← Тафсир

Тафсир · id 37458

فتح البيان في مقاصد القرآن

صديق حسن خان

Полный текст (12 043 стр.). Показаны 3921–3960 · переход к 3926.

стр. 3921

لبضاعتهم التي وجدوها في رحالهم لكفى، والمراد بالأرض هنا أرض مصر. ثم أكدوا هذه الجملة التي اقسموا بالله عليها بقولهم: (وما كنا سارقين) لزيادة التبري مما قذفوهم به والتنزه عن هذه النقيصة الخسيسة الرذيلة الشنعاء.

стр. 3922

(قالوا فما جزاؤه) هذه جملة مستأنفة كما تقدم غير مرة في نظائرها، والقائلون هم أصحاب يوسف ﵇ أو المنادي منهم وحده كما مر، والضمير في جزاؤه للصواع على حذف مضاف أي فما جزاء سرقة الصواع عندكم أو الضمير للسارق. (إن كنتم كاذبين) فيما تدعونه لأنفسكم من البراءة عن السرقة؛ وذلك بأن يوجد الصواع معكم. فأجاب إخوة يوسف عليه السلام

стр. 3923

(قالوا جزاؤء) أي جزاء سرقة الصواع أو جزاء سارق الصواع والتقدير جزاء السرقة للصواع أخذ (من وجد في رحله) واسترقاقه، وتكون جملة (فهو جزاؤه) لتأكيد الجملة الأولى وتقريرها. قال الزجاج: هو زيادة في البيان أي جزاؤه أخذ السارق فهو جزاؤه لا غير. قال المفسرون: وكان حكم السارق في آل يعقوب أن يسترقّ سنة ثم يخلى سبيله فلذلك استفتوهم في جزائه. (كذلك) أي مثل ذلك الجزاء الكامل (نجزي الظالمين) لغيرهم من الناس بسرقة أمتعتهم، وهذه الجملة مؤكدة لما قبلها إذا كانت من كلام إخوة يوسف ﵇، ويجوز أن تكون من كلام أصحاب يوسف أي كذلك نحن نجزي الظالمين بالسرق.

стр. 3924

فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (٧٦) قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ (٧٧) قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٧٨) قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ (٧٩) ثم لما ذكروا جزاء السارق أرادوا أن يفتشوا أمتعتهم حتى يتبين الأمر فأقبل يوسف ﵇ على ذلك

стр. 3925

(فبدأ بأوعيتهم) يعني بتفتيش أوعية إخوته العشرة وقيل أن المنادي وأصحابه هم الذين تولوا تفتيشهم وهم الذين استخرجوا الصواع من رحل بنيامين (قبل) تفتيش (وعاء أخيه) بنيامين دفعاً للتهمة ورفعاً لما دبره من الحيلة. (ثم استخرجها) أي السقاية أو الصواع لأنه يذكر ويؤنث (من وعاء أخيه) فنكس إخوة يوسف ﵇ رؤوسهم من الحياء ولاموا بنيامين فأخذوه وردوه إلى يوسف ﵇. (كذلك) أي مثل ذلك الكيد العجيب (كدناه) أي دبرنا قاله القتيبي أو أردنا قاله ابن الأنباري (ليوسف) يعني علمناه إياه وأوحينا إليه واللام زائدة وإليه نحا السيوطي. وفي أبي السعود: ما يقتضي أن اللام للتعليل أي صنعنا له ودبرنا لأجل تحصيل غرضه من المقدمات التي رتبها من دس الصواع وما يتلوه والكيد مبدؤه

стр. 3926

السعي في الحيلة والخديعة ونهايته إلقاء المخدوع من حيث لا يشعر في أمر مكروه لا سبيل إلى دفعه، وهو محمول في حق الله سبحانه على النهاية لا على البداية. وقال ابن الأعرابي: الكيد التدبير بالباطل وبالحق، وقيل الكيد هنا جزاء الكيد يعني كما فعلوا بيوسف ﵇ في الابتداء فعلنا بهم وقيل غير ذلك والأول أولى، وفي الآية دليل على جواز التوصل إلى الأغراض الصحيحة بما صورته صورة الحيلة والمكيدة إذا لم يخالف ذلك شرعاً ثابتاً. (ما كان) يوسف ﵇ (ليأخذ أخاه) بنيامين (في دين الملك) أي ملك مصر وفي شريعته التي كان عليها بل كان دينه وقضاؤه أن يضرب السارق ويغرم ضعف ما سرقه دون الاستعباد سنة كما هو دين يعقوب وشريعته؛ وحاصله أن يوسف ما كان يتمكن من إجراء حكم يعقوب على أخيه مع كونه مخالفاً لدين الملك وشريعته لولا ما كاد الله له ودبره وأراده حتى وجد السبيل إليه، وهو ما أجراه على ألسن إخوته من قولهم أن جزاء السارق الاسترقاق، فكان قولهم هذا هو بمشيئة الله وتدبيره. وهذه الجملة تعليل لما صنعه الله من الكيد ليوسف ﵇ أو تفسير له يعني أن ذلك الأمر كله كان إلهاماً من أمر الله ليوسف ﵇ وإخوته حتى جرى الأمر على وفق المراد وهو معنى قوله (إلا أن يشاء الله) أي إلا حال مشيئته وإذنه بذلك وإرادته له والاستثناء منقطع، إذ الأخذ بدين الملك لا يشمل المراد به، فالمعنى ولكن أخذه بشريعة يعقوب. (نرفع درجات من نشاء) بضروب العلوم والمعارف والعطايا والكرامات كما رفعنا درجة يوسف ﵇ بذلك؛ والآية على أن العلم أشرف المقامات وأعلى الدرجات لأن الله تعالى مدح يوسف ﵇ ورفع درجته

