والأولى حمل ما في الآية على القولين جميعاً لصدق الرقاب على شراء العبد وإعتاقه، وعلى إعانة المكاتب على مال الكتابة.
(والغارمين) هم الذين ركبتهم الديون ولا وفاء عندهم بها، ولا خلاف في ذلك إلا من لزمه دين في سفاهة فإنه لا يعطى منها ولا من غيرها إلا أن يتوب وقد أعان النبي ﷺ من الصدقة من تحمل حمالة وأرشد إلى إعانته منها، وقال السيوطي: ولإصلاح ذات البين ولو أغنياء إذا استدانوه لذلك، وأصل الغرم في اللغة لزوم ما يشق على النفس وسمي الدين غرماً لكونه شاقاً على الإنسان ومنه قيل للعشق غرام ويعبر به عن الهلاك في قوله تعالى: (إن عذابها كان غراماً) وغرامة المال فيه مشقة عظيمة.
(وفي سبيل الله) هم الغزاة والمرابطون يعطون من الصدقة ما ينفقون في غزوهم ومرابطتهم وإن كانوا أغنياء، وهذا قول أكثر العلماء وقال ابن عمر: هم الحجاج والعمار، وروي عن أحمد وإسحاق أنهما جعلا الحج من سبيل الله، وقال أبو حنيفة وصاحباه: لا يعطى الغازي إلا إذا كان فقيراً منقطعاً به، وقيل أن اللفظ عام فلا يجوز قصره على نوع خاص، ويدخل فيه جميع وجوه الخير من تكفين الموتى وبناء الجسور والحصون وعمارة المساجد وغير ذلك والأول أولى لإجماع الجمهور عليه.
(وابن السبيل) هو المسافر، والسبيل الطريق ونسب إليها المسافر لملازمته إياها، والمراد الذي انقطعت به الأسباب في سفره عن بلده ومستقره فإنه يعطى منها وإن كان غنياً في بلده، وإن وجد من يسلفه، وقال مالك: إذا وجد من يسلفه فلا يعطى، وقال قتادة: هو الضعيف، وقال فقهاء العراق: هو الحاج المنقطع في سفره والأول أولى.
أخرج ابن أبي شيبة وأبو داود وابن ماجة وابن المنذر وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﵌: لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة العامل عليها أو الرجل اشتراها بماله أو غارم أو غاز
стр. 3117
في سبيل الله أو مسكين تصدق عليه فأهدى منها لغني (١).
وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والنسائي عن عبد اللة بن عدي بن الخيار قال: أخبرني رجلان أنهما أتيا رسول الله ﷺ في حجة الوداع وهو يقسم الصدقة فسألاه منها فرفع فينا البصر وخفضه فرآنا جلدين فقال: أن شئتما أعطيتكما ولا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب (٢).
(فريضة من الله) مصدر مؤكد لأن قوله: (إنما الصدقات للفقراء) معناه فرض الله الصدقات لهم، والمعنى أن كون الصدقات مقصورة على هذه الأصناف هو حكم لازم فرضه الله على عباده ونهاهم عن مجاوزته، وقيل أنها حال من الفقراء قاله الكرماني وأبو البقاء أي كائنة لهم حال كونها فريضة أي مصروفة أو هي بمعنى مفروضة أو مصدر وقع موقع الحال.
قال في الكشاف: فإن قلت لم عدل عن اللام إلى (في) في الأربعة الأخيرة قلت للإيذان بأنها أرسخ في استحقاق التصدق عليهم ممن سبق ذكره وقيل النكتة في العدول أن الأصناف الأربعة الأول يصرف المال إليهم حتى يتصرفوا به كما شاءوا، وفي الأربعة الأخيرة لا يصرف المال إليهم بل يصرف إلى جهات الحاجات المعتبرة في الصفات التي لأجلها استحقوا سهم الزكاة.
(والله عليم) بمصالح عباده (حكيم) فيما فرض لهم لا يدخل في تدبيره وحكمه نقص ولا خلل، قال السيوطي: فلا يجوز صرفها لغير هؤلاء ولا منع صنف منهم إذا وجد، فيقسمها الإمام عليهم على السواء وله تفضيل بعض آحاد الصنف على بعض، وأفادت اللام وجوب استغراق إفراده اهـ وهو ظاهر الآية.
وقال الرازي: لا دلالة في الآية على قول الشافعي في أنه لا بد من صرفها إلى الأصناف وقد أشار إلى ذلك القاضي ورد عليه بعض الشيوخ، وقال: ظاهر الآية يؤيد قوله، وتمام البحث في الجمل.
(ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذُنٌ) هذا نوع آخر مما حكاه الله من فضائح المنافقين وقبائحهم وذلك أنهم كانوا يقولون للنبي ﷺ على وجه الطعن والذم هو أذن.
قال الجوهري: يقال رجل أذن إذا كان يسمع مقال كل أحد، يستوي فيه الواحد والجمع ومرادهم أقمأهم الله أنهم إذا آذوا النبي ﵌ وبسطوا فيه ألسنتهم وبلغه ذلك اعتذروا له وقَبِل ذلك منهم، لأنه يسمع كل ما يقال له فيصدقه، وإنما أطلقت العرب على من يسمع ما يقال له فيصدقه أنه أذن مبالغة لأنهم سموه بالجارحة التي هي آلة السماع حتى كأن جملته أذن سامعة، ونظيره قولهم للربيئة أي الطليعة عين.
