كانوا يعلمون أن هذا غير مراد لله بل مراده بالأمر بالسماع الأمر بالطاعة والقبول لم يقتصروا على هذه المغالطة بل ضموا إلى ذلك ما هو الجواب عندهم فقالوا وعصينا.
(وأشربوا في قلوبهم العجل) أي تداخل حبه في قلوبهم ورسخ فيها صورته لفرط شغفهم به وحرصهم على عبادته كما يتداخل الصبغ الثوب، والشراب أعماق البدن، وفيه تشبيه بليغ أي جعلت قلوبهم لتمكن حب العجل منها كأنها تشربه، وإنما عبر عن حب العجل بالشرب دون الأكل لأن شرب الماء يتغلغل في الأعضاء حتى يصل إلى باطنها، والطعام يتجاوزها ولا يتغلغل فيها، قال أبو السعود (في قلوبهم) بيان لمكان الإشراب كما في قوله تعالى (إنما يأكلون في بطونهم ناراً) والجملة حال من ضمير قالوا بتقدير " قد " انتهى.
قيل أن موسى أمر أن يبرد العجل ويذرى في النهر وأمرهم أن يشربوا منه فمن بقي في قلبه شيء من حب العجل ظهر سحالة الذهب على شاربه وما أبعده، والإشراب مخالطة المائع للجامد ثم اتسع فيه حتى قيل في الألوان نحو اشرب بياضه حمرة.
(بكفرهم) الباء للسببية أي بسبب كفرهم السابق الموجب لذلك، قيل كانوا مجسمة أو حلولية ولم يروا جسماً أعجب منه فتمكن في قلوبهم ما سول لهم السامري (قل بئسما يأمركم به إيمانكم) الذي زعمتم أنكم تؤمنون بما أنزل عليكم وتكفرون بما وراءه، فإن هذا الصنع وهو في قولكم سمعنا وعصينا في جواب ما أمرتم به في كتابكم وأخذ عليكم الميثاق به مناد عليكم بأبلغ نداء بخلاف ما زعمتم، وكذلك ما وقع منكم من عبادة العجل ونزول حبه من قلوبكم منزلة الشراب هو من أعظم ما يدل على أنكم كاذبون في قولكم نؤمن بما أنزل علينا لا صادقون، فإن زعمتم إن كتابكم الذي آمنتم به أمركم بهذا فبئس ما يأمركم به إيمانكم بكتابكم، وفي هذا من التهكم ما لا يخفى (إن كنتم مؤمنين) بزعمكم، والمعنى لستم بمؤمنين لأن الإيمان لا يأمر بعبادة العجل والمراد آباؤهم أي فكذلك لستم بمؤمنين بالتوراة وقد كذبتم محمداً والإيمان بها لا يأمر بتكذيبه.
стр. 317
قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآَخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٤)
(قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله) أي نعيمها لأن الدار الآخرة في الحقيقة هي انقضاء الدنيا وهي للفريقين، وهذا رد عليهم لما ادعوا أنهم يدخلون الجنة ولا يشاركهم في دخولها غيرهم، وإلزام لهم بما تبين به أنهم كاذبون تلك الدعوى، وأنها صادرة منهم لا عن برهان (خالصة) مصدر كالعافية والعاقبة وهو بمعنى الخلوص، والمراد أنه لا يشاركهم فيها غيرهم إذا كانت اللام في قوله (من دون الناس) للجنس أو لا يشاركهم فيها المسلمون إن كانت اللام للعهد، وهذا أرجح لقولهم في الآية الأخرى (وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى) وهو مؤكد له لأن " دون " تستعمل للاختصاص يقال هذا لي دونك أو من دونك أي لا حق لك فيه، وقد تأتي في غير هذا للانتقاص في المنزلة أو المكان أو المقدار (فتمنوا الموت) أي فاطلبوه واسألوه، وإنما أمرهم بتمني الموت لأن من اعتقد أنه من أهل الجنة كان الموت أحب إليه من الحياة إذ لا سبيل إلى دخولها إلا بعد الموت، ولما كان ذلك منهم مجرد دعوى أحجموا (إن كنتم صادقين) في قولكم ودعواكم ولهذا قال سبحانه. (١)
(ولن يتمنوه أبداً) هو ظرف زمان يصدق بالماضي والمستقبل تقول ما فعلت أبداً ذكره السمين، وقال هنا " لن " وفي الجمعة " لا " لأن لن أبلغ في النفي من لا ودعواهم هنا بالغة قاطعة فناسب ذكر لن فيها، ودعواهم في الجمعة قاصرة مردودة وهي زعمهم أنهم أولياء الله فناسب ذكر " لا " فيها (بما قدمت أيديهم) أي بما قدمته من الذنوب التي يكون فاعلها غير آمن من العذاب بل غير طامع في دخول الجنة فضلاً عن كونها خالصة له مختصة به، وإنما أضاف العمل إلى اليد لأن أكثر جنايات الإنسان تكون خالصة له مختصة به، وإنما أضاف العمل إلى اليد لأن أكثر جنايات الإنسان تكون من يده.
وقيل أن الله سبحانه صرفهم عن التمني ليجعل ذلك آية لنبيه، والمراد بالتمني هنا هو التلفظ بما يدل عليه لا مجرد خطوة بالقلب وميل النفس إليه، فإن ذلك لا يراد في مقام المحاجة ومواطن الخصومة ومواقف التحدي، وفي تركهم للتمني أو صرفهم عنه معجزة لرسول الله فإنهم قد كانوا يسلكون من التعجرف والتجري على الله وعلى أنبيائه بالدعاوى الباطلة في غير موطن ما قد حكاه عنهم التنزيل، فلم يتركوا عادتهم هنا إلا لما قد تقرر عندهم من أنهم إذا فعلوا ذلك التمني نزل بهم الموت إما لأمر قد علموه أو للصرفة من الله ، وقد يقال قد ثبت النهي عن النبي في شريعته، ويجاب بأن المراد هنا إلزامهم الحجة وإقامة البرهان على بطلان دعواهم.
عن ابن عباس قال: قال لهم رسول الله إن كنتم في مقالتكم صادقين فقولوا اللهم أمتنا، فوالذي نفسي بيده لا يقولها رجل منكم إلا غص بريقه
стр. 320
فمات مكانه، وعنه لو أن اليهود تمنوا لماتوا ولرأوا مقاعدهم من النار (والله عليم بالظالمين) فيه تخويف وتهديد لهم، وإنما خصهم بالظلم لأنه أعم من الفكر لأن كل كافر ظالم وليس كل ظالم كافراً فلهذا كان أعم وكانوا أولى به.
стр. 321
(ولتجدنهم) اللام للقسم والنون للتأكيد أي والله لتجدنهم يا محمد، وهذا أبلغ من قوله (ولن يتمنوه أبداً) (أحرص الناس على حياة) زيادة على عدم تمني الموت، والحرص أشد الطلب، وتنكير " حياة " للتحقير أي أنهم أحرص الناس على حقير حياة وأقل لبث في الدنيا فكيف بحياة كثيرة ولبث متطاول، وقال في الكشاف أنه أراد بالتنكير حياة مخصوصة وهي الحياة المتطاولة، وتبعه في ذلك الرازي والخازن في تفسيريهما (ومن الذين أشركوا)، ووجه ذكرهم بعد ذكر الناس مع كونهم داخلين فيهم للدلالة مزيد حرص المشركين من العرب ومن شابههم من غيرهم، فمن كان أحرص منهم وهم اليهود كان بالغاً في الحرص إلى غاية لا يقادر قدرها.