стр. 3927

على أخوته بالعلم، وقرئ درجات بالإضافة والتنوين وهما سبعيتان. (وفوق كل ذي علم) ممن رفعه الله بالعلم من المخلوقين (عليم) أرفع رتبة منه وأعلى درجة لا يبلغون مداه ولا يرتقون شأوه، وقيل معنى ذلك أن فوق كل أهل العلم عليم إلى أن ينتهي العلم إلى الله وهو سبحانه فوق كل عالم. عن سعيد بن جبير قال: كنا عند ابن عباس فحدث بحديث؛ فقال رجل عنده وفوق كل ذي علم عليم، فقال ابن عباس: بئس ما قلت؛ الله العليم الخبير وهو فوق كل عالم. وعن محمد بن كعب: سأل رجل علياً كرم الله وجهه عن مسئلة فقال فيها، فقال الرجل: ليس هكذا ولكن كذا وكذا، فقال عليّ: أصبت واخطأت وفوق كل ذي علم عليم. وعن عكرمة قال: علم الله فوق كل عالم، قال ابن الأنباري: يجب أن يتهم العالم نفسه ويستشعر التواضع لمواهب ربه ولا يطمع نفسه بالغلبة لأنه لا يخلو عالم عن عالم فوقه، وفي الآية دليل على أن إخوة يوسف ﵇ كانوا علماء. وكان يوسف ﵇ أعلم منهم.

стр. 3928

(قالوا إن يسرق) أي بنيامين الصواع (فقد سرق أخ له من قبل) يعنون يوسف ﵇ وكان غرضهم من هذا الكلام إنا لسنا على طريقته ولا على سيرته، بل هذا وأخوه كانا على هذه الطريقة لأنهما من أم أخرى غير أمنا، وقال الخفاجي: أتوا بكلمة إن لعدم تحققهم له بمجرد خروج السقاية من رحله، وأما قولهم إن ابنك سرق فبناء على الظاهر، ويسرق لحكاية الحال الماضية.

стр. 3929

والمعنى إن كان سرق فليس ببدع لسبق مثله من أخيه، والعرق نزاع، وقيل أنهم جزموا بذلك وإن لمجرد الشرط انتهى. وقد اختلف المفسرون في هذه السرقة التي نسبوها إلى يوسف ﵇، ما هي فقيل أنه كان ليوسف ﵇ عمة هي أكبر من يعقوب وكانت عندها منطقة إسحاق لكونها أسن أولاده وكانوا يتوارثونها فيأخذها الأكبر سناً من ذكر أو أنثى، وكانت قد حضنت يوسف ﵇ وأحبته حباً شديداً، فلما ترعرع قال لها يعقوب سلمي يوسف إليّ فأشفقت من فراقه واحتالت في بقائه لديها فجعلت المنطقة تحت ثيابه وحزمته بها، ثم قالت قد سرقت منطقة إسحاق فانظروا من سرقها، فبحثوا عنها فوجدوها مع يوسف ﵇ فأخذته عندها كما هو شرع الأنبياء في ذلك الوقت من آل إبراهيم. ذكره محمد بن إسحاق، وقد سبق بيان شريعتهم في السرقة. وقيل أن يوسف أخذ صنماً كان لجده أبي أمه فكسره، وألقاه على الطريق تغييراً للمنكر فعيره بذلك إخوته، وقد روى معناه عن ابن عباس مرفوعاً. وعن سعيد بن جبير وقتادة مثله غير مرفوع، وقد روي نحوه عن جماعة من التابعين، وحكى عن الزجاج أنه كان صنماً من ذهب، وقيل من فضة، وقال عطية سرق في صباه ميلين من ذهب. وعن ابن عباس سرق مكحلة لخالته، وقيل كان في النزل دجاجة فأعطاها لسائل، قاله سفيان بن عيينة، وقيل كان يخبأ الطعام من المائدة للفقراء. قال ابن الأنباري: وليس في هذه الأفعال كلها ما يوجب السرقة ولكنها تشبهها فعيروه بها عند الغضب. وحكى الواحدي عن الزجاج قال: الله أعلم أسرق أخ له أم لا، وحكى القرطبي في تفسيره عنه أنه قال؛ كذبوا عليه فيما نسبوه إليه.

стр. 3930

قلت وهذا أولى فما هذه الكذبة بأول كذباتهم، وقد قدمنا ما يدفع قول من قال أنهم قد كانوا أنبياء عند صدور هذه الأمور منهم، وفي البحر لابن المنير أن ما ذكر في تفسير السرقة تكلف لا يسوغ نسبة مثله إلى بيت النبوة ولا إلى أحد من الأشراف فالواجب تركه، وإليه ذهب مكي وفسره بعضهم بإن يسرق فقد سرق مثله من بني آدم، وذكر له نظائر في الحديث، قال الخفاجي وهو كلام حقيق بالقبول. قال الزجاج وغيره الضمير في (فأسرَّها) يعود إلى الكلمة أو الجملة كأنه قيل فأسر الجملة (يوسف في نفسه ولم يبدها لهم) ثم فسرها بقوله (قال أنتم شر مكاناً) وقد رد أبو علي الفارسي هذا فقال: أن هذا النوع من الإضمار على شريطة التفسير غير مستعمل؛ وعلى هذا يكون في الكلام رجوع الضمير على متأخر لفظاً ورتبة. وفيه أيضاً إطلاق الكلمة على الكلام، والأول سائغ في مقام التفسير كما هنا. والثاني سائغ في اللغة. وقيل الضمير عائد إلى الإجابة أي أسر يوسف ﵇ إجابتهم في ذلك الوقت إلى وقت آخر. وقيل أسر في نفسه قولهم إن يسرق الخ. وهذا هو الأولى ويكون معنى ولم يبدها لهم أنه لم يبد لهم هذه المقالة التي أسرها في نفسه بإن يذكر لهم صحتها وبطلانها. وجملة: قال أنتم شر مكاناً مفسرة على القول الأول ومستأنفة على القولين الأخيرين كأنه قيل فماذا قال يوسف ﵇ لما قالوا هذه المقالة، أي أنتم شر موضعاً ومنزلاً ممن نسبتموه إلى السرقة ورميتموه بها وهو بريء فإنكم قد فعلتم ما فعلتم من إلقاء يوسف ﵇ في الجب والكذب على أبيكم وغير ذلك من أفاعيلكم، ولم يكن من يوسف ﵇ سرقة حقيقية. ثم قال (والله أعلم بما تصفون) من الباطل بنسبة السرقة إلى يوسف

