← Тафсир

Тафсир · id 37458

فتح البيان في مقاصد القرآن

صديق حسن خان

Полный текст (12 043 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.

стр. 3221

وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٠٧) لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ

стр. 3222

(والذين اتخذوا مسجداً ضراراً وكفراً وتفريقاً بين المؤمنين) لما ذكر سبحانه أصناف المنافقين وبين طرائقهم المختلفة، عطف على ما سبق هذه الطائفة منهم، وهم الذين اتخذوا مسجداً ضراراً وسيأتي بيان هؤلاء البانين لمسجد الضرار وفي إعرابه وجوه ذكرها في الجمل. وقد أخبر الله سبحانه أن الباعث لهم على بناء هذا السجد أمور أربعة: الأول: الضرار لغيرهم وهو المضاررة. الثاني: الكفر بالله والمباهاة لأهل الإسلام لأنهم أرادوا ببنائه تقوية أهل النفاق. الثالث: التفريق بين المؤمنين لأنهم أرادوا أن لا يحضروا مسجد قباء فتقل جماعة المسلمين وفي ذلك من اختلاف الكلمة وبطلان الألفة ما لا يخفى. الرابع قوله (وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله) قال الزجاج: الإرصاد الانتظار. وقال ابن قتيبة: الإرصاد الانتظار مع العداوة، وقال الأكثرون: هو الإعداد، والمعنى متقارب، يقال أرصدت لكذا إذا أعددته مرتقباً له، وبه قال أبو زيد، يقال رصدته وأرصدته في الخير وأرصدت له في الشر، وقال ابن الأعرابي: لا يقال أرصدت ومعناه ارتقبت، والمراد بمن حارب الله ورسوله المنافقون وهم اثنا عشر رجلاً منهم أبو عامر الراهب، أي أعدوه لهؤلاء وارتقبوا به وصولهم وانتظروهم ليصلوا فيه حتى يباهوا بهم المؤمنون. (من قبل) أي من قبل أن ينافق هؤلاء ويبنوا مسجد الضرار أو المعنى

стр. 3223

لمن وقع منه الحرب لله ورسوله من قبل بناء مسجد الضرار (وليحلفن) جواب قسم مقدر أي والله (إن أردنا إلا الحسنى) أي ما أردنا ببنائه إلا الخصلة أو الإرادة الحسنى، وهي الرفق بالمسلمين والتوسطة على أهل الضعف والعجز عن الصلاة في مسجد قباء أو مسجد الرسول ﷺ في المطر والحر، فرد الله عليهم بقوله (والله يشهد) أي يعلم (إنهم لكاذبون) فيما حلفوا عليه وقالوه. عن ابن عباس قال: هم أناس من الأنصار ابتنوا مسجداً فقال لهم أبو عامر الراهب والد حنظلة غسيل الملائكة ابنوا مسجدكم واستمدوا ما استطعتم من قوة وسلاح فإني ذاهب إلى قيصر ملك الروم فآتي بجند من الروم فأخرج محمداً وأصحابه، فلما فرغوا من مسجدهم أتوا النبي ﵌ فقالوا قد فرغنا من بناء مسجدنا فنحب أن تصلي فيه وتدعو بالبركة، فأنزل الله

стр. 3224

(لا تقم فيه أبداً). وعنه قال: لما بنى رسول الله ﷺ مسجد قباء خرج رجال من الأنصار فبنوا مسجد النفاق، فقال رسول الله ﷺ : يا بخدج ما أردت إلا ما أرى، قال: ما أردت إلا الحسنى وهو كاذب، فصدقه رسول الله ﷺ وأراد أن يعذره، فأنزل الله (والذين اتخذوا مسجداً ضراراً) الآية. ثم نهى الله سبحانه رسول الله ﷺ عن الصلاة في مسجد الضرار فقال (لا تقم فيه أبداً) أي في وقت من الأوقات، فأرسل رسول الله ( ﷺ ) جماعة هدموه وأحرقوه وجعلوا مكانه كناسة تلقى فيه الجيف، والنهي عن القيام فيه يستلزم النهي عن الصلاة فيه، وقد يعبر عن الصلاة بالقيام، يقال فلان يقوم الليل أي يصلي، ومنه الحديث الصحيح " من قام

стр. 3225

رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه " (١) ثم ذكر الله سبحانه علة النهي عن القيام بقوله (لمسجد أسس على التقوى) اللام في لمسجد لام القسم، وقيل لام الابتداء وفي ذلك تأكيد لمضمون الجملة، وعلى قيل أنها بمعنى مع والأبلغ إبقاؤها على ظاهرها، وجعل التقوى أساساً له وتأسيس البناء تثبيته ورفعه، ومعنى تأسسه على التقوى تأسيسه على الخصال التي لا تبقى بها العقوبة. واختلف العلماء في هذا المسجد فقالت طائفة هو مسجد قباء كما روى عن ابن عباس والضحاك والحسن والشعبي وغيرهم ورجحه البيضاوي لظاهر قوله تعالى، (من أول يوم) إذ لا يراد أول الأيام طلقاً بل أول أيام الهجرة ودخول المدينة المنورة لأنه بني قبل مسجد المدينة ولقوله (فيه رجال يحبون أن يتطهروا) ولأنه أوفق بالمقام لأنه بقباء كمسجد الضرار. وذهب آخرون إلى أنه مسجد النبي ﷺ لما أخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم والترمذي والنسائي وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن خزيمة وابن حبان وأبو الشيخ والحاكم وابن مردويه والبيهقي عن أبي سعيد الخدري قال: اختلف رجلان، رجل من بني خدرة، وفي لفظ تماريت أنا ورجل من بني عمرو بن عوف في المسجد الذي أسس على التقوى، فقال الخدري هو مسجد رسول الله ﷺ وقال العمري: هو مسجد قباء، فأتيا رسول الله ﷺ فسألاه عن ذلك فقال: " هو هذا المسجد، لمسجد رسول الله ( ﷺ ) " وقال: " في ذلك خير كثير يعني ": مسجد قباء. وأخرج أحمد وغيره عن أبيٌّ بن كعب قال: سألت النبي صلى الله عليه