وإنما بلغوا في الحرص إلى هذا الحد الفاضل على حرص المشركين لأنهم يعلمون بما يحل بهم من العذاب في الآخرة بخلاف المشركين من العرب ونحوهم فإنهم لا يقرون بذلك، فكان حرصهم على الحياة دون حرص اليهود، والأول وإن كان فيه خروج من الكلام في اليهود إلى غيرهم من مشركي العرب لكنه أرجح لعدم استلزامه للتكلف ولا ضير في استطراد ذكر حرص المشركين بعد ذكر حرص اليهود، وقال الرازي إن الثاني أرجح ليكون ذلك أبلغ في إبطال دعواهم وفي إظهار كذبهم في قولهم أن الدار الآخرة لنا لا لغيرنا انتهى، ويجاب عنه بأن هذا الذي جعله مرجحاً قد أفاده قوله تعالى (ولتجدنهم أحرص الناس) ولا يستلزم استئناف الكلام في المشركين أن لا يكونوا من جملة الناس.
(يود أحدهم) بيان لزيادة حرصهم على طريقة الاستئناف وهم المجوس أي يتمنى أحدهم (لو يعمر ألف سنة) أي تعمير ألف سنة، وإنما خص الألف
стр. 322
بالذكر لأن العرب كانت تذكر ذلك عند إرادة المبالغة، ولأنها نهاية العقود ولأنها تحية المجوس فيما بينهم يقولون " زي هزارسال " أي عش ألف سنة أو ألف نيروز أو ألف مهرجان، فهذه تحيتهم، وهذا كناية عن الكثرة فليس المراد خصوص هذا العدد، والمعنى أن اليهود أحرص من المجوس الذين يقولون ذلك.
(وما هو بمزحزحه) أي بمباعده قيل هو راجع إلى أحدهم كما جرى عليه الجلال، وعلى هذا يكون قوله (أن يعمر) فاعلاً لمزحزحه وقيل هو لما دل عليه يعمر من مصدره أي وما التعمير بمزحزحه ويكون قوله (أن يعمر) بدلاً منه، وحكى الطبري عن فرقة أنها قالت هو عماد، وقيل هو ضمير الشأن وإليه نحا الفارسي تبعاً للكوفيين، وقيل " ما " تميمة وهو مبتدأ خبره بمزحزحه على زيادة الباء وقيل ما هي الحجازية والضمير اسمها وما بعده خبرها والأول أرجح، وكذلك الثاني والثالث ضعيف جداً لأن العماد لا يكون إلا بين شيئين، ولهذا يسمونه ضمير الفصل والرابع فيه أن ضمير الشأن يفسر بجملة سالمة عن حرف جر كما حكاه ابن عطية عن النحاة، والزحزحة التنحية يقال زحزحته فتزحزح أي نحيته فتنحى وتباعد (من العذاب) " من " بمعنى عن أي النار (أن يعمر) أي لو عمر طول عمره لا ينقذه من العذاب (والله بصير بما تعملون) لا يخفى عليه خافية من أحوالهم.
(قل من كان عدواً لجبريل) أي بسبب نزوله بالقرآن المشتمل على سبهم وتكذيبهم، هذه الآية قد أجمع المفسرون على أنها نزلت في اليهود، قال ابن جرير الطبري وأجمع أهل التأويل جميعاً أن هذه الآية نزلت جواباً على اليهود إذ زعموا أن جبريل عدو لهم وأن ميكائيل ولي لهم، ثم اختلفوا ما كان سبب قولهم ذلك فقال بعضهم إنما كان سبب قيلهم ذلك من أجل مناظرة جرت بينهم وبين رسول الله ﷺ من أمر نبوته، ثم ذكر روايات في ذلك، وجبريل اسم ملك وهو أعجمي فلذلك لم ينصرف والقول باشتقاقه من جبروت الله بعيد، لأن الاشتقاق لا يكون في الأسماء الأعجمية، وكذا قول من قال أنه مركب تركيب الإضافة أو تركيب مزج نحو حضر موت، وفيه ثلاث عشرة لغة أفصحها وأشهرها بزنة قنديل.
والضمير في قوله (فإنه) يحتمل وجهين الأول أن يكون لله ويكون الضمير في قوله (نَزَّلَهُ) لجبريل أي فإن الله سبحانه نزل جبريل (على قلبك) وفيه ضعف كما أي يفيده قوله (مصدقاً لما بين يديه) الثاني أنه لجبريل والضمير في قوله (نَزَّلَهُ) للقرآن فإن جبريل نزل القرآن على قلبك وخص القلب بالذكر لأنه موضع العقل والعلم وخزانة الحفظ وبيت الرب، وقد قيل أنه في الدماغ (بإذن الله) أي بعلمه وإرادته وتيسيره وتسهيله. وقال ابن الخطيب تفسير الإذن هنا بالأمر أي بأمر الله أولى من تفسيره بالعلم لأنه حقيقة في الأمر، مجاز في العلم، ويجب الحمل على الحقيقة ما أمكن وإذا كان نزوله بإذن الله فلا وجه للعداوة، وإنما يكون لها وجه لو كان النزول برأيه.
(مصدقاً لما بين يديه) هو التوراة كما سلف أو جميع الكتب المنزلة، وفي
стр. 325
هذا دليل على شرف جبريل وارتفاع منزلته وأنه لا وجه لمعاداة اليهود له حيث كان منه ما ذكر من تنزيل الكتاب على قلبك أو تنزيل الله له على قلبك، وهذا وجه الربط بين الشرط والجواب، أي من كان معادياً لجبريل منهم فلا وجه لمعاداته له فإنه لم يصدر منه إلا ما يوجب المحبة دون العداوة، أو من كان معادياً له فإن سبب معاداته أنه وقع منه ما يكرهونه من التنزيل، وليس ذلك بذنب له وإن كرهوه فإن هذه الكراهة منهم له بهذا السبب ظلم وعدوان، لأن هذا الكتاب الذي نزل به هو مصدق لكتابهم وموافق له (وهدى وبشرى للمؤمنين) أي في القرآن هداية للمؤمنين إلى الأعمال الصالحة التي يترتب عليها الثواب وبشرى لهم بثوابها إذا أتوا بها، وعذاب وشدة على الكافرين.
ثم انه اتبع سبحانه هذا الكلام بجملة مشتملة على شرط وجزاء تتضمن الذم لمن عادى جبريل بذلك السبب والوعيد الشديد له فقال
стр. 326
(من كان عدو الله وملائكته ورسله وجبريل وميكائيل) العداوة من العبد هي صدور المعاصي منه لله تعالى والبغض لأوليائه، والعداوة من الله للعبد هي تعذيبه بذنبه وعدم التجاوز عنه والمغفرة له، قال الكرماني قدم الملائكة على الرسل كما قدم الله على الجميع لأن عداوة الرسل بسبب نزول الكتب، ونزولها بتنزيل الملائكة وتنزيلهم لها بأمر الله، فذكر الله ومن بعده على هذا الترتيب، وإنما خص جبريل وميكائيل بعد ذكر الملائكة لقصد التشريف لهما والدلالة على فضلهما، وأنهما وإن كانا من الملائكة فقد صارا باعتبار ما لهما من المزية بمنزلة جنس آخر أشرف من جنس الملائكة تنزيلاً للتغاير الوصفي منزلة التغاير الذاتي كما ذكره صاحب الكشاف، وقرره علماء البيان.
وفي جبريل ثلاث عشرة لغة ذكرها ابن جرير الطبري وغيره، وفي ميكائيل ست لغات، وهما اسمان أعجميان قيل معناهما عبد الله لأن جبروميك بالسريانية هو العبد، والإيل هو الله، والعرب إذا نطقت بالعجمى تساهلت فيه، وقال ابن جني خلطت فيه، والأولى ما ذكرناه (فإن الله عدو للكافرين) فأما عداوتهم لله فإنها لا تضره ولا تؤثر، وعداوته لهم تؤديهم إلى العذاب الأليم الدائم الذي لا ضرر أعظم منه.
