← Тафсир

Тафсир · id 37458

فتح البيان في مقاصد القرآن

صديق حسن خان

Полный текст (12 043 стр.). Показаны 3956–3995 · переход к 3961.

стр. 3956

ذلك منهم على طريق التعجب والاستغراب. وقيل سبب معرفتهم له بمجرد قوله (ما فعلتم بيوسف وأخيه) أنهم لما قال لهم ذلك تنبهوا وفهموا أنه لا يخاطبهم بمثل هذا إلا هو، وقيل إنه لما قال لهم هذه المقالة وضع التاج عن رأسه فعرفوه، وقيل إنه تبسم فعرفوا ثناياه. (قال أنا يوسف) أجابهم بالاعتراف بما سألوه عنه، قال ابن الأنباري: أظهر الاسم فقال أنا يوسف ولم يقل أنا هو تعظيماً لما وقع له من ظلم إخوته، كأنه قال أنا المظلوم المستحل منه المحرم المراد قتله، فاكتفى بإظهار الاسم عن هذه المعاني وقال (وهذا أخي) مع كونهم يعرفونه ولا ينكرونه لأن قصده وهذا أخي المظلوم كظلمي (قد منَّ الله علينا) بالخلاص عما ابتلينا به، وقيل منَّ الله علينا بكل خير في الدنيا والآخرة وقيل بالجمع بيننا بعد التفرق وقيل بالسلامة في ديننا ودنيانا ولا مانع من إرادة جميع ذلك. (إنه من يتق ويصبر) قرئ بالجزم على أن من شرطية وقرئ بإثبات الياء في يتقي وقيل من موصولة لا شرطية وهو بعيد والمعنى من يفعل التقوى أو يفعل ما يتقيه من الذنوب ويصبر على المصائب، وقيل يتقي الزنا ويصبر على العزوبة، وقيل يتقي المعصية ويصبر على السجن، وقيل يتقي الله بأداء فرائضه ويصبر عما حرم الله، وقيل يتقي الفحشاء ويصبر على الطاعة والعموم أولى، ولا وجه لتخصيص نوع دون نوع. (فإن الله لا يضيع أجر المحسنين) على العموم فيدخل فيه ما يفيده السياق دخولاً أولياً وجاء بالظاهر وكان المقام مقام المضمر أي أجرهم للدلالة على أن الموصوفين بالتقوى موصوفون بصفة الإحسان.

стр. 3957

(قالوا تالله لقد آثرك) اختارك وفضلك (الله علينا) بما خصك به من صفات الكمال أو بالعلم والعقل أو بالملك قاله الضحاك أو بالصبر قاله أبو صالح أو بالحلم والصفح أو بالحسن، وقيل بالنبوة وقيل بسائر الفضائل التي أعطاها الله له دون إخوته، واللفظ أوسع من ذلك ويدخل فيه ما ذكر دخولاً

стр. 3958

أولياً، وهذا اعتراف منهم بفضله وعظيم قدره قيل ولا يلزم من ذلك أن لا يكونوا أنبياء، فإن درجة الأنبياء متفاوتة قال الله تعالى (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض) ويستعار آثر للفضل والإيثار للتفضيل. (وإن كنا لخاطئين) أي وإن الشأن كذلك، قال أبو عبيدة: خطأ وأخطأ واحد، وقال الأزهري: المخطئ من أراد الصواب فصار إلى غيره. ومنه قولهم المجتهد يخطئ ويصيب والخاطئ من تعمد ما لا ينبغي، قالوا هذه المقالة المتضمنة للاعتراف بالخطأ والذنب استجلابا لعفوه واستجذاباً لصفحه، وقيل آثر لفظ خاطئين على مخطئين موافقة لرؤوس الآي.

стр. 3959

(قال لا تثريب) التثريب التعيير والتوبيخ أي لا لوم (عليكم اليوم) قال الأصمعي: ثربت عليه قبحت عليه فعله، وقال الزجاج: المعنى لا إفساد لا بيني وبينكم من الحرمة وحق الأخوة ولكم عندي الصفح والعفو، وأصل التثريب الإفساد وهي لغة أهل الحجاز، وقال ابن الأنباري: معناه قد انقطع عنكم توبيخي عند اعترافكم بالذنب. قال ثعلب: ثرب فلان على فلان إذا عدد عليه ذنوبه وأصل التثريب من الثرب وهو الشحم الذي هو غاشية الكرش، ومعناه إزالة التثريب كما أن التجليد والتقريع إزالة الجلد والقرع أي لا تثريب مستقر أو ثابت عليكم. وقد جوز الأخفش الوقف على (عليكم) فيكون اليوم متعلقاً بالفعل الذي بعده وقد ذكر مثل هذا ابن الأنباري عن عكرمة قال لا تثريب لا تعيير، وأخرج أبو الشيخ عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال لما فتح رسول الله ﷺ مكة التفت إلى الناس فقال ماذا تقولون وماذا تظنون فقالوا: ابن عم كريم فقال لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم (١). ثم دعا لهم بقوله (يغفر الله لكم) على تقدير الوقف على اليوم وهو بمنزلة التعليل أو أخبرهم بأن الله قد غفر لهم ذلك اليوم على تقدير الوقف على

