قبلكم من الأمم المهلكة فيسحتكم بعذابه (أو) بعذاب لكم (بأيدينا) أي بإظهار الله لنا عليكم بالقتل والأسر والنهب والسبي، والفاء في (فتربصوا) فصيحة والأمر للتهديد كما في قوله: (ذق إنك أنت العزيز الكريم) أي تربصوا بنا ما ذكرنا من عاقبتنا (إنا) أي نحن (معكم متربصون) ما هو عاقبتكم فستنظرون عند ذلك ما يسرنا ويسوءكم.

стр. 3098

(قل أنفقوا طوعاً أو كرهاً لن يتقبل منكم) هذا الأمر معناه الشرط والجزاء لأن الله سبحانه لا يأمرهم بما لا يتقبله منهم، والتقدير إن أنفقتم طائعين أو مكرهين فلن يتقبل منكم، وقيل هو أمر في معنى الخبر أي أنفقتم طوعاً أو كرهاً لن يتقبل منكم فهو كقوله: (استغفر لهم أو لا تستغفر لهم) وفيه الإشعار بتساوي الأمرين في عدم القبول. وانتصاب طوعاً وكرهاً على الحال فهما مصدران في موقع المشتقين أي انفقوا طائعين من غير أمر من الله ورسوله أو مكرهين بأمر منهما، وليس المراد بالطوع الرغبة لقوله الآتي: (إلا وهم كارهون) أي لا رغبة لهم وسمى الأمر منهما إكراهاً لأنهم منافقون لا يأتمرون بالأمر فكانوا بأمرهم الذي لا يأتمرون به كالمكرهين على الإنفاق أو طائعين من غير إكراه من رؤسائكم أو مكرهين منهم، قال الخطيب: وهذه الآية وإن كانت خاصة في إنفاق المنافقين فهي عامة في حق كل من أنفق ماله لغير وجه الله بل أنفقه رياء وسمعة فإنه لا يقبل منه (إنكم كنتم قوماً فاسقين) تعليل لعدم قبول إنفاقهم، والفسق هنا التمرد والعتو وقد سبق بيان الفسق لغة وشرعاً.

стр. 3099

وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ (٥٤) فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ ثم بين سبحانه السبب المانع من قبول نفقاتهم فقال:

стр. 3100

(وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله) استثناء من أعم الأشياء أي ما منعهم من قبول نفقاتهم شيء من الأشياء إلا كفرهم بهما، جعل المانع من القبول ثلاثة أمور. الأول: الكفر. والثاني (ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى) أي أنهم لا يصلون في حال من الأحوال إلا في حال الكسل والتثاقل لأنهم لا يرجون ثواباً ولا يخافون عقاباً فصلاتهم ليست إلا رياء للناس وتظاهراً بالإسلام الذي يبطنون خلافه والثالث أنهم (لا ينفقون) وأموالهم (إلا وهم كارهون) ولا ينفقونها طوعاً لأنهم يعدون إنفاقها وضعاً لها في مضيعة لعدم إيمانهم بما وعد الله ورسوله. لا يقال أن الكفر سبب مستقل لعدم القبول، فما وجه التعليل بمجموع الأمور الثلاثة وعند حصول السبب المستقل لا يبقى لغيره أثر، لأن هذا إنما يتوجه على قول المعتزلة القائلين بأن العلل مؤثرة في الحكم، وأما أهل السنة فإنهم يقولون هذه الأسباب معرفة غير موجبة للثواب ولا للعقاب، واجتماع المعرفات الكثيرة على الشيء الواحد جائز، قاله الشهاب.

стр. 3101

(فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم) الإعجاب بالشيء أن تسر به سرور راض به متعجب من حسنه، قيل مع نوع من الافتخار به واعتقاد أنه ليس لغيره ما يساويه، وهذا المعنى إنما يناسب في إعجاب الشخص بمال نفسه، يقال