وفي إطلاق الأذن عليه مجاز مرسل من إطلاق اسم الجزء على الكل للمبالغة في استماعه وإيذاؤهم له هو قولهم أذن لأنهم نسبوه إلى أنه يصدق كلما يقال له ولا يفرق بين الصحيح والباطل اغتراراً منهم بحلمه عنهم وصفحه عن جناياتهم كرماً وحلماً وتغاضياً.
ثم أجاب الله عن قولهم هذا فقال: (قل) هو (أذن خير) بالإضافة وقرئ بالتنوين كأنه قيل نعم هو أذن ولكن نعم الأذن هو لكونه أذن خير (لكم) وليس بأذن في غير ذلك كقولهم رجل صدق يريدون الجودة والصلاح والمعنى أنه يسمع الخير ولا يسمع الشر.
(يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين) أي يصدق بالله ويصدق المؤمنين لما علم فيهم من خلوص الإيمان ويقبل قولهم ويسلم ويرضى لهم ولا يقبل قول
стр. 3120
المنافقين، واللام زائدة للفرق بين إيمان الأمان من الخلود في النار وهو الإيمان المقابل للكفر، وحقه أن يعدى بالباء، وبين إيمان التسليم والتصديق فإنه يعدى باللام وإن كان حقه أن يعدى بنفسه كلتصديق.
وهذا موافق لكثير من الآيات كقوله: (وما أنت بمؤمن لنا) وقوله أن ؤمنوا لكم وقوله أنؤمن لك.
وأما قوله: (آمنتم له قبل أن آذن لكم) وقوله: آمنتم به فمشترك الدلالة بين الإيمان بموسى والإيمان بالله لأن من آمن بموسى حقيقة آمن بالله كعكسه.
(ورحمة) أي وإنه رحمة لهم، وقرئ رحمة بالخفض واستبعده النحاس عند أهل العربية، والمعنى أن النبي ﷺ أذن خير للمنافقين ورحمة لهم حيث لم يكشف أسرارهم ولم يهتك أستارهم ولا فضحهم، فكأنه قال هو أذن كما قلتم لكنه أذن خير لكم لا أذن سوء، فسلم لهم قولهم فيه إلا أنه فسره بما هو مدح له وثناء عليه وإن كانوا قصدوا به المذمة والتقصير بفطنته.
(للذين آمنوا منكم) أي أظهروا الإيمان وإن لم يكونوا مؤمنين حقيقة (والذين يؤذون رسول الله) ﷺ لما تقدم من قولهم هو أذن ونحو ذلك مما يصدق عليه أنه أذية لرسول الله ﷺ (لهم عذاب أليم) أي شديد الألم.
عن ابن عباس قال: كان نبتل بن الحرث يأتي رسول الله ﷺ فيجلس إليه ويسمع منه ثم ينقل حديثه إلى المنافقين وهو الذي قال لهم إنما محمد أذن من حدثه بشيء صدقه فأنزل الله فيه هذه الآية، وعن عمير بن سعد قال: فيَّ أنزلت هذه الآية؛ وذلك أن عميراً كان يسمع أحاديث أهل المدينة فيأتي النبي ﷺ فيسارّه حتى كانوا يتأذون بعمير بن سعد وكرهوا مجالسته وقالوا هو أذن فأنزلت فيه.
(يحلفون بالله لكم ليرضوكم) الخطاب للمؤمنين وذلك أن المنافقين كانوا في خلواتهم يطعنون على المؤمنين وعلى النبي ﷺ فإذا بلغ ذلك إلى رسول الله ﷺ وإلى المؤمنين جاء المنافقون فحلفوا على أنهم لم يقولوا ما بلغ عنهم، قاصدين بهذه الأيمان الكاذبة أن يرضوا رسول الله ومن معه من المؤمنين فنعى الله ذلك عليهم فقال: (والله ورسوله أحق أن يرضوه) من إرضاء المؤمنين بالأيمان الكاذبة فإنهم لو اتقوا الله وتركوا النفاق لكان ذلك أولى لهم.
وإفراد الضمير في يرضوه إما للتعظيم للجناب الإلهي بإفراده بالذكر، أو لكونه لا فرق بين إرضاء الله وإرضاء رسوله، فإرضاء الله إرضاء لرسوله أو المراد الله أحق أن يرضوه ورسوله كذلك كما قال سيبويه ورجحه النحاس أو لأن الضمير موضوع موضع الإشارة فإنه يشار به إلى الواحد والمتعدد أو الضمير راجع إلى المذكور وهو يصدق عليهما، وقال الفراء: المعنى ورسوله أحق أن يرضوه، واللة افتتاح كلام كما تقول ما شاء الله وشئت.
وجواب (إن كانوا مؤمنين) محذوف أي فليرضوا الله ورسوله فإنهما أحق بالإرضاء ولا يكون ذلك إلا بالطاعة والمتابعة وإيفاء الحقوق في باب الإجلال والإعظام مشهداً ومغيباً.
стр. 3123
(ألم يعلموا) أي أولئك المنافقون والاستفهام للتوبيخ على ما أقدموا عليه من الجريمة العظيمة مع علمهم بسوء عاقبتها، أي ألم يعلموا بما سمعوا
стр. 3124
من رسول الله ﷺ من فنون القوارع والإنذارات، وقرئ بالتاء على الالتفات لزيادة التقريع والتوبيخ.