стр. 3226

وسلم عن المسجد الذي أسس على التقوى، قال هو مسجدي هذا (١)، وعن زيد بن ثابت مرفوعاً مثله عند الطبراني وغيره وفي الباب أحاديث كثيرة. وقد جمع الشريف السمهودي بين الأحاديث وقال: كل منهما مراد لأن كلاًّ منهما أسس على التقوى من أول يوم تأسيسه. والسر في إجابته ﵌ السؤال عن ذلك مما في الحديث دفع ما يوهمه السائل من اختصاص ذلك بمسجد قباء والتنويه بمزية هذا على ذاك وهو غريب هناك وقد سبقه إليه السهيلي في الروض الأنف. ولا يخفاك أن النبي ﷺ قد عين هذا المسجد الذي أسس على التقوى وجزم بأنه مسجده ﷺ كما تقدم من الأحاديث الصحيحة فلا يقاوم ذلك قول فرد من الصحابة ولا جماعة منهم ولا من غيرهم، ولا يصلح لإيراده في مقابلة ما قد صح عن النبي ( ﷺ ). قال الكرخي: والتحقيق إن رواية نزولها في مسجد قباء لا تعارض تنصيصه ﷺ على أنه مسجد المدينة، فإنها لا تدل على اختصاص أهل قباء بذلك. انتهى. ولا فائدة في إيراد ما ورد في فضل الصلاة في مسجد قباء فإن ذلك لا يستلزم كونه المسجد الذي أسس على التقوى، على أن ما ورد في فضائل مسجده ( ﷺ ) أكثر مما ورد في فضل مسجد قباء بلا شك ولا شبهة. و (من أول يوم) متعلق بأسس، أي أسس على التقوى من أول يوم من أيام تأسيسه؛ قال بعض النحاة: أن من هاهنا بمعنى منذ، أي منذ أول يوم

стр. 3227

ابتدئ ببنائه ووضع أساسه. قال السهيلي نور الله مرقده: في الآية من الفقه صحة ما اتفق عليه الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين مع عمر رضي الله تعالى عنه حين شاورهم في التاريخ، فاتفق رأيهم على أن يكون من عام الهجرة لأنه الوقت الذي عز فيه الإسلام، والحين الذي أمن فيه النبي ﷺ وبنيت المساجد وعُبد الله كما يحب، فوافق رأيهم هذا ظاهر التنزيل. وفهمنا الآن بفعلهم أن قوله تعالى (من أول يوم) أن ذلك اليوم هو أول أيام التاريخ الذي يؤرخ به الآن، فإن كان الصحابة رضوان الله عليهم أخذوه من هذه الآية فهو الظن بهم لأنهم أعلم الناس بتأويل كتاب الله وأفهمهم بما في القرآن من الإشارات. وإن كان ذلك على رأي واجتهاد فقد علمه الله وأشار إلى صحته قبل أن يفعل إذ لا يعقل قول القائل فعلته أول يوم إلا بالإضافة إلى عام معلوم أو شهر معلوم أو تاريخ معلوم. وليس هاهنا إضافة في المعنى إلا إلى هذا التاريخ المعلوم لعدم القرائن الدالة على غيره من قرينه لفظ أو حال، فتدبره ففيه معتبر لمن ادّكر وعلم لمن رأى بعين فؤاد واستبصر. (أحق أن تقوم فيه) مصلياً وأفعل التفضيل على غير بابه أو المفاضلة باعتبار زعمهم أو بالنظر له في ذاته، فإن المحظور قصدهم ونيتهم، والمعنى لو كان القيام في غيره جائزاً لكان هذا أولى بقيامك فيه للصلاة ولذكر الله لكونه أسس على التقوى من أول يوم ولكونه (فيه رجال يحبون أن يتطهروا) هذه الجملة، مستأنفة لبيان أحقية قيامه ﷺ فيه أي كما أن هذا المسجد أولى من جهة المحل، فهو أولى من جهة الحال فيه، ومعنى محبتهم للتطهر أنهم يؤثرونه ويحرصون عليه عند عروض موجبه، يعني من الأحداث

стр. 3228

والجنابات وسائر النجاسات؛ وهذا قول أكثر المفسرين، وقيل معناه يحبون التطهر من الذنوب بالتوبة والاستغفار والأول أولى. وقال الرازي: المراد بها الطهارة من الذنوب والمعاصي، وعينه بوجوه ثلاثة وقيلِ يحبون أن يتطهروا بالحمى المطهرة للذنوب فحموا جميعاً وهذا ضعيف جداً. (والله يحب المطهرين) معنى محبة الله لهم الرضا عنهم والإحسان إليهم كما يفعل المحب بمحبوبه. وأخرج ابن ماجة وابن المنذر وابن أبي حاتم والدارقطني والحاكم عن أبي أيوب وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك أن هذه الآية لما نزلت قال رسول الله ﷺ : " يا معشر الأنصار إن الله قد أثنى عليكم خيراً في الطهور فما طهوركم هذا؟ قالوا نتوضأ للصلاة ونغتسل من الجنابة؛ قال فهل مع ذلك غيره؟ قالوا لا، غير أن أحدنا إذا خرج إلى الغائط أحط أن يستنجي بالماء، قال هو ذاك فعليكموه " (١). وفي حديث رواه البزاز قالوا نتبع الحجارة بالماء؟ فقال هو ذاك فعليكموه، وفي الباب روايات بألفاظ، وقد روي عن جماعة من التابعين في ذكر سبب نزول الآية نحو هذا. ولا يخفاك أن بعض هذه الأحاديث ليس فيه تعيين مسجد قباء وأهله وبعضها ضعيف وبعضها لا تصرح فيه بأن المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد قباء؛ وعلى كل حال لا يقاوم تلك الأحاديث المصرحة بأن المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد النبي ( ﷺ ) في صحتها وصراحتها.

стр. 3229

أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠٩) لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ثم بين سبحانه أن بين الفريقين بوناً بعيداً فقال

стр. 3230

(أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار) الهمزة للإنكار والجملة مستأنفة مبينة لخيرية الرجال المذكورين على أهل مسجد الضرار، والفاء عاطفة على مقدر أي أبعد ما علم حالهم فمن أسس، والبنيان مصدر كالعمران وأريد به المبنى. والمعنى أن من أسس بناء دينه على قاعدة قوية محكمة وهي تقوى الله ورضوانه خير ممن أسس دينه على ضد ذلك وهو الباطل والنفاق، قيل أنه استعارة مكنية شبهت التقوى والرضوان بما يعتمد عليه البناء تشبيهاً مضمراً في النفس، وأسس بنيانه تخييل فهو مستعمل في معناه الحقيقي أو مجاز فتأسيس البنيان بمعنى إحكام أمور دينية أو تمثيل لحال من أخلص لله وعمل الأعمال الصالحة بحال من بنى شيئاً محكماً مؤسساً يستوطنه ويتحصن فيه أو البنيان استعارة أصلية والتأسيس ترشيح والشفا الشفير، وشفا كل شيء حرفه وطرفه. ومنه يقال أشفى على كذا إذا دنا منه وقرب أن يقع فيه، والجرف بضم الراء وسكونها قراءتان سبعيتان، وعلى كل فالجيم مضمومة وهو ما يتجرف بالسيول وهي الجوانب التي تنحفر بالماء وقيل المكان الذي أكل الماء تحته فهو إلى السقوط قريب، وقيل البئر التي لم تطو، وقيل هو الهوة، والاجتراف اقتلاع الشيء من أصله، والهار الساقط يقال هار البناء إذا سقط وأصله هائر كما قالوا شاك السلاح وشائك، كذا قال الزجاج: يقال هار يهور ويهار وهار يهير وتهور