стр. 3102

أعجب بماله أو ولده أي فرح به واغتر به، وما هنا في إعجاب المرء بمال غيره، والمعنى عليه لا تستحسن ما معهم من الأموال والأولاد ولا تحمدها ولا تخبر برضاك بها فهي استدراج، وقيل يقال في الاستحسان أعجبني بالألف، وفي الذم والإنكار عجبت، وزان تعبت، وهذا الخطاب وإن كان مختصاً بالنبي ﷺ لكن يعم جميع المؤمنين. (إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا) بما يحصل معهم من الغم والحزن عند أن يغنمها المسلمون ويأخذوها قسراً من أيديهم مع كونها زينة حياتهم وقرة أعينهم أو بما يلقون في جمعها من المشقة والمتاعب، وفيها من المصائب، ومنه قول العرب بلوغ الآمال في ركوب الأهوال. والمؤمن قد علم أنه مخلوق للآخرة، وأنه يثاب بالمصائب الحاصلة في الدنيا فلم يكن المال والولد في حقه عذاباً في الدنيا، وأما المنافق فإنه لا يعتقد كون الآخرة له ولا أن له فيها ثواباً فبقي ما يحصل له في الدنيا من التعب والحزن على المال والولد عذاباً عليه في الدنيا، فثبت بهذا الاعتبار أن المال والولد عذاب على المنافق في الدنيا دون المؤمن، وكذا في الآخرة يعذبهم بعذاب النار بسبب عدم الشكر لربهم الذي أعطاهم ذلك وترك ما يجب عليهم من الزكاة فيها والتصدق بما يحق التصدق به. وقيل في الكلام تقديم وتأخير والمعنى فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة لأنهم المنافقون فهم ينفقون كارهين فيعذبون بما ينفقون. (وتزهق أنفسهم وهم كافرون) الزهوق الخروج بصعوبة والمعنى أن الله يريد أن يزهق أنفسهم ويخرج أرواحهم حال كفرهم لعدم قبولهم لما جاءت به الأنبياء وأرسلت به الرسل، وتصميمهم على الكفر وتماديهم في الضلالة، قال الزمخشري: والمراد الاستدراج بالنعم كقوله: (إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً) كأنه قيل ويريد أن يديم عليهم نعمه إلى أن يموتوا وهم كافرون مشغولون بالتمتع عن النظر للعاقبة.

стр. 3103

وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (٥٦) لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (٥٧) وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ ثم ذكر الله سبحانه نوعاً آخر من قبائح المنافقين فقال:

стр. 3104

(ويحلفون بالله إنهم لمنكم) أي من جملتكم في دين الإسلام والانقياد لرسول الله ﷺ ولكتاب الله سبحانه (وما هم منكم) في ذلك إلا بمجرد ظواهرهم دون بواطنهم (ولكنهم قوم يفرقون) أي يخافون أن ينزل بهم ما نزل بالمشركين من القتل والسبي فيظهرون لكم الإسلام تقية منهم لا عن حقيقة.

стр. 3105

(لو يجدون ملجأً) أي مكاناً يلتجئون إليه ويحفظون نفوسهم فيه منكم من حصن أو رأس جبل أو قلعة أو جزيرة، والملجأ يصلح للمصدر والزمان والمكان والظاهر منها هنا المكان، قال ابن عباس: الملجأ الحرز في الجبال وقيل حصناً ومعقلاً (أو مغارات) جمع مغارة من غار يغيز. قال الأخفش: ويجوز أن يكون من أغار يغير، والمغارات الغيران والسراديب وهي المواضع التي يستتر فيها، ومنه غار الماء وغارت العين، والمغارة هي المكان المنخفض في الأرض أو في الجبل، والغور من كل شيء قعره والغور المطمئن من الأرض، وغار الرجل غوراً أتى الغور وأغار بالألف مثله، والغار والمغار والمغارة كالكهف في الجبل، والكهف كالبيت في الجبل، وقيل المغارة السرب في الأرض كنفق اليربوع، والغار الثقب في الجبل. وهذا من أبدع النظم، ذكر أولاً الأمر الأعم وهو الملجأ من أي نوع كان، ثم ذكر الغيران التي يختفى فيها في أعلى الأماكن وهي الجبال ثم الأماكن