قال الخازن: قال أهل المعاني: ألم تعلم خطاب لمن علم شيئاً ثم نسيه أو أنكره فيقال له ألم تعلم أنه كان كذا وكذا، ولما طال مكث رسول الله ﷺ بين أظهر المؤمنين والمنافقين وعلمهم من أحكام الدين ما يحتاجون إليه خاطب المنافقين بقوله: ألم تعلموا، يعني من شرائع الدين التي علمهم رسولنا.
(أنه من يحادد الله) أي يخالفه (و) يخاصم (رسوله) وأصل المحاددة في اللغة وقوع هذا في حد وذلك في حد كالمشاققة، يقال حاد فلان فلاناً أي صار في حد غير حده، وكأن كل واحد من المتخاصمين صار في محل غير محل صاحبه (فَأن له) أي فحق أن له.
وقال الأخفش: المعنى فوجوب النار له، وأنكره المبرد وقال هذا خطأ. (نار جهنم) وجزاء (خالداً فيها) على الدوام (ذلك) أي ما ذكر من العذاب (الخزي العظيم) أي البالغ إلى الغاية التي لا يبلغ إليها غيره وهو الذل والهوان
(يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة) قيل هو خبر وليس بأمر، وقال الزجاج: معناه ليحذر، والمعنى على الأول إن المنافقين كانوا يحذرون نزول القرآن فيهم خوفاً من الفضيحة، وعلى الثاني الأمر لهم بأن يحذروا ذلك، ومعنى عليهم على المؤمنين في شأن المنافقين على أن الضمير للمؤمنين ولا يبالي بتفكيك الضمائر عند ظهور الأمر لعود المعنى إليه. قاله الكرخي، والأولى أن يكون الضمير للمنافقين أي في شأنهم.
(تنبئهم) أي المنافقين (بما في قلوبهم) مما يسرونه فضلاً عما يظهرونه، وهم وإن كانوا عالمين بما في قلوبهم فالمراد من أنباء السورة لهم اطلاعهم على أن المؤمنين قد علموا بما في قلوبهم قال قتادة: وهذه السورة كانت تسمى الفاضحة والمبعثرة والمثيرة لأنها فضحت المنافقين وبعثرت عن أخبارهم وإثارتها وأسفرت عن مخازيهم ومثالبهم.
ثم أمر الله رسوله بأن يجيب عليهم فقال: (قل استهزِؤوا) هو أمر تهديد ْأي افعلوا الاستهزاء (إن الله مخرج ما تحذرون) من ظهوره حتى يطلع عليه المؤمنون إما بإنزال سورة أو بإخبار رسوله ﷺ بذلك أو نحو ذلك
стр. 3127
(ولئن) لام قسم أي والله لئن (سألتهم) عما قالوه من الطعن في الدين وثلب المؤمنين وهم سائرون معك إلى تبوك بعد أن يبلغ إليك ذلك، ويطلعك الله عليه وليقولن
стр. 3128
إنما كنا نخوض ونلعب) في الحديث لنقطع به الطريق ولم نقصد ذلك، ولم يكن في شيء من أمرك ولا أمر المؤمنين.
ثم أمره الله أن يجيب عنهم فقال: (قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزِؤون) الاستفهام للتقريع والتوبيخ، وأثبت وقوع ذلك منهم ولم يعبأ بإنكارهم لأنهم كانوا كاذبين في الإنكار، بل جعلهم كالمعترفين بوقوع ذلك منهم حيث جعل المستهزأ به والياً لحرف النفي فإن ذلك إنما يكون بعد وقوع الاستهزاء وثبوته. ثم قال:
стр. 3129
(لا تعتذروا) نهياً لهم عن الاشتغال بالاعتذارات الباطلة فإن ذلك غير مقبول منهم.
وقد نقل الواقدي عن أئمة اللغة أن معنى الاعتذار محو أثر الذنب وقطعه من قولهم اعتذر المنزل إذا درس، واعتذرت المياه إذا انقطعت (قد كفرتم) أي أظهرتم الكفر بما وقع منكم من الاستهزاء المذكور، وفيه أن محمداً يزعم أنه ترك في أصحابنا قرآناً وإنما هو قوله وكلامه، فأطلع الله نبيه ﷺ على قولهم (بعد إيمانكم) أي بعد إظهاركم الإيمان مع كونكم تبطنون الكفر.
(إن نعف عن طائفة منكم) وهم من أخلص الإيمان وترك النفاق وتاب عنه كجحش بن حمير.
قال الزجاج: الطائفة في اللغة الجماعة، قال ابن الأنباري: ويطلق لفظ الجمع على الواحد عند العرب (نعذب طائفة بأنهم) أي بسبب أنهم وكانوا مجرمين) مصرين على النفاق لم يتوبوا منه.
(المنافقون) وكانوا ثلثمائة (والمنافقات) وكن مائة وسبعين (بعضهم من بعض) أي متشابهون في الدين كأبعاض الشيء الواحد، ذكر هاهنا جملة أحوال المنافقين وأن ذكورهم في ذلك كإناثهم وأنهم متناهون في النفاق والبعد عن الإيمان، وفيه إشارة إلى نفي أن يكونوا من المؤمنين ورد لقولهم (ويحلفون بالله إنهم لمنكم).