стр. 3960

عليكم (وهو أرحم الراحمين) يرحم عباده رحمة لا يتراحمون بها فيما بينهم فيجازي محسنهم ويغفر لمسيئهم. قال عطاء الخراساني: طلب الحوائج إلى الشباب أسهل منها عند الشيوخ ألم تر إلى قول يوسف ﵇ (لا تثريب عليكم اليوم) وقال يعقوب (سوف أستغفر لكم ربي). أقول وفي هذا الكلام نظر فإنهم طلبوا من يوسف ﵇ أن يعفو عنهم لقولهم (لقد آثرك الله علينا) فقال (لا تثريب عليكم اليوم) لأن مقصودهم صدور العفو منه عنهم وطلبوا من أبيهم يعقوب أن يستغفر الله لهم وهو لا يكون إلا بطلب ذلك منه إلى الله وبين المقامين فرق، فلم يكن وعد يعقوب لهم بخلاً عليهم بسؤال الله لهم ولا سيما إذا صح ما تقدم من أنه أخر ذلك إلى وقت الإجابة فإنه لو طلبه لهم في الحال لم يحصل له علم بالقبول. وأخرج الحكيم الترمذي وأبو الشيخ عن وهب بن منبه قال: لما كان من أمر إخوة يوسف ﵇ ما كان كتب يعقوب إلى يوسف ﵇ وهو لا يعلم أنه يوسف ﵇ بسم الله الرحمن الرحيم من يعقوب بن إسحاق ابن إبراهيم إلى عزيز آل فرعون سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو: أما بعد فإنّا أهل بيت مولع بنا أسباب البلاء كان جدي إبراهيم خليل الله ألقي في النار في طاعة ربه فجعلها الله عليه برداً وسلاماً، وأمر الله جدي أن يذبح له أبي (١) ففداه الله بما فداه، وكان لي ابن وكان أحب الناس إليَّ ففقدته فأذهب حزني عليه نور بصري وكان له أخ من أمه كنت إذا ذكرته ضممته إلى صدري فأذهب على بعض وجدي وهو المحبوس عندك في السرقة وإني أخبرك لم أسرق، ولم ألد سارقاً، فلما قرأ يوسف ﵇ الكتاب بكى وصاح وقال:

стр. 3961

اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (٩٣) وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ (٩٤) قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ (٩٥)

стр. 3962

(اذهبوا بقميصي) الباء للتعدية أو اذهبوا معكم قميصي و (هذا) نعت له أو بيان أو بدل قيل هو القميص الذي ألبسه الله إبراهيم لما ألقي في النار وكساه إبراهيم إسحاق وكساه إسحاق يعقوب، وكان يعقوب أدرج هذا القميص في قصب وعلقه في عنق يوسف ﵇ لما كان يخاف عليه من العين، فأخبر جبريل يوسف أن يرسل به إلى يعقوب ليعود عليه بصره لأن فيه ريح الجنة لا يقع على سقيم إلا شفي، ولا مُبْتَلَى إلا عوفي. قال ابن عباس: ولو علم إخوته إذ ألقوه في الجب لأخذوه فلما أراد الله أن يرد يوسف ﵇ على يعقوب وكان بين رؤياه وتعبيره أربعون سنة أمر البشير أن يبشره من ثمان مراحل فوجد يعقوب ريحه، وليس يقع شيء من الجنة على عاهة من عاهات الدنيا إلا أبرأها بإذن الله. (فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا) المعنى يصير بصيراً على أن يأت هي التي من أخوات كان، قال الفراء: يرجع بصيراً، وقال السدي: يعود بصيراً ويشهد له (فارتد بصيراً) قيل كان ذلك بوحي الله وقيل بعث إليه قميصه ليزول بكاؤه وينشرح صدره، قال يهوذا أنا أحمل قميص الشفاء كما ذهبت بقميص الجفاء قيل حمله وهو حاف حاسر من مصر إلى كنعان وبينهما مسيرة ثمانين فرسخاً وقيل معناه يأت إليّ إلى مصر وهو بصير قد ذهب عنه العمى. ويؤيده قوله (وأتوني بأهلكم أجمعين) أي جميع من شمله لفظ الأهل

стр. 3963

من النساء والذراري، قيل كانوا نحو سبعين وقيل ثلاثة وتسعين.

стр. 3964

(ولما فصلت العير) أي خرجت منطلقة من عريش مصر أو من مصر إلى الشام، يقال فصل فصولاً وفصلته فصلاً لازم ومتعد. ويقال فصل من البلد فصولاً إذا انفصل عنه وخرج منه وجاوز حيطانه. (قال أبوهم) يعقوب لمن عنده في أرض كنعان من أهله (إني لأجد ريح يوسف) أي أدركها بحاسة الشم أي أشمها أي ريح الجنة من قميص يوسف ﵇، فالإضافة لأدنى ملابسة. قيل إنها هاجت ريح فصفقت القميص ففاحت روائح الجنة في الدنيا فحملت ريح القميص إلى يعقوب مع طول المسافة فأخبرهم بما وجد. قال ابن عباس: وجد ريحه من مسيرة ثمانية أيام، وقيل من مسيرة عشرة أيام؛ وقيل من مسيرة ثمانين فرسخاً. ثم قال (لولا أن تفندون) أي لولا إن تنسبوني إلى الفند وهو ذهاب العقل من الهرم، يقال أفند الرجل إذا خرف وتغير عقله قاله مجاهد، وقال أبو عبيدة: لولا أن تسفهون فجعل الفند السفه. وقال الزجاج وابن عباس: لولا أن تجهلون فجعل الفند الجهل، وقال أبو عمرو الشيباني: التفنيد التقبيح، وقيل هو الكذب، قاله ابن عباس، وقال ابن الأعرابي: لولا أن تضعفوا رأي. وروى مثله عن أبي عبيدة، وقال الأخفش: التفنيد اللوم وضعف الرأي. وكل هذه المعاني راجع إلى التعجيز وتضعيف الرأي، يقال فنده تفنيداً إذا أعجزه التعجيز وأفند إذا تكلم بالخطأ، والفند الخطأ من الكلام. وعن الربيع