стр. 3106

التي يختفى فيها في الأكن السافلة وهي السروب، وهي التي عبر عنها بالمدخل، والمعنى لو وجدوا أمكنة يغيبون فيها أشخاصهم هرباً منكم. (أو مدخلاً) من الدخول أي مكاناً يدخلون فيه من الأمكنة التي ليست مغارات. قال ابن عباس: المدخل السرب كنفق اليربوع، وقال الحسن: وجهاً يدخلونه على خلاف رسول الله ﷺ (لوَلَّوَاْ إليه) أي لالتجأوا إليه وأدخلوا أنفسهم فيه، وقيل المعنى لو كانوا يجدون مهرباً لهربوا إليه أو قوماً يأمنون عندهم على أنفسهم لصاروا إليهم ولفارقوكم. (وهم يجمحون) أي والحال أنهم يسرعون إسراعاً إلى ذلك المكان لا يردهم شيء، من جمح الفرس براكبه يجمح إذا لم يرده اللجام واستعصى عليه حتى غلبه فهو جموح وجامح يستوي فيه المذكر والمؤنث، وحاصل المعنى لو وجدوا شيئاً من هذه الأشياء المذكورة وهي شر الأمكنة وأضيقها لولوا إليه مسرعين، هرباً من المسلمين لشدة بغضهم إياهم تستراً عنهم واستكراهاً لرؤيتهم.

стр. 3107

(ومنهم من يلمزك) هذا ذكر نوع آخر من قبائحهم، واللمز بمعنى العيب كما قال النحاس والجوهري يقال: لمزه يلمزه إذا عابه، وأصله الإشارة بالعين ونحوها، ورجل لماز ولمزة أي عياب فهو أخص من الغمز إذ هو الإشارة بالعين ونحوها، سواء كان على وجه الاستنقاص أو لا، وأما اللمز فهو خاص بكونه على وجه العيب. وقال الزجاج: لمزت الرجل ألمزه وألمزه بكسر الميم وضمها إذا عبته وكذا همزته وروي عن مجاهد أنه قال: معنى يلمزك يرزؤك ويسألك، والقول عند أهل اللغة هو الأول.

стр. 3108

وقال الأزهري: أصله الدفع، يقال لمزته أي دفعته، وقال الليث هو الغمز في الوجه، ومنه همزة لمزة أي كثير هذين الفعلين، وقرئ يلمزك بكسر العين مع التشديد وضمها وهما لغتان في المضارع. ومعنى الآية ومن المنافقين من يعيبك (في الصدقات) أي الزكوات أو الغنائم وتفريقها وقسمتها. (فإن أعطوا منها) أي من الصدقات بقدر ما يريدون (رضوا) بما وقع من رسول الله ﷺ ولم يعيبوه، وذلك لأنه لا مقصد لهم إلا حطام الدنيا وليسوا من الدين في شيء (وإن لم يعطوا منها) ما يريدونه ويطلبونه (إذا هم يسخطون) أي فاجئوا السخط، وفائدة إذا الفجائية أن الشرط مفاجئ للجزاء وهاجم عليه.

стр. 3109

وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ

стр. 3110

(ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله) أي ما فرضه الله لهم وقسمه وما أعطاهم رسول الله ﷺ من الصدقات، وقيل ذكر الله للتّعظيم والتنبيه على أن ما فعله الرسول كان بأمره تعالى، والأصل ما آتاهم الرسول، وجواب لو محذوف أي لكان خيراً لهم، فإن فيما أعطاهم الخير العاجل والآجل. (وقالوا) عند أن أعطاهم رسول الله ﷺ ما هو لهم (حسبنا) أي كفانا (الله سيؤتينا) أي سيعطينا (الله من فضله و) يعطينا (رسوله) بعد هذا ما نرجوه ونؤمله (إنا إلى الله راغبون) فهاتان الجملتان كالشرح لقولهم (حسبنا الله) فلذلك لم يتعاطفا لأنهما كالشيء الواحد، فشدة الاتصال منعت العطف. قاله الكرخي. وقد أخرج البخاري والنسائي وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ وابن مرد عن أبي سعيد الخدري قال: بينما رسول الله ﷺ يقسم قسماً إذ جاءه ابن ذي الخويصرة التيمي فقال: اعدل يا رسول الله، فقال: ويحك ومن يعدل إذا لم أعدل، فقال عمر بن الخطاب: ائذن لي فأضرب عنقه، فقال النبي ﷺ : " دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية " (١) الحديث حتى قال: وفيهم نزلت هذه الآية. وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال: لما قسم النبي ﷺ غنائم حنين سمعت رجلاً يقول: إن هذه القسمة ما أريد بها الله، فأتيت النبي ﷺ وذكرت ذلك له فقال: " رحمة الله على موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر " ونزل يعني هذه الآية.