стр. 3231

البناء وتهير فهو مقلوب بتقديم لامه على عينه، وقيل حذفت عينه اعتباطاً أي لغير موجب. وقال أبو حاتم: أن أصله هاور أي ساقط متداع منها، قال في شمس العلوم: الجرف ما جرف السيل أصله وأشرف أعلاه فإن انصدع أعلاه فهو الهار انتهى وقيل لا قلب فيه ولا حذف وأن أصله هور أو هير قال السمين وهذا أعدل الوجوه لاستراحته من ادعاء القلب والحذف اللذين هما على خلاف الأصل لولا أنه غير مشهور عند أهل التصريف انتهى. جعل الله سبحانه هذا مثلاً لما بنوا عليه دينهم الباطل المضمحل بسرعة ثم قال (فانهار) الجرف أو الشفا أو بنيان الباني على شفا جرف هار (به) أي بالبنيان أو المعنى أنه طاح الباطل بالبناء والباني (في نار جهنم) قال ابن عباس: صيرهم نفاقهم إلى النار، روى أنهم رأوا الدخان حين حفروا أساسه، وقال قتادة: والله ما تناهى بناؤهم حتى وقع في النار. والباء في به للتعدية أو المصاحبة أي فانهار مصاحباً له وجاء بالانهيار الذي هو للجرف ترجيحاً للمجاز، وسبحان الله ما أبلغ هذا الكلام وأقوى تراكيبه وأوقع معناه وأفصح مبناه، عن جابر بن عبد الله قال: لقد رأيت الدخان يخرج من مسجد الضرار حيث انهار على عهد رسول الله ﵌، أخرجه الحاكم ومسدد وابن جرير وغيرهم. (والله لا يهدي القوم الظالمين) أي لا يوفقهم للخير عقوبة لهم على نفاقهم ثم ذكر سبحانه أن بنيانهم هذا موجب لمزيد ريبهم واستمرار ترددهم وشكهم فقال:

стр. 3232

(لا يزال بنيانهم) مصدر بمعنى اسم المفعول (الذي بنوا ريبة في قلوبهم) أي شكاً ونفاقاً أي سبب ريبهم كأنه نفس الريبة أما حال بنائه فظاهر وأما حال هدمه فلأنه رسخ به ما كان في قلوبهم من الشر وتضاعفت

стр. 3233

آثاره وأحكامه، وقيل معنى الريبة الحسرة والندامة لأنهم ندموا على بنيانه، وقال المبرد أي حرارة وغيظاً. وقد كان هؤلاء الذين بنوا مسجد الضرار منافقين شاكين في دينهم، ولكنهم ازدادوا بهدم رسول الله صلى الله عليهم وسلم له نفاقاً وتصميماً على الكفر ومقتاً للإسلام لما أصابهم من الغيظ الشديد والغضب العظيم بهدمه. ثم ذكر سبحانه ما يدل على استمرار هذه الريبة ودوامها وهو قوله: (إلا أن تقطع قلوبهم) قطعاً وتتفرق أجزاء إما بالموت أو بالسيف، وقيل في القبور أو في النار، والمقصود أن هذه الريبة دائمة لهم ما داموا أحياء، ويجوز أن يكون ذكر التقطع تصويراً لحال زوال الريبة وقيل معناه إلا أن يتوبوا توبة تتقطع بها قلوبهم ندماً وأسفاً على تفريطهم. وقرئ تقطع بالتخفيف والخطاب للنبي ﷺ أي إلا أن تقطع يا محمد قلوبهم وتتمكن منهم كل التمكن، وقرئ ولو تقطعت قلوبهم، وقرئ شاذاً إلى أن تقطع على الغاية أي لا يزالون كذلك إلى أن يموتوا والمستثنى منه محذوف، والتقدير في كل وقت إلا وقت تقطيع قلوبهم، أو في كل حال إلا حال تقطيعها (والله عليم) بعزائمهم (حكيم) في جزاء جرائمهم.

стр. 3234

إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ

стр. 3235

(إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة) لما شرح الله تعالى فضائح المنافقين وقبائحهم بسبب تخلفهم عن غزوة تبوك، وذكر أقسامهم وفرع على كل قسم منها ما هو لائق به، عاد على بيان فضيلة الجهاد والترغيب فيه وقد بالغ في ذلك على وجه لا مزيد عليه حيث عبر عن قبوله أنفسهم وأموالهم التي بذلوها في سبيله واثابته إياهم بمقابلتها بالجنة بالشراء، فذكر الشراء تمثيل على طريقة الاستعارة التبعية كما في قوله: (أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى). ثم جعل المبيع الذي هو العمدة والمقصد، أنفس المؤمنين وأموالهم وجعل الثمن الذي هو الوسيلة في الصفقة الجنة، ولم يجعل الأمر على العكس بأن يقال أن الله باع الجنة من المؤمنين بأنفسهم وأموالهم، ليدل على أن المقصود في العقد هو الجنة وما بذله المؤمنون في مقابلتها وسيلة إليها إيذاناً بكمال العناية بهم وبأموالهم. ثم أنه لم يقل بالجنة بل قال (بأن لهم الجنة) مبالغة في تقرر وصول الثمن إليهم واختصاصه بهم كأنه قيل بالجنة الثابتة لهم المختصة بهم، وأصل الشراء بين العباد هو إخراج الشيء عن الملك بشيء آخر مثله أو دونه أو انفع منه، فهؤلاء المجاهدون باعوا أنفسهم من الله بالجنة التي أعدها الله للمؤمنين أي بأن يكونوا من أهل الجنة وممن يسكنها جادوا يأنفسهم وهي أنفس الاعلاق