ثم فصل ذلك المجمل ببيان مضادة حالهم لحال المؤمنين فقال: (يأمرون) أي يأمر بعضهم بعضاً (بالمنكر) هو كل قبيح عقلاً أو شرعاً (وينهون عن المعروف) هو كل حسن عقلاً أو شرعاً، قال الزجاج: هذا متصل بقوله يحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم، أي ليسوا من المؤمنين ولكن بعضهم من بعض، أي متشابهون في الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف.
(ويقبضون أيديهم) أي يشحون فيما ينبغي إخراجه من المال في الصدقة والصلة والجهاد، فالقبض كناية عن الشح كما أن البسط كناية عن الكرم (نسوا الله فنسيهم) النسيان الترك، أي تركوا ما أمرهم به فتركهم من رحمته وفضله أو تركوا ذكر الله وعبادتة فترك الله ذكرهم فيمن ذكرهم بالرحمة والإحسان. لأن النسيان الحقيقي لا يصح إطلاقه على الله سبحانه، وإنما أطلق عليه هنا من باب المشاكلة المعروفة في علم البيان، فهو مجاز مرسل.
ثم حكم عليهم بالفسق فقال: (إن المنافقين هم الفاسقون) الفسق
стр. 3132
الخروج عن طاعة الله إلى معاصيه والانسلاخ من كل خير، وهذا التركيب يفيد أنهم هم الكاملون في الفسق والتمرد والإظهار في موضع الإضمار لزيادة التقرير أو للإهانة والتحقير، فإن الإظهار كما يأتي للتعظيم يأتي للتحقير كما نص عليه بعضهم.
стр. 3133
(وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار) يقال وعده في الخير والشر، والاختلاف إنما هو بالمصدر. فمصدر الأول وعد ومصدر الثاني وعيد، فاستعمل وعد في الشر كما هنا وفي الخير فيما سيأتي في قوله: (وعد الله المؤمنين).
ثم بين مآل حال أهل النفاق والكفر بأن لهم (نار جهنم خالدين) أي يصلونها مقيمين (فيها) مقدرين الخلود (هي) أي النار (حسبهم) أي كافيهم جزاء وعقاباً لا يحتاجون إلى زيادة على عذابها (ولعنهم الله) أي ومع ذلك فقد طردهم عن بابه وأبعدهم عن رحمته (ولهم عذاب مقيم) أي نوع آخر من العذاب غير النار دائم لا ينفك ىم كالزمهرير أو عذاب في الدنيا وهو ما يقاسونه من تعب النفاق إذ هم دائماً في حذر من أن يطلع المسلمون على نفاقهم.
(كالذين من قبلكم) شبه حال المنافقين بالكفار الذين كانوا من قبلهم ملتفتاً من الغيبة إلى الخطاب، أي أنتم مثل الناس قبلكم أو المعنى فعلتم مثل فعل الذين مضوا من قبلكم من الأمم.
وقال الزجاج: التقدير وعد الله الكفار نار جهنم وعداً كما وعد الذين من قبلهم وقيل المعنى فعلتم كأفعال الذين من قبلكم في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقبض الأيدي.
ثم وصف حال هؤلاء الكفار الذين من قبلهم وبين وجه تشبيههم بهم وتمثيل حالهم بحالهم بأنهم (كانوا أشد منكم قوة) أي بطشاً في الأبدان ومنعة من هؤلاء المنافقين والكفار المعاصرين للنبي ﵌ (وأكثر أموالاً وأولاداً) منكم.
(فاستمتعوا) أي تمتعوا، وفي صيغة الاستفعال ما ليس في صيغة التفعل من الاستزادة والاستدامة في التمتع (بخلاقهم) أي نصيبهم الذي قدره الله لهم من ملاذ الدنيا وخاضوا في الباطل واشتقاقه من الخلق بمعنى التقدير، فإنه ما قدر لصاحبه (فاستمتعتم) أنتم (بخلاقكم) أي نصيبكم الذي قدره الله لكم (كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم) أي انتفعتم به كما انتفعوا به.
والغرض من هذا التمثيل ذم هؤلاء المنافقين والكفار بسبب مشابهتهم بمن قبلهم من الكفار في الاستمتاع بما رزقهم الله من الشهوات الفانية والتشاغل بها عن السعي في العاقبة والسعي في تحصيل اللذائذ الحقيقية.
стр. 3136
وقد قيل ما فائدة ذكر الاستمتاع بالخلاق في حق الأولين مرة ثم ذكره في حق المنافقين ثانياً ثم تكريره في حق الأولين ثالثاً، وأجيب بأنه تعالى ذم الأولين بالاستمتاع بما أوتوا من حظوظ الدنيا وشهواتها ورضائهم بها وحرمانهم من سعادة الآخرة بسبب استغراقهم في تلك الحظوظ الفانية، فلما قرر تعالى هذا عاد فشبه حال المنافقين بحالهم، فيكون ذلك نهاية في المبالغة في ذم المخاطبين وتقبيح حالهم. ولم يسلك هذه الطريقة في التشبيه الثاني وهو قوله خضتم حيث لم يقل وخاضوا وخضتم كخوضهم اكتفاء بالتمهيد الأول فاستغنى عن ذكر التمهيد في التشبيه الثاني.
قال ابن عباس: ما أشبه الليلة بالبارحة، هؤلاء بنو إسرائيل أشبهناهم والذي نفسي بيده لتتبعنهم حتى لو دخل رجل جحر ضب لدخلتموه.