стр. 3111

إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ

стр. 3112

(إنما الصدقات للفقراء والمساكين) لما لمز المنافقون رسول الله ﷺ في قسمة الصدقات، بين الله لهم مصرفها دفعاً لطعنهم وقطعاً لشغبهم (وإنما) من صيغ القصر، وتعريف الصدقات للجنس، أي جنس هذه الصدقات مقصورة على هذه الأصناف الثمانية المذكورة لا يتجاوزها بل هي لهم لا لغيرهم، ولا تعلق لرسول الله ﷺ بشيء منها، ولم يأخذ لنفسه منها شيئاً. وقد اختلف العلماء هل يجب تقسيط الصدقات على هذه الأصناف الثمانية أو يجوز صرفها إلى البعض دون البعض على حسب ما يراه الإمام أو صاحب الصدقة، فذهب إلى الأولى حذيفة والشافعي وجماعة من أهل العلم، وذهب إلى الثاني مالك وأبو حنيفة وبه قال عمر وحذيفة وابن عباس وأبو العالية وسعيد بن جبير وميمون بن مهران. قال ابن جرير: وهو قال عامة أهل العلم، احتج الأولون بما في الآية من القصر وبحديث زياد بن الحرث الصدائي عند أبي داود والدارقطني قال: أتيت النبي ﷺ فبايعته فأتى رجل فقال: أعطني من الصدقة، فقال له: إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها هو، فجزأها ثمانية أصناف فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك (١). وأجاب الآخرون بأن ما في الآية من القصر إنما هو لبيان الصرف

стр. 3113

والمصرف لا لوجوب استيعاب الأصناف، وبان في إسناد الحديث: عبد الرحمن ابن زياد ابن أنعم الإفريقي وهو ضعيف. ومما يؤيد ما ذهب إليه الآخرون قوله تعالى: (إن تبدو الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم) والصدقة تطلق على الواجبة كما تطلق على المندوبة، وصح عنه ﷺ أنه قال: أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها في فقرائكم (١). وقد ادعى مالك الإجماع على القول الآخر. قال ابن عبد البر: يريد إجماع الصحالة فإنه لا يعلم له مخالفاً منهم وقدم الفقراء لأنهم أحوج من البقية على المشهور لشدة فاقتهم وحاجتهم. وقد اختلف أهل العلم في الفرق بين الفقير والمسكين على أقوال، فقال يعقوب ابن السكيت والقتيبي ويونس بن حبيب: إن الفقير أحسن حالاً من المسكين. قالوا لأن الفقير هو الذي له بعض ما يكفيه ويقيمه، والمسكين الذي لا شيء له، وذهب إلى هذا قوم من أهل الفقه منهم أبو حنيفة. وقال آخرون بالعكس فجعلوا المسكين أحسن حالاً من الفقير، واحتجوا بقوله تعالى: (أما السفينة فكانت لمساكين) فأخبر أن لهم سفينة من سفن البحر وربما ساوت جملة من المال ويؤيده تعوذ النبي ﷺ من الفقر مع قوله: " اللهم أحيني مسكيناً وأمتني مسكيناً واحشرني في زمرة المساكين " وإلى هذا ذهب الأصمعي وغيره من أهل اللغة وحكاه الطحاوي عن الكوفيين وهو أحد قولي الشافعي وأكثر أصحابه. وقال قوم أن الفقير والمسكين سواء لا فرق بينهما وهو أحد قولي الشافعي وإليه ذهب ابن القاسم وسائر أصحاب مالك وبه قال أبو يوسف. وقال قوم: الفقير المحتاج المتعفف والمسكين السائل، قاله الأزهري