стр. 3236

والجود بها غاية الجود، وجاد الله عليهم بالجنة وهي أعظم ما يطلبه العباد ويتوسلون إليه بالأعمال، والمراد بالأنفس هنا أنفس المجاهدين، وبالأموال ما ينفقونه في الجهاد أو في جميع وجوه البر والطاعات، ويدخل فيها الجهاد دخولاً أولياً. قال أهل المعاني: لا يجوز أن يشتري الله شيئاً في الحقيقة لأن المشتري إنما يشتري ما لا يملكه والأشياء كلها ملك لله ، ولهذا قال الحسن: أنفسنا هو خلقها وأموالنا هو رزقنا إياها، لكن جرى هذا مجرى التلطف في الدعاء إلى الطاعة والجهاد وجعل ذلك استبدالاً وشراء، ودخلت الباء هنا على المتروك على بابها وسماها أبو البقاء باء المقابلة كقولهم باء العوض وباء الثمنية. وقرأ عمر بن الخطاب بالجنة، عن جابر بن عبد الله قال: لما نزلت هذه الآية على رسول الله ﵌ وهو في المسجد كبر الناس في المسجد فأقبل رجل من الأنصار ثانياً طرفي ردائه على عاتقه فقال: يا رسول الله أنزلت هذه الآية قال: نعم، فقال الأنصاري: بيع ربيح لا نقيل ولا نستقيل. وقد أخرج ابن سعد عن عبادة بن الصامت أن النبي ﵌ اشترط في بيعة العقبة على من بايعه من الأنصار أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأنه رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة والسمع والطاعة ولا ينازعوا في الأمر أهله، ويمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم وأهليهم قالوا نعم، قال قائل الأنصار نعم لك هذا يا رسول الله فما لنا قال الجنة، وأخرجه ابن سعد أيضاً من وجه آخر، وليس في قصة العقبة ما يدل على أنها سبب نزول الآية. (يقاتلون في سبيل الله) استئناف لبيان البيِم الذي يقتضيه الاشتراء المذكور لا لبيان نفس الاشتراء، لأن قتالهم في سبيل الله ليس باشتراء من الله أنفسهم وأموالهم كانه قيل كيف يبيعونها بالجنة فقيل يقاتلون، وقيل فيه معنى الأمر أي قاتلوا في سبيله.

стр. 3237

ْثم بين هذه المقاتلة بقوله: (فيقتلون) أعداء الله (وُيقتلون) في طاعته والمراد أنهم يقدمون على قتل الكفار في الحرب ويبذلون أنفسهم في ذلك، فإن فعلوا فقد استحقوا الجنة، وإن لم يقع القتل عليهم بعد الإبلاء في الجهاد والتعرض للموت بالإقدام على الكفار، وتقديم حالة القاتلية على حالة المقتولية للإيذان بعدم الفرق بينهما في كونهما مصداقاً لكون القتال بذلاً للنفس. وفي قراءة بتقديم المبنى للمفعول رعاية لكون الشهادة عريقة في الباب، وإيذاناً بعدم مبالاتهم بالموت في سبيل الله بل بكونه أحب إليهم من السلامة أي فيقتل بعضهم، ويقاتل الباقي يعني لا يشترط اجتماع الأمرين في الشخص الواحد بل يتحقق الفضل العظيم وإن لم يوجد واحد من الوصفين كما إذا وجدت المضاربة من غير قتل بل يتحقق الجهاد بمجرد العزم وتكثير السواد. (وعداً عليه حقاً) مصدران منصوبان بفعلهما المحذوف أي وعدهم وعداً وحق ذلك الوعد حقاً أي تحقق وثبت إخبار من الله سبحانه بأن فريضة الجهاد واستحقاق الجنة بها قد ثبت الوعد بها من الله. (في التوراة والإنجيل والقرآن) أي كما وقع والقرآن وفيه وجهان (أحدهما) أنه متعلق باشترى وعلى هذا ففيه دليل على أن الأمر بالجهاد موجود في جميع الشرائع ومكتوب على جميع أهل الملل وكل أمة وعدت عليه بالجنة (والثاني) أنه متعلق بمحذوف والمعنى وعداً مذكوراً كائناً في التوراة وعلى هذا فيكون الوعد بالجنة لهذه الأمة مذكوراً في كتب الله المنزلة. (ومن أوفى بعهده من الله) في هذا من تأكيد الترغيب للمجاهدين في الجهاد والتنشيط لهم على بذل الأنفس والأموال ما لا يخفى، فإنه أولاً أخبر بأنه قد اشترى منهم أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة وجاء بهذه العبارة الفخيمة وهي كون الجنة قد صارت ملكاً لهم، ثم أخبر ثانياً بأنه قد وعد بذلك في كتبه

стр. 3238

المنزلة ثم أخبر ثالثاً بانه بعد هذا الوعد الصادق لا بد من حصول الموعود به فإنه لا أحد أوفى بعهده من الله سبحانه وهو صادق الوعد لا يخلف الميعاد، فإن إخلاف الوعد مما لا يكاد يصدر عن كرام الخلق مع إمكان صدوره منهم، فكيف بجناب الخلاق الغني عن العالمين ﷻ ، فالجملة اعتراض مقرر لمضمون ما قبله من حقية الوعد على نهج المبالغة في كونه أوفى بالعهد من كل واف. ثم زادهم سروراً وحبوراً فقال: (فاستبشروا ببيعكم) البشارة هي إظهار السرور وظهوره يكون في بشرة الوجه، ولذا يقال أسارير الوجه أي التي يظهر فيها السرور، والسين ليست للطلب كاستوقد وأوقد بل للمطاوعة وقد تقدم إيضاح هذا والفاء لترتيب الاستبشار أو الأمر به على ما قبله، والمعنى أظهروا السرور وافرحوا غاية الفرح بهذا البيع. (الذي بايعتم به) الله فقد ربحتم فيه ربحاً لم يربحه أحد من الناس إلا من فعل مثل فعلكم، وفيه التفات عن الغيبة تشريفاً لهم على تشريف وزيادة لسرورهم على سرور، وفيه زيادة تقرير بيعهم وإشعار بكونه مغايراً لسائر البياعات، فإنه بيع للفاني بالباقي وكلا البدلين له . والإشارة بقوله: (وذلك) إلى الجنة أو إلى نفمس المبيع الذي ربحوا فيه الجنة (هو الفوز العظيم) وصف الفوز وهو الظفر بالمطلوب بالعظيم يدل على أنه فوز لا فوز مثله، قال عمر بن الخطاب: إن الله بايعك وجعل الصفقتين لك، وقال الحسن: اسمعوا إلى بيعة ربيحة بايع الله بها كل مؤمن، وعنه أن الله أعطاك الدنيا فاشتر الجنة ببعضها، وقال قتادة: ثامنهم فأغلى لهم، وقال الصادق: ليس لأبدانكم ثمن إلا الجنة فلا تبيعوها إلا بها.

