← Тафсир

Тафсир · id 37458

فتح البيان في مقاصد القرآن

صديق حسن خان

Полный текст (12 043 стр.). Показаны 3186–3225 · переход к 3191.

стр. 3186

(وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ) ثم ذكر الله سبحانه من جملة المعذورين من تضمنه قوله (ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه) العطف على جملة ما على المحسنين أو على الضعفاء أى لا عليهم حرج، والمعنى أن من جملة المعذورين هؤلاء الذين أتوك لتحملهم على ما يركبون عليه في الغزو فلم تجد ذلك الذي طلبوه منك قيل هم سبعة من الأنصار وقيل بنو مقرن، وقيل المعنى إذا ما أتوك قائلاً لا أجد وقيل غير ذلك وهذا أولى. وفي إيثار هذا التعبير على " ليس عندي " لطف في الكلام وتطييب لقلوب السائلين كأنه قال أنا أطلب ما تسألونه وأفتش عنه فلا أجده فأنا معذور، وعن أنس في الآية قال: الماء والزاد. وعن علي بن صالح قال: حدثني مشيخة من جهينة قالوا: أدركنا الذين سألوا رسول الله ﵌ الحملان فقالوا ما سألناه إلا الحملان على النعال. وعن إبراهيم بن أدهم عمن حدثه في الآية قال: ما سألوه الدواب، ما سألوه إلا النعال. وعن الحسن بن صالح قال استحملوه النعال. (تولوا) أى انصرفوا عنك لما قلت لهم لا أجد ما أحملكم عليه (وأعينهم تفيض) أي تسيل (من الدمع) أي حال كونهم باكين، ومن للبيان، وفي الشهاب أن الفيض انصباب عن امتلاء فوضع موضع الامتلاء للمبالغة، أو جعلت أعينهم من فرط البكاء كأنها تفيض بأنفسها، يعني أن الفيض مجاز عن الامتلاء بعلاقة السببية فإن الثاني سبب للأول، فالمجاز في المسند والدمع هو

стр. 3187

ذلك الماء أو الفيض على حقيقته، والتجوز في إسناده إلى العين للمبالغة كجرى النهر. ومن التعليل: (حزناً ألا يجدوا) قال الفراء: أى ليس يجدوا، وقيل حزناً على أن لا يجدوا وقيل المعنى حزناً أنهم لا يجدوا، وقيل لأجل أن لا يجدوا (ما ينفقون) في الجهاد لا عند أنفسهم ولا عندك. عن محمد بن كعب قال: هم سبعة نفر من بني عمرو بن عوف: سالم ابن عمير ومن بني واقف حرمى بن عمرو، ومن بني مازن بن النجار عبد الرحمن بن كعب يكنى أبا ليلى ومن بني المعلى سلمان بن صخر؛ ومن بني حارثة عبد الرحمن ابن زيد أبو غيلة، ومن بني سلمة عمرو بن غنمة وعبد الله ابن عمرو المزني، من ثَمَّ (١) قيل لهم البكاءون فحمل العباس منهم اثنين وعثمان ثلاثة زيادة على الجيش الذي جهزه وهو ألف. وحمل يامين بن عمرو النضرى اثنين، كذا في مختصر سيرة الحلبى. وقد اتفق الرواة على بعض هؤلاء السبعة واختلفوا في البعض ولا يأتي التطويل في مثل ذلك بكثير فائدة.

стр. 3188

إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٩٣) يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ثم ذكر الله سبحانه من عليه السبيل من المتخلفين فقال

стр. 3189

(إنما السبيل) أى طريق العقوبة والمؤاخذة وهي الأعمال السيئة، وأتى بإنما للمبالغة في التوكيد لا للحصر، قال السفاقسي: وليس ثَمَّ ما يمنع أن تكون للحصر. (على الذين يستأذنوك) في التخلف عن الغزو (وهم) أي والحال أنهم (أغنياء) يجدون ما يحملهم وما يتجهزون به (رضوا بأن يكونوا مع الخوالف) وهم النساء والصبيان، والجملة مستأنفة كأنه قيل ما بالهم استأذنوا وهم أغنياء، فقيل رضوا أي بالدناءة والضعة والانتظام فيهم وإليه مال الزمخشري وقيل أنه في محل نصب على الحال وقد مقدرة. قاله الكرخي. (وطبع على قلوبهم) معطوفه على رضوا أي سبب الاستئذان مع الغنى أمران (أحدهما) الرضا بالصفقة الخاسرة وهي أن يكونوا مع الخوالف (والثاني) الطبع من الله على قلوبهم (فهم) وبسبب هذا الطبع (لا يعلمون) ما فيه الربح لهم حتى يختاروه على ما فيه الخسر. عن مجاهد قال: هي في المنافقين، قال السيوطي؛ ؤقد تقدم مثله اهـ. قال في الجمل: لكن مع نوع اختلاف في الألفاظ كما لا يخفى.

стр. 3190

(يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم) وإخبار من الله سبحانه عن المنافقين

стр. 3191

المعتذرين بالباطل بأنهم يعتذرون إلى المؤمنين إذا رجعوا عن الغزو، وهذا كلام مستأنف وإنما قال إليهم أي إلى المعتذرين بالباطل ولم يقل إلى المدينة لأن مدار الاعتذار هو الرجوع إليهم لا الرجوع إليها، وربما يقع الاعتذار عند الملاقاة قبل الوصول إليها. ويحتمل أن يكون الضمير في إليكم لرسول الله ( ﷺ ) على التأويل المشهور في هذا. روي أن المعتذرين كانوا بضعة وثمانين رجلاً. ثم أخبر الله سبحانه رسوله ﷺ بما يجيب به عليهم فقال: (قل لا تعتذروا) فنهاهم أولاً عن الاعتذار بالباطل ثم علله بقوله: (لن نؤمن لكم) أي لن نصدقكم كأنهم ادعوا أنهم صادقون في اعتذارهم، لأن غرض المعتذر أن يصدق فيما يعتذر به؛ فإذا عرف أنه لا يصدق ترك الاعتذار، وإنما خص الرسول ﷺ بالجواب عليهم مع أن الاعتذار منهم كائن إلى جميع المؤمنين لأنه ﷺ رأسهم والمتولي لما يرد عليهم من جهة الغير. وجملة (قد نبأنا الله من أخباركم) تعليلية للتي قبلها أي لا يقع منا تصديق لكم لأن الله لمحد أعلمنا بالوحي ما هو مناف لصدق اعتذاركم (وسيرى الله عملكم) أي ما ستفعلونه من الأعمال فيما بعد هل تقلعون عما أنتم عليه الآن من الشر أم تبقون عليه، وقيل سيعلم عملكم السيء واقعاً أي مستمراً على الوقوع، والظاهر أن الاستقبال في علم الله بالنظر لظهوره لنا. (ورسوله) معطوف على الاسم الشريف ووسط مفعول الرؤية إيذاناً بأن رؤية الله سبحانه لما سيفعلونه من خير أو شر هي التي تدور عليها الإثابة أو العقوبة. وفي جملة (ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون) تخويف شديد لما هي مشتملة عليه من التهديد ولا سيما ما اشتملت عليه من وضع الظاهر موضع المضمر لإشغار ذلك بإحاطته بكل شيء يقع منهم مما يكتمونه ويتظاهرون به وإخباره لهم به ومجازاتهم عليه.