стр. 3965

قال: لولا أن تحمقون، أخبرهم يعقوب بأن الصَّبا قد حملت إليه ريح حبيبه وأنه لولا ما يخشاه من التفنيد لما شك في ذلك: فإن الصبا ريح إذا ما تنفست ... على نفس مهموم تجلت همومها إذا قلت هذا حين أسلو يهيجني ... نسيم الصبا من حيث ما يطلع الفجر ولقد تهب لي الصبا من أرضها ... فيلذ مسّ هبوبها ويطيب قيل أن ريح الصبا استأذنت ربها في أن تأتي يعقوب بريح يوسف ﵇ قبل أن يأتيه البشير. قال أهل المعاني: إنّ الله أوصل إليه ريح يوسف ﵇ عند انقضاء مدة المحنة من المكان البعيد، ومنع من وصول خبره إليه مع قرب إحدى البلدتين من الأخرى في مدة ثمانين سنة، وذلك يدل على أن كل سهل فهو في مدة المحنة صعب، وكل صعب فهو في زمان الإقبال سهل.

стр. 3966

(قالوا) أي قال الحاضرون عنده من أهله (تالله إنك) يا يعقوب (لفي ضلالك) ذهابك (القديم) عن طريق الصواب الذي كنت عليه قديماً من إفراط حبك ليوسف ﵇ ورجاء لقائه على بعد العهد لا تنساه ولا تفتر عنه، ولسان حال يعقوب يقول لهم: لا يعرف الشوق إلا من يكابده ... ولا الصبابة إلا من يعانيها لا تعذل المشتاق في أشواقه ... حتى تكون حشاك في أحشائه وقيل الضلال الجنون قاله سعيد بن جبير، وقيل أنك في محبتك القديمة، قاله مجاهد، وقال ابن عباس: في خطئك القديم، قالوا له ذلك لأنه لم يكن قد بلغهم قدوم البشير وكان عندهم أن يوسف قد مات وهلك.

стр. 3967

فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٩٦) قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (٩٧) قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٩٨) فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (٩٩) وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (١٠٠)

стр. 3968

(فلما أن جاء البشير) بين يدي العير قال ابن عباس: البشير البريد، وعن الضحاك مثله، قال المفسرون البشير هو يهوذا بن يعقوب قال لأخيه أنا جئته بالقميص ملطخاً بالدم فأعطني اليوم قميصك لأخبره أنك حي فأفرحه كما أحزنته وبه قال سفيان. (ألقاه على وجهه) أي ألقى البشير قميص يوسف ﵇ على وجه يعقوب أو ألقاه يعقوب على وجه نفسه (فارتد) الارتداد انقلاب الشيء إلى حال قد كان عليها، والمعنى عاد (بصيراً) ورجع إلى حالته الأولى من صحة بصره وقوته وسروره. وعن الحسن قال: لما أن جاء البشير إلى يعقوب فألقى عليه القميص قال على أي دين خلفت يوسف؟ قال على الإسلام، قال الآن تمت النعمة. (قال) يعقوب لمن كان عنده من أهله الذين قال لهم إني لأجد ريح يوسف ﵇ (ألم أقل لكم) هذا القول فقلتم ما قلتم، ويكون قوله (إني أعلم من الله مما لا تعلمون) كلاماً مبتدأً لا يتعلق بالقول، ويجوز أن

стр. 3969

تكون الجملة مقول القول ويريد بذلك إخبارهم بما قاله لهم سابقاً إنما أشكو بثي وحزني إلى الله، والمعنى أعلم من الله ما لا تعلمون من حياة يوسف ﵇ وأن الله يجمع بيننا.

стр. 3970

(قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين) طلبوا منه أن يستغفر لهم واعترفوا بالذنب؛ وفي الكلام حذف والتقدير لما رجعوا من مصر ووصلوا إلى أبيهم، قالوا هذا القول اعتذاراً عما حصل منهم فوعدهم بما طلبوه منه و

стр. 3971

(قال سوف أستغفر لكم ربي) قال الزجاج أراد يعقوب أن يستغفر لهم في وقت السحر لأنه أخلق بإجابة الدعاء لا أنه بخل عليهم بالاستغفار. قاله ابن مسعود. وقال ابن عباس: أخرهم إلى السحر، وكان يصلي لأن دعاء السحر مستجاب. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عنه أيضاً قال: قال النبي ﷺ في قصة " هو قول أخي يعقوب لبنيه سوف أستغفر لكم ربي، يقول حتى تأتي ليلة الجمعة (١) ". قيل أخره إلى ليلة الجمعة لأنها اشرف الأوقات، وقيل أخره إلى أن يستحل لهم من يوسف ﵇ ولم يعلم أنه قد عفا عنهم أو ليعرف حالهم في صدق التوبة، وجملة (إنه هو الغفور الرحيم) تعليل لما قبلها.