стр. 3114

واختاره ابن شعبان وهو المروي عن ابن عباس والحسن ومجاهد وعكرمة. وقد قيل غير هذه الأقوال مما لا يأتي الاستكثار منه بفائدة يعتد بها. والأولى في بيان ماهية المسكين ما ثبت عن رسول الله ﷺ عند البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " ليس المسكين بهذا الطوّاف الذي يطوف على الناس فترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان قالوا فما المسكين يا رسول الله؟ قال: الذي لا يجد غني يغنيه ولا يفطن له فيتصدق عليه ولا يسأل الناس شيئاً " (١). (والعاملين عليها) أي السعاة والجباة الذين يبعثهم الإمام لتحصيل الزكاة فإنهم يستحقون منها قسطاً. واختلف في القدر الذي يأخذونه منها فقيل الثمن روي ذلك عن مجاهد والشافعي، وقيل على قدر أعمالهم من الأجرة، روي ذلك عن أبي حنيفة وأصحابه، وقيل يعطون من بيت المال قدر أجرتهم، روي ذلك عن مالك ولا وجه لهذا، فإن الله قد أخبر بأن لهم نصيباً من الصدقة فكيف يمنعون منها ويعطون من غيرها. واختلفوا هل يجوز أن يكون العامل هاشمياً أم لا؟ فمنعه قوم وأجازه آخرون، قالوا: ويعطى من غير الصدقة ولا ينحصر العامل في الساعي والجابي، إذ منه القاسم والكاتب الذي يكتب ما أعطاه أرباب الأموال، والحاشر الذي يجمع المستحقين والعريف والحاسب. (والمؤلفة قلوبهم) هم قوم كانوا في صدر الإسلام فقيل هم الكفار الذين كان النبي ﷺ يتألفهم ليسلموا وكانوا لا يدخلون في الإسلام بالقهر والسيف بل بالعطاء، وقيل هم أسلموا في الظاهر ولم يحسن إسلامهم فكان رسول الله ﷺ يتألفهم بالعطاء، وقيل هم من أسلم من اليهود والنصارى. وقيل هم قوم من عظماء المشركين لهم أتباع أعطاهم النبي صلى الله عليه

стр. 3115

وسلم ليؤلفوا أتباعهم على الإسلام، وقد أعطى النبي ﵌ جماعة ممن أسلم ظاهراً كأبي سفيان بن حرب والحرث بن هشام وسهيل ابن عمرو، وحويطب بن عبد العزى، أعطى كل واحد منهم مائة من الإبل يؤلفهم بذلك وأعطى آخرين دونهم. وقد اختلف العلماء هل سهم المؤلفة قلوبهم باق بعد ظهور الإسلام أم لا فقال عمر والحسن والشعبي: قد انقطع هذا الصنف بعزة الإسلام وظهوره، وهذا مشهور من مذهب مالك وأصحاب الرأي، وقد ادعى بعض الحنفية أن الصحابة أجمعت على ذلك وقد صار إليه الروياني وجماعة، وقال جماعة من العلماء منهم الشافعي وهو الموافق لظاهر الآية أن سهمهم باق لأن الإمام ربما احتاج أن يؤلف على الإسلام، وإنما قطعهم عمر لما رأى من إعزاز الدين، وبه أفتى الماوردي في كتابه الأحكام السلطانية، قال يونس: سألت الزهري عنهم فقال: لا أعلم نسخ ذلك وعلى القول الأول يرجع سهمهم لسائر الأصناف. ومن المؤلفة قلوبهم كفار يخاف شرهم بحيث لو أعطوا لانكف شرهم وهذا لا يعطى من زكاة ولا من غيرها باتفاق ومنهم من يذب عن المسلمين ومنهم من يقاتل من يليهم ويجاورهم من مانعي الزكاة ويقبض زكاتهم، فتلخص أن المؤلفة أقسام، وفي هذه الأقسام أقوال ذكرها في الجمل. (وفي الرقاب) أي مصروفة في فكها بأن يشتري رقاباً ثم يعتقها، روي ذلك عن ابن عباس وابن عمر، وبه قال مالك وأحمد بن حنبل وإسحاق وأبو عبيد وقال الحسن البصري ومقاتل بن حيان وعمر بن عبد العزيز وسعيد بن جبير والنخعي والزهري وابن زيد: إنهم المكاتبون يعانون من الصدقة على مال الكتابة وهو قول الشافعي وأكثر الفقهاء وأصحاب الرأي، ورواية عن مالك، وبه قال سعيد بن جبير والضحاك والزهري والليث. ويدل عليه أيضاً قوله تعالى: (وآتوهم من مال الله الذي آتاكم)