стр. 3192

(سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم) ذكر أن هؤلاء المعتذرين بالباطل سيؤكدون ما جاءوا به من الأعذار الباطلة بالحلف عند رجوع المؤمنين إليهم من الغزو، وغرضهم من هذا التأكيد (لتعرضوا عنهم) أي يعرض المؤمنون عنهم فلا يوبخونهم ولا يؤاخذونهم بالتخلف ويظهرون الرضا عنهم كما يفيده ذكر الرضا من بعد، وحذف المحلوف عليه لكون الكلام يدل عليه، وهو اعتذارهم الباطل. (فأعرضوا عنهم) أي دعوهم وما اختاروا لأنفسهم، والمراد به تركهم والمهاجرة لهم لا الرضا عنهم والصفح عن ذنبهم كما تفيده جملة (إنهم رجس) الواقعة علة للأمر بالإعراض، والمعنى أنهم في أنفسهم رجس لكون جميع أعمالهم نجسة فكأنها قد صيرت ذواتهم رجساً أو أنهم ذوو رجس أي ذوو أعمال قبيحة، ومثله (إنما المشركون نجس). وهؤلاء لما كانوا هكذا كانوا غير متأهلين لقبول الإرشاد إلى الخير والتحذير من الشر فليس لهم إلا الترك، قال أهل المعاني: إن هؤلاء طلبوا إعراض الصفح فأعطوا إعراض المقت. (ومأواهم جهنم) ومن تمام التعليل فإن من كان من أهل النار لا يجدي فيه الدعاء إلى الخير، أو تعليل مستقل قاله أبو السعود، والمأوى كل مكان يأوي إليه الشيء ليلاً أو نهاراً، وقد أوى فلان إلى منزله يأوي (جزاء) أي يجزون جزاء أو مفعول من أجله (بما كانوا يكسبون) الباء للسببية.

стр. 3193

يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٩٦) الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٩٧) وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ

стр. 3194

(يحلفون لكم) حذف هنا المحلوف به لكونه معلوماً مما سبق والمحلوف عليه بمثل ما تقدم (لترضوا عنهم) بين سبحانه أن مقصدهم بهذا الحلف هو رضا المؤمنين عنهم، ثم ذكر ما يفيد أنه لا يجوز الرضا عن هؤلاء المعتذرين بالباطل فقال: (فإن ترضوا عنهم) كما هو مطلوبهم مساعدة لهم وقبلتم عذرهم فلا ينفعهم رضاكم (فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين) تعليل للمحذوف المتقدم. وإذا كان هذا هو ما يريده الله سبحانه من عدم الرضا عن هؤلاء الفسقة العصاة فينبغي لكم أيها المؤمنون أن لا تفعلوا خلاف ذلك، بل واجب عليكم أن لا ترضوا عنهم على أن رضاكم عنهم لو وقع لكان غير معتد به ولا مفيداً لهم. والمقصود من إخبار الله سبحانه بعدم رضاه عنهم هو نهي المؤمنين عن ذلك لأن الرضا عمن لا يرضى الله عنه مما لا يفعله مؤمن، ونكتة العدول لهذا الظاهر التسجيل عليهم حيث وصفهم بالخروج عن الطاعة المستوجب لما حل بهم من السخط وللإيذان بشمول الحكم لمن شاركهم في ذلك.

стр. 3195

(الأعراب) أي جنسهم لا كل واحد لما سيأتي (أشد كفراً ونفاقاً) لما ذكر سبحانه أحوال المنافقين بالمدينة ذكر حال من كان خارجاً عنها من الأعراب؛ وبين أن كفرهم ونفاقهم أشد من كفر غيرهم ومن نفاق غيرهم،

стр. 3196

لأنهم أقسى قلوباً وأغلظ طباعاً وأجفى قولاً وأبعد عن سماع كتب الله وما جاءت به رسله وأوحش فعلاً، ولأن نشأتهم في معزل من مشاهدة العلماء ومفاوضتهم. وهذا من باب وصف الجنس بوصف بعض أفراده كما في قوله تعالى: (وكان الإنسان كفوراً) إذ ليس كلهم كما ذكر على ما ستحيط به خبراً. والأعراب هم من سكن البوادي بخلاف العرب فإنه عام لهذا النوع من بني آدم سواء سكنوا البوادي أو القرى، هكذا قال أهل اللغة، ولهذا قال سيبويه: إن الأعراب صيغة جمع وليست بصيغة جمع العرب، لئلا يلزم كون الجمع أخص من مفرده. قال النيسابوري: قال أهل اللغة رجل عربي إذا كان نسبه إلى العرب ثابتاً وجمعه عرب كالمجوسي والمجوس، واليهودي واليهود، فالأعرابي إذا قيل له يا عربي فرح وإذا قيل للعربي يا أعرابي غضب، وذلك أن من استوطن القرى العربية فهو عربي، ومن نزل البادية فهو أعرابي، ولهذا لا يجوز أن يقال للمهاجرين والأنصار أعراب، وإنما هم عرب. فإن قيل إنما سمي العرب عرباً لأن أولاد إسماعيل ﵇ نشؤوا بالعرب وهي من تهامة فنسبوا إلى بلدهم وكل من يسكن جزيرة العرب وينطق بلسانهم فهو منهم. وقيل. لأن ألسنتهم معربة عما في ضمائرهم ولما في لسانهم من الفصاحة والبلاغة انتهى. وفي المصباح وأما الأعراب بالفتح فأهل البدو من العرب، الواحد أعرابي بالفتح أيضاً وهو الذي يكون صاحب نجعة وارتياد للكلأ وزاد الأزهري: سواء كان من العرب أو من مواليهم، فمن نزل البادية وجاور البادين وظعن بظعنهم فهم أعراب، ومن نزل بلاد الريف واستوطن المدن والقرى العربية وغيرها ممن ينتمي إلى العرب فهم عرب وإن لم يكونوا فصحاء.