стр. 3931

عليه السلام وأنه لا حقيقة لذلك. ثم أرادوا أن يستعطفوه ليطلق لهم أخاه بنيامين ويكون معهم ويرجعون به إلى أبيهم لما تقدم من أخذه الميثاق عليهم بأن يردوه إليه

стр. 3932

(قالوا يا أيها العزيز إن له) أي لبنيامين هذا (أباً) متصفاً بكونه (شيخاً كبيراً) في السن لا يستطيع فراقه ولا يصبر عنه ولا يقدر على الوصول إليه، وقيل كبيراً في القدر لأنه نبي من أولاد الأنبياء وفيه بعد ظاهر، والأول أولى (فخذ أحدنا مكانه) يبقى لديك فإن له منزلة في قلب أبيه ليست لواحد منا، فلا يتضرر بفراق أحدنا كما يتضرر بفراق بنيامين. ثم عللوا ذلك بقولهم (إنا نراك من المحسنين) إلى الناس كافة، وإلينا خاصة فأتم إحسانك إلينا بإجابتنا إلى هذا المطلب، فأجاب عليهم يوسف و

стр. 3933

(قال معاذ الله) أي نعوذ بالله معاذاً فهو مصدر، والمستعيذ بالله هو المستعصم به (أن) أي من أن (نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده) وهو بنيامين لأنه الذي وجد الصواع في رحله فقد حل لنا استعباده بفتواكم التي أفتيتمونا بقولكم (جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه) ولم يقل " من سرق " تحرزاً عن الكذب لأنه يعلم أن أخاه ليس بسارق. وفيه جواز التوصل إلى الأغراض بالحيل إذا لم تخالف شريعة ولا هدمت أصلاً، ولعل الله أمر يوسف ﵇ بذلك تشديداً للمحنة على يعقوب، ونهاه عن العفو والصفح وأخذ البدل كما أمر صاحب موسى بقتل من لو بقي لطغى وكفر، قاله ابن عادل في اللباب في علوم الكتاب. وجزم صاحب الكشاف بأن هذه الواقعة كانت بوحي كما مر مراراً (إنا إذاً) أي إذا أخذنا غير من وجدنا متاعنا عنده (لظالمون) في دينكم وما تقتضيه فتواكم.

стр. 3934

فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (٨٠) ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ (٨١) وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٨٢) قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٨٣)

стр. 3935

(فلما استيأسوا منه) أي يئسوا من يوسف وإجابته إياهم وإسعافهم منه إلى مطلبهم الذي طلبوه، والسين والتاء للمبالغة، قاله الزمخشري والبيضاوي. قال ابن إسحاق أي أيسوا منه ورأوا شدته في أمره. قال أبو عبيدة: استيأسوا أي استيقنوا أن الأخ لا يرد عليهم، وقيل أيسوا من أخيهم أن يرد إليهم، والأول أولى. (خلصوا نجياً) أي انفردوا عن الناس واعتزلوا مجلسه وانحازوا على حدة حال كونهم متناجين متحدثين فيما بينهم ليس فيهم غيرهم في التشاور في أمر هذه القضية وهو مصدر يقع على الواحد والجمع كقوله (وقربناه نجياً). قال الزجاج: معناه انفردوا وليس معهم أخوهم متناجين فيما يعملون به في ذهابهم إلى أبيهم من غير أخيهم، وقال قتادة وحدهم. (قال كبيرهم) قيل هو روبيل لأنه الأسن وهو الذي كان نهاهم عن قتله وكان أكبر القوم في الميلاد قاله قتادة، وقيل كبيرهم في العقل والعلم لا في السن وقيل يهوذا لأنه الأوفر عقلاً. وقيل شمعون لأنه رئيسهم (ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقاً)

стр. 3936

أي عهدا (من الله) في حفظ ابنه ورده إليه، ومعنى كونه من الله أنه بإذنه ذكره النحاس وغيره. (ومن قبل ما فرطتم في يوسف) أي وألم تعلموا أن تفريطكم في أمر يوسف ﵇ كائن من قبل تفريطكم في بنيامين أو من قبل أخذكم العهد في شأنه، على أن ما مصدرية، ويجوز أن تكون زائدة والأول أولى، والمعنى قصرتم في شأنه ولم تحفظوا عهد أبيكم فيه. (فلن أبرح الأرض) يقال برح براحاً وبروحاً أي زال فإذا دخله النفي صار مثبتاً أي لن أبرح من أرض مصر بل ألزمها ولا أفارقها ولا أزال مقيماً فيها على أن أبرح هنا تامة (حتى يأذن لي أبي) في مفارقتها والخروج منها بالعود إليه وإنما قال ذلك لأنه يستحي من أبيه أن يأتي إليه بغير ولده الذي أخذ عليهم الميثاق بإرجاعه إليه إلا أن يحاط بهم كما تقدم. (أو يحكم الله لي) بمفارقتها والخروج منها، وقيل المعنى أو يحكم الله لي بخلاص أخي من الأسر حتى يعود إلى أبي وأعود معه، وقيل المعنى أو يحكم الله لي بالنصر على من أخذ أخي فأجازيه وأخذ أخي منه أو أعجز فأنصرف بعد ذلك قال مجاهد: أقاتل بسيفي حتى أقتل، وعن أبي صالح نحوه (وهو خير الحاكمين) لأن أحكامه لا تجري إلا على ما يوافق الحق ويطابق الصواب ومراده بهذا الكلام الالتجاء إلى الله في إقامة عذره إلى والده يعقوب. ثم قال كبيرهم مخاطباً لهم