(ولقد أنزلنا إليك) يا محمد (آيات بينات) أي واضحات دالة على معانيها وعلى كونها من عند الله مفصلات بالحلال والحرام والحدود والأحكام، أو علامات دالة على نبوتك (وما يكفر بها) أي ما يجحد بهذه الآيات إلا الفاسقون - أي الخارجون عن طاعتنا وما أمروا به، والظاهر أن المراد جنس الفاسقين ويحتمل أن يراد اليهود لأن الكلام معهم، والأول أولى لأنهم داخلون فيه دخولاً أولوياً.
стр. 329
(أو كلما عاهدوا عهداً) استفهام إنكار (نبذه فريق) أصل النبذ الطرح والإلقاء ومنه سمي اللقيط منبوذاً، ومنه سمي النبيذ وهو التمر والزبيب إذا طرحا في الماء، وهو حقيقة في الإجرام، وإسناده إلى العهد مجاز (منهم) يعني اليهود (بل أكثرهم لا يؤمنون) يعني كفر فريق منهم بنقض العهد وفريق منهم بالجحد للحق، والمعنى على إنكار اللياقة والمناسبة أي لا ينبغي منهم نبذ العهد كلما عقدوه.
стр. 330
(ولما جاءهم رسول من عند الله) يعني محمداً ﷺ ، هذا أشنع عليهم مما قبله (مصدق لما معهم) أي بصحة التوراة وأن التوراة بشرت بنبوة محمد ﵌، فلما بعث محمد ﵌ كان مجرد مبعثه مصدقاً للتوراة فاتفقت التوراة والقرآن (نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب) أي اليهود (كتاب الله) أي التوراة قال السدي لما جاءهم صلى الله عليه وآله وسلم
стр. 331
عارضوه بالتوراة فاتفقت التوراة والفرقان فنبذوا التوراة لموافقة القرآن لها وأخذوا بكتاب آصف وسحر هاروت وماروت فلم يوافق القرآن، أو لأنهم لما كفروا بالنبي ﵌ وبما أنزل عليه بعد أن أخذ الله عليهم في التوراة الإيمان به وتصديقه واتباعه، وبين لهم صفته، كان ذلك منهم نبذاً للتوراة ونقضاً لها ورفضاً لما فيها، ويجوز أن يراد بالكتاب هنا القرآن أي لما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم من التوراة نبذوا كتاب الله الذي جاء به هذا الرسول، والأول أولى، لأن النبذ لا يكون إلا بعد التمسك والقبول، ولم يتمسكوا بالقرآن (١).
(وراء ظهورهم) هذا مثل يضرب لمن يستخف بالشيء فلا يعمل به، تقول العرب اجعل هذا خلف ظهرك ودبر أذنك وتحت قدمك أي اتركه وأعرض عنه.
(كأنهم لا يعلمون) تشبيه لهم بمن لا يعلم شيئاً مع كونهم يعلمون علماً يقيناً من التوراة بما يجب عليهم من الإيمان بهذا النبي، ولكنهم لما لم يعلموا بالعلم بل عملوا عمل من لا يعلم من نبذ كتاب الله وراء ظهورهم كانوا بمنزلة من لا يعلم، وهم علماء اليهود تجاهلوا، وحملهم على ذلك عداوة النبي ﵌ وكانوا قليلاً.
стр. 332
وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢)
(واتبعوا) عطف على نبذ (ما تتلو الشياطين على ملك سليمان) يعني اليهود والتلاوة القراءة، قال الزجاج على عهد سليمان، وقيل المعنى في زمن ملكه وقيل في قصصه وصفاته وأخباره، قال الفراء تصلح " على وفى " في هذا الموضع والأول أظهر وقيل يضمن تتلو معنى تتقول أي تتقول على ملك سليمان وهذا أولى، فإن التجوز في الأفعال أولى من التجوز في الحروف، وقد كانوا يظنون أن هذا هو علم سليمان وأنه يستجيزه ويقول به فرد الله ذلك عليهم وقال (وما كفر سليمان) يعني بالسحر ولم يعمل به، وسليمان علم أعجمي فلذلك لم ينصرف، وقال أبو البقاء فيه العجمة والتعريف والألف والنون وهذا إنما يثبت إذا دخله الاشتقاق والتصريف، وقد تقدم أنهما لا يدخلان في الأسماء الأعجمية، وفيه تنزيه سليمان عن السحر، ولم يتقدم أن أحداً نسب سليمان إلى الكفر ولكن لما نسبته اليهود إلى السحر صاروا بمنزلة من نسبه إلى الكفر، لأن السحر يوجب ذلك وقالوا إن سليمان ملك الناس بالسحر، ولهذا أثبت الله سبحانه كفر الشياطين فقال (ولكن الشياطين كفروا) أي بتعليمهم قرأ ابن عامر والكوفيون سوى عاصم ولكن بالتخفيف ورفع الشياطين والباقون بالتشديد والنصب.
عن ابن عباس قال إن الشياطين كانوا يسترقون السمع من السماء فإذا سمع أحدهم بكلمة حق كذب معها ألف كذبة فأشربتها قلوب الناس واتخذوها
стр. 333
دواوين فأطلع الله على ذلك سليمان بن داود فأخذها فدفنها تحت الكرسي، فلما مات سليمان قام شيطان بالطريق فقال ألا أدلكم على كنز سليمان الذي لا كنز لأحد مثل كنزه الممنع، قالوا نعم فأخرجوه فإذا هو سحر فتناسختها الأمم وأنزل الله عذر سليمان فيما قالوا من السحر، فقال (واتبعوا) الآية، أخرجه الحاكم وصححه.
وأخرج النسائي وابن أبي حاتم عنه قال كان آصف كاتب سليمان وكان يعلم الاسم الأعظم، وكان يكتب كل شيء بأمر سليمان ويدفنه تحت كرسيه، فلما مات سليمان أخرجته الشياطين فكتبوا بين كل سطرين سحراً وكفراً وقالوا هذا الذي كان سليمان يعمل به، فأكفره جهال الناس وسبوه، ووقف علماؤهم فلم يزل جهالهم يسبون حتى أنزل الله على محمد ﵌ (واتبعوا) الآية.
(يعلمون الناس السحر) وهو ما يفعله الساحر من الحيل والتخييلات التي يحصل بسببها للمسحور ما يحصل من الخواطر الفاسدة الشبيهة بما يقع لمن يرى السراب فيظنه ماء، وما يظنه راكب السفينة أو الدابة من أن الجبال تسير، وهو مشتق من سحرت الصبي إذا خدعته، وقيل أصعله الخفاء فإن الساحر يفعله خفية، وقيل أصله الصرف لأن السحر مصروف عن جهته، وقيل أصله الاستمالة لأن من سحرك استمالك، وقال الجوهري السحر الأخذة وكل ما لطف مأخذه ودق فهو سحر، والساحر العالم.
وقال الغزالي السحر نوع يستفاد من العلم بخواص الجواهر وبأمور حسابية في مطالع النجوم، فيتخذ من تلك الخواص هيكل على صورة الشخص المسحور، ويترصد له وقت مخصوص من المطالع وتقرن به كلمات يتلفظ بها من الكفر والفحش المخالف للشرع، ويتوصل بسببها إلى الإستغاثة بالشياطين،، وتحصل من مجموع ذلك بحكم إجراء الله العادة أحوال غريبة في الشخص المسحور انتهى، وقد ذكر أبو السعود أنواعاً من السحر فليرجع إليه.