стр. 3197

(وأجدر) معناه أخلق يقال فلان جدير بكذا أي خليق به وأنت جدير أن تفعل كذا وأصله من جدر الحائط وهو رفعه بالبناء يقال هو جدير وأجدر وحقيق وأحق، وقمن وخليق وأولى بكذا كله بمعنى واحد، قال الليث جدر يجدر جدارة فهو جدير، ويؤنث ويثنى ويجمع. وقد نبه الراغب على أصل اشتقاق هذه المادة وأنها من الجدار أي الحائط فقال والجدير المنتهي لانتهاء الأمر إليه انتهاء الشيء إلى الجدار، والذي يظهر أن اشتقاقه من الجدر وهو أصل الشجرة فكأنه ثابت كثبوت الجدر في قولك جدير بكذا. (ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله) من الشرائع والأحكام والفرائض وما أمر به من الجهاد لبعدهم عن مواطن الأنبياء وديار التنزيل، ومشاهدة المعجزات، ومعاينة ما ينزل عليه من تضاعيف الكتاب والسنة. ووصف العرب بأنهم جاهلون لا ينافي صحة الاحتجاج بألفاظهم وأشعارهم على كتاب الله وسنة نبيه ﷺ إذ وصفهم بالجهل إنما هو في أحكام القرآن لا في ألفاظه، ونحن لا نحتج بلغتهم في بيان الأحكام بل في معاني بيان الألفاظ لأن القرآن والسنة جاءا بلغتهم قاله الكرخي. (والله عليم) بأحوال مخلوقاته على العموم وهؤلاء منهم (حكيم) فيما يجازيهم به من خير وشر، عن الكلبي أن هذه الآية نزلت في أسد وغطفان. وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس عن النبي ﵌ قال: " من سكن البادية جفا ومن اتبع الصيد غفل، ومن أتى السلطان افتتن " (١) قال الترمذي هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث الثوري. وأخرج أبو داود والبيهقي من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ " من بدا جفا، ومن اتبع الصيد غفل ومن أتى أبواب السلطان افتتن. وما ازداد أحد من سلطانه قرباً إلا ازداد من الله بعداً " (٢).

стр. 3198

وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ

стр. 3199

(ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرماً) هذا تنويع الجنس إلى نوعين (الأول) هؤلاء (والثاني) ومن الأعراب من يؤمن بالله، والمغرم: الغرم والخسران وهو ثاني مفعولي يتخذ لأنه بمعنى الجعل، والمعنى أنه اعتقد ما ينفقه في سبيل الله غرامة وخسراناً، وأصل الغرم والغرامة ما ينفقه الرجل وليس بلازم له في اعتقاده، ولكنه ينفقه للرياء والتقية، وقيل أصل الغرم اللزوم كأنه اعتقد أنه يلزمه لأمر خارج لا تنبعث له النفس. قال الضحاك: يعني بالمغرم أنه لا يرجو له ثواباً عند الله ولا مجازاة، وإنما يعطي ما يعطي من الصدقات كرهاً، وعن ابن زيد قال: هؤلاء المنافقون من الأعراب الذين إنما ينفقون رياء اتقاء أن يغزوا، ويحاربوا ويقاتلوا ويرون نفقاتهم مغرماً وهم بنو أسد وغطفان. (ويتربص) أي ينتظر (بكم الدوائر) جمع دائرة وهي الحالة المتقلبة عن النعمة إلى البلية، وأصلها ما يحيط بالشيء ودوائر الزمان نوبه وتصاريفه ودوله وكأنه لا تستعمل إلا في المكروه، وفي الدائرة مذهبان أظهرهما أنها صفة على فاعلة كقائمة وقال الفارسي: يجوز أن تكون مصدراً كالعاقبة، والمعنى ينتظر بكم تقلب الزمان وصروفها التي تأتي مرة بالخير ومرة بالشر، قال يمان بن رباب: يعني يموت الرسول ويظهر المشركون. ثم دعا سبحانه عليهم بقوله: (عليهم دائرة السوء) وجعل ما دعا به

стр. 3200

عليهم مماثلاً لما أرادوه بالمسلمين، والسوء عند الجمهور مصدر أضيف إليه الدائرة للملابسة كقولك رجل صدق؛ وهو مصدر في الحقيقة، قال أبو البقاء: وهو الضرر، وقال مكي: من فتح السين فمعناه الفساد والرداءة، ومن ضمها فمعناه البلاء والضرر، وظاهر هذا أنهما إسمان لما ذكر، ويحتمل أن يكونا مصدرين ثم أطلقا على ما ذكر. وقال غيره: المضموم العذاب والضرر، والمفتوح الذم، وقرأ ابن كثير وغيره بضم السين وهو المكروه، قال الأخفش: عليهم دائرة الهزيمة والشر، وقال الفراء: دائرة العذاب والبلاء قال: والسوء بالفتح سؤته سؤاً ومساءة وبالضم اسم لا مصدر وهو كقولك دائرة البلاء والمكروه، قال الخفاجي: وبين الفتح والضم شبه طباق، وقال الضحاك: الدوائر الهلكات (والله سميع) لما يقولونه (عليم) بما يضمرونه.

стр. 3201

(ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر) هذا النوع الثاني من أنواع الأعراب كما تقدم أي منهم من يصدق بهما، عن عبد الرحمن بن معقل قال: كنا عشرة ولد مقرن فنزلت هذه الآية فينا، وقال مجاهد: هم بنو مقرن من مزينة وهم الذين قال الله (ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم) الآية، وقال الكلبي: هم أسلم وغفار وجهينه ومزينة، وفي الباب أحاديث يطول ذكرها. (ويتخذ ما ينفق قربات) أي سبب قربات (عند الله) وهي جمع قربة بالضم وهي ما يتقرب به إلى الله سبحانه، تقول منه قربت لله قرباناً والجمع قرب وقربات والمعنى أنه يجعل ما ينفقه في سبيل الله سبباً لحصول القربات عند الله (وصلوات الرسول) أي سبباً لدعوات الرسول لهم لأنه ﷺ كان يدعو للمتصدقين، ومنه قوله: (وصلِّ عليهم إن صلاتك سكن لهم) ومنه قوله: ( ﷺ ) " اللهم صلّ على آل أبي أوفى " (١).