стр. 3116

والأولى حمل ما في الآية على القولين جميعاً لصدق الرقاب على شراء العبد وإعتاقه، وعلى إعانة المكاتب على مال الكتابة. (والغارمين) هم الذين ركبتهم الديون ولا وفاء عندهم بها، ولا خلاف في ذلك إلا من لزمه دين في سفاهة فإنه لا يعطى منها ولا من غيرها إلا أن يتوب وقد أعان النبي ﷺ من الصدقة من تحمل حمالة وأرشد إلى إعانته منها، وقال السيوطي: ولإصلاح ذات البين ولو أغنياء إذا استدانوه لذلك، وأصل الغرم في اللغة لزوم ما يشق على النفس وسمي الدين غرماً لكونه شاقاً على الإنسان ومنه قيل للعشق غرام ويعبر به عن الهلاك في قوله تعالى: (إن عذابها كان غراماً) وغرامة المال فيه مشقة عظيمة. (وفي سبيل الله) هم الغزاة والمرابطون يعطون من الصدقة ما ينفقون في غزوهم ومرابطتهم وإن كانوا أغنياء، وهذا قول أكثر العلماء وقال ابن عمر: هم الحجاج والعمار، وروي عن أحمد وإسحاق أنهما جعلا الحج من سبيل الله، وقال أبو حنيفة وصاحباه: لا يعطى الغازي إلا إذا كان فقيراً منقطعاً به، وقيل أن اللفظ عام فلا يجوز قصره على نوع خاص، ويدخل فيه جميع وجوه الخير من تكفين الموتى وبناء الجسور والحصون وعمارة المساجد وغير ذلك والأول أولى لإجماع الجمهور عليه. (وابن السبيل) هو المسافر، والسبيل الطريق ونسب إليها المسافر لملازمته إياها، والمراد الذي انقطعت به الأسباب في سفره عن بلده ومستقره فإنه يعطى منها وإن كان غنياً في بلده، وإن وجد من يسلفه، وقال مالك: إذا وجد من يسلفه فلا يعطى، وقال قتادة: هو الضعيف، وقال فقهاء العراق: هو الحاج المنقطع في سفره والأول أولى. أخرج ابن أبي شيبة وأبو داود وابن ماجة وابن المنذر وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﵌: لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة العامل عليها أو الرجل اشتراها بماله أو غارم أو غاز

стр. 3117

في سبيل الله أو مسكين تصدق عليه فأهدى منها لغني (١). وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والنسائي عن عبد اللة بن عدي بن الخيار قال: أخبرني رجلان أنهما أتيا رسول الله ﷺ في حجة الوداع وهو يقسم الصدقة فسألاه منها فرفع فينا البصر وخفضه فرآنا جلدين فقال: أن شئتما أعطيتكما ولا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب (٢). (فريضة من الله) مصدر مؤكد لأن قوله: (إنما الصدقات للفقراء) معناه فرض الله الصدقات لهم، والمعنى أن كون الصدقات مقصورة على هذه الأصناف هو حكم لازم فرضه الله على عباده ونهاهم عن مجاوزته، وقيل أنها حال من الفقراء قاله الكرماني وأبو البقاء أي كائنة لهم حال كونها فريضة أي مصروفة أو هي بمعنى مفروضة أو مصدر وقع موقع الحال. قال في الكشاف: فإن قلت لم عدل عن اللام إلى (في) في الأربعة الأخيرة قلت للإيذان بأنها أرسخ في استحقاق التصدق عليهم ممن سبق ذكره وقيل النكتة في العدول أن الأصناف الأربعة الأول يصرف المال إليهم حتى يتصرفوا به كما شاءوا، وفي الأربعة الأخيرة لا يصرف المال إليهم بل يصرف إلى جهات الحاجات المعتبرة في الصفات التي لأجلها استحقوا سهم الزكاة. (والله عليم) بمصالح عباده (حكيم) فيما فرض لهم لا يدخل في تدبيره وحكمه نقص ولا خلل، قال السيوطي: فلا يجوز صرفها لغير هؤلاء ولا منع صنف منهم إذا وجد، فيقسمها الإمام عليهم على السواء وله تفضيل بعض آحاد الصنف على بعض، وأفادت اللام وجوب استغراق إفراده اهـ وهو ظاهر الآية. وقال الرازي: لا دلالة في الآية على قول الشافعي في أنه لا بد من صرفها إلى الأصناف وقد أشار إلى ذلك القاضي ورد عليه بعض الشيوخ، وقال: ظاهر الآية يؤيد قوله، وتمام البحث في الجمل.