(وخضتم) في الباطل وتلبستم به (كالذي خاضوا) أي خوضاً كخوضهم أو كالذين خاضوا، أو كالفوج الذي خاضوا، أو كالخوض الذي خاضوه، يقال: خضت الماء أخوضه خوضاً وخياضاً والموضع مخاضة، وهو ما جاز الناس فيه مشاة وركباناً وجمعها المخاض والمخاوض، ويقال منه خاض القوم في الحديث، والمعنى خضتم في أسباب الدنيا واللهو واللعب، وقيل في أمر محمد ﷺ بالتكذيب، ودخلتم في ذلك.
(أولئك) إشارة إلى كل من المشبهين والمشبه بهم فهي لمجموع الفريقين (حبطت) بطلت (أعمالهم) أي ما عملوه مما هو في صورة طاعة لا هذه الأعمال المذكورة هنا فإنها من المعاصي وعاقبتها غنية عن البيان (في الدنيا والآخرة) أي إنها باطلة على كل حال، أما بطلانها في الدنيا فلأن ما يترتب على أعمالهم فيها من السعة والصحة وغير ذلك لا يحصل لهم بل يصير ما يرجونه من الغنى فقراً، ومن العز ذلاً ومن القوة ضعفاً، وأما في الآخرة فلأنهم يصيرون إلى عذاب النار، ولا ينتفعون بشيء مما عملوه من الأعمال التي يظنونها طاعة وقربة.
стр. 3137
أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
(وأولئك هم الخاسرون) أي المتمكنون في الخسران الكاملون فيه في الدنيا والآخرة.
стр. 3138
(ألم يأتهم) أي المنافقين، رجوع إلى الغيبة عن الخطاب ففيه التفات وهو استفهام بمعنى التقرير والتحذير، أي قد أتاهم (نبأ الذين من قبلهم) أي خبرهم الذي له شأن، وهو ما فعلوه من التكذيب وما فعل بهم من الإهلاك، ولما شبه حالهم بحالهم فيما سلف على الإجمال في المشبه بهم، ذكر منهم هاهنا ست طوائف قد سمع العرب أخبارهم لأن آثارهم باقية، وبلادهم بالشام والعراق واليمن، وكل ذلك قريب من أرض العرب، فكانوا يمرون عليهم ويعرفون أخبارهم.
(قوم نوح) وقد هلكوا بالإغراق وأهلكوا بالطوفان وهم أولهم (و) ثانيهم قوم (عاد) وقد أهلكوا بالريح العقيم (و) ثالثهم قوم (ثمود) وقد أخذوا بالصيحة وأهلكوا بالرجفة (وقوم إبراهيم) وقد سلط الله عليهم البعوض وقيل أهلكوا بسلب النعمة عنهم وهم رابعهم (وأصحاب مدين) وهم قوم شعيب وقد أخذتهم الرجفة وأهلكوا بعذاب يوم الظلة وهي غمامة أطبقت عليهم وهم خامسهم (و) سادسهم أصحاب (المؤتفكات) وهي قرى قوم لوط وقد أهلكهم الله بما أمطر عليهم من الحجارة، فإن كانت مرادة به فهي على حقيقتها وإن كان المراد مطلق قرى المكذبين وهي لم تخسف بأجمعها فيكون المراد به مجازاً انقلاب حالها من الخير إلى الشر تشبيهاً له بالخسف على
стр. 3139
طريق الاستعارة كقول ابن الرومي:
وما الخسف أن تلقى أسافل بلدة ... أعاليها بل أن تسود الأراذل
وهي بدل من الذين بدل بعض من كل، فقوله: وعاد إلى آخر المعطوفات كلها على قوم نوح لا على نوح غير أن الأخير وهو المؤتفكات على حذف مضاف كما قدرنا إذ هي القرى، وليست من الذين خلوا حتى تكون من جملة البدل، وسميت مؤتفكات لأنها انقلبت بهم حتى صار عاليها سافلها، والائتفاك الانقلاب يقال أفكه إذا قلبه وبابه ضرب، ويقال أفكته فائتفك أي قلبته فانقلب، والمادة تدل على التحول والصرف، ومنه (يؤفك عنه من أفك) أي يصرف.
(آتتهم) استئناف لبيان نبأهم (رسلهم) أي رسل هذه الطوائف الست، وقيل رسل أصحاب المؤتفكات لأن رسولهم لوط وقد بعث إلى كل قرية من قراهم رسولاً (بالبينات) أي المعجزات الباهرات والحجج الواضحات الدالة على صدقهم فكذبوهم وخالفوا أمرنا، فاحذروا أن يصيبكم مثل ما أصابهم، والفاء في (فما كان الله ليظلمهم) للعطف على مقدر يدل عليه الكلام، أي فكذبوهم فأهلكهم الله فما ظلمهم بذلك ولم يعجل العقوبة لهم، لأنه قد بعث إليهم رسله فأنذروهم وحذروهم.
(ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) بسبب ما فعلوه من الكفر بالله وعدم الانقياد لأنبيائه، وهذا التركيب يدل على أن ظلمهم لأنفسهم كان مستمراً. وقيل تقديم المفعول لمجرد الاهتمام به مع مراعاة الفاصلة من غير قصد إلى قصر المظلومية عليهم.
(والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض) أي قلوبهم متحدة في التوادد والتحابب والتعاطف واتفاق الكلمة والعون والنصر بسبب ما جمعهم من أمر الدين وضمهم من الإيمان بالله. قال ابن عباس: آخاهم في الله يتحابون بجلال الله والولاية له فظهر الفرق بين الفريقين.
ثم بين أوصافهم الحميدة كما بين أوصاف من قبلهم من المنافقين فقال: (يأمرون بالمعروف) أي بما هو معروف في الشرع غير منكر، ومن ذلك توحيد الله سبحانه وترك عبادة غيره (وينهون عن المنكر) أي عما هو منكر في الدين غير معروف أي جنس المعروف وجنس المنكر الشاملين لكل خير وشر، وقد ثبت عن رسول الله ﷺ في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الأحاديث ما هو معروف.
(ويقيمون الصلاة) المفروضة ويتمون أركانها وحدودها فلا يزالون يذكرون الله سبحانه فهو في مقابلة ما سبق من قوله نسوا الله (ويؤتون الزكاة) الواجبة عليهم وهو في مقابلة قوله: (يقبضون أيديهم) قيل خصصهما بالذكر من جملة العبادات لكونهما الركنين العظيمين فيما يتعلق بالأبدان والأموال، وقد تقدم معنى هذا.
(ويطيعون الله ورسوله) في جميع ما أمرهم بفعله أو نهاهم بتركه، وهذا في
стр. 3142
مقابلة وصف المنافقين بكمال الفسق والخروج عن الطاعة.
(أولئك) يعني المؤمنين والمؤمنات المتصفين بهذه الأوصاف الفاضلة (سيرحمهم الله) السين للمبالغة في إنجاز الوعد والدلالة على تحقق ذلك وتقرره بمعونة المقام كما هنا إذ السين موضوعة للدلالة على الوقوع مع التأخير، فإذا كان المقام ليس مقام تأخير لكونه بشارة ووعداً تمحضت لتأكيد الوقوع أي وقوع ما وعد به من الرحمة والرضوان وما أعد لهم من النعيم المقيتم في الجنان.
(إن الله عزيز) لا يغالب ولا يعجزه شيء عن إنجاز وعده ووعيده (حكيم) في أفعاله وأقواله لا يضع شيئاً إلا في محله، وفيه ترغيب وترهيب وتعليل لقوله سيرحمهم الله.
ثم ذكر تفصيل ما يدخل تحت آثار الرحمة إجمالاً باعتبار الرحمة في الدار الآخرة فقال:
стр. 3143
(وعد الله المؤمنين والمؤمنات) أي كل مؤمن ومؤمنة (جنات تجري من تحتها الأنهار) الإظهار في موضع الإضمار لزيادة التقرير والإشعار بعلية وصف الإيمان للوعد المذكور، ومعنى جري الأنهار من تحت الجنات أنها تجري تحت أشجارها وغرفها، والمراد البساتين التي يتحير في حسنها الناظر.
(خالدين) أي مقدرين الخلود (فيها) وقد تقدم تحقيق الآية في البقرة (ومساكن) أي منازل يسكنون فيها من الدر والياقوت (طيبة) تستطيبها النفوس ويطيب فيها العيش (في جنات عدن) إقامة، يقال عدن بالمكان إذا أقام به ومنه المعدن أي بساتين خلد، وقيل هي أعلى الجنة، وقيل أوسطها، وقيل قصور من ذهب لا يدخلها إلا نبي أو صديق أو شهيد.
وأخرج ابن أبي حاتم والطبري بسنده عن عمران وابن مردويه عن الحسن قال: سألت عمران بن حصين وأبا هريرة عن تفسير قوله تعالى:
стр. 3144
(ومساكن طيبة في جنات عدن) وقالا: على الخبير سقطت، سألنا عنها رسول الله ﷺ فقال: قصر من لؤلؤة في الجنة في ذلك القصر سبعون داراً من ياقوتة حمراء في كل دار سبعون بيتاً من زمردة خضراء في كل بيت سبعون سريراً على كل سرير سبعون فراشاً من كل لون على كل فراش امرأة من الحور العين في كل بيت سبعون مائدة في كل مائدة سبعون لوناً من كل طعام في كل بيت سبعون وصيفاً ووصيفة فيعطى المؤمن من القوة في كل غداة واحدة ما يأتي على ذلك كله أجمع: قلت: ووصف الله الجنة هنا بأوصاف.
الأول: جري الأنهار من تحتها ليميل الطبع إليها.
والثاني: أنهم فيها خالدون لا يعتريهم فيها فناء ولا تغيير.
والثالث: طيب مساكنها الخالية عن الكدورات، والرابع: أنها ذات عدن أي إقامة غير منقطعة، هذا على ما هو معنى عدن لغة وقيل هو علم.
قال الرازي: والحاصل أن في عدن قولين: أحدهما أنه اسم علم لموضع معين في الجنة، والآثار والأخبار تقوي ذلك، وقال الزمخشري: أنه علم بدليل قوله جنات عدن التي وعد الرحمن عباده. والثاني أنه صفة للجنة بمعنى إقامة، فبهذا الاشتقاق قالوا الجنات كلها عدن، والأحاديث في صفة الجنات وأصنافها كثيرة، وقد أوضحت المقام في كتابي مثير ساكن الغرام إلى روضات دار السلام فليرجع إليه.