стр. 3937

(ارجعوا إلى أبيكم فقولوا يا أبانا إن ابنك سرق) على البناء للفاعل وذلك لأنهم قد شاهدوا استخراج الصواع من وعائه؛ وقرئ على البناء للمفعول. قال الزجاج: إن سرق يحتمل معنيين أحدهما علم منه السرق والآخر اتهم بالسرق أمرهم بهذه المقالة مبالغة في إزالة التهمة عن أنفسهم عند أبيهم لأنهم كانوا متهمين عنده بسبب وقعة يوسف ﵇. (وما شهدنا إلا بما علمنا) من استخراج الصواع من وعائه، وقيل

стр. 3938

المعنى ما شهدنا عند يوسف ﵇ بأن السارق يسترق إلا بما علمنا من شريعتك وشريعة آبائك (وما كنا للغيب حافظين) حتى يتضح لنا هل الأمر على ما شاهدناه أو على خلافه فإن الغيب لا يعلمه إلا الله فلعل الصواع دس في رحله ونحن لا نعلم بذلك. وقيل المعنى ما كنا وقت أخذنا له منك ليخرج معنا إلى مصر للغيب حافظين بأنه سيقع منه السرق الذي افتضحنا به، وقيل الغيب هو الليل ومرادهم أنه سرق وهم نيام وقيل مرادهم أنه فعل ذلك وهو غائب عنهم فخفى عليهم فعله. قال عكرمة: ما كنا نعلم أن ابنك يسرق وعن قتادة نحوه، وقال ابن عباس: ما كنا لليله ونهاره ومجيئه وذهابه حافظين.

стр. 3939

(واسأل) أهل (القرية التي كنا فيها) أي قولوا لأبيكم اسأل القرية أي مصر، قاله قتادة وابن عباس، وقيل هي قرية من قرى مصر نزلوا فيها وامتاروا منها وجرى فيها حديث السرقة والتفتيش، قال المفسرون: المراد أهلها، وقيل المعنى واسأل القرية نفسها، وإن كانت جماداً فأنك نبي الله والله سبحانه سينطقها فتجيبك. ومما يؤيد هذا أنه قال سيبويه: لا يجوز كلم هنداً وأنت تريد غلام هند؛ قيل والأول أولى لأن مثل هذا النوع من المجاز مشهور في كلام العرب، وتعقبه الحافظ ابن القيم في البدائع وقال إنما يضمر المضاف حيث يتعين ولا يصح الكلام إلا بتقديره للضرورة كما إذا قيل أكلت الشاة فإن المفهوم من ذلك أكلت لحمها فحذف المضاف لا يلبس ونظائره كثيرة وليس منه قوله تعالى (واسأل القرية) وإن كان أكثر الأصوليين يمثلون به فإن القرية اسم للسكان في مسكن مجتمع فإنما تطلق القرية باعتبار الأمرين كالكأس لما فيه الشراب، والذنوب للدلو الملآن ماء والخوان للمائدة إذا كان عليها طعام ونظائره. ثم لكثرة استعمالهم هذه اللفظة ودورانها في كلامهم أطلقوها على السكان تارة وعلى المسكن تارة بحسب سياق الكلام وسباقه، وإنما يفعلون

стр. 3940

هذا حيث لا لبس، فلا إضمار في ذلك ولا حذف فتأمل هذا الموضع الذي خفي على القوم مع وضوحه انتهى. (والعير التي أقبلنا فيها) أي أصحابها وكانوا قوماً معروفين من جيران يعقوب من كنعان، حمل العير هنا إلى الدواب نفسها وهذا هو المعنى الحقيقي لها فاحتاج إلى تقدير المضاف وفيما سبق على المعنى المجازي وهو نفس أصحابها فاستغنى عن تقدير المضاف. (وإنا لصادقون) فيما قلنا، جاءوا بهذه الجملة مؤكدة هذا التأكيد لأن ما قد تقدم منهم مع أبيهم يعقوب يوجب كمال الريبة في خبرهم هذا عند السامع، وهذا آخر الكلام الذي علمه لهم أخوهم الكبير. فلما قالوا هذا ليعقوب

стр. 3941

(قال بل سولت) زينت أو خيلت (لكم أنفسكم أمراً) لا أصل له، والأمر هنا قولهم (إن ابنك سرق) وما سرق في الحقيقة وقيل المراد بالأمر إخراجهم بنيامين والمضي به إلى مصر طلباً للمنفعة فعاد ذلك بالمضرة، وقيل هذا الأمر فتياهم بأن السارق يؤخذ بسرقته، والإضراب هنا هو باعتبار ما أثبتوه من البراءة لأنفسهم لا باعتبار أصل الكلام فإنه صحيح والجملة مستأنفة مبنية على سؤال مقدر كغيرها. (فصبر جميل) أي فأمري صبر أو فصبر جميل أجمل بي وأولى لي، والصبر الجميل هو الذي لا يبوح صاحبه بالشكوى بل يفوض أمره إلى الله ويسترجع، وقد ورد أن الصبر عند أول الصدمة. (عسى الله أن يأتيني بهم جميعاً) أي بيوسف ﵇ وأخيه بنيامين، والأخ الثالث الباقي بمصر وهو كبيرهم كما تقدم، وإنما قال هكذا على سبيل حسن الظن بالله لأنه قد كان عنده أن يوسف ﵇ لم يمت وأنه باق على الحياة وإن غاب عنه خبره، وإذا اشتد البلاء وعظم كان أسرع إلى الفرج قال تعالى (سيجعل الله بعد عسر يسراً) (إنه هو العليم) بحالي (الحكيم) فيما يقضي به.