стр. 3972

(فلما دخلوا على يوسف) لعل في الكلام محذوفاً مقدراً وهو فرحل يعقوب وأولاده وأهله إلى مصر فلما دخلوا على يوسف ﵇ وهم يومئذ اثنان وسبعون ما بين رجل وامرأة. وقال مسروق: كانوا ثلاثة وسبعين، قيل وكان دخولهم يوم عاشوراء،

стр. 3973

وكانوا حين خرجوا من مصر مع موسى ستمائة ألف وخمسمائة وبضعة وسبعين رجلاً سوى الذرية والهرمى، وكانت الذرية ألف ألف ومائتي ألف، قاله القرطبي، فقد بورك فيهم كثيراً حتى بلغوا هذا العدد في مدة موسى مع أن بينه وبين يوسف ﵇ أربعمائة سنة كما في التحبير. قال أبو هريرة: دخل يعقوب مصر في ملك يوسف ﵇ وهو ابن مائة وثلاثين سنة وعاش في ملكه ثلاثين سنة ومات يوسف ﵇ وهو ابن مائة وعشرين سنة، قال أبو هريرة: وبلغني أنه كان عمر إبراهيم خليل الله مائة وخمسة وتسعين سنة. (آوى إليه أبويه) أي ضمهما وأنزلهما عنده، قال المفسرون المراد بالأبوين هنا يعقوب وزوجته خالة يوسف ﵇ لأن أمه قد ماتت في ولادتها لأخيه بنيامين، وقيل أحيى الله له أمه تحقيقاً للرؤيا حتى سجدت له، وبه قال قتادة وسفيان بن عيينة. قال الخازن: والأول هو المعتمد وهذا مبني على أنه تزوج راحيل في حياة أختها ليا، قال الحفناوي وهذا قول ضعيف وأن الراجح أن ليا ماتت قبل أن يتزوج راحيل، وعلى هذا فلعله كانت لهما أخت ثالثة تزوجها يعقوب بعدهما وأدركت هذه القضية انتهى، وقيل كانت أمه باقية فلا حاجة إلى التأويل وهو الأولى بظاهر النظم القرآني. (وقال ادخلوا مصر) أي للإقامة بها (إن شاء الله آمنين) على أنفسكم وأهليكم مما تكرهونه من القحط وأصناف المكاره، وقد كانوا فيما مضى يخافون ملوك مصر ولا يدخلونها إلا بجوار منهم، وقيل والتقييد بالمشيئة عائد إلى الدخول مع الأمن ولا مانع من عوده إلى الجميع لأن دخولهم لا يكون إلا بمشيئة الله سبحانه كما أنهم لا يكونون آمنين إلا بمشيئته.

стр. 3974

وقيل أن التقيد بالمشيئة راجع إلى قوله ﵇: سوف أستغفر لكم ربي، وهو بعيد جداً وظاهر النظم القرآني أن يوسف ﵇ قال لهم هذه المقالة أعني ادخلوا مصر قبل دخولهم، وقد قيل في توجيه ذلك أنه تلقاهم إلى خارج مصر فوقف منتظراً لهم في مكان أو خيمة فدخلوا عليه فآوى إليه أبويه وقال ادخلوا مصر، فلما دخلوا مصر دخلوا عليه دخولاً آخر في المكان الذي له بمصر فهذا الدخول غير الأول. ولمصر فضائل كثيرة ذكرها المقريزي في الخطط منها أن الله ذكرها في كتابه العزيز بضعاً وعشرين مرة تارة بصريح الذكر وتارة إيماء وقال ابن عباس سميت مصر بالأرض كلها في عشرة مواضع من القرآن وقد جاء في فضل مصر أحاديث أوردها المقريزي في تاريخه، ومن أراد أن يذكر الفردوس أو ينظر إلى مثلها في الدنيا فلينظر إلى أرض مصر حين يخضر زرعها وتنور ثمارها ومن شاء أن يطلع على مواقع مصر ومجرياتها فعليما أن ينظر في الخطط وفي حسن المحاضرة للسيوطي.

стр. 3975

(ورفع أبويه على العرش) أي أجلسهما معه على السرير الذي يجلس عليه كما هي عادة الملوك قال ابن عباس: العرش السرير والرفع النقل إلى العلو (وخروا) أي الأبوان والإخوة (له) أي ليوسف ﵇ (سجداً) وكان ذلك جائزاً في شريعتهم منزلاً منزل التحية، وقيل لم يكن ذلك سجوداً بل هو مجرد ايماء وانحناء وكانت تلك تحيتهم وهو يخالف معنى خروا له سجداً فإن الخرور في اللغة المقيد بالسجود لا يكون إلا بوضع الوجه على الأرض. وقيل الضمير في له راجع إلى الله سبحانه أي وخروا لله سجداً وهو بعيد جداً وقيل أن الضمير ليوسف ﵇ واللام للتعليل أي وخروا لأجله وفيه أيضاً بعد، قال عدي بن حاتم في الآية كانت السجدة تحية من كان قبلكم فأعطاكم الله السلام مكانها، وعن قتادة نحوه، وعن ابن زيد قال ذلك سجود تشرفة كما