وقد اختلف هل له حقيقة أم لا فذهبت المعتزلة وأبو حنيفة إلى أنه خدع لا
стр. 334
أصل له ولا حقيقة، وذهب من عداهم إلى أن له حقيقة مؤثرة، وقد صح أن النبي ﵌ سحر، سحره لبيد بن الأعصم اليهودي حتى كان يخيل إليه أنه يأتي الشيء ولم يكن قد أتاه ثم شفاه الله سبحانه، والكلام في ذلك يطول، وعد رسول الله ﵌ السحر من الكبائر وثناه بالشرك كما في الصحيحين.
(و) أي ويعلمون الناس (ما أنزل على الملكين) فهو معطوف على السحر، والمراد بهما واحد والعطف لتغاير الاعتبار أو هو نوع أقوى منه، أو على ما تتلو وما بينهما اعتراض أي (واتبعوا ما أنزل) الخ قال السدي هذا سحر آخر خاصموه به فإن كلام الملائكة فيما بينهم إذا علمته الأنس فصنع وعمل به كان سحراً (ببابل) أي في بابل وهو اسم أرض أو بلد في سواد العراق أو أرض الكوفة، قاله ابن مسعود وقيل جبل دماويد، وقيل نهاوند، وقيل نصيبين، وقيل المغرب ومنع الصرف للعجمة والعلمية أو للتأنيث والعلمية، سميت بذلك لتبلبل ألسنة الخلائق بها، والبلبلة التفرقة، وقيل أن " ما " في قوله (وما أنزل على الملكين) نافية، والواو عاطفة على قوله (وما كفر سليمان) وفي الكلام تقديم وتأخير والتقدير: وما كفر سليمان وما أنزل على الملكين ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ببابل.
(هاروت وماروت) فهاروت وماروت بدل من الشياطين على قراءة التشديد والنصب في قوله (ولكن الشياطين كفروا) ذكر ابن جرير، وأما على قراءة التخفيف والرفع فهو منصوب على الذم وهو بدل بعض، ومن فسرهما بقبيلتين من الجن يكون عنده بدل كل.
وقال ابن جرير فإن قال لنا القائل وكيف وجه تقديم ذلك، قيل تقديمه أن يقال واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان وما أنزل الله على الملكين ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ببابل هاروت وماروت، فيكون معنياً بالملكين جبريل وميكائيل، لأن سحرة اليهود فيما ذكر كانت تزعم أن الله أنزل السحر على لسان جبريل وميكائيل إلى سليمان بن
стр. 335
داود، فأكذبهم الله بذلك وأخبر نبيه ﷺ أن جبريل وميكائيل لم ينزلا بسحر، وبرأ سليمان مما نحلوه من السحر وأخبرهم أن السحر من عمل الشياطين، وأنها تعلم الناس ذلك ببابل، وإن الذي يعلمونهم ذلك رجلان أحدهما هاروت والآخر ماروت، فيكون هاروت وماروت على هذا التأويل ترجمة عن الناس ورداً عليهم انتهى، يعني أنه بدل من الناس أي يعلمان الناس خصوصاً هاروت وماروت.
وقال القرطبي في تفسيره بعد أن حكى معنى هذا الكلام ورجح أن هاروت وماروت بدل من الشياطين ما لفظه: هذا أولى ما حملت عليه الآية وأصح ما قيل فيها، ولا يلتفت إلى سواه، فالسحر من استخراج الشياطين للطافة جوهرهم ودقة أفهامهم وأكثر ما يتعاطاه من الأنس النساء وخاصة في حال طمثهن، قال الله (ومن شر النفاثات في العقد).
ثم قال: إن قيل كيف يكون اثنان بدلاً من جمع والبدل إنما يكون على حد المبدل منه! ثم أجاب عن ذلك بأن الاثنين قد يطلق عليهما الجمع أو أنهما خصا بالذكر دون غيرهما لتمردهما، ويؤيد هذا أنه قرأ ابن عباس والضحاك والحسن " الملكين " بكسر اللام، ولعل وجه الجزم بهذا التأويل مع بعده وظهور تكلفه تنزيه الله سبحانه أن ينزل السحر إلى أرضه فتنة لعباده على ألسن ملائكته، وعندي أنه لا موجب لهذا التعسف المخالف لما هو الظاهر، فإن لله سبحانه أن يمتحن عباده بما شاء كما امتحن بنهر طالوت، ولهذا يقول الملكان (إنما نحن فتنة) ويؤيده ما قال أبو السعود أن مقام وصف الشياطين بالكفر وإضلال الناس مما لا يلائمه وصف رؤسائهم بما ذكر من النهي عن الكفر مع ما فيه من الإخلال بنظام الكلام، فإن الابدال في حكم تنحية المبدل منه. وقال هاروت وماروت عطف بيان للملكين علمان لهما، وقرىء بالرفع على هما هاروت وماروت انتهى المراد منه.
قال ابن جرير: وذهب كثير من السلف إلى أنهما كانا ملكين من السماء وأنهما أنزلا إلى الأرض فكان من أمرهما ما كان، وكان عبد الرحمن بن أبزي
стр. 336
يقرؤها (وما أنزل على الملكين داود وسليمان) وقال الضحاك هما علجان من أهل بابل، وهاروت وماروت اسمان أعجميان لا ينصرفان وهما سريانيان، ويجمعان على هواريت ومواريت وهوارية وموارية، وليس من زعم اشتقاقهما من الهرت والمرت وهو الكسر بمصيب لعدم انصرافهما، ولو كانا مشتقين كما ذكر لانصرفا.
أخرج البيهقي في شعب الإيمان من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله ﵌ أشرفت الملائكة على الدنيا فرأت بني آدام يعصون فقالت يارب ما أجهل هؤلاء وما أقل معرفة هؤلاء بعظمتك فقال الله لو كنتم في مسلاخهم لعصيتموني، قالوا كيف يكون هذا ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك، قال اختاروا منكم ملكين فاختاروا هاروت وماروت، ثم أهبطا إلى الأرض وركبت فيهما شهوات بني آدم، ومثلت لهما امرأة فما عصما حتى واقعها المعصية، فقال الله اختارا عذاب الدنيا أو عذاب الآخرة فنظر أحدهما لصاحبه قال ما تقول، قال أقول إن عذاب الدنيا منقطع، وإن عذاب الآخرة لا ينقطع، فاختار عذاب الدنيا فهما اللذان ذكر الله في كتابه (وما أنزل على الملكين) الآية، وقد رويت هذه القصة عن ابن عمر بألفاظ وفي بعضها أنه يروي ذلك ابن عمر عن كعب الأحبار كما أخرجه جماعة من أهل الأثر.
وأخرج الحاكم (١) وصححه عن علي بن أبي طالب أن هذه الزهرة تسميها العرب الزهرة والعجم " أناهيد " قال ابن كثير وهذا الإسناد رجاله ثقات وهو غريب جداً. وعن ابن عباس الزهرة امرأة وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عنه أن المرأة التي فتن بها الملكان مسخت فهذه هي الكوكبة الحمراء يعني الزهرة، وقيل وكانت من لخم أو من أهل فارس ملكة في بلدها، وكانت من أجمل النساء فمسخها الله كوكبا، وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عنه، فذكر قصة طويلة وفيها التصريح بأن الملكين شربا الخمر وزنيا
стр. 337
بالمرأة وقتلاها، وعن ابن مسعود قال أنها أنزلت إليهما الزهرة في صورة امرأة وأنهما وقعا في الخطيئة.