стр. 3942

وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (٨٤) قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (٨٥) قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٦) يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (٨٧)

стр. 3943

(وتولى) أي أعرض (عنهم) وقطع الكلام معهم حين بلغوه خبر بنيامين (و) لما ساء حزنه واشتد بلاؤه وبلغ جهده وهاج غمه (قال يا أسفا على يوسف) قال الزجاج الأصل يا أسفي فأبدل من الياء ألفا لخفة الفتحة، والأسف شدة الجزع، وقيل شدة الحزن. عن ابن عباس أي يا حزناً، وعن قتادة مثله، وعن مجاهد يا جزعاً. قال يعقوب هذه المقالة لما بلغ منه الحزن غاية مبالغة بسبب فراقه ليوسف ﵇ وانضمام فراقه لأخيه بنيامين وبلوغ ما بلغه من كونه أسيراً عند ملك مصر، فتضاعفت أحزانه وهاج عليه الوجد القديم بما أثاره من الخبر الأخير. وقد روي عن سعيد بن جبير أن يعقوب لم يكن عنده ما ثبت في شريعتنا من الاسترجاع والصبر على المصائب، ولو كان عنده ذلك لما قال يا أسفاً على يوسف ﵇ يعني إن الاسترجاع خاص بهذه الأمة، ومعنى المناداة للأسف طلب حضوره كأنه قال تعال يا أسفي وأقبل عَليّ وفيه شكوى إلى الله لا منه. (وابيضت عيناه من الحزن) أي انقلب سواد عينه بياضاً من كثرة

стр. 3944

البكاء قيل أنه زال إدراكه بحاسة البصر بالمرة، قال مقاتل: لم يبصر شيئاً ست سنين، والتزمه بعضهم بناء على جواز مثل هذا على الأنبياء بعد التبليغ. وقيل كان يدرك إدراكاً ضعيفاً، قال بعض أهل اللغة الحزن بالضم والسكون البكاء وبفتحتين ضد الفرح، وقال أكثر أهل اللغة هما لغتان بمعنى، والبكاء بالمد رفع الصوت وبالقصر نزول الدمع من غير صوت وهو المناسب هنا وهو أحد قولين والذي جرى عليه المصباح والقاموس أنه لا فرق بينهما في أن كُلاًّ يستعمل في كليهما. وقد قيل في توجيه ما وقع من يعقوب ﵇ من هذا الحزن العظيم المفضي إلى ذهاب بصره كُلاًّ أو بعضاً أنه إنما وقع منه ذلك لأنه علم أن يوسف ﵇ حيّ فخاف على دينه مع كونه بأرض مصر وأهلها حيئنذ كفار، وقيل أن مجرد الحزن ليس بمحرم وإنما المحرم ما يفضي منه إلى الوله وشق الثياب والتكلم بما لا ينبغي. قال أبو السعود: وفيه دليل على جواز التأسف والبكاء عند النوائب فإن الكف من ذلك مما لا يدخل تحت التكليف فإنه قل من يملك نفسه عند الشدائد ولقد بكى رسول الله ﷺ على ولده إبراهيم وقال: تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول ما يسخط الرب وإنّا عليك يا إبراهيم لمحزونون انتهى. ويؤيد هذا قوله (فهو كظيم) أي مكظوم فإن معناه أنه مملوء من الحزن ممسك له لا يبثه ومنه كظم الغيظ وهو إخفاؤه فالمكظوم المسدود عليه طريق حزنه من كظم السقاء إذا سده على ما فيه والكظم بالفتح مخرج النفس، يقال أخذ بأكظامه، وقيل الكظيم بمعنى الكاظم أي المشتمل على حزنه الممسك له ومنه والكاظمين الغيظ.

стр. 3945

وقال الزجاج: معنى كظيم محزون، وعن ابن عباس قال: كظيم حزين، وعن قتادة قال؛ كظم على الحزن وحزنه في جوفه فلم يقل إلا خيراً، وعن عطاء الخراساني، قال مكروب، وعن عكرمة مثله، وعن الضحاك الكظيم الكمد، وعن مجاهد نحوه. قال الحسن: كان بين خروج يوسف ﵇ من حجر أبيه إلى يوم التقيا ثمانون سنة ولم تجف فيها عينا يعقوب، وما على وجه الأرض يومئذ أكرم على الله منه والله أعلم.

стр. 3946

(قالوا تالله تفتؤ تذكر يوسف) أي لا تفتؤ فحذف حرف النفي لعدم اللبس قال الفراء: أن لا مضمرة، قال النحاس: والذي قاله صحيح، وعن الخليل وسيبويه مثل قول الفراء، قال الكسائي: فتأت وفتيت أفعل كذا أي مازلت، وعن ابن عباس تفتأ أي لا تزال تذكر يوسف ﵇ ولا تفتر عن حبه. (حتى تكون حرضاً) أي دنفاً من المرض، قاله ابن عباس، وقال قتادة: هرماً، والحرض مصدر يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث والصفة المشبهة حرض بكسر الراء كدنف ودنف، وأصل الحرض الفساد في الجسم أو العقل من الحزن أو العشق أو الهرم، حكى ذلك عن أبي عبيدة وغيره، وقيل الحرض ما دون الموت، وقيل الحارض البالي الدائر، وقال الفراء: الحارض الفاسد الجسم والعقل وكذا الحرض. وقال المؤرج: هو الذائب من الهم، ويقال رجل محرض، قال النحاس: وحكى أهل اللغة أحرضه الهم إذا أسقمه، ورجل حارض أي أحمق، وقال الأخفش الحارض الذاهب، وقال ابن الأنباري: هو الهالك، وفي المصباح حرض حرضاً من باب تعب أشرف على الهلاك.