стр. 3202

وقال ابن عباس: استغفار النبي ﵌ وقيل أنها منسوقة على ما ينفق أي ويتخذ ما ينفق وصلوات الرسول قربة، وجوزه ابن عطية ولم يذكر أبو البقاء غيره، وظاهر كلام الزمخشري أنها نسق على قربات كما تقدم. ثم إنه سبحانه بين بأن ما ينفقه هذا النوع من الأعراب تقرباً إلى الله مقبول واقع على الوجه الذي أرادوه فقال: (ألا إنها قربة لهم) أخبر سبحانه بقبولها خبراً مؤكداً باسمية الجملة وحرفي التنبيه والتحقيق؛ وفي هذا من التطييب لخواطرهم والطمأنينة لقلوبهم ما لا يقادر قدره مع ما يتضمنه من النعي على من يتخذ ما ينفق مغرماً والتوبيخ له بأبلغ وجه، والضمير في (إنها) راجع إلى ما في ما ينفق وتأنيثه باعتبار الخبر وقيل راجع إلى صلوات الرسول ﷺ والأول أولى. ثم فسر سبحانه القربة بقوله: (سيدخلهم الله في رحمته) السين لتحقيق الوعد. وهذه النعمة هي أقصى مرادهم (إن الله غفور) لأهل طاعته (رحيم) بعباده

стр. 3203

وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠) وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ

стр. 3204

(والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار) لما ذكر أصناف الأعراف ذكر المهاجرين والأنصار، وبين أن منهم السابقين إلى الهجرة وأن منهم التابعين لهم. وقرأ عمر بن الخطاب الأنصار بالرفع عطفاً على والسابقون، وقرأ سائر القراء من الصحابة فمن بعدهم بالجر. قال الأخفش: الخفض في الأنصار الوجه لأن السابقين منهم يدخلون في قوله: (والسابقون). وفي هذه الآية تفضيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، وهم الذين صلوا للقبلتين في قول سعيد بن المسيب وطائفة، أو الذين شهدوا بيعة الرضوان وهي بيعة الحديبية في قول الشعبي أو أهل بدر في قول محمد بن كعب وعطاء بن يسار. ولا مانع من حمل الآية على هذه الأصناف كلها. قال محمد بن كعب القرظي: هم جميع الصحابة لأنهم حصل لهم السبق بصحبة رسول الله ﷺ . قال أبو منصور البغدادي في أصحابنا مجمعون على أن أفضلهم الخلفاء الأربعة ثم الستة الباقون ثم البدريون ثم أصحاب أحد ثم أهل بيعة الرضوان بالحديبية. (والذين اتبعوهم) أي اتبعوا السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار وهم المتأخرون عنهم الأميين الصحابة فمن بعدهم إلى يوم القيامة، وليس المراد بهم التابعين اصطلاحاً، وهم كل من أدرك الصحابة ولم يدرك النبي صلى الله

стр. 3205

عليه وسلم بل هم من جملة من يدخل تحت الآية فتكون (من) في قوله (من المهاجرين) على هذا للتبعيض. وقيل إنها للبيان فيتناول المدح جميع الصحابة ويكون المراد بالتابعين من بعدهم من الأمة إلى يوم القيامة كما قال ابن زيد هم من بقي من أهل الإسلام إلى أن تقوم الساعة. قال جماعة من الصحابة. لما نزلت هذه الآية قال رسول الله ﷺ : هذا لأمتي كلهم وليس بعد الرضا سخط. عن حميد بن زياد قال: قلت لمحمد بن كعب القرظي: أخبرني عن أصحاب رسول الله ﵌ وإنما أريد الفتن قال: إن الله قد غفر لجميع أصحاب النبي ﷺ وأوجب لهم الجنة في كتابه محسنهم ومسيئهم، قلت له وفي أي موضع أوجب الله لهم الجنة في كتابه؛ قال ألا تقرؤون قوله تعالى: (والسابقون الأولون) الآية، أوجب لجميع أصحاب النبي ﷺ الجنة والرضوان وشرط على التابعين شرطاً لم يشرطه فيهم، قلت وما اشترط عليهم؛ قال اشترط عليهم أن يتبعوهم بإحسان، يقول يقتدون بهم في أعمالهم الحسنة ولا يقتدون بهم في غير ذلك. قال أبو صخر: فوالله لكأني لم أقرأها قبل ذلك ولا عرفت تفسيرها حتى قرأها عليَّ محمد بن كعب. وقوله: (بإحسان) قيد للتابعين أي والذين اتبعوهم متلبسين بإحسان في الأفعال والأقوال اقتداء منهم بالسابقين الأولين ﵃ أي قبل طاعتهم وتجاوز عنهم ولم يسخط عليهم (ورضوا عنه) بما أعطاهم من فضله ومع رضائه عنهم فقد (أعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار) في الدار الآخرة وفي قراءة بزيادة (من) قاله السيوطي. وفي الجمل أي سبعية لابن كثير،

стр. 3206

ومعلوم أن قراءته الصلة فليتنبه القارئ إذا قرأ بزيادة من لصلة الميم في المواضع الثلاثة وهي اتبعوهم وعنهم وأعد لهم لئلا يقع في التلفيق، وقد تقدم تفسير جري الأنهار من تحت الجنات وتفسير الخلود. (خالدين فيها أبداً ذلك الفوز العظيم) اختلفوا في أول الناس إسلاماً بعد اتفاقهم على أن خديجة أول الخلق إسلاماً على أقوال يطول ذكرها. وقال إسحاق ابن إبراهيم: أول من أسلم من الرجال أبو بكر ومن النساء خديجة ومن الصبيان علي بن أبي طالب، ومن العبيد زيد بن حارثة؛ فهؤلاء الأربعة سباق الخلق إلى الإسلام. وأسلم على يد أبي بكر عثمان والزبير وابن عوف وسعد بن أبي وقاص وطلحة، ثم تتابع الناس بعدهم في الدخول في الإسلام، فهؤلاء السابقون الأولون من المهاجرين. وأما من الأنصار فهم الذين بايعوا رسول الله ﷺ ليلة العقبة وهي العقبة الأولى، وكانوا خمسة نفر: سعد وعوف ورافع وقطبة وجابر، ثم أصحاب العقبة الثانية وكانوا اثني عشر رجلاً، ثم أصحاب العقبة الثالثة وكانوا سبعين رجلاً، فهؤلاء سابقو الأنصار. وقيل غير ذلك مما ليس في ذكره كثير فائدة