(ورضوان) يسير (من الله أكبر) من ذلك كله الذي أعطاهم الله إياه إذ عليه يدور فوز كل خير وسعادة، وبه يناط كل شرف وسيادة، ولعل عدم نظمه في سلك الموعود به مع عزته في نفسه لأنّه متحقق في ضمن كل موعود، ولأنه مستمر في الدارين.
стр. 3145
وفيه دليل على أنه لا شيء من النعم وإن جلت وعظمت يماثل رضوان الله سبحانه، وإن أدنى رضوان الله لا يساويه شيء من اللذات الجسمانية وإن كانت على غاية ليس وراءها غاية، اللهم ارض عنا رضاً لا يشوبه سخط، ولا يكدره نكد يا من بيده الخير دقه وجله.
(ذلك) أي ما تقدم مما وعد الله به المؤمنين والمؤمنات (هو الفوز العظيم) دون كل فوز مما يعده الناس فوزاً من حطام الدنيا، وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أبي سعيد قال: قال رسول الله ﵌: " إن الله يقول لأهل الجنة يا أهل الجنة، فيقولون لبيك ربنا وسعديك والخير في يديك، فيقول هل رضيتم؛ فيقولون ربنا وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعطه أحداً من خلقك، فيقول ألا أعطيكم أفضل من ذلك، قالوا: يا ربنا وأي شيء أفضل من ذلك، قال: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً " (١).
(يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين) الأمر للنبي ﷺ بهذا الجهاد أمر لأمته من بعده، وجهاد الكفار يكون بمقاتلتهم بالسيف والسنان حتى يسلموا، وجهاد المنافقين يكون بإقامة الحجة عليهم باللسان والبيان حتى يخرجوا عنه ويؤمنوا بالله، وبه قال ابن مسعود، قال الحسن: إن جهاد المنافقين بإقامة الحدود عليهم، واختاره قتادة، قيل في توجيهه إن المنافقين كانوا أكثر من يفعل موجبات الحدود.
قال ابن العربي: إن هذه دعوى لا برهان عليها وليس العاصي بمنافق، إنما المنافق بما يكون في قلبه من النفاق دائماً لا بما يتلبس به الجوارح ظاهراً، وأخبار المحدودين تشهد سياقتها أنهم لم يكونوا منافقين. وقال الطبري: أولى الأقوال قول ابن مسعود لأن الجهاد عبارة عن بذل الجهد، وقد دلت الآية على وجوب جهاد المنافقين، وليس في الآية ذكر كيفية ذلك الجهاد فلا بد من دليل آخر، وقد دلت الدلائل المنفصلة أن الجهاد مع الكفار إنما يكون بالسيف، ومع المنافقين بإظهار الحجة عليهم تارة، وبترك الرفق بهم تارة، وبالانتهار تارة، وهذا هو قول ابن مسعود.
(واغلظ) أي شدد (عليهم) أي الفريقين بالانتهار والمقت والجهاد، وأصل الغلظ قبض الرأفة وهو شدة القلب وخشونة الجانب، قيل وهذه الآية
стр. 3148
نسخت كل شيء من العفو والصلح والصفح (ومأواهم) أي مسكنهم (جهنم) قال أبو البقاء: إن قيل كيف حسنت الواو هنا والفاء أشبه بهذا الموضع، ففيه ثلاثة أجوبة.
أحدها: أن الواو واو الحال وتلك الحال حال كفرهم، والتقدير افعل ذلك في حال استحقاقهم جهنم. والثاني تقديره واعلم أن مأواهم جهنم. والثالث أن الكلام قد حمل على المعنى، والمعنى أنه قد اجتمع لهم عذاب الدنيا بالجهاد والغلظة وعذاب الآخرة، فيجعل جهنم مأواهم، قال السمين: ولا حاجة إلى هذا كله بل هذه جملة استئنافية. قال أبو السعود: مستأنفة لبيان مآل أمرهم بعد بيان عاجله (وبئس المصير) مصيرهم إليها.
ثم ذكر من خصال المنافقين أنهم يحلفون الأيمان الكاذبة فقال:
стр. 3149
(يحلفون بالله ما قالوا) استئناف مسوق لبيان ما صدر عنهم من الجرائم الموجبة للأمر بجهادهم والغلظة عليهم.
وقد اختلف أئمة التفسير في سبب نزول هذه الآية، فقيل نزلت في الجلاس ابن سويد بن الصامت ووديعة بن ثابت، وذلك أنه لما كثر نزول القرآن في غزوة تبوك في شأن المنافقين وذمهم فقالا: لئن كان محمد صادقاً على إخواننا الذين هم سادتنا وخيارنا لنحن شر من الحمير، فقال له عامر بن قيس أجل والله إن محمداً لصادق مصدق، وإنك لشر من الحمار، وأخبر عامر بذلك النبي ﷺ ، وجاء الجلاس فحلف بالله أن عامراً لكاذب، وحلف عامر لقد قال، وقال: اللهم أنزل على نبيك شيئاً فنزلت. وقيل إن الذي سمع ذلك عاصم بن عدي وقيل حذيفة.
وقيل بل سمعه ولد امرأته -أي امرأة الجلاس- واسطه عمير بن سعد فهمّ الجلاس بقتله لئلا يخبر بخبره.
стр. 3150
وقيل إن هذه الآية نزلت في عبد الله بن أبيّ رأس المنافقين لما قال ما مثلنا ومثل محمد إلا كما قال القائل سمّن كلبك يأكلك، لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فأخبر النبي ﷺ بذلك، فجاء عبد الله بن أبيّ فحلف أنه لم يقله.