стр. 3947

والأولى تفسير الحرض هنا بغير الموت والهلاك من هذه المعاني المذكورة لقوله (أو تكون من الهالكين) أي من الميتين، قاله مجاهد، وغرضهم منع يعقوب من البكاء والحزن والأسف شفقة عليه وإن كانوا هم سبب أحزانه ومنشأ همومه وغمومه.

стр. 3948

(قال إنما أشكو بثي وحزني) بضم الحاء وسكون الزاي وقرئ بفتحهما (إلى الله) هذه الجملة مستأنفة كأنه قيل فما قال يعقوب لما قالوا له ما قالوا، والبث ما يرد على الإنسان من الأشياء التي تعظم حزن صاحبها حتى لا يقدر على إخفائها كذا قال أهل اللغة وهو مأخوذ من بثثته أي فرقته، فسميت المصيبة بثاً مجازاً. قال ابن قتيبة البث أشد الحزن. وقد ذكر المفسرون أن الإنسان إذا قدر على كتم ما نزل به من المصائب كان ذلك حزناً وهماً، وإن لم يقدر على كتمه وذكره لغيره كان ذلك بثاً، فالبث على هذا أعظم الحزن وأصعبه، وقيل البث الهم وقيل الحاجة وعلى هذا يكون عطف الحزن على البث واضح المعنى، وأما على تفسير البث بالحزن العظيم فكأنه قال: إنما أشكو حزني العظيم وما دونه من الحزن القليل إلى الله لا إلى غيره من الناس ولا إليكم. وعن مسلم بن يسار يرفعه قال: من بث لم يصبر، ثم قرأ هذه الآية. أخرجه ابن جرير وعبد الرزاق. قال ابن عباس: بثي همي. (وأعلم من الله) أي من لطفه وإحسانه وثوابه على المصيبة (ما لا تعلمون) أنتم وأنه يأتي بالفرج من حيث لا أحتسب، وقيل أراد علمه بأن يوسف ﵇ حي لكنه لم يعرف أين هو، وقيل أراد علمه بأن رؤياه صادقة وأني لأسجد له، قاله ابن عباس، وقيل أعلم من إجابة المضطرين إلى الله ما لا تعلمون.

стр. 3949

(يا بني اذهبوا فتحسسوا) التحسس بمهملات طلب الشيء بالحواس مأخوذ من الحس أو من الإحساس، أي اذهبوا فتعرفوا (من) خبر (يوسف وأخيه) بالحاسة كالبصر والسمع وتطلبوه، وقرئ بالجيم وهو أيضاً التطلب وقيل بالحاء في الخير وبالجيم في الشر ومنه الجاسوس، ومن هنا بمعنى عن لأنه لا يقال تحسست من فلان بل عن فلان أو هي للتبعيض أي تحسسوا خبراً من أخبارهما ولم يقل أخويه لأنه كان يعلم أن الثالث مقيم بمصر فليس حاله مجهولاً عنده بخلافهما. (ولا تيأسوا من روح الله) أي لا تقنطوا من فرجه وتنفيسه ورحمته. قال الأصمعي: الروح ما يجده الإنسان من نسيم الهواء فيسكن إليه، والتركيب يدل على الحركة والهزة، فكل ما يهتز الإنسان بوجوده ويلتذ به فهو روح. وحكى الواحدي عنه أيضاً الروح الاستراحة من غم القلب. وقال أبو عمرو: الروح الفرج. وعن ابن زيد قال: من فرج الله يفرج عنكم الغم الذي أنتم فيه. وقال ابن عباس: الروح الرحمة، يعني أنه استعير الروح للرحمة، وقيل أنه مصدر بمعنى الرحمة. (إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرين) لكونهم لا يعلمون بقدرة الله سبحانه وعظيم صنعه وخفيِّ ألطافه، والمؤمن يصبر عند البلاء وينتظر الفرج والرحمة فينال به خيراً ويحمد الله عند الرخاء، والكافر بضد ذلك.

стр. 3950

فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (٨٨) قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ (٨٩) قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠) قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ (٩١) قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٩٢)

стр. 3951

(فلما دخلوا عليه) أي على يوسف ﵇ والتقدير فذهبوا كما أمرهم أبوهم إلى مصر ليتحسسوا من يوسف ﵇ وأخيه، فلما دخلوا على يوسف ﵇ (قالوا يا أيها العزيز) أي الملك الممتنع القادر، وكان العزيز لقب ملك مصر يومئذ (مسنا وأهلنا الضر) أي الجوع والحاجة. قال قتادة: الضر في المعيشة وعدلوا إلى الشكوى لأن التحسس يتوصل إلى مطلوبه بجميع الطرق، والاعتراف بالعجز وضيق اليد وشدة الحاجة مما يرقق القلب، فقالوا نختبره بهذه الأمور فإن رق قلبه لنا ذكرنا المقصود، وإلا شكونا. وفيه دليل على أنه يجوز الشكوى عند الضرورة إذا خاف من إصابته على نفسه، كما يجوز للعليل أن يشكو إلى الطبيب ما يجده من العلة. وعبارة أبي السعود وإنما لم يبدءوا بما أمروا به استجلاباً للرأفة والشفقة ليبعثوا بما قدموا من رقة الحال رقة القلب والحنو انتهى. وهذه المرة التي دخلوا فيها مصر هي المرة الثالثة كما يفيده ما تقدم من سياق الكتاب العزيز. (وجئنا ببضاعة مزجاة) البضاعة هي القطعة من المال يقصد بها شراء