стр. 3976

سجدت الملائكة تشرفة لآدم وليس سجود عبادة وكان ذلك بأمر الله لتحقيق رؤياه. (وقال) يوسف ﵇ (يا أبت هذا تأويل رؤياي) التي تقدم ذكرها (من قبل) أي من قبل هذا الوقت في حال الصغر (قد جعلها ربي حقاً) أي صدقاً بوقوع تأويلها في اليقظة على ما دلت عليه قيل وكان بين الرؤيا والتأويل أربعون سنة أو ثمانون أو ست وثلاثون أو اثنتان وعشرون، وقيل خمس وثلاثون، وقيل سبعون حكى هذه الأقوال كلها ابن الجوزي والله أعلم كم كان بينهما. (وقد أحسن بي) الأصل أن يتعدى فعل الإحسان بإلى وقد يتعدى بالباء كما في قوله وبالوالدين إحساناً ويقال بي وإليّ بمعنى واحد، وقيل أنه ضمن أحسن معنى لطف أي لطف بي محسناً (إذ أخرجني من السجن) بعدما ابتليت به، ولم يذكر إخراجه من الجب، لأن في ذكره نوع من تثريب وتخجيل للإخوة وقد قال (لا تثريب عليكم اليوم) وقد تقدم سبب سجنه ومدة بقائه فيه. وقد قيل إن وجه عدم ذكر إخراجه من الجب أن المنة كانت في إخراجه من السجن أكبر من المنة في إخراجه من الجب لأن دخوله الجب كان بحسد إخوته ودخوله السجن بسبب تهمة المرأة فإخراجه من السجن كان لزوال التهمة عنه، وكان ذلك من أعظم نعمه سبحانه عليه وفيه بعد وضعف، وقيل لأن إخراجه من السجن كان سبباً لوصوله إلى الملك، أو لأن مصيبة السجن عنده كانت أعظم لطول مدتها ولمصاحبة الأوباش وأعداء الدين فيه بخلاف مصيبة الجب لقصر مدتها ولكون المؤنس له فيها جبريل ﵇ وغيره من الملائكة. (وجاء بكم من البدو) أي البادية أي أرض كنعان بالشام وكانوا أهل

стр. 3977

مواشي وبرية فسكنوا البادية، وقيل أن يعقوب ﵇ تحول إلى البادية بعد النبوة لأن الله لم يبعث نبياً من البادية وأن المكان الذي كان فيه يعقوب يقال له بدا وفيه نظر والبدو هو البسيط من الأرض والبدو خلاف الحضر والبادية خلاف الحاضرة، قال الخفاجي البادية والبدو بمعنى، قيل سميت به لأن ما فيها يبدو للناظر لعدم ما يواريه. (من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي) أي بعد أن أفسد بيننا وحمل بعضنا على بعض يقال نزغه إذا نخسه وأصله من نخس الدابة ليقوى مشيها وأحال يوسف ذنب إخوته على الشيطان تكرماً منه وتأدبا (إنّ ربي لطيف) قال الأزهري: هو من أسماء الله تعالى معناه الرفيق بعباده يقال لطف فلان بفلان يلطف إذا رفق به. وقال عمرو بن أبي عمرو: اللطيف الذي يوصل إليك أَرَبَكَ (١) في لطف، قال الخطابي؛ اللطيف هو البر بعباده الذي يلطف بهم من حيث لا يعلمون ويسبب لهم مصالحهم من حيث لا يحتسبون، وقيل اللطيف العالم بدقائق الأمور، قال قتادة: لطف بيوسف ﵇ وصنع له حين أخرجه من السجن وجاء بأهله من البدو ونزع من قلبه نزع الشيطان وتحريشه على إخوته. (لما يشاء) أي لأجل ما يشاء حتى يجيء على وجه الصواب (إنه هو العليم) بأموره (الحكيم) في أفعاله.

стр. 3978

رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١) ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (١٠٢) وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (١٠٤) وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (١٠٥) وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦) ولما أتمّ الله نعمته على يوسف ﵇ بما خلصه من المحن العظيمة، وبما خوله من الملك وعلمه من العلم، تاقت نفسه إلى الخير الأخروي الدائم الذي لا ينقطع فقال

стр. 3979

(رب قد آتيتني من الملك) من للتبعيض أي بعض الملك لأنه لم يؤت كل الملك، إنما أوتي ملكاً خاصاً وهو ملك مصر في زمن خاص، وقيل زائدة، وقيل لبيان الجنس، والملك عبارة عن الاتساع في الشيء المقدور لمن له السياسة والتدبير ولم يملك جميع أقطار الأرض إلا أربعة: اثنان مسلمان إسكندر وسليمان، وإثنان كافران بختنصر وشداد بن عاد. قلت وسيملك خامس وهو عيسى بن مريم حين ينزل من السماء إلى الأرض كما وردت به الأحاديث الصحيحة. (وعلمتني من تأويل الأحاديث) أي بعضها لأنه لم يعط جميع علم التأويل سواء أريد به مطلق العلم والفهم أو مجرد تأويل الرؤيا، وقيل من للجنس كما في قوله تعالى فاجتنبوا الرجس من الأوثان وقيل زائدة كما تقدم. (فاطر السماوات والأرض) أي يا فاطرهما أو منتصب بإضمار أعني أو على أنه صفة لرب أو بدل أو بيان، والفاطر الخالق والمنشئ والمخترع والمبدع