стр. 3118

وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ

стр. 3119

(ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذُنٌ) هذا نوع آخر مما حكاه الله من فضائح المنافقين وقبائحهم وذلك أنهم كانوا يقولون للنبي ﷺ على وجه الطعن والذم هو أذن. قال الجوهري: يقال رجل أذن إذا كان يسمع مقال كل أحد، يستوي فيه الواحد والجمع ومرادهم أقمأهم الله أنهم إذا آذوا النبي ﵌ وبسطوا فيه ألسنتهم وبلغه ذلك اعتذروا له وقَبِل ذلك منهم، لأنه يسمع كل ما يقال له فيصدقه، وإنما أطلقت العرب على من يسمع ما يقال له فيصدقه أنه أذن مبالغة لأنهم سموه بالجارحة التي هي آلة السماع حتى كأن جملته أذن سامعة، ونظيره قولهم للربيئة أي الطليعة عين. وفي إطلاق الأذن عليه مجاز مرسل من إطلاق اسم الجزء على الكل للمبالغة في استماعه وإيذاؤهم له هو قولهم أذن لأنهم نسبوه إلى أنه يصدق كلما يقال له ولا يفرق بين الصحيح والباطل اغتراراً منهم بحلمه عنهم وصفحه عن جناياتهم كرماً وحلماً وتغاضياً. ثم أجاب الله عن قولهم هذا فقال: (قل) هو (أذن خير) بالإضافة وقرئ بالتنوين كأنه قيل نعم هو أذن ولكن نعم الأذن هو لكونه أذن خير (لكم) وليس بأذن في غير ذلك كقولهم رجل صدق يريدون الجودة والصلاح والمعنى أنه يسمع الخير ولا يسمع الشر. (يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين) أي يصدق بالله ويصدق المؤمنين لما علم فيهم من خلوص الإيمان ويقبل قولهم ويسلم ويرضى لهم ولا يقبل قول

стр. 3120

المنافقين، واللام زائدة للفرق بين إيمان الأمان من الخلود في النار وهو الإيمان المقابل للكفر، وحقه أن يعدى بالباء، وبين إيمان التسليم والتصديق فإنه يعدى باللام وإن كان حقه أن يعدى بنفسه كلتصديق. وهذا موافق لكثير من الآيات كقوله: (وما أنت بمؤمن لنا) وقوله أن ؤمنوا لكم وقوله أنؤمن لك. وأما قوله: (آمنتم له قبل أن آذن لكم) وقوله: آمنتم به فمشترك الدلالة بين الإيمان بموسى والإيمان بالله لأن من آمن بموسى حقيقة آمن بالله كعكسه. (ورحمة) أي وإنه رحمة لهم، وقرئ رحمة بالخفض واستبعده النحاس عند أهل العربية، والمعنى أن النبي ﷺ أذن خير للمنافقين ورحمة لهم حيث لم يكشف أسرارهم ولم يهتك أستارهم ولا فضحهم، فكأنه قال هو أذن كما قلتم لكنه أذن خير لكم لا أذن سوء، فسلم لهم قولهم فيه إلا أنه فسره بما هو مدح له وثناء عليه وإن كانوا قصدوا به المذمة والتقصير بفطنته. (للذين آمنوا منكم) أي أظهروا الإيمان وإن لم يكونوا مؤمنين حقيقة (والذين يؤذون رسول الله) ﷺ لما تقدم من قولهم هو أذن ونحو ذلك مما يصدق عليه أنه أذية لرسول الله ﷺ (لهم عذاب أليم) أي شديد الألم. عن ابن عباس قال: كان نبتل بن الحرث يأتي رسول الله ﷺ فيجلس إليه ويسمع منه ثم ينقل حديثه إلى المنافقين وهو الذي قال لهم إنما محمد أذن من حدثه بشيء صدقه فأنزل الله فيه هذه الآية، وعن عمير بن سعد قال: فيَّ أنزلت هذه الآية؛ وذلك أن عميراً كان يسمع أحاديث أهل المدينة فيأتي النبي ﷺ فيسارّه حتى كانوا يتأذون بعمير بن سعد وكرهوا مجالسته وقالوا هو أذن فأنزلت فيه.
следующие страницы →