وقد روي في هذا الباب قصص طويلة، وروايات مختلفة استوفاها السيوطي في الدر المنثور، وذكر ابن كثير في تفسيره بعضها ثم قال وقد روي في قصة هاروت وماروت عن جماعة من التابعين كمجاهد والسدي والحسن البصري وقتادة وأبي العالية وغيرهم، وقصها خلق من المفسرين من المتقدمين والمتأخرين وحاصلها راجع في تفصيلها إلى أخبار بني اسرائيل إذ ليس فيها حديث مرفوع متصل الإسناد إلى الصادق المصدوق المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى، وظاهر سياق القرآن على ما أراده الله تعالى، والله تعالى أعلم انتهى.
وقال أبو السعود هما معذبان ببابل قيل معلقان بشعورهما، وقيل منكوسان يضربان بسياط الحديد إلى قيام الساعة، وهذا مما لا تعويل عليه، لما أن مداره رواية اليهود مع ما فيه من المخالفة لأدلة العقل والنقل انتهى، ومثله في الخازن ونحوه في المظهري.
وهذا القول يقتضي أن هذه القصة غير صحيحة وأنها لم تثبت بنقل معتبر، وتبع أبو السعود في ذلك البيضاوي التابع في ذلك للفخر الرازي والسعد التفتازاني وغيرهما ممن أطال في ردها. لكن قال الشيخ زكريا الأنصاري: الحق ما أفاده شيخنا حافظ عصره الشهاب ابن حجر أن لها طرقاً تفيد العلم بصحتها فقد رواها مرفوعة الإمام أحمد وابن حبان والبيهقي وغيرهم، وموقوفة على علي وابن مسعود وابن عباس، وغيرهم بأسانيد صحيحة، قال الخفاجي قال المحدثون وجميع رجاله غير موثوق بهم، لكن قال خاتمة الحفاظ الشهاب ابن حجر أن له طرقاً كثيرة جمعتها في جزء مفرد يكاد الواقف عليها يقطع بصحتها لكثرتها وقوة مخارجها. وقال بعضهم بلغت طرقه نيفاً وعشرين انتهى.
(قلت والبيضاوي لما استبعد هذا المنقول ولم يطلع عليه قال إنه محكي عن اليهود، ولعله من رموز الأولين، ذكره الخطيب.)
стр. 338
وكذا أهل الكلام طعنوا في هذه القصة وعدوها من المحالات لمسخ الإنسان كوكباً كما بينوه في كتبهم. وحاول البيضاوي التوفيق بأنها تمثيلات كقصة ابسال وسلامان وحرير مقطان وغير ذلك مما وضعه المتقدمون والمتأخرون إشارة إلى أن القوى لو ركبت في تلك لعصت. وأسماء الله ومناجاته تلحق السفلى بالعلوى ونحوه.
هذا؛ وقد أطنب الشيخ ابن حجر المكي في جواب الرازي واستبعاده لهذه القصة في كتابه الزواجر بما لا مزيد عليه.
وقال القرطبي بعد سياق بعض تلك، قلنا هذا كله ضعيف وبعيد عن ابن عمر وغيره لا يصح منه شيء؛ فإنه قول تدفعه الأصول في الملائكة الذين هم أمناء الله على وحيه؛ وسفراؤه إلى رسله (ولا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون) ثم ذكر ما معناه أن العقل يجوز وقوع ذلك منهم لكن وقوع هذا الجائز لا يدرك إلا بالسمع ولم يصح انتهى.
وأقول هذا مجرد استبعاد وقد ورد الكتاب العزيز في هذا الموضع تراه ولا وجه لإخراجه عن ظاهره بهذه التكلفات؛ وما ذكره من أن الأصول تدفع ذلك؛ فعلى فرض وجود هذه الأصول فهي مخصصة بما وقع في هذه القصة، ولا وجه لمنع التخصيص، وقد كان إبليس بتلك المنزلة العظيمة وصار أشر البرية وأكفر العالمين (١)
(وما يعلمان من أحد) أي هاروت وماروت أو الرجلان والأول أولى؛ قال الزجاج تعليم إنذار من السحر لا تعليم دعاء إليه؛ قال وهو الذي عليه أكثر أهل اللغة والنظر؛ ومعناه أنهما يعلمان على النهي فيقولان لهم لا تفعلوا كذا، وقد قيل أن قوله (ويعلمان) من الإعلام لا من التعليم وقد جاء في كلام العرب تعلم بمعنى أعلم كما حكاه ابن الأنباري وابن الأعرابي وهو كثير في أشعارهم (حتى يقولا) أي إلا أن ينصحاه أولا أو أن يقولا.
стр. 339
(إنما نحن فتنة) هو على ظاهره أي ابتلاء واختبار من الله لعباده ومحنة، وقيل إنه استهزاء منهما لأنهما إنما يقولانه لمن قد تحقق ضلاله والأول أولى، والمعنى إنما نحن ابتلاء فمن عمل بما تعلم منا واعتقد حقيته كفر، ومن توقى عن العمل به واتخذه ذريعة للاتقاء عن الاغترار بمثله بقي على الإيمان، فلا تكفر باعتقاد حقيته وجواز العمل به قاله أبو السعود.
قال الخفاجي وفيه إشارة إلى أن الاجتناب واجب احتياطاً وكما لا يحرم الفلسفة للمنصوب للذب عن الدين برد الشبهة وإن كان أغلب أحواله التحريم، كذلك تعلم السحر إن فرض فشوه في صقع وأريد تبيين فساده لهم ليرجعوا إلى الحق، وهو لا ينافي إطلاق القول بالتحريم فاعرفه، انتهى.
قلت أخرج البزار (بإسناد صحيح والحاكم وصححه عن ابن مسعود " من أتى كاهناً أو ساحراً وصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد " وأخرج البزار عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله ﵌ " من تطير أو تطير له أو تكهن أو تكهن له أو سحر أو سحر له، ومن عقد عقدة ومن أتى كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد " وأخرج عبد الرزاق عن صفوان بن سليم قال: قال رسول الله ﵌ " من تعلم شيئاً من السحر قليلاً أو كثيراً كان آخر عهده من الله ".
وفي قولهما (فلا تكفر) أبلغ إنذار وأعظم تحذير أي أن هذا ذنب يكون من فعله كافراً فلا تكفر، وفيه دليل على أن تعلم السحر كفر، وظاهره عدم الفرق بين المعتقد وغير المعتقد، وبين من تعلمه ليكون ساحراً، ومن تعلمه ليقدر على دفعه، وبه قال أحمد.
(فيتعلمون منهما) يعني من الملكين (ما يفرقون به بين المرء وزوجه) أي سحراً سبباً في التفريق بينهما كالتمويه والتخييل والنفث في العقد ونحو ذلك مما يحدث الله عنده البغضاء والنشوز والخلاف بين الزوجين ابتلاء من الله تعالى، وفي إسناد التفريق إلى السحرة وجعل السحر سبباً لذلك دليل على أن للسحر تأثيراً في القلوب بالحب والبغض والجمع والفرقة والقرب والبعد، وقد ذهب
стр. 340
طائفة من العلماء إلى أن الساحر لا يقدر على أكثر مما أخبر الله به من التفرقة، لأن الله ذكر ذلك في معرض الذم للسحر وبين ما هو الغاية في تعليمه، فلو كان يقدر على أكثر من ذلك لذكره، وقالت طائفة أخرى أن ذلك خرج مخرج الأغلب وأن الساحر يقدر على غير ذلك المنصوص عليه، وقيل ليس للسحر تأثيراً في نفسه أصلاً لقوله تعالى.
(وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله) والحق أنه لا تنافي بين القولين المذكورين، فإن المستفاد من جميع ذلك أن للسحر تأثير في نفسه وحقيقة ثابتة، ولم يخالف في ذلك إلا المعتزلة وأبو حنيفة كما تقدم وهذا استثناء مفرغ من أعم الأحوال.
(ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم) يعني السحر لأنهم يقصدون به العمل أو لأن العلم يجر إلى العمل غالباً، وفيه تصريح بأن السحر لا يعود على صاحبه بفائدة ولا يجلب إليه منفعة بل هو ضرر محض، وخسران صرف، وشر بحت، قال أبو السعود فيه أن الاجتناب عما لا تؤمن غوائله خير كتعلم الفلسفة التي لا يؤمن أن تجر إلى الغواية، وإن قال من قال:
عرفت الشر لا للشر ... ولكن لتوقيه
ومن لا يعرف الشر ... من الناس يقع فيه
(ولقد علموا) يعني اليهود (لمن اشتراه) أي اختار السحر، والمراد بالشراء هنا الاستبدال أي من استبدل ما يتلو الشياطين (ما له في الآخرة من خلاق) أي من نصيب كما عند أهل اللغة، كذا قال الزجاج (ولبئس ما شروا به أنفسهم) أي باعوها وقد أثبت لهم العلم في قوله ولقد علموا، ونفاه عنهم في قوله (لو كانوا يعلمون) واختلفوا في توجيه ذلك فقال قطرب والأخفش أن المراد بقوله (ولقد علموا) الشياطين والمراد بقوله (لو كانوا يعلمون) الأنس وقال الزجاج أن الأول للملكين وإن كان بصيغة الجمع فهو مثل قولهم الزيدان قاموا، والثاني المراد به علماء اليهود، وإنما قال لو كانوا يعلمون لأنهم تركوا العمل بعلمهم.
(ولو أنهم آمنوا) أي اليهود بالنبي ﵌ وما جاء به من القرآن (واتقوا) ما وقعوا فيه من السحر والكفر (لمثوبة من عند الله) أي لكان ثواب الله إياهم (خير) لهم يعني هذا الثواب، والمثوبة وزنها مفعولة قاله الواحدي أو مفعلة كمشورة ومتربة وكان من حقها الإعلال فيقال مثابة كمقالة إلا أنهم صححوها، قاله السمين (لو كانوا يعلمون) ذلك هو إما للدلالة على أنه لا علم لهم أو لتنزيل علمهم مع عدم العمل منزلة العدم.
стр. 343
(يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا) أي راقبنا واحفظنا ويجوز أن يكون من أعرنا سمعك أي فرغه لكلامنا، ووجه النهي عن ذلك أن هذا اللفظ كان بلسان اليهود سبا قيل إنه في لغتهم بمعنى اسمع لا سمعت، وقيل غير ذلك فلما سمعوا المسلمين يقولون للنبي ﵌ راعنا طلبا منه أن يراعيهم من المراعاة اغتنموا الفرصة وكانوا يقولون للنبي ﵌ كذلك مظهرين أنهم يريدون المعنى العربي، مبطنين أنهم يقصدون السب الذي هو معنى هذا اللفظ في لغتهم، وفي ذلك دليل على أنه ينبغي تجنب الألفاظ المحتملة للسب والنقص وإن لم يقصد المتكلم بها هذا المعنى المفيد للشتم سداً للذريعة ودفعاً للوسيلة، وقطعاً لمادة المفسدة والتطرق إليه.
ثم أمرهم الله بأن يخاطبوا النبي ﷺ بما لا يحتمل النقص ولا يصلح للتعريض فقال (وقولوا انظرنا) أي أقبل علينا وانظر إلينا وهو من
стр. 344
باب الحذف والإيصال، وقيل معناه انتظرنا وتأن بنا، وقرأ الأعمش أنظرنا بمعنى أخرنا وأمهلنا حتى نفهم عنك، وأمرهم بعد هذا النهي والأمر بأمر آخر وهو قوله.
(واسمعوا) أي اسمعوا ما أمرتم به ونهيتم عنه، معناه أطيعوا الله في ترك خطاب النبي ﵌ بذلك اللفظ وخاطبوه بما أمرتم به، ولا تخاطبوه بما يسر اليهود، بل تخيروا لخطابه ﵌ من الألفاظ أحسنها ومن المعاني أدقها، ويحتمل أن يكون معناه اسمعوا ما يخاطبكم به الرسول من الشرع حتى يحصل لكم المطلوب بدون طلب للمراعاة.
قال ابن جرير والصواب من القول عندنا في ذلك أن الله نهى المؤمنين أن يقولوا لنبيه ﷺ راعنا لأنها كلمة كرهها الله أن يقولوها لنبيه ﷺ نظير الذي ذكر عن النبي ﷺ أنه قال " لا تقولوا للعنب الكرم ولكن قولوا الحبلة ولا تقولوا عبدي ولكن قولوا فتاي " وما أشبه ذلك، ثم توعد اليهود بقوله (وللكافرين عذاب أليم) ويحتمل أن يكون وعيداً شاملاً لجنس الكفرة.
стр. 345
(ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم) فيه بيان شدة عداوة الكفار للمسلمين حيث لا يودون إنزال الخير عليهم من الله سبحانه، وقد قيل بأن الخير الوحي وقيل غير ذلك والظاهر أنهم لا يودون أن ينزل على المسلمين أي خير كان فهو لا يختص بنوع معين كما يفيده وقوع هذه النكرة في سياق النفي، وتأكيد العموم بدخول " من " المزيدة عليها وإن كان بعض أنواع الخير أعظم من بعض فذلك لا يوجب التخصيص.
(والله يختص برحمته) أي يميز (من يشاء) تمييزه والرحمة قيل هي القرآن والإسلام، وقيل النبوة وقيل جنس الرحمة من غير تعيين كما يفيد ذلك الإضافة إلى ضميره تعالى (والله ذو الفضل العظيم) فكيف لا يودون أن يختص برحمته من يشاء من عباده وكل خير ناله عباده في دينهم ودنياهم فإنه منه ابتداء وتفضلاً عليهم من غير استحقاق أحد منهم لذلك، بل له الفضل والمنة على خلقه.
стр. 346
مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦)
(ما ننسخ من آية) كلام مستأنف قاله أبو السعود، وقال البهنسي لم يعطف لشدة ارتباطه بما قبله، والنسخ في كلام العرب على وجهين.
أحدهما النقل كنقل كتاب من آخر، وعلى هذا يكون القرآن كله منسوخاً أعني من اللوح المحفوظ، ولا مدخل لهذا المعنى في هذه الآية ومنه إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون أي نأمر بنسخه.
الثاني الإبطال والإزالة وهو المقصود هنا، وهذا القسم الثاني ينقسم إلى قسمين عند أهل اللغة أحدهما إبطال الشيء وزواله وإقامة آخر مقامه ومنه نسخت الشمس الظل إذا أذهبته وحلت محله، وهو معنى قوله (ما ننسخ من آية) وفي صحيح مسلم " لم تكن نبوة قط إلا تناسخت " أي تحولت من حال إلى حال (والثاني) إزالة الشيء دون أن يقوم مقامه آخر كقولهم نسخت الريح الأثر، ومن هذا المعنى فينسخ الله ما يلقي الشيطان أي يزيله، وروي عن أبي عبيد أن هذا قد كان يقع في زمن رسول الله ﷺ فكانت تنزل عليه السورة فترفع فلا تتلى ولا تكتب ومنه ما روي عن أبي وعائشة أن سورة الأحزاب كانت تعدل سورة البقرة في الطول.