стр. 3207

(وممن حولكم من الأعراب منافقون) هذا عود إلى شرح أحوال المنافقون من أهل المدينة ومن يقرب منها من الأعراب، قيل وهؤلاء الذين هم حول المدينة من المنافقين هم جهينة ومزينة وأشجع وغفار وأسلم، ذكره جمع من المفسرين كالبغوي والواحدي وابن الجوزي والنسفي والخازن والسيوطي وغيرهم وفيه إشكال لأن النبي ﷺ دعا لهؤلاء القبائل، فإن صح هذا النقل فتحمل الآية على القليل منهم، لأن لفظة (من) للتبعيض، ويحمل الدعاء لهم على الأكثر والأغلب، وبهذا يمكن الجمع بينهما. وأطلق الطبري القول ولم يعين أحداً من القبائل المذكورة بل قال من القوم الذين حول مدينتكم؛ أيها المؤمنون من الأعراب منافقون (ومن أهل

стр. 3208

المدينة) قوم أو ناس (مردوا على النفاق) قال البغوي: أي من الأوس والخزرج. وقيل المعنى وممن حولكم من الأعراب ومن أهل المدينة منافقون مردوا، وأصل مرد وتمرد اللين والملاسة والتجرد فكأنهم تجردوا للنفاق، ومنه غصن أمرد لا ورق عليه، وفرس أمرد لا شعر فيه، وغلام أمرد لا شعر بوجهه، وأرض مرداء لا نبات فيها وصرح ممرد مجرد مملس، كما قال: في منزل شيد بنيانه ... يزل عنه ظفرالطائر فالمعنى أنهم أقاموا على النفاق وثبتوا عليه ولم ينثنواعنه ولم يتوبوا منه، قال ابن زيد: معناه لجوا فيه وأبوا غيره. قال الخفاجي: أصل معنى التمرد التمرن أي الاعتياد والتدرب في الأمر حتى يصير ماهراً فيه لاتخاذه صنعة وديدناً له، ولذا خفي نفاقهم عليه ﷺ مع كمال فطنته وفراسته. وقال الراغب: أنه من قولهم شجرة مرداء أي لا ورق عليها أي أنهم خلوا من الخير. وروى أهل الجنة جرد مرد وهو محمول على ظاهره، أو المراد أنهم خالصون من الشوائب والقبائح. وجملة (لا تعلمهم) مبنية للجملة الأولى وهي مردوا على النفاق أي ثبتوا عليه ثبوتاً شديداً ومهروا فيه حتى خفي أمرهم على رسول الله ﷺ فكيف سائر المؤمنين، والمراد عدم علمه ﷺ بأعيانهم لا من حيث الجملة، فإن للنفاق دلائل لا تخفى عليه ﷺ . ولا ينافي هذا قوله تعالى: (ولتعرفنهم في لحن القول) لأن آية النفي نزلت قبل آية الإثبات، وهذه الجملة صفة المنافقون أو مستأنفة، والعلم هنا إما على بابه فيتعدى لإثنين أي لا تعلمهم منافقين أو عرفاني فيتعدى لواحد. قاله أبو البقاء. وأما قوله: (نحن نعلمهم) فلا يجوز أن يكون إلا على بابه وهي مقررة

стр. 3209

لما قبلها لما فيها من الدلالة على مهارتهم في النفاق ورسوخهم فيه على وجه يخفى على البشر، ولا يظهر لغير الله سبحانه لعلمه بما يخفى وما تجنه الضمائر وتنطوي عليه السرائر. ثم توعدهم سبحانه فقال: (سنعذبهم مرتين) قيل المراد بهما عذاب الدنيا بالقتل والسبي وعذاب الآخرة، وقيل الفضيحة بانكشاف نفاقهم والعذاب في الآخرة، وقيل المصائب في أموالهم وأولادهم وعذاب القبر. قال مجاهد مرتين يعني بالجوع والقتل. وعن أبي مالك قال: بالجوع وعذاب القبر. وعن قتادة قال: عذاب في القبر وعذاب في النار، وقد روي عن جماعة من السلف نحو هذا في تعيين العذابين وقيل غير ذلك مما يطول ذكره مع عدم الدليل على أنه المراد بعينه، والظاهر أن هذا العذاب المكرر هو في الدنيا بما يصدق عليه اسم العذاب وأنهم يعذبون مرة بعد مرة ثم يردون بعد ذلك إلى عذاب الآخرة، وهو المراد بقوله: (ثم يردون إلى عذاب عظيم). ومن قال أن العذاب في المرة الثانية هو عذاب الآخرة قال معنى قوله (ثم يردون) أنهم يردون بعد عذابهم في النار كسائر الكفار إلى الدرك الأسفل منها أو أنهم يعذبون في النار عذاباً خاصاً بهم دون سائر الكفار ثم يردون بعد ذلك إلى العذاب الشامل لهم ولسائر الكفار. وفي مسند أحمد عن ابن مسعود: خطبنا رسول الله ﷺ فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: " إن منكم منافقين فمن سميته فليقم "، ثم قال: " قم يا فلان حتى سمى ستة وثلاثين (١).