стр. 3239

التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ

стр. 3240

(التائبون) رفع على المدح أي هم التائبون يعني المؤمنين والتائب الراجع أي هم الراجعون إلى طاعة الله عن الحالة المخالفة للطاعة، وقال الزجاج: عندي أن قوله التائبون رفع بالابتداء وخبره مضمر، أي التائبون ومن بعدهم إلى آخر الآية لهم الجنة أيضاً وإن لم يجاهدوا. قال: وهذا أحسن إذ لو كانت هذه أوصافاً للمؤمنين المذكورين لكان الوعد خاصاً بالمجاهدين. وقد ذهب إلى هذا طائفة من المفسرين، وقيل إن الخبر قوله: (الآمرون) وقيل إن التائبون بدل من الضمير المستتر في يقاتلون، وذهب آخرون إلى أن هذه الأوصاف راجعة إلى المؤمنين في الآية الأولى وإنها على جهة الشرط، أي لا يستحق الجنة بتلك المبايعة إلا من كان من المؤمنين على هذه الأوصاف، وقال ابن عطية وقيل غير ذلك. وجوز صاحب الكشاف أن يكون التائبون مبتدأ وخبره العابدون وما بعده إخبار كذلك أي التائبون عن الكفر على الحقيقة الجامعون لهذه الخصال، وفيه من البعد ما لا يخفى. ثم قيل المراد به التوبة عن الشرك والبراءة من النفاق وقيل من كل معصية، وقيل من جميع المعاصي، لأن اللفظ عام يتناول الكل، وحاصل ما ذكر أوصاف تسعة، الستة الأولى تتعلق: لمعاملة الخالق، والسابع والثامن يتعلقان: لمعاملة المخلوق، والتاسع يعم القبيلين. قاله الحفناوي، وأتى بترتيب هذه الصفات في الذكر على أحسن نظم، وهو ظاهر بالتأمل فإنه قدم التوبة

стр. 3241

أولاً ثم ثنى بالعبادة إلى آخرها. (العابدون) أي القائمون بما أمروا به من عبادة الله مع الإخلاص (الحامدون) الذين يحمدون الله سبحانه على كل حال في السراء والضراء ويقومون بشكره على جميع نعمه دنيا وأخرى (السائحون) السياحة في اللغة أصلها الذهاب على وجه الأرض كما يسيح الماء وهي مما يعين العبد على الطاعة لانقطاعه عن الخلق ولا يحصل له من الاعتبار بالتفكر في مخلوقات الله سبحانه، فالسياحة لها أثر عظيم في تهذيب النفس وتحسين أخلاقها. وفي القاموس السياحة بالكسر الذهاب في الأرض للعبادة ومنه المسيح بن مريم، وذكرت في اشتقاقه خمسين قولاً في شرحي لمختصر البخاري، والسائح الصائم الملازم للسياحة، قيل هم الصائمون، وإليه ذهب جمهور المفسرين، وبه قال ابن مسعود ومنه قوله تعالى؛ (عابدات سائحات) وإنما قيل للصائم سائح لأنه يترك اللذات كلها كما يترك السائح في الأرض، قاله سفيان بن عيينة. وقال الأزهري: سمي الصائم سائحاً لأن الذي يسيح في الأرض متعبداً لا زاد معه فكان ممسكاً عن الأكل، وكذلك الصائم ممسك عنه، قال الزجاج: ومذهب الحسن أن السائحين هنا هم الذين يصومون الفرض، وقيل أنهم الذين يديمون الصيام، وقال عطاء: السائحون هم الغزاة والمجاهدون، وقال عبد الرحمن بن زيد: هم المهاجرون، وقال عكرمة: هم الذين يسافرون لطلب الحديث، وقيل هم الحائرون بأفكارهم في توحيد ربهم وملكوته وما خلق من العبر، وقيل هم طلبة العلم مطلقاً لأنهم ينتقلون من بلد إلى بلد في طلبه ويسيحون في الأرض يطلبونه من مظانه ويدخل فيه طالب الحديث دخولاً أولياً. (الراكعون الساجدون) معناه المصلون المحافظون على الصلوات، وعبر

стр. 3242

عنها بهما لأنهما معظم أركانها وبهما يمتاز المصلي من غيره بخلاف غيرهما كالقيام والقعود لأنهما حالتا المصلي وغيره (الآمرون بالمعروف) أي القائمون بأمر الناس بما هو معروف في الشريعة (والناهون عن المنكر) أي القائمون بالإنكار على من فعل منكراً أي شيئاً ينكره الشرع. قال الحسن: أما أنهم لم يأمروا الناس بالمعروف حتى كانوا من أهله، ولم ينهوا عن المنكر حتى انتهوا عنه، لم يأت بعاطف بين هذه الأوصاف لمناسبتها لبعضها إلا في هذين الوصفين للمضادة بينهما إذ الأول طلب فعل والثاني طلب ترك أو كف (والحافظون لحدود الله) أي القائمون بحفظ شرائعه التي أنزلها الله في كتبه وعلى لسان رسله، وقيل بطاعة الله. وقال الحسن: بفرائض الله وهم أهل الوفاء ببيعة الله، وقيل بأوامره ونواهيه أو بمعالم الشرع، وقيل إن العطف في الصفات يجيء بالواو وبغيرها، كقوله: (غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب) وقيل إن الواو زائدة، وقيل هى واو الثمانية المعروفة عند النحاة كما في قوله تعالى: (ثيبات وأبكاراً) وقوله: (وفتحت أبوابها) وقوله: (سبعة وثامنهم كلبهم). وقد أنكر واو الثمانية أبو علي الفارسي وناظره في ذلك ابن خالويه، قال الخفاجي: وقائل هذا القول يعني كون السبع عدداً تاماً هو أبو البقاء تبعاً لغيره ممن أثبت واو الثمانية، وهو قول ضعيف لم يرضه النحاة كما فصله صاحب المغنى اهـ والحافظ ابن القيم في البدائع. (وبشر المؤمنين) الموصوفين بالصفات السابقة بالجنة، عن ابن عباس قال: من مات على هذه التسع فهو في سبيل الله، ومن مات وفيه تسع فهو شهيد، وفيه إظهار في مقام الإضمار للتنبيه على علة الحكم أي سبب استحقاقهم الجنة هو إيمانهم وحذف المبشر به لخروجه عن حد البيان.