قال ابن فارس النسخ الكتاب والنسخ أن يزيل أمراً أكان من قبل يعمل به ثم ينسخه بحادث غيره كالآية تنزل بأمر ثم تنسخ بأخرى وكل شيء خلف شيئاً فقد انتسخه، يقال نسخ الشيب الشباب، وتناسخ الورثة أن تموت ورثة بعد ورثة، وأصل الميراث قائم وكذا تناسخ الأزمنة والقرون.
وقال ابن جرير معنى ما ننسخ ما ننقل من حكم آية إلى غيره فنبدله ونغيره، وذلك أن يحول الحلال حراماً والحرام حلالاً والمباح محظوراً والمحظور مباحاً، ولا يكون ذلك إلا في الأمر والنهي والحظر والإطلاق والمنع والإباحة، فأما الإخبار فلا يكون فيها ناسخ ولا منسوخ، وأصل النسخ من نسخ الكتاب
стр. 347
وهو نقله من نسخة إلى أخرى فكذلك معنى نسخ الحكم إلى غيره إنما هو تحويله إلى غيره، وسواء نسخ حكمها أو خطها إذ هي في كلتي حالتيها منسوخة انتهى.
وقد جعل علماء الأصول مباحث النسخ من جملة مقاصد ذلك الفن فلا نطول بذكره بل نحيل من أراد الاستيفاء عليه على كتابنا [حصول المأمول من علم الأصول] فليرجع إليه، وقد اتفق أهل الإسلام على ثبوته سلفاً وخلفاً (١) وهو جائز عقلاً وواقع سمعاً، ولم يخالف في ذلك أحد إلا من لا يعتد بخلافه ولا بؤبه بقوله، وقد اشتهر عن اليهود أقمأهم الله إنكاره وهم محجوجون بما في التوراة فإن الله قال لنوح ﵇ عند خروجه من السفينة إني قد جعلت كل دابة مأكلاً لك ولذريتك وأطلعت ذلك لكم كنبات العشب ما خلا الدم فلا تأكلوه، ثم قد حرم على موسى وعلى بني اسرائيل كثيراً من الحيوان.
وثبت في التوراة أن آدم كان يزوج الأخ من الأخت وقد حرم الله ذلك على موسى ﵇ وعلى غيره، وثبت فيها أن إبراهيم ﵇ أمر بذبح ابنه ثم قال الله له لا تذبحه وأن موسى ﵇ أمر بني إسرائيل أن يقتلوا من عبد منهم العجل ثم أمرهم برفع السيف عنهم، وحرم عليهم العمل يوم السبت ولم يحرمه على من كان قبلهم ونحو هذا كثير في التوراة الموجودة بأيديهم، والقرآن الكريم نسخ جميع الشرائع والكتب القديمة كالتوراة والإنجيل وغيرهما، ونسخ الآية بيان انتهاء التعبد بقراءتها أو بالحكم المستفاد منها أو بهما جميعاً، وإنساؤها إذهابها من القلوب.
(أو ننسأها) بفتح النون والسين والهمز ومعنى هذه القراءة نؤخرها عن النسخ من قولهم نسأت هذا الأمر إذا أخرته، قال ابن فارس ويقولون نسأ الله في أجلك وأنسأ الله أجلك، وقد انتسأ القوم إذا تأخروا وتباعدوا ونسأتهم أنا أي أخرتهم، وقيل معناه نؤخر نسخ لفظها أي نتركه في أم الكتاب فلا يكون، وقيل
стр. 348
نذهبها عنكم لا تقرأ ولا تذكر، وقرىء ننسها بضم النون من النسيان الذي بمعنى الترك أي نتركها فلا نبدلها ولا ننسخها.
ومنه قوله تعالى (نسوا الله فنسيهم) أي تركوا عبادته فتركهم في العذاب، وحكى الأزهري أن معناه نأمر بتركها يقال أنسيته الشيء أي أمرته بتركه ونسيته تركته، وقال الزجاج أن القراءة بضم النون لا يتوجه فيها معنى الترك لا يقال أنسى بمعنى ترك، قال وما روي عن ابن عباس أو ننسها أي نتركها لا نبدلها فلا يصح.
والذي عليه أكثر أهل اللغة والنظر أن معنى أو ننسها نبح لكم تركها من نسى إذا ترك ثم تعديه، وقد ثبت في البخاري وغيره عن أنس " أن الله أنزل في الذين قتلوا في بئر معونة أن بلغوا قومنا أن قد لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا " ثم نسخ، وهكذا ثبت في مسلم وغيره عن أبي موسى قال " كنا نقرأ سورة نشبهها في الطول والشدة براءة فانسيتها غير أني حفظت منها لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى وادياً ثالثاً، ولا يملأ جوفه إلا التراب " وكنا نقرأ سورة نشبهها بإحدى المسبحات أولها سبح لله ما في السموات فأنسيناها غير أني حفظت منها (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون) فتكتب شهادة في أعناقكم فتسئلوا عنها يوم القيامة، وقد روي مثل هذا من طريق جماعة من الصحابة ومنه آية الرجم كما رواه عبد الرزاق وأحمد وابن حبان عن عمر.
(نأت بخير منها أو مثلها) أي نأت بما هو أنفع للناس منها في العاجل والآجل أو في أحدهما أو بما هو مماثل لها من غير زيادة، ومرجع ذلك إلى إعمال النظر في المنسوخ والناسخ فقد يكون الناسخ أخف فيكون أنفع لهم في العاجل، وقد يكون أثقل وثوابه أكثر فيكون أنفع في الآجل، وقد يستويان فتحصل المماثلة، وقال الشافعي الكتاب لا ينسخ بالسنة المتواترة وتابعه على ذلك طائفة، واستدل بهذه الآية وليس بصحيح، والحق جواز نسخ الكتاب بالسنة، والكلام في هذا معروف في أصول الفقه.
стр. 349
أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٠٧)
(ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير) هذه الآية تفيد أن النسخ من مقدوراته وأن إنكاره إنكار للقدرة الإلهية والخطاب للنبي ﵌ والمراد هو وأمته وفيه دليل على جواز النسخ والاستفهام للتقرير وهكذا قوله (ألم تعلم أن الله له ملك السموات والأرض) أي له التصرف فيهما بالإيجاد والاختراع ونفوذ الأمر في جميع مخلوقاته، فهو أعلم بمصالح عباده وما فيه النفع لهم من أحكامه التي تعبدهم بها، وشرعها لهم، وقد يختلف ذلك باختلاف الأحوال والأزمنة والأشخاص، وهذا وإن كان خطاباً للنبي ﵌ لكنه فيه تكذيب لليهود المنكرين للنسخ.
(وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير) بينهما عموم وخصوص من وجه فإن الولي قد يضعف عن النصرة والنصير قد يكون أجنبياً عن المنصور، وفيه إشارة إلى تعلق الخطابين السابقين بالأمة أيضاً، وهذا صنع من لا وليّ لهم غيره ولا نصير سواه، فعليهم أن يتلقوه بالقبول والامتثال والتعظيم والإجلال.
وقد ذهب جمهور أهل الأصول إلى جواز نسخ القرآن بالسنة المتواترة، وخالف في ذلك الشافعي وتابعه على ذلك طائفة، واختلف المانعون فمنهم من منعه عقلاً كالحرث المحاسبي وعبد الله بن سعيد القلانسي، وهو رواية عن أحمد ابن حنبل، ومنهم من منعه سمعاً كالشيخ أبي حامد الإسفرايني، احتج الجمهور بأن التكليف بمتواتر السنة كالتكليف بالآية القرآنية وبأن ذلك قد وقع في هذه الشريعة المطهرة، واحتج الآخرون بقوله تعالى (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها) وتقرير الدلالة من وجهين.