стр. 3210

وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٠٢) خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ثم ذكر سبحانه حال طائفة من المسلمين وهم المخلطون في دينهم فقال:

стр. 3211

(و) ممن حولكم أو من أهل المدينة قوم (آخرون اعترفوا بذنوبهم) المعنى إن هؤلاء الجماعة تخلفوا عن الغزو بغير عذر مسوغ للتخلف ثم ندموا على ذلك ولم يعتذروا بالأعذار الكاذبة كما اعتذر المنافقون، بل تابوا واعترفوا بالذنب ورجوا أن يتوب الله عليهم. (خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً) المراد بالعمل الصالح ما تقدم من إسلامهم وقيامهم بشرائع الإسلام وخروجهم إلى الجهاد في سائر المواطن، والمراد بالعمل السىء هو تخلفهم عن هذه الغزوة، وقد أتبعوا هذا العمل السيّء عملاً صالحاً وهو الاعتراف به والتوبة عنه. وأصل الاعتراف الإقرار بالشيء ومجرد الإقرار لا يكون توبة إلا إذا اقترن به الندم على الماضي والعزم على تركه في الحال والاستقبال، وقد وقع منهم ما يفيد هذا. ومعنى الخلطة أنهم خلطوا كل واحد منهما بالآخر كقولك خلطت الماء باللبن واللبن بالماء؛ ذكره غالب المفسرين وأنكره الرازي وقال: الواو لمطلق الجمع، وفيه تنبيه على نفي القول بالمخالطة وأنه بقي كل واحد منهما كما كان من غير أن يتأثر أحدهما بالآخر. ويجوز أن يكون الواو بمعنى الباء، كقولك بعت الشاء شاة ودرهماً أي بدرهم وقال الواحدي: الواو أحسن من الباء لأنه أريد به معنى الجمع لا حقيقة الخلط ألا ترى أن العمل الصالح لا يختلط بالسىء كما لا يختلط الماء باللبن لكن قد يجمع بينهما؛ وقال التفتازاني: وتحقيقه أن الواو للجمع والباء

стр. 3212

للإلصاق، والجمع والإلصاق من قبيل واحد فسلك به طريق الاستعارة. وقال الزمخشري: كل واحد مخلوط ومخلوط به وفيه ما ليس في الباء. وفي قوله: (عسى الله أن يتوب عليهم) دليل على أنه قد وقع منهم مع الاعتراف ما يفيد التوبة أو أن مقدمة التوبة وهي الاعتراف قامت مقام التوبة وحرف الترجي هو (عسى) في كلام الله سبحانه يفيد تحقق الوقوع، لأن الإطماع من الله سبحانه إيجاب لكونه أكرم الأكرمين، وفي المواهب واتفق المفسرون على ذلك، قال القسطلاني: وعبر بعسى للإشعار بأن ما يفعله تعالى ليس إلا على سبيل التفضل منه حتى لا يتكل المرء بل يكون على خوف وحذر (إن الله غفور رحيم) يغفر الذنوب ويتفضل على عباده، وهذا يفيد إنجاز الوعد. عن ابن عباس قال: كانوا عشرة رهط تخلفوا عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك فلما حضر رجوع رسول الله ﷺ أوثق سبعة منهم أنفسهم بسواري المسجد، وكان ممر النبي ﷺ إذا رجع عليهم، فلما رآهم قال: من هؤلاء الموثقون أنفسهم، قالوا: هذا أبو لبابة وأصحاب له تخلفوا عنك يا رسول الله فعاهدوا الله أن لا يطلقوا أنفسهم حتى تطلقهم وتعذرهم قال: وأنا أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى يكون الله هو الذي يطلقهم، رغبوا عني وتخلفوا عن الغزو مع المسلمين، فلما بلغهم ذلك قالوا ونحن لا نطلق أنفسنا حتى يكون الله هو الذي يطلقنا فنزلت (عسى الله أن يتوب عليهم). وقيل الآية تعم جميع المسلمين، والحمل على العموم أولى وإن كان السبب مخصوصاً بمن تخلف عن رسول الله ﵌ في غزوة تبوك، وروى الطبراني عن أبي عثمان قال: ما في القرآن آية أرجى عندي لهذه الأمة من هذه الآية.

стр. 3213

(خذ من أموالهم صدقة) اختلف أهل العلم في هذه الصدقة المأمور بها

стр. 3214

فقيل هي صدقة الفرض، وقيل هي مخصوصة بهذه الطائفة المعترفة بذنوبها لأنهم بعد التوبة عليهم عرضوا أموالهم على رسول الله ﵌ فنزلت هذه الآية كما تقدم، و (من) للتبعيض على التفسيرين والآية مطلقة مبينة بالسنة المطهرة والصدقة مأخوذة من الصدق إذ هي دليل على صدق مخرجها في إيمانه. (تطهرهم وتزكيهم بها) الضمير المرفوع في الفعلين للنبي ﷺ أي تطهرهم وتزكيهم يا محمد بما تأخذه من الصدقة منهم، وقيل الضمير في تطهرهم للصدقة والضمير في تزكيهم للنبي ﵌ والأول أولى لما في الثاني من الاختلاف في الضميرين في الفعلين المتعاطفين، ومعنى التطهير إذهاب ما يتعلق بهم من أثر الذنوب، ومعنى التزكية المبالغة في التطهير. قاق الزجاج: الأجود أن يكون المخاطبة للنبي ﵌ أي فإنك يا محمد تطهرهم وتزكيهم بها على القطع والاستئناف ويجوز الجزم على جواب الأمر والمعنى أن تأخذ من أموالهم صدقة تطهرهم، قال السيوطي: فأخذ ثلث أموالهم وتصدق بها على سبيل الكفارة لذنوبهم فإن كل من أتى ذنباً يسن له التصدق. (وصل عليهم) أي ادع لهم بعد أخذك لتلك الصدقة من أموالهم، قال النحاس: وحكى أهل اللغة جميعاً فيما علمناه أن الصلاة في كلام العرب الدعاء؛ ثم علل سبحانه أمره لرسوله ﷺ بالصلاة على من يأخذ منه الصدقة فقال: (إن صلاتك سكن لهم) السكن ما تسكن إليه النفس وتطمئن به وهو فعل بمعنى مفعول كالقبض بمعنى المقبوض والمعنى يسكنون إليها، قال ابن عباس: استغفر لهم من ذنوبهم التي كانوا أصابوها إن صلاتك رحمة لهم. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن عبد الله بن أبي أوفى قال كان

стр. 3215

أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٠٤) وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ رسول الله ﷺ إذا أتى بصدقة قال: " اللهم صل على آل فلان فأتاه أبي بصدقته فقال اللهم صل على آل أبي أوفى " (١). (والله سميع) لاعترافهم بذنوبهم ودعائهم (عليم) بما في ضمائرهم من الندم والغم لا فرط منهم. ولما تاب الله سبحانه على هؤلاء المذكورين سابقاً قال:

стр. 3216

(ألم يعلموا) أي غير التائبين أو التائبون قبل أن يتوب الله عليهم ويقبل صدقاتهم، والاستفهام للتقرير أو للتحضيض والتأكيد (إن الله هو يقبل التوبة) لاستغنائه عن طاعة المطيعين وعدم مبالاته بمعصية العاصين، وقرئ بالتاء وهو اما خطاب للتائبين أو الجماعة المؤمنين، والمعنى أن ذلك ليس لرسول الله ( ﷺ ) إنما الله هو الذي يقبل التوبة ويردها فاقصدوه بها. (عن عباده) قيل لا فرق بين عن ومن، قال ابن عطية: وكثيراً ما يتوصل في موضع واحد بهذه وهذه نحو لا صدقة إلا عن غني ومن غني وفعل ذلك فلان من أشره وبطره وعن أشره وبطره، وقيل بينهما فرق ولعل (عن) في هذا الموضع أبلغ لأن فيه تبشير القبول للتوبة مع تسهيل سبيلها، وقيل لفظة عن تشعر ببعد ما، تقول جلس عن يمين الأمير أي مع نوع من البعد،

стр. 3217

والظاهر أن عن هنا للمجاوزة وإذا قلت منه فمعناه ابتداء الغاية. (ويأخذ الصدقات) أي يتقبلها منهم وفي إسناد الأخذ إليه سبحانه بعد أمره لرسوله ( ﷺ ) بأخذها تشريف عظيم لهذه الطاعة ولمن فعلها، وفي ذكر لفظ الأخذ ترغيب في بذل الصدقة وإعطائها الفقراء. عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌: " ما تصدق أحدكم بصدقة من كسب حلال طيب ولا يقبل الله إلا الطيب إلا أخذها الرحمن بيمينه وإن كانت ثمرة فتربو في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل كما يربي أحدكم فلوّه أو فصيله " (١) أخرجه الشيخان وفي الباب أحاديث يطول ذكرها. (وإن الله هو التواب الرحيم) أي أن هذا شأنه سبحانه؛ وفي صيغة المبالغة في التواب مع توسيط ضمير الفصل والتأكيد من التبشير لعباده والترغيب لهم ما لا يخفى.

стр. 3218

(وقل) لهم أو للناس وهما قولان للمفسرين (اعملوا) ما شئتم من الأعمال الصالحة والسيئة (فسيرى الله عملكم) خيراً كان أو شراً تعليل لما قبله (ورسوله والمؤمنون) فيه تخويف وتهديد للمذنبين أي إن عملكم لا يخفى على الله ولا على رسوله ولا على المؤمنين، فسارعوا إلى أعمال الخير أو أخلصوا أعمالكم لله ، وفيه أيضاً ترغيب وتنشيط للمطيعين، فإن من علم أن عمله لا يخفى سواء كان خيراً أو شراً رغب إلى أعمال الخير وتجنب أعمال الشر، وما أحسن قول زهير: ومهما يكن عند امرئ من خليقة ... وإن خالها تخفى على الناس تعلم

стр. 3219

فظاهره ترغيب وترهيب، والمراد بالرؤية هنا العلم بما يصدر من الأعمال والاستقبال بالنظر للمجازاة وإلا فالعلم حاصل بالفعل أي فسيجازيكم على عملكم والمجازاة من الله معلومة ومن رسوله والمؤمنين بمعنى الثناء عليهم والدعاء لهم. قال مجاهد: هذا وعيد من الله ، وقال أبو السعود: زيادة ترغيب لهم في العمل الصالح، وأخرج أحمد وأبو يعلى وابن حبان والحاكم والبيهقي وغيرهم عن أبي سعيد عن رسول الله ﷺ قال: " لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب ولا كوة لأخرج الله عمله للناس كائناً ما كان " (١). ثم جاء سبحانه بوعيد شديد فقال (وستردون) وأي بالبعث بعد الموت (إلى عالم الغيب والشهادة) أي إليه سبحانه الذي يعلم ما تسرونه وما تعلنونه وما تخفونه وما تبدونه. وفي تقديم الغيب على الشهادة إشعار بسعة علمه وأنه لا يخفى عليه شيء، ويستوى عنده كل معلوم. ثم ذكر سبحانه ما سيكون عقب ردهم إليه فقال (فينبئكم) أي يخبركم (بما كنتم تعملون) في الدنيا فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته ويتفضل على من يشاء من عباده.

стр. 3220

(وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (وآخرون مرجون لأمر الله) ذكر سبحانه ثلاثة أقسام في المتخلفين (الأول) المنافقون الذين مردوا على النفاق (الثاني) التائبون المعترفون بذنوبهم (الثالث) الذين بقي أمرهم موقوفاً في تلك الحال وهم المرجون لأمر الله من أرجيته وأرجأته إذا أخرته وهما لغتان والقراءتان أي بالهمز ودونه سبعيتان، والمعنى أنهم مؤخرون في تلك الحال لا يقطع لهم بالتوبة ولا بعدمها، بل هم على ما تبين من أمر الله سبحانه في شأنهم. والفرق بين الثاني والثالث أن الثاني اعتذر للنبي ﵌ بأعذار فقبلها منه فجعلت توبته، وإن الثالث لم يعتذر لأنه فتش فلم يجد عذراً صادقاً فأخر رسول الله ﷺ أمره حتى ينزل الله قبول توبته فأخر الله قبولها خمسين يوماً. (إما يعذبهم) إن بقوا على ما هم عليه ولم يتوبوا (وإما يتوب عليهم) إن تابوا توبة صحيحة وأخلصوا إخلاصاً، والتقدير وآخرون مرجون لأمر الله حال كونهم إما معذبين وإما متوباً عليهم، وإما هنا للشك بالنسبة إلى المخاطب، وإما للإبهام بالنسبة إلى الله تعالى بمعنى أنه تعالى أبهم على المخاطبين أعني هذا الترديد بالنظر لاعتقادنا فيهم، وإلا فالله تعالى عالم بعين ما هو فاعله بهم (والله عليم) بأحوالهم (حكيم) فيما يفعله بهم من خير أو شر. وعن عكرمة قال: وآخرون مرجون لأمر الله هم الثلاثة الذين خلفوا، وعن مجاهد قال: هم هلال بن أمية ومرارة بن الربيع وكعب بن مالك من الأوس والخزرج تخلفوا كسلاً وميلاً إلى الدعة لا نفاقاً، ولم يعتذروا إلى النبي ﷺ كغيرهم، فوقف أمرهم خمسين ليلة وهجرهم الناس حتى نزلت توبتهم بعد.