стр. 3952

شيء يقال أبضعت الشيء واستبضعته إذا جعلته بضاعة، وفي المثل كمستبضع التمر إلى هجر، والإزجاء السوق بدفع. وقال الواحدي الإزجاء في اللغة السوق والدفع قليلاً قليلاً، ومنه قوله تعالى (ألم تر أن الله يزجي سحاباً) والمعنى أنها بضاعة تدفع ولا يقبلها التجار. قال ثعلب: البضاعة المزجاة الناقصة غير التامة. قال أبو عبيد: إنما قيل للدراهم الرديئة مزجاة لأنها مردودة مدفوعة غير مقبولة. قال ابن عباس: دراهم مزجاة أي كأسدة، وعنه أيضاً مزجاة رثة المتاع خلقة الحبل والغرارة والشيء، وأيضاً الورق الزيوف التي لا تنفق حتى يوضع منها. وفي القاموس زجاه ساقه ودفعه ومزجاة قليلة أو لا يتم صلاحها، وفي المصباح زجيته بالتثقيل دفعته برفق. واختلف في هذه البضاعة ما هي، فقيل كانت قديداً وحيساً، وقيل صوف وسمن؛ وقيل الحبة الخضراء والصنوبر، وقيل دراهم رديئة زيوف، وقيل المنعال والأدم، ثم طلبوا منه بعد أن أخبروه بالبضاعة التي معهم أن يوفي لهم الكيل أي يجعله تاماً لا نقص فيه وأن يتصدق عليهم فقالوا: (فأوف لنا الكيل وتصدق علينا) إما بزيادة يزيدها لهم على ما يقابل بضاعتهم أو بالإغماض عن رداءة البضاعة التي جاءوا بها وأن يجعلها كالبضاعة الجيدة في إيفاء الكيل لهم بها، وبهذا قال أكثر المفسرين، وقد قيل كيف يطلبون التصدق عليهم وهم أنبياء والصدقة محرمة عليهم. وأجيب باختصاص ذلك بنبينا محمد ﷺ . وقال ابن جريج: معنى قولهم أردد علينا أخانا. وبه قال الضحاك. وقال ابن الأنباري وكان الذي يسألونه من المسامحة يشبه الصدقة لا نفس الصدقة.

стр. 3953

(إن الله يجزي المتصدقين) بما يجعله لهم من الثواب الأخروي أو التوسيع عليهم في الدنيا قال الضحاك: ولم يقولوا أن الله يجزيك لأنهم لم يعلموا أنه مؤمن ولما قالوا ذلك لم يتمالك يوسف ﵇ أن عرفهم نفسه حيث

стр. 3954

(قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه) الاستفهام للتوبيخ والتقريع، وقد كانوا عالمين بذلك ولكنه أراد ما ذكرناه ويستفاد منه تعظيم الواقعة لكونه في قوة ما أعظم الأمر الذي ارتكبتم من يوسف ﵇ وأخيه، وما أقبح ما أقدمتم عليه، كما يقال للمذنب هل تدري من عصيت، والذي فعلوه بيوسف ﵇ هو ما تقدم مما قصه الله سبحانه علينا في هذه السورة. وأما ما فعلوا بأخيه فقال جماعة من المفسرين هو ما أدخلوه عليه من الغم بفراق أخيه يوسف ﵇ وما كان يناله منهم من الاحتقار والإهانة ولم يستفهم عما فعلوا بأبيهم يعقوب مع أنه قد ناله منهم ما قصه الله فيما سبق من صنوف الأذى. قال الواحدي؛ ولم يذكر أباه يعقوب مع عظم ما دخل عليه من الغم بفراقه تعظيماً له ورفعاً من قدره، وعلما بأن ذلك كان بلاء له من الله ليزيد في درجته عنده تعالى. (إذ أنتم جاهلون) نفى عنهم العلم وأثبت لهم صفة الجهل لأنهم لم يعملوا بما يقتضيه العلم، وقيل أنه أثبت لهم صفة الجهل لقصد الاعتذار عنهم وتخفيف الأمر عليهم، فكأنه قال إنما اقدمتم على ذلك الفعل القبيح المنكر وقت عدم علمكم بما فيه من الإثم وقصور معارفكم عن عاقبته وما يترتب عليه، أو أراد أنهم عند ذلك في أوان الصبا وزمان الصغر اعتذاراً لهم ودفعاً لما يدهمهم من الخجل والحيرة مع علمه وعلمهم بأنهم كانوا في ذلك الوقت كباراً، وهذا الآية تصديق لقوله تعالى (وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون).

стр. 3955

(قالوا أئنك لأنت يوسف) قرئ بالاستفهام التقريري وبدونه، وكان

стр. 3956

ذلك منهم على طريق التعجب والاستغراب. وقيل سبب معرفتهم له بمجرد قوله (ما فعلتم بيوسف وأخيه) أنهم لما قال لهم ذلك تنبهوا وفهموا أنه لا يخاطبهم بمثل هذا إلا هو، وقيل إنه لما قال لهم هذه المقالة وضع التاج عن رأسه فعرفوه، وقيل إنه تبسم فعرفوا ثناياه. (قال أنا يوسف) أجابهم بالاعتراف بما سألوه عنه، قال ابن الأنباري: أظهر الاسم فقال أنا يوسف ولم يقل أنا هو تعظيماً لما وقع له من ظلم إخوته، كأنه قال أنا المظلوم المستحل منه المحرم المراد قتله، فاكتفى بإظهار الاسم عن هذه المعاني وقال (وهذا أخي) مع كونهم يعرفونه ولا ينكرونه لأن قصده وهذا أخي المظلوم كظلمي (قد منَّ الله علينا) بالخلاص عما ابتلينا به، وقيل منَّ الله علينا بكل خير في الدنيا والآخرة وقيل بالجمع بيننا بعد التفرق وقيل بالسلامة في ديننا ودنيانا ولا مانع من إرادة جميع ذلك. (إنه من يتق ويصبر) قرئ بالجزم على أن من شرطية وقرئ بإثبات الياء في يتقي وقيل من موصولة لا شرطية وهو بعيد والمعنى من يفعل التقوى أو يفعل ما يتقيه من الذنوب ويصبر على المصائب، وقيل يتقي الزنا ويصبر على العزوبة، وقيل يتقي المعصية ويصبر على السجن، وقيل يتقي الله بأداء فرائضه ويصبر عما حرم الله، وقيل يتقي الفحشاء ويصبر على الطاعة والعموم أولى، ولا وجه لتخصيص نوع دون نوع. (فإن الله لا يضيع أجر المحسنين) على العموم فيدخل فيه ما يفيده السياق دخولاً أولياً وجاء بالظاهر وكان المقام مقام المضمر أي أجرهم للدلالة على أن الموصوفين بالتقوى موصوفون بصفة الإحسان.