стр. 350
إحدهما أن ما ينسخ به القرآن يجب أن يكون خيراً أو مثلاً، والسنة ليست كذلك.
ثانيهما أنه قال (نأت) والضمير لله سبحانه، فيجب أن لا ينسخ إلا بما يأتي به الله وهو القرآن.
وأجاب الأولون عن ذلك بأن المراد بقوله نأت بخير منها أو مثلها أي بحكم خير منها أو مثلها في حق المكلف باعتبار الثواب وهذا صحيح، ولا يخالفه الضمير في قوله (نأت) فإن القرآن والسنة جميعاً من عند الله سبحانه، ْقال الله تعالى (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) والكلام في المسألة طويل وهو مدون في الأصول بما لا يتسع المقام لبسطه، فالحق الجواز.
وأما نسخ الكتاب بما صح من آحاد السنة فقد منعه الجمهور لأن الآحاد لا تفيد القطع والكتاب مقطوع به، وذهب جماعة من متأخري الحنفية إلى جواز نسخ القرآن بالخبر المشهور، وقال في جمع الجوامع أن نسخ القرآن بالآحاد جائز غير واقع، وقال أبو بكر الباقلاني والغزالي وأبو عبد الله البصري أنه جائز في عصره ﵌ لا بعده، وذهب جمع من الظاهرية إلى جوازه ووقوعه.
وأقول أن النزاع إن كان في قطعية المتن فلا شك أن القرآن كذلك وما صح من آحاد السنة ليس بقطع، وإن النزاع في الدلالة فإن كان القرآن المنسوخ عموماً أو محتملاً فدلالته ظنية كدلالة ما صح من الآحاد، والذي يصلح أن يكون محلاً للنزاع هنا هو الثاني لا الأول، على أنه قد وقع نسخ القطعي بالظني فإن استقبال بيت المقدس ثبت ثبوتاً قطيعاً متواتراً، ثم أن أهل قباء استداروا إلى الكعبة وهم في الصلاة بخبر واحد، ولم ينكر عليهم ذلك النبي ﵌، وكذلك ثبت نسخ الوصية للوالدين والأقربين
стр. 351
بقوله ﵌ " لا وصية لوارث " وكذلك نسخ قوله تعالى (لا يحل لك النساء من بعد) بقول عائشة رضي الله تعالى عنها ما توفي رسول الله ﷺ حتى أحل الله له أن يتزوج من النساء ما يشاء، ونسخ قوله تعالى (قل لا أجد فيما أوحى إليّ محرماً) الآية بنهيه ﷺ عن أكل كل ذي ناب، والكلام في هذا يطول ومحله مطولات كتب الأصول، فإن استيفاء الكلام في هذه المسألة يحتاج إلى رسالة مستقلة والله أعلم.
وعدة الآيات المنسوخات قد بلغها بعضهم إلى خمسمائة آية لكن قال الشيخ أحمد ولي الله الدهلوي وعلى ما حررنا لا يتعين النسخ إلا في خمس آيات انتهى، وعندي أن في هذه الخمس نظراً أيضاً كما بينته في دليل الطالب.
وأما الأحاديث المنسوخة فعدتها عند ابن الجوزي أحد وعشرون حديثاً، وعند الحافظ ابن القيم أقل من عشرة أحاديث كما أفاد في أعلام الموقعين، وقال النسخ الواقع في الأحاديث الذي أجمعت عليه الأمة لا يبلغ عشرة أحاديث البتة ولا شطرها انتهى (١).
وقال الزرقاني في شرح الموطأ: مذهب المحدثين والأصوليين والفقهاء أنه متى أمكن الجمع بين الحديثين وجب الجمع انتهى، وفي الدراسات لمحمد معين: قد تكلمت على بطلان النسخ الاجتهادي في أجزاء مفردة سميتها غاية الفسخ لمسئلة النسخ، وهو الأكثر في دعاوى المتأخرين لا سيما الفقهاء الحنفيين، والنسخ المعول عليه عند المتقدمين هو المرفوع إلى رسول الله ﵌ وأما غيره فتعدية وتجاوز من التعبد إلى التشريع انتهى وتفصيل ذلك ذكرناه في إفادة الشيوخ بمقدار الناسخ والمنسوخ.
стр. 352
أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١٠٨)
(أم تريدون أن تسئلوا رسولكم كما سئل موسى من قبل) أم بمعنى بل وفي هذا توبيخ وتقريع أي سؤالاً مثل ما سئل موسى حيث سألوه أن يريهم الله جهرة إلى غير ذلك، وسألوا محمداً ﷺ أن يأتي بالله والملائكة قبيلاً، ورُويت في سبب نزول هذه الآية روايات لا نطول بذكرها (١).
(ومن يتبدل الكفر بالإيمان) أي يستبدل ويأخذه بدله بترك النظر في الآيات البينات واقتراح غيرها والباء للعوض كما استظهره السفاقسي لا للسبب، كما قال به أبو البقاء، قيل خطاب للمؤمنين أعلمهم أن اليهود أهل غش وحسد.
(فقد ضل سواء السبيل) من إضافة الصفة إلى الموصوف أي الطريق المستوي أي المعتدل أي الحق، ومعنى ضل أخطأ، وسواء هو الوسط من كل شيء قاله أبو عبيدة ومنه قوله تعالى:
(وفي سواء الجحيم) وقال الفراء: السواء القصد أي ذهب عن قصد الطريق وسمته أي طريق طاعة الله.
стр. 353
وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٩)
(ود كثير من أهل الكتاب) أي تمنى كثير من اليهود، فيه إخبار المسلمين بحرص اليهود على فتنتهم وردهم عن الإسلام والتشكيك عليهم في دينهم (لو) مصدرية.
(لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً من عند أنفسهم) يحتمل أن يتعلق بقوله ود أي ودوا ذلك من عند أنفسهم ويحتمل أن يتعلق بقوله حسداً أي حسداً ناشئاً من عند أنفسهم وهو علة لقوله ود، والحسد تمني زوال نعمة الإنسان.
(من بعد ما تبين لهم الحق) يعني في التوراة أن قول محمد ﵌ ودينه حق لا يشكون فيه فكفروا به بغياً وحسداً.
(فاعفوا واصفحوا) والعفو ترك المؤاخذة بالذنب والصفح إزالة أثره من النفس، صفحت عن فلان إذا أعرضت عن ذنبه وقد ضربت عنه صفحاً إذا أعرضت عنه، وقيل هما متقاربان، والعطف على هذا للتأكيد وحسنه تغاير اللفظين، وفيه الترغيب في ذلك والإرشاد إليه، وقد نسخ ذلك بالأمر بالقتال قاله أبو عبيدة (حتى يأتي الله بأمره) أي افعلوا ذلك إلى أن يأتي إليكم الأمر من الله سبحانه في شأنهم بما يختاره ويشاؤه وما قد قضى به في سابق علمه وهو قتل من قتل منهم وإجلاء من أجلى وضرب الجزية على من ضربت عليه، والسلام على من أسلم (إن الله على كل شيء قدير) فيه وعيد وتهديد لهم عظيم.
(وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وما تقدموا لأنفسكم من خير) حث من الله سبحانه لهم على الاشتغال بما ينفعهم ويعود عليهم بالمصلحة من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وتقديم الخير الذي يثابون عليه حتى يمكن الله لهم وينصرهم على المخالفين لهم (تجدوه عند الله) يعني ثوابه وأجره حتى التمرة واللقمة مثل أحد (إن الله بما تعملون بصير) لا يخفى عليه شيء من قليل الأعمال وكثيرها وفيه ترغيب في الطاعات وأعمال البر، وزجر عن المعاصي.