стр. 3221

وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٠٧) لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ

стр. 3222

(والذين اتخذوا مسجداً ضراراً وكفراً وتفريقاً بين المؤمنين) لما ذكر سبحانه أصناف المنافقين وبين طرائقهم المختلفة، عطف على ما سبق هذه الطائفة منهم، وهم الذين اتخذوا مسجداً ضراراً وسيأتي بيان هؤلاء البانين لمسجد الضرار وفي إعرابه وجوه ذكرها في الجمل. وقد أخبر الله سبحانه أن الباعث لهم على بناء هذا السجد أمور أربعة: الأول: الضرار لغيرهم وهو المضاررة. الثاني: الكفر بالله والمباهاة لأهل الإسلام لأنهم أرادوا ببنائه تقوية أهل النفاق. الثالث: التفريق بين المؤمنين لأنهم أرادوا أن لا يحضروا مسجد قباء فتقل جماعة المسلمين وفي ذلك من اختلاف الكلمة وبطلان الألفة ما لا يخفى. الرابع قوله (وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله) قال الزجاج: الإرصاد الانتظار. وقال ابن قتيبة: الإرصاد الانتظار مع العداوة، وقال الأكثرون: هو الإعداد، والمعنى متقارب، يقال أرصدت لكذا إذا أعددته مرتقباً له، وبه قال أبو زيد، يقال رصدته وأرصدته في الخير وأرصدت له في الشر، وقال ابن الأعرابي: لا يقال أرصدت ومعناه ارتقبت، والمراد بمن حارب الله ورسوله المنافقون وهم اثنا عشر رجلاً منهم أبو عامر الراهب، أي أعدوه لهؤلاء وارتقبوا به وصولهم وانتظروهم ليصلوا فيه حتى يباهوا بهم المؤمنون. (من قبل) أي من قبل أن ينافق هؤلاء ويبنوا مسجد الضرار أو المعنى

стр. 3223

لمن وقع منه الحرب لله ورسوله من قبل بناء مسجد الضرار (وليحلفن) جواب قسم مقدر أي والله (إن أردنا إلا الحسنى) أي ما أردنا ببنائه إلا الخصلة أو الإرادة الحسنى، وهي الرفق بالمسلمين والتوسطة على أهل الضعف والعجز عن الصلاة في مسجد قباء أو مسجد الرسول ﷺ في المطر والحر، فرد الله عليهم بقوله (والله يشهد) أي يعلم (إنهم لكاذبون) فيما حلفوا عليه وقالوه. عن ابن عباس قال: هم أناس من الأنصار ابتنوا مسجداً فقال لهم أبو عامر الراهب والد حنظلة غسيل الملائكة ابنوا مسجدكم واستمدوا ما استطعتم من قوة وسلاح فإني ذاهب إلى قيصر ملك الروم فآتي بجند من الروم فأخرج محمداً وأصحابه، فلما فرغوا من مسجدهم أتوا النبي ﵌ فقالوا قد فرغنا من بناء مسجدنا فنحب أن تصلي فيه وتدعو بالبركة، فأنزل الله

стр. 3224

(لا تقم فيه أبداً). وعنه قال: لما بنى رسول الله ﷺ مسجد قباء خرج رجال من الأنصار فبنوا مسجد النفاق، فقال رسول الله ﷺ : يا بخدج ما أردت إلا ما أرى، قال: ما أردت إلا الحسنى وهو كاذب، فصدقه رسول الله ﷺ وأراد أن يعذره، فأنزل الله (والذين اتخذوا مسجداً ضراراً) الآية. ثم نهى الله سبحانه رسول الله ﷺ عن الصلاة في مسجد الضرار فقال (لا تقم فيه أبداً) أي في وقت من الأوقات، فأرسل رسول الله ( ﷺ ) جماعة هدموه وأحرقوه وجعلوا مكانه كناسة تلقى فيه الجيف، والنهي عن القيام فيه يستلزم النهي عن الصلاة فيه، وقد يعبر عن الصلاة بالقيام، يقال فلان يقوم الليل أي يصلي، ومنه الحديث الصحيح " من قام

стр. 3225

رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه " (١) ثم ذكر الله سبحانه علة النهي عن القيام بقوله (لمسجد أسس على التقوى) اللام في لمسجد لام القسم، وقيل لام الابتداء وفي ذلك تأكيد لمضمون الجملة، وعلى قيل أنها بمعنى مع والأبلغ إبقاؤها على ظاهرها، وجعل التقوى أساساً له وتأسيس البناء تثبيته ورفعه، ومعنى تأسسه على التقوى تأسيسه على الخصال التي لا تبقى بها العقوبة. واختلف العلماء في هذا المسجد فقالت طائفة هو مسجد قباء كما روى عن ابن عباس والضحاك والحسن والشعبي وغيرهم ورجحه البيضاوي لظاهر قوله تعالى، (من أول يوم) إذ لا يراد أول الأيام طلقاً بل أول أيام الهجرة ودخول المدينة المنورة لأنه بني قبل مسجد المدينة ولقوله (فيه رجال يحبون أن يتطهروا) ولأنه أوفق بالمقام لأنه بقباء كمسجد الضرار. وذهب آخرون إلى أنه مسجد النبي ﷺ لما أخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم والترمذي والنسائي وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن خزيمة وابن حبان وأبو الشيخ والحاكم وابن مردويه والبيهقي عن أبي سعيد الخدري قال: اختلف رجلان، رجل من بني خدرة، وفي لفظ تماريت أنا ورجل من بني عمرو بن عوف في المسجد الذي أسس على التقوى، فقال الخدري هو مسجد رسول الله ﷺ وقال العمري: هو مسجد قباء، فأتيا رسول الله ﷺ فسألاه عن ذلك فقال: " هو هذا المسجد، لمسجد رسول الله ( ﷺ ) " وقال: " في ذلك خير كثير يعني ": مسجد قباء. وأخرج أحمد وغيره عن أبيٌّ بن كعب قال: سألت النبي صلى الله عليه
следующие страницы →