стр. 3980

(أنت ولي) أي ناصري ومتولي أموري (في الدنيا والآخرة) تتولاني فيهما. (توفني مسلماً) أي على الإسلام لا يفارقني حتى أموت، قيل إنه دعا بذلك مع علمه بأن كل نبي لا يموت إلا مسلماً إظهاراً للعبودية والافتقار وشدة الرغبة في طلب سعادة الخاتمة وتعليماً لغيره، وهذه حالة زائدة على الإسلام الذي هو ضد الكفر؛ والمطلوب هاهنا هو الإسلام بهذا المعنى، قاله الرازي والخطيب والكرخُي. قال ابن عباس: ما سأل نبي الوفاة غير يوسف ﵇ اشتاق إلى لقاء الله واحب أن يلحق به وبآبائه، فدعا الله أن يتوفاه (و) قال (ألحقني بالصالحين) من النبيين من آبائي وغيرهم فأظفر بثوابهم منك ودرجاتهم عندك، قال الضحاك: يعني إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب، وقال عكرمة: يعني أهل الجنة. قيل إنه لما دعا بهذا الدعاء توفاه الله ولم يأت عليه أسبوع بعد هذا الدعاء، قيل كان عمره عند أن أَلقي في الجب سبع عشرة سنة، وكان في العبودية والسجن والملك ثمانين سنة إلى قدوم أبيه يعقوب، ثم عاش بعد اجتماع شملهم حتى كمل عمره المقدار الذي سيأتي وتوفاه الله. وليس في اللفظ ما يدل أنه طلب الوفاة في الحال ولهذا ذهب الجمهور إلى أنه لم يتمن الموت بهذا الدعاء في الحال وإنما دعا ربه أن يتوفاه على دين الإسلام ويلحقه بالصالحين من عباده عند حضور أجله. وقد عاش بعد ذلك سنين كثيرة وولد له من امرأة العزيز ثلاثة أولاد إفراثيم وميشا ورحمة امرأة أيوب، ولما مات دفنوه في أعلى النيل في صندوق من رخام وقيل من حجارة المرمر لتعم البركة جانبيه، فسبحان من لا انقضاء لملكه، فبقي أربعمائة سنة إلى أن أخرجه موسى وحمله معه حتى دفنه بقرب آبائه بالشام في الأرض المقدسة فهو الآن هناك.

стр. 3981

(ذلك) المذكور من أمر يوسف أي قصته وما جرى له مع إخوته وما

стр. 3982

صار إليه من الملك بعد الرق (من أنباء الغيب) أخباره (نوحيه إليك) خبر ثان، قال الزجاج: ويجوز أن يكون (ذلك) بمعنى الذي أي الذي من أنباء الغيب نوحيه إليك والمعنى الإخبار من الله تعالى لرسوله ﷺ بأن هذا الذي قصه عليه من أمر يوسف وإخوته من الأخبار التي كانت غائبة عنه فأوحاه الله إليه وأعلمه به، ولم يكن عنده قبل الوحي شيء من ذلك. وفيه تعريض ساطع بكفار قريش لأنهم كانوا مكذبين له ﷺ بما جاء به جحوداً وعناداً وحسداً مع كونهم يعلمون حقيقة الحال، ودليل قاطع على صحة نبوته ﷺ لأنه كان أمياً بحتاً لم يقرأ الكتب ولم يلق العلماء ولم يسافر إلى غير بلده الذي نشأ فيه، ومع ذلك أتى بهذه القصة الطويلة على أحسن تركيب وأفصح عبارة فعلم إن إتيانه بها بوحي من الله . (وما كنت لديهم) أي لدى إخوة يوسف وهو تعليل لكل من الخبرين (إذ أجمعوا أمرهم) إجماع الأمر العزم عليه أي إذ عزموا جميعاً على إلقائه في الجب (وهم) أي بنو يعقوب في تلك الحالة (يمكرون) بيوسف ﵇ في هذا الفعل الذي فعلوه به ويبغونه الغوائل أو يمكرون بيعقوب حين جاءوه بقميص ملطخاً بالدم وقالوا أكله الذئب. وإذا لم يكن رسول الله ﵌ لديهم عند أن فعلوا ذلك انتفى علمه بذلك مشاهدة ولم يكن بين قوم لهم علم بأحوال الأمم السالفة، ولا خالطهم ولا خالطوه، فانتفى علمه بذلك بطريق الرواية عن الغير، فلم يبق بعلمه بذلك طريق إلا مجرد الوحي من الله سبحانه فهذا يستلزم الإيمان بما جاء به. فلما لم يؤمن بذلك من عاصره من الكفار قال الله سبحانه ذاكراً لهذا

стр. 3983

(وما أكثر الناس ولو حرصت) على هدايتهم وبالغت في ذلك (بمؤمنين) بالله لتصميمهم على الكفر الذي هو دين آبائهم، يقال حرص يحرص مثل ضرب

стр. 3984

يضرب وفي لغة ضعيفة مثل حمد يحمد، والحرص طلب الشيء باجتهاد والاسم الحرص بكسر وحرص حرصاً من باب تعب لغة إذا رغب رغبة مذمومة. وقال الزجاج: معناه ما أكثر الناس بمؤمنين ولو حرصت على أن تهديهم، لأنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء، قال ابن الأنباري: أن قريشاً واليهود سألوا النبي ﷺ عن قصة يوسف وإخوته فشرحها شرحاً شافياً وأتى بها على وفق ما عندهم في التوراة، وهو يأمل أن يكون ذلك سبباً لإسلامهم، فخالفوا ظنه ولم يسلموا فحزن رسول الله ﷺ لذلك فعزاه الله بقوله وما أكثر الناس. الآية.