وقيل أنه قول جميع المنافقين، وإن الآية نزلت فيهم، وعلى تقدير أن القائل واحد أو اثنان فنسبة القول إلى جميعهم هي باعتبار موافقة من لم يقل ولم يحلف من المنافقين لمن قد قال وحلف، وفي الباب أحاديث مختلفة في سبب نزول هذه الآية وفيما ذكرناه كفاية.
ثم رد الله على المنافقين وكذبهم وبين أنهم حلفوا كذباً فقال: (ولقد قالوا كلمة الكفر) وهي ما تقدم بيانه على اختلاف الأقوال السابقة (وكفروا بعد إسلامهم) أي كفروا بهذه الكلمة بعد إظهارهم الإسلام وإن كانوا كفاراً في الباطن، والمعنى أنهم فعلوا ما يوجب كفرهم على تقدير صحة إسلامهم.
(وهموا بما لم ينالوا) قيل هو همهم بقتل رسول الله ﷺ ليلة العقبة في غزوة تبوك وهم بضعة عشر رجلاً فضرب عمار بن ياسر، وفي قول حذيفة بن اليمان وجوه الرواحل لما غشوه فرجعوا، والقصة مبسوطة في سيرة الحلبي وغيرها، وقيل هموا بعقد التاج على رأس عبد الله بن أبيَّ، وقيل هو همَّ الجلاس بقتل من سمعه يقول تلك المقالة فأخبر رسول الله ﷺ .
(وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله) أي ما عابوا وأنكروا وكرهوا إلا ما هو حقيق بالمدح والثناء، وهو إغناء الله لهم من فضله، والاستثناء مفرغ من أعم العام فهو من تأكيد المدح بما يشبه الذم، وقد كان هؤلاء المنافقون في ضيق من العيش فلما قدم النبي ﷺ المدينة اتسعت معيشتهم وكثرت أموالهم، فجعلوا موضع شكر النبي صلى الله عليه
стр. 3151
وسلم النقمة، وقيل إنهم بطروا النعمة أشراً.
(فإن يتوبوا) أي فإن تحصل منهم التوبة والرجوع إلى الحق (يك) ذلك الذي فعلوه من التوبة (خيراً لهم) في الدين والدنيا، وقد تاب الجلاس ابن سويد وحسن إسلامه، وفي ذلك دليل على قبول التوبة من المنافق والكافر، وقد اختلف العلماء في قبولها من الزنديق، فمنع قبولها مالك وأتباعه لأنه لا يعلم صحة توبته إذ هو في كل حين يظهر التوبة والإسلام.
(وإن يتولوا) أي يعرضوا عن التوبة والإيمان ويصروا على النفاق والكفر (يعذبهم الله عذاباً أليماً في الدنيا) بالقتل والأسر ونهب الأموال عاجلاً فلا ينافي ما سبق من أن قتالهم باللسان والحجة لا بالسيف، لأن ذاك إذا لم يظهروا الكفر بل أظهروا الإيمان (و) في (الآخرة) بعذاب النار آجلاً (وما لهم في الأرض) مع سعتها وتباعد أقطارها وكثرة أهلها (من ولي) يواليهم (ولا نصير) ينصرهم.
(ومنهم من عاهد الله لئن) هي لام قسم أي والله لئن (آتانا من فضله) بأن يوسع علينا في الرزق (لنصدَّقنَّ) هي لام الجواب للقسم وحذف جواب الشرط لدلالة هذا الجواب عليه، ولا يمتنع الجمع بين القسم واللام الموطئة له، أي لنخرج من ذلك المال الصدقة وهي أعم من المفروضة وغيرها (ولنكونن من الصالحين) أي من جملة أهل الصلاح من المؤمنين القائمين بواجبات الدين التاركين لمحرماته، والصلاح ضد الفساد، والمفسد هو الذي يبخل بما يلزمه في حكم الشرع.
стр. 3154
(فلما آتاهم من فضله بخلوا به) أي لما أعطوهم ما طلبوا من الرزق لم يتصدقوا بشيء منه كما حلفوا به (وتولوا) أي أعرضوا عن طاعة الله وإخراج صدقات ما أعطاهم الله من فضله (وهم) أي والحال أنهم (معرضون) وفي جميع الأوقات قبل أن يعطيهم الله ما أعطاهم من الرزق وبعده.
عن ابن عباس قال: ذلك أن رجلاً كان يقال له ثعلبة من الأنصار أتى مجلساً فأشهدهم فقال: لئن آتاني الله من فضله آتيت كل ذي حق حقه وتصدقت منه، وجعلت منه للقرابة، فابتلاه الله فآتاه من فضله فأخلف ما وعده فأغضب الله بما أخلف ما وعده، فقص الله شأنه في القرآن.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وغيرهم هذه القصة بأطول من هذا جداً، وفيه قال: يعني رسول الله ﵌ له -يا ثعلبة قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه، فقال ادع الله أن يرزقني مالاً، فقال اللهم ارزقه مالاً، فاتخذ غنماً فنمت كما تنمى الدود حتى ضاقت بها
стр. 3155
المدينة فتنحى بها فكان يشهد الصلاة بالنهار مع رسول الله ﷺ ولا يشهدها بالليل، ثم نمت حتى لا يشهد جمعة ولا جنازة. الحديث (١).