стр. 3957

(قالوا تالله لقد آثرك) اختارك وفضلك (الله علينا) بما خصك به من صفات الكمال أو بالعلم والعقل أو بالملك قاله الضحاك أو بالصبر قاله أبو صالح أو بالحلم والصفح أو بالحسن، وقيل بالنبوة وقيل بسائر الفضائل التي أعطاها الله له دون إخوته، واللفظ أوسع من ذلك ويدخل فيه ما ذكر دخولاً

стр. 3958

أولياً، وهذا اعتراف منهم بفضله وعظيم قدره قيل ولا يلزم من ذلك أن لا يكونوا أنبياء، فإن درجة الأنبياء متفاوتة قال الله تعالى (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض) ويستعار آثر للفضل والإيثار للتفضيل. (وإن كنا لخاطئين) أي وإن الشأن كذلك، قال أبو عبيدة: خطأ وأخطأ واحد، وقال الأزهري: المخطئ من أراد الصواب فصار إلى غيره. ومنه قولهم المجتهد يخطئ ويصيب والخاطئ من تعمد ما لا ينبغي، قالوا هذه المقالة المتضمنة للاعتراف بالخطأ والذنب استجلابا لعفوه واستجذاباً لصفحه، وقيل آثر لفظ خاطئين على مخطئين موافقة لرؤوس الآي.

стр. 3959

(قال لا تثريب) التثريب التعيير والتوبيخ أي لا لوم (عليكم اليوم) قال الأصمعي: ثربت عليه قبحت عليه فعله، وقال الزجاج: المعنى لا إفساد لا بيني وبينكم من الحرمة وحق الأخوة ولكم عندي الصفح والعفو، وأصل التثريب الإفساد وهي لغة أهل الحجاز، وقال ابن الأنباري: معناه قد انقطع عنكم توبيخي عند اعترافكم بالذنب. قال ثعلب: ثرب فلان على فلان إذا عدد عليه ذنوبه وأصل التثريب من الثرب وهو الشحم الذي هو غاشية الكرش، ومعناه إزالة التثريب كما أن التجليد والتقريع إزالة الجلد والقرع أي لا تثريب مستقر أو ثابت عليكم. وقد جوز الأخفش الوقف على (عليكم) فيكون اليوم متعلقاً بالفعل الذي بعده وقد ذكر مثل هذا ابن الأنباري عن عكرمة قال لا تثريب لا تعيير، وأخرج أبو الشيخ عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال لما فتح رسول الله ﷺ مكة التفت إلى الناس فقال ماذا تقولون وماذا تظنون فقالوا: ابن عم كريم فقال لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم (١). ثم دعا لهم بقوله (يغفر الله لكم) على تقدير الوقف على اليوم وهو بمنزلة التعليل أو أخبرهم بأن الله قد غفر لهم ذلك اليوم على تقدير الوقف على

стр. 3960

عليكم (وهو أرحم الراحمين) يرحم عباده رحمة لا يتراحمون بها فيما بينهم فيجازي محسنهم ويغفر لمسيئهم. قال عطاء الخراساني: طلب الحوائج إلى الشباب أسهل منها عند الشيوخ ألم تر إلى قول يوسف ﵇ (لا تثريب عليكم اليوم) وقال يعقوب (سوف أستغفر لكم ربي). أقول وفي هذا الكلام نظر فإنهم طلبوا من يوسف ﵇ أن يعفو عنهم لقولهم (لقد آثرك الله علينا) فقال (لا تثريب عليكم اليوم) لأن مقصودهم صدور العفو منه عنهم وطلبوا من أبيهم يعقوب أن يستغفر الله لهم وهو لا يكون إلا بطلب ذلك منه إلى الله وبين المقامين فرق، فلم يكن وعد يعقوب لهم بخلاً عليهم بسؤال الله لهم ولا سيما إذا صح ما تقدم من أنه أخر ذلك إلى وقت الإجابة فإنه لو طلبه لهم في الحال لم يحصل له علم بالقبول. وأخرج الحكيم الترمذي وأبو الشيخ عن وهب بن منبه قال: لما كان من أمر إخوة يوسف ﵇ ما كان كتب يعقوب إلى يوسف ﵇ وهو لا يعلم أنه يوسف ﵇ بسم الله الرحمن الرحيم من يعقوب بن إسحاق ابن إبراهيم إلى عزيز آل فرعون سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو: أما بعد فإنّا أهل بيت مولع بنا أسباب البلاء كان جدي إبراهيم خليل الله ألقي في النار في طاعة ربه فجعلها الله عليه برداً وسلاماً، وأمر الله جدي أن يذبح له أبي (١) ففداه الله بما فداه، وكان لي ابن وكان أحب الناس إليَّ ففقدته فأذهب حزني عليه نور بصري وكان له أخ من أمه كنت إذا ذكرته ضممته إلى صدري فأذهب على بعض وجدي وهو المحبوس عندك في السرقة وإني أخبرك لم أسرق، ولم ألد سارقاً، فلما قرأ يوسف ﵇ الكتاب بكى وصاح وقال:
следующие страницы →