стр. 3985

(وما تسألهم عليه) أي على القرآن وما تتلوه عليهم منه أو على الإيمان وحرصك على وقوعه منهم أو على ما تحللهم به من هذا الحديث (من أجر) من مال يعطونك إياه ويجعلونه لك كما يفعله أحبارهم (إن هو) أي القرآن أو الحديث الذي حدثتهم به (إلا ذكر للعالمين) كافة قاطبة لا يختص بهم وحدهم وهذا كالتعليل لما قبله لأن الوعظ العام ينافي أخذ الأجر من البعض.

стр. 3986

(وكأين من آية) قال الخليل وسيبويه إن كأين أصلها (أي) دخل عليها كاف التشبيه لكنه انمحى عن الحرفين المعنى الإفرادي وصار المجموع باسم واحد بمعنى كم الخبرية التكثيرية والأكثر إدخال من في مميزة وهو تمييز عن الكاف لا عن أي كما في مثلك رجلاً. والمعنى كم من آية كائنة (في السماوات) من كونها منصوبة بغير عمد مزينة بالكواكب النيرة السيارة والثوابت (والأرض) من جبالها وقفارها وبحارها ونباتها وحيواناتها تدلهم على توحيد الله سبحانه، وأنه الخالق لذلك والرازق له المحيي المميت. قال الضحاك: كم من آية في السماء، يعني شمسها وقمرها، ونجومها وسحابها، وفي الأرض ما فيها من الخلق والأنهار والجبال والمدائن والقصور

стр. 3987

ولكن أكثر الناس (يمرون عليها) أي على هذه الأيات غير متأملين لها ولا متفكرين فيها ولا ملتفتين إلى ما تدل عليه من وجود خالقها وأنه المتفرد بالألوهية مع كونهم مشاهدين لها، وفي مصحف عبد الله يمشون عليها، والمراد ما يرون فيها من آثار الأمم الهالكة وغير ذلك من الآثار والعبر. (وهم عنها معرضون) وإن نظروا إليها بأعيانهم فقد أعرضوا عما هو الثمرة للنظر بالحدقة وهي التفكر والاعتبار والاستدلال.

стр. 3988

(وما يؤمن) أي ما يصدق (أكثرهم) أي أكثر الناس (بالله) من كونه الخالق الرازق المحيي المميت (إلا وهم مشركون) بالله يعبدون معه غيره. أقول إن إيضاح ما تضمنه هذه الآية يتوقف على إيضاح ما ذكره أهل التفاسير المعتبرة وينحصر ذلك في وجوه اثني عشر، وينضم إلى ذلك ما ذكرته أنا فيكون الوجوه ثلاثة عشر. الوجه الأول: أن أهل الجاهلية كانوا يقرون بأن الله سبحانه خالقهم ورازقهم ويعبدون غيره من أصنامهم وطواغيتهم، قال تعالى: (ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله، ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله) لكنهم كانوا يثبتون له شركاء فيعبدونهم ليقربوهم إلى الله كما قالوا (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) ومثل هؤلاء الذين اتخذوا أحبارهم أرباباً من دون الله والمعتقدون في الأموات بأنهم يقدرون على ما لا يقدر عليه إلا الله سبحانه كما يفعله كثير من عباد القبور. فهذا الإقرار الصادر منهم بأن الله خالقهم ورازقهم هو يصدق عليه أنه إيمان بالمعنى الأعم أي تصديق لا بالمعنى الأخص أعني إيمان المؤمنين، فهذا الإيمان الصادر منهم واقع في حال الشرك فقد آمنوا حال كونهم مشركين، وإلى هذا الوجه ذهب جمهور المفسرين، ولكنهم لم يذكروا ما ذكرناه

стр. 3989

هاهنا من تقريره بكونه إيماناً بالمعنى الأعم ولا بد من ذلك حتى يستقيم الكلام ويصدق عليه مسمى الإيمان. الوجه الثاني: أن المراد بالآية المنافقون لأنهم كانوا يظهرون الإيمان ويبطنون الشرك فما كانوا يؤمنون ظاهراً إلا وهم مشركون باطناً. وروي هذا عن الحسن البصري. الوجه الثالث: أنهم أهل الكتاب يؤمنون بكتابهم ويقلدون علماءهم في الكفر بغيره ويقولون المسيح ابن الله وعزير ابن الله، فهم يؤمنون بما أنزل الله على أنبيائهم حال كونهم مشركين. الوجه الرابع: أن المقصود بذلك ما كان يقع في تلبية العرب من قولهم لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك، فقد كانوا في هذه التلبية يؤمنون بالله وهم مشركون. روي نحو ذلك عن ابن عباس. الوجه الخامس: أن المراد بهذه الآية المراؤون من هذه الأمة لأن الرياء هو الشرك المشار إليه بقوله ﷺ : " الشرك أخفى في أمتي من دبيب النمل " (١) فالمراؤون آمنوا بالله حال كونهم مشركين بالرياء. وأخرج أحمد في السند من حديث محمود بن لبيد أن رسول الله ﷺ قال: " أن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، قالوا وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال الرياء (٢)، يقول الله يوم القيامة: إذا جزى الناس بأعمالهم اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء ". الوجه السادس: أن المراد بالآية من نسي ربه في الرخاء وذكره عند الشدائد روى ذلك عن عطاء، وفيه أنه لا يصدق على ذلك أنه آمن بالله حال كونه مشركاً إلا أن يجعل مجرد نسيان الذكر والدعاء عند الرخاء شركاً مجازاً كأنه بنسيانه وتركه للدعاء قد عبد إلهاً آخر وهو بعيد، على أنه لا يمكن