стр. 3243

مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣) وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ

стр. 3244

(ما كان) أي لا يصح ولا ينبغي ولا يجوز (للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين) لما بين الله سبحانه في أول السورة وما بعده أن البراءة من المشركين والمنافقين واجبة، بين سبحانه هنا ما يزيد ذلك تأكيداً وصرح بأن ذلك متحتم (ولو كانوا أولي قربى) فإن القرابة في مثل هذا الحكم لا تأثير لها. وقد ذكر أهل التفسير أن (ما كان) في القرآن يأتي على وجهين (الأول) على النفي نحو ما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله، والآخر على النهي نحو ما كان لكم أن تؤذوا رسول الله. (من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم) هذه الجملة تتضمن التعليل للنهي عن الاستغفار، والمعنى أن هذا التبين موجب لقطع الموالاة لمن كان هكذا، وعدم الاعتداد بالقرابة لأنهم ماتوا على الشرك، وقد قال سبحانه (إن الله لا يغفر أن يشرك به) فطلب المغفرة لهم في حكم المخالفة لوعد الله ووعيده. عن عليّ قال: أخبرت النبي ﷺ بموت أبي طالب فبكى فقال: اذهب فغسله وكفنه وواره غفر الله له ورحمه، ففعلت وجعل رسول الله ﷺ يستغفر له أياماً ولا يخرج من بيته حتى نزل عليه (ما كان للنبي) الآية.

стр. 3245

وقد روى في سبب نزول الآية استغفار النبي ﷺ لأبي طالب من طرق كثيرة وأصله في الصحيحين، وما فيهما مقدم على ما لم يكن فيهما على فرض أنه صحيح فكيف وهو ضعيف غالبه، وقيل إن أريد بطلب المغفرة للكافر هدايته للإسلام قبل الموت جاز الاستغفار له، وإن أريد به أن يغفر ذنبه مع بقائه على الكفر لم يجز فمفهوم هذه الآية فيه تفصيل. وهذه الآية متضمنة لقطع الموالاة للكفار وتحريم الاستغفار لهم والدعاء بما لا يجوز لمن كان كافراً، ولا ينافي هذا ما ثبت عنه ﷺ في الصحيح أنه قال يوم أحد حين كسر المشركون ربامحيته وشجوا وجهه " اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون " لأنه يمكن أن يكون ذلك قبل أن يبلغه تحريم الاستغفار لهم. وعلى فرض أنه قد كان بلغه كما يفيده سبب النزول فإنه قبل يوم أحد بمدة طويلة فصدور هذا الاستغفار منه لقومه إنما كان على سبيل الحكاية عمن تقدمه من الأنبياء كما في صحيح مسلم عن عبد الله قال: كأني أنظر إلى النبي ﷺ يحكي نبياً من الأنبياء ضربه قومه ويمسح الدم عن وجهه ويقول: " رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون " (١).

стр. 3246

(وما كان استغفار إبراهيم لأبيه) بقوله واغفر لأبي أي بأن توفقه للإيمان وتهديه إليه، وجه تعلق هذه الآية بما قبلها أنه تعالى لما بالغ في وجوب الانقطاع عن المشركين الأحياء منهم والأموات بين أن هذا الحكم غير مختص بدين محمد ﷺ بل هو مشروع أيضاً في دين إبراهيم فتكون المبالغة في وجوب الانقطاع أكمل وأقوى.

стр. 3247

(إلا عن موعدة وعدها إياه) ذكر سبحانه السبب في استغفار إبراهيم لأبيه أنه كان لأجل وعد تقدم من إبراهيم لأبيه بالاستغفار له، والاستثناء مفرغ من أعم العلل أي لم يكن استغفاره لأبيه ناشئاً عن شيء ولأجل شيء إلا عن موعدة مبنية على عدم تبين أمره وعدها إياه أي لأجلها. (فلما تبين له أنه عدو لله) مصر على العداوة والكفر ومستمر عليه، وأنه غير مستحق للاستغفار بموته على الكفر (تبرأ منه) وترك الاستغفار له، وهذا يدل على أنه إنما وعده قبل أن يتبين له أنه من أهل النار ومن أعداء الله، فلا حاجة إلى السؤال الذي يورده كثير من المفسرين أنه كيف خفي ذلك على إبراهيم فإنه لم يخف عليه تحريم الاستغفار لمن أصر على الكفر ومات عليه وهو لم يعلم ذلك إلا بإخبار الله سبحانه له بأنه عدو لله، فإن ثبوت هذه العداوة يدل على الموت على الكفر، وكذلك لم يعلم نبينا ﵌ بتحريم ذلك إلا بعد أن أخبره الله بهذه الآية، وهذا حكم إنما يثبت بالسمع لا بالعقل. وقيل المراد من استغفار إبراهيم لأبيه دعاؤه إلى الإسلام وهو ضعيف جداً وقيل المراد به هنا النهي عن الصلاة على جنائز الكفار فهو كقوله تعالى: (ولا تصل على أحد منهم مات أبداً) ولا حاجة إلى تفسير الاستغفار بالصلاة ولا ملجئ إلى ذلك. ثم ختم الله سبحانه هذه الآية بالثناء العظيم على إبراهيم فقال: (إن إبراهيم) استئناف مسوق لبيان الحامل له علي الاستغفار قبل التبين فليس لغيره أن يقتدي به فيه إذ ليس لغيره ما له من الرأفة والرقة، فلا بد من أن يكون غيره أكثر اجتناباً وتبرياً (لأوّاه) هو كثير التأوه كما تدل على ذلك صيغة المبالغة، وبه قال كعب الأحبار، وهو كناية عن فرط ترحمه ورقة قلبه، والتأوّه أن يقول الرجل عند الشكاية والتوجع آه، وقد أوَّه الرجل تأويها، وتأوه تأوها

стр. 3248

إذا قال: أوَّه أي أتوجع. وحكى قطرب: يقال آه يؤه كقام يقوم أوهاً، وأنكر النحويون هذا القول عليه، وقالوا: لا يقال من أوه فعل ثلاثي. وقد اختلف أهل العلم في معنى الأواه، فقال ابن مسعود وعبيد بن عمير أنه الذي يكثر الدعاء وقال الحسن وقتادة: أنه الرحيم بعباد الله. وروي عن ابن عباس: أنه المؤمن التواب بلغة الحبش، وقال الكلبى: أنه الذي يذكر الله في الأرض القفر، وروي مثله عن ابن المسيب، وقيل الذي يكثر الذكر من غير تقييد، روي ذلك عن عقبة بن عامر. وقيل هو الذي يكثر التلاوة؛ وقيل أنه الفقيه، قاله مجاهد والنخعي، وقيل المتضرع الخاضع روي ذلك عن عبد الله بن شداد، وقيل الموقن قاله مجاهد، وقيل هو الذي إذا ذكر خطاياه استغفر لها روي ذلك عن أبي أيوب، وقيل هو الشفيق قاله عبد العزيز بن يحيى، وقيل هو المسيح قاله سعيد بن جبير، وقال أبو عبيدة هو المتأوه شفقاً وفرقاً المتضرع إيقاناً ولزوماً للطاعة. قال الزجاج: انتظم في قول أبي عبيدة جميع ما قيل في الأواه، وقيل أنه المعلم للخير؛ وقيل أنه الراجع عن كل ما يكرهه الله الخائف من النار، قاله عطاء، والمطابق لمعنى الأواه لغة أن يقال إنه الذي يكثر التأوه من ذنوبه فيقول مثلا آه من ذنوبي، آه مما أعاقب به بسببها ونحو ذلك، وبه قال الفراء: وهو مروى عن أبي ذر. وكان إبراهيم ﵇ يكثر أن يقول أوّه من النار قبل أن لا ينفع أوه، وأصله من التأوه وهو أن يسمع للصدر صوت من تنفس الصعداء والفعل منه أوه قال في الصحاح وقد أوه الرجل تأويهاً وتأوه تأوها والاسم منه الآهة

стр. 3249

بالمد، قال المثقب العبدي: إذا ما قمت أرحلها بليل ... تأوه آهة الرجل الحزين وعن ابن شداد بن الهاد قال: قال رجل يا رسول الله ما الأواه قال: الخاشع المتضرع في الدعاء، أخرجه ابن جرير وأبو الشيخ وابن أبي حاتم، وفيه شهر بن حوشب فيه الخلاف وهذا إن ثبت وجب المصير إليه وتقديمه على ما ذكره أهل اللغة في معنى الأواه. (حليم) الكثير الحلم كما تفيده صيغة المبالغة، وهو الذي يصفح عن الذنوب ويصبر على الأذى ثم يقابله بالإحسان واللطف كما فعل إبراهيم مع أبيه حين قال له لئن لم تنته لأرجمنك فأجابه بقوله: (سلام عليك سأستغفر لك ربي) وقيل الذي لا يعاقب أحداً قط إلا لله، قال ابن عباس: كان من حلمه إذا آذاه الرجل من قومه قال له هداك الله، وقيل الحليم السيد.

стр. 3250

وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ

стр. 3251

(وما كان الله ليضل قوماً بعد إذ هداهم) لما نزلت الآية المتقدمة في النهي عن الاستغفار للمشركين خاف جماعة ممن كان يستغفر لهم العقوبة من الله بسبب ذلك الاستغفار فأنزل الله الآية أي أن الله سبحانه لا يوقع الضلال على قوم ولا يسميهم ضلالاً بعد أن هداهم إلى الإسلام والقيام بشرائعه ما لم يقدموا على شيء من المحرمات بعد أن تبين لهم أنه محرم، وأما قبل أن يتبين لهم ذلك فلا إثم عليهم ولا يؤاخذون به؛ وهذا مثل قوله في آل عمران [بعد إذ هديتنا] وفيه وجهان أي بعد أن هداهم أو بعد وقت هداهم فيه يعني إذ بمعنى أن أو أنها ظرف بمعنى وقت. (حتى يبين لهم ما يتقون) أي ما يجب عليهم اتقاؤه من محرمات الشرع وقال الضحاك: ما يأتون وما يذرون، وقال مقاتل والكلبي: هذا قي المنسوخ أي ما كان الله ليبطل عمل قوم قد عملوا بالمنسوخ حتى يبين الناسخ، قال ابن عباس: نزلت حين أخذوا الفداء من المشركين يوم الأسارى قال: لم يكن لكم أن تأخذوه حتى يؤذن لكم ولكن ما كان الله ليعذب قوماً بذنب أذنبوه حتى يبين لهم ما يتقون أي ينهاهم قبل ذلك. وقال مجاهد: بيان الله للمؤمنين في ترك الاستغفار للمشركين خاصة وبيانه لهم في طاعته ومعصيته عامة فافعلوا أو اتركوا (إن الله بكل شيء عليم) مما يحل لعباده ويحرم عليهم ومن سائر الأشياء التي خلقها ومنه مستحق الإضلال والهداية.

стр. 3252

إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١١٦) لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ثم بين لهم

стр. 3253

(إن الله) سبحانه (له ملك السموات والأرض) لا يشاركه في ذلك مشارك، ولا ينازعه منازع يتصرف في ملكه بما يشاء من التصرفات التي من جملتها أنه (يحي ويميت) ومن قضت مشيئته بإحيائه وبإماتته (وما لكم) أي لعباده (من دون الله من ولي) يواليهم (ولا نصير) ينصرهم فلا يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قرب، فإن القرابة لا تنفع شيئاً ولا تؤثر أثراً بل التصرف في جميع الأشياء لله وحده.

стр. 3254

(لقد تاب الله) أي أدام توبته (على النبي) فيما وقع منه ﷺ من الإذن في التخلف أو فيما وقع منه من الاستغفار للمشركين، وليس من لازم التوبة أن يسبق الذنب ممن وقعت منه أو له لأن كل العباد محتاج إلى التوبة والاستغفار، وقد يكون التوبة منه على النبي من باب أنه ترك ما هو الأولى والأليق كما في قوله عفا الله عنك لم أذنت لهم. ويجوز أن يكون ذكر النبي ﷺ لأجل التعريض للمذنبين بأن يتجنبوا الذنوب ويتوبوا عما قد لابسوه منها، قال أهل المعاني: هو مفتاح كلام للتبرك وفيه تشريف لهم في ضم توبتهم إلى توبة النبي ﷺ كما ضم اسم الرسول إلى اسم الله في قوله: (فإن لله خمسه وللرسول) فهو تشريف له. (و) كذلك تاب الله سبحانه على (المهاجرين والأنصار) فيما قد

стр. 3255

اقترفوه من الذنوب، ومن هذا القبيل ما صح عنه ﵌ من قوله أن الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، والإنسان لا يخلو من زلات وتبعات في مدة عمره إما من باب الصغائر وإما من باب ترك الأفضل. ثم وصف سبحانه المهاجرين والأنصار بأنهم (الذين اتبعوه) أي النبي ﷺ فلم يتخلفوا عنه (في ساعة العسرة) هي غزوة تبوك فإنهم كانوا فيها في عسرة شديدة، وقد ذكر بعض العلماء أن النبي ﷺ سار إلى تبوك في سبعين ألفاً ما بين راكب وماش من المهاجرين والأنصار وغيرهم من سائر القبائل، فالمراد بالساعة أوقات جميع تلك الغزاة ولم يرد ساعة بعينها، والعسرة صعوبة الأمر والشدة والضيق. وقد وقع الاتفاق بين الرواة أن ساعة العسرة هي غزوة تبوك وتسمى غزوة العسرة، والجيش الذي سار يسمى جيش العسرة لأنه كان عليهم عسرة في الزاد والظهر والماء. وأخرج ابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي وغيرهم عن ابن عباس أنه قال لعمر بن الخطاب: حدثنا من شأن ساعة العسرة فقال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى تبوك في قيظ شديد فنزلنا منزلاً فأصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع حتى أن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه ويجعل ما بقي على كبده، فقال أبو بكر الصديق: يا رسول الله إن الله قد عودك في الدعاء خيراً فادع لنا فرفع يديه فلم يرجعهما حتى قالت السماء؛ فأهطلت ثم سكبت فملؤوا ما معهم ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر. (من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم) في كاد ضمير الشأن بيان

стр. 3256

لتناهي الشدة وبلوغها النهاية، ومعنى يزيغ يتلف بالجهد والمشقة والشدة، وقيل معناه يميل عن الحق ويترك المناصرة والممانعة، وقيل معناه يهم بالتخلف عن الغزو لما هم فيه من الشدة العظيمة، وفي قراءة ابن مسعود من بعد ما زاغت وهم المتخلفون على هذه القراءة. وفي تكرير التوبة عليهم بقوله: (ثم تاب عليهم) تأكيد ظاهر واعتناء بشأنها، هذا إن كان الضمير راجعاً إلى من تقدم ذكر التوبة عنهم وإن كان الضمير إلى الفريق الثاني فلا تكرار، وذكر التوبة أولاً قبل ذكر الذنب تفضلاً منه وتطييباً لقلوبهم، ثم ذكر الذنب بعد ذلك وأردفه بذكر التوبة مرة أخرى تعظيماً لشأنهم، وليعلموا أنه تعالى قد قبل توبتهم وعفا عنهم. ثم أتبعه بقوله: (إنه بهم رؤوف رحيم) تأكيداً لذلك أي رفيق بعباده لأنه لم يحملهم ما لا يطيقون من العبادات، وبين الرؤوف والرحيم فرق لطيف وإن تقاربا في المعنى، قال الخطابي: قد تكون الرحمة مع الكراهة ولا تكاد الرأفة تكون معها، وقيل الرأفة عبارة عن السعي في إزالة الضرر، والرحمة عبارة عن السعي في إيصال النفع.

стр. 3257

وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١١٨) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ

стр. 3258

(و) تاب (على الثلاثة الذين خُلفوا) أي أخروا ولم تقبل توبتهم في الحال كما قبلت توبة أولئك المتخلفين المتقدم ذكرهم، قال ابن جرير معنى خلفوا تركوا يقال خلفت فلاناً فارقته، وقرئ خلفوا بالتخفيف أي أقاموا بعد نهوض رسول الله ﷺ والمؤمنين إلى الغزو، وقرئ خالفوا، وقيل معنى خلفوا فسدوا مأخوذ من خلوف الفم، وهؤلاء الثلاثة هم كعب بن مالك ومرارة بن الربيع أو ابن ربيعة العامري وهلال بن أمية الواقفي، وكلهم من الأنصار لم يقبل النبي ﵌ توبتهم حتى نزل القرآن بأن الله قد تاب عليهم. (حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت) كناية عن شدة التحير وعدم الاطمئنان، يعني أخروا عن قبول التوبة إلى هذه الغاية وهي وقت أن ضاقت عليهم الأرض برحبها لإعراض الناس عنهم وعدم مكالمتهم من كل أحد لأن النبي ﷺ نهى الناس أن يكالموهم، والرحب الواسع يقال منزل رحب ورحيب وراحب والمضموم مصدر والمفتوح مكان، وفي هذه الآية دليل على جواز هجران أهل المعاصي تأديباً لهم لينزجروا عن المعاصي. (وضاقت عليهم أنفسهم) أي أنها ضاقت صدورهم بما نالهم من الوحشة وبما حصل لهم من الجفوة وشدة الغم والحزن ومجانبة الناس إياهم وترك كلامهم فلا يسعها سرور ولا أنس، وعبر بالظن في قوله: (وظنوا) عن العلم أي علموا وأيقنوا (أن لا ملجأ) يلجؤون إليه قط (من الله) أي من عذابه أو من سخطه (إلا إليه) سبحانه بالتوبة والاستغفار.

стр. 3259

(ثم تاب) أي رجع (عليهم) بالقبول والرحمة وأنزل في القرآن التوبة عليهم ليستقيموا أو وفقهم للتوبة فيما يستقبل من الزمان إن فرطت منهم خطيئة (ليتوبوا) عنها ويرجعوا فيها إلى الله ويندموا على ما وقع منهم ويحصلوا التوبة وينشؤوها فحصل التغاير وصح التعليل (إن الله هو التواب) أي الكثير القبول لتوبة التائبين (الرحيم) أي الكثير الرحمة لمن طلبها من عباده. قال أبو بكر الوراق: التوبة النصوح أن تضيق على التائب الأرض بما رحبت وتضيق عليه نفسه كتوبة هؤلاء الثلاثة، وفيه دليل على أن قبول التوبة بمحض الرحمة والكرم والرأفة والإحسان من الله تعالى، وأنه لا يجب عليه شيء.

стр. 3260

(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله) في مخالفة أمر الرسول ﷺ (وكونوا مع الصادقين) هذا الأمر بالكون مع الصادقين بعد قصة الثلاثة يفيد الإشارة إلى أن هؤلاء الثلاثة حصل لهم بالصدق ما حصل من توبة الله، وظاهر الآية الأمر للعباد على العموم، قال نافع: قيل للثلاثة كونوا مع محمد وأصحابه. وقال سعيد بن جبير: كونوا مع أبي بكر وعمر وزاد الضحاك وأصحابهما وعن ابن عباس مع علي بن أبي طالب، وعن جعفر قال: مع الثلاثة الذين خلفوا. قال ابن جرير: مع المهاجرين وقيل مع الذين خرجوا مع رسول الله ﷺ إلى تبوك، وقيل مع الذين صدقوا في الاعتراف بالذنب ولم يعتذروا بالأعذار الباطلة، وهذه الآية تدل على فضيلة الصدق. روي أن أبا بكر احتج بهذه الآية على الأنصار في يوم السقيفة حين قال الأنصار منا أمير ومنكم أمير، فقال: إن الله يقول في كتابه (للفقراء المهاجرين) إلى قوله: (أولئك هم الصادقون) فمن هؤلاء قال الأنصار أنتم هم؛ فقال إن الله يقول: (اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) فأمركم أن تكونوا معنا ولم يأمرنا أن نكون معكم.
следующие страницы →