стр. 3990

اجتماع الأمرين لأنه حال الذكر والدعاء غير متصف بالنسيان وترك الذكر، وقد تقرر أن الحال قيد في عاملها إلا أن يعتبر بما كان عليه الشيء فإن ذلك أحد العلاقات المصححة للتجوز، ويدل عليه قوله تعالى: (فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون). الوجه السابع: أن المراد من أسلم من المشركين فإنه كان مشركاً قبل إيمانه حكم بذلك الحاكم في تفسيره وتقريره أنه ما يؤمن أحدهم بالله إلا وقد كان مشركاً قبل إيمانه والكلام فيه كالكلام في الوجه الذي قبله، والجواب الجواب. الوجه الثامن: أن المراد بالشرك هاهنا ما يعرض من الخواطر والأحوال حال الإيمان، قاله الواسطي كما حكاه عنه البقاعي، وفيه أن هذه الخواطر والأحوال إن كانت مما يصدق عليه الشرك الأكبر أو الأصغر فذاك وإن كانت خارجة عن ذلك فهو فاسد. الوجه التاسع: أنهم الذين يشبهون الله بخلقه، رواه الكشاف عن ابن عباس وتقريره أنهم آمنوا بالله حال تشبيههم له بما يكون شركاً أو يؤول إلى الشرك. الوجه العاشر: هو ما تقوله القدرية من إثبات القدرة للعبد حكاه النسفي في مدارك التنزيل. وتقريره أنهم آمنوا بالله حال إثباتهم ما هو مختص به لغيره وهو شرك أو منزل منزلة الشرك. الوجه الحادي عشر: ما قاله محيي الدين بن عربي في تفسيره أن أكثر الناس إنما يؤمنون بغير الله ويكفرون بالله دائماً، ففي بعض الأحيان يشركون الله سبحانه مع ذلك الإله الذي هم مؤمنون به فلا يؤمن أكثرهم بالله إلا حال كونه مشركاً، وفيه أن ظاهر النظم القرآني أن الإيمان بالله والشرك بتشريك غيره معه لا يكون إلا بتشريكه مع غيره وبين المعنيين فرق. الوجه الثاني عشر: ذكره ابن كثير في تفسيره، وهو أن ثمة شركاً خفياً

стр. 3991

لا يشعر به غالب الناس ممن يفعله، كما روى عن حذيفة أنه دخل على مريض يزوره فرأى في عضده سيراً فقطعه وانتزعه ثم قال: " وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون " وفي الحديث الذي رواه الترمذي وحسنه عن ابن عمر مرفوعاً " من حلف بغير الله فقد أشرك " (١). وأخرج أحمد وأبو داود من حديث ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ " إن الرقى والتمائم والتولة شرك " (٢) وفي لفظ لهما: الطيرة شرك وما منا الا. ولكن الله يذهبه بالتوكل. وروى أحمد في المسند عن عدي بن عبد الرحمن قال دخلت على عبد الله ابن حكيم وهو مريض فقيل له لو تعلقت فقال أتعلق شيئاً، وقد قال رسول الله ﷺ : " من تعلق شيئاً وكل إليه " (٣)، ورواه النسائي عن أبي هريرة. وفي المسند عن عقبة: بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ : " من علق تميمة فقد أشرك " (٤) وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول الله (أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملاً أشرك فيه غيري تركته وشركه) (٥). وروى أحمد وغيره من حديث غيره؛ وفي المسند أيضاً من ردته الطيرة من حاجة فقّد أشرك قالوا يا رسول الله ما كفارة ذلك قال أن يقول أحدهم: " اللهم لا خير إلا خيرك ولا طير إلا طيرك ولا إله غيرك " (٦). وأخرج أحمد من حديث أبي موسى قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه

стр. 3992

وسلم ذات يوم فقال يا أيها الناس اتقوا هذا الشرك فإنه أخفى من دبيب النمل، ثم قالوا له كيف نجتنبه وهو أخفى من دبيب النمل؟ قال قولوا: " اللهم إنا نعوذ بك أن نشرك بك شيئاً نعلمه ونستغفرك لما لا نعلمه " وقد روي من حديث غيره (١). إذا عرفت ما تضمنته كتب التفسير من الوجوه التي ذكرناها وعرفت تقريرها على الوجه الذي قررناه فاعلم أن هذه الأقوال إنما هي اختلاف في سبب النزول وأما النظم القرآني فهو صالح لحمله على كل ما يصدق عليه مسمى الإيمان مع وجود مسمى الشرك، والاعتبار بما يفيده اللفظ لا بخصوص السبب كما هو مقرر في مواطنه. فيقال مثلاً في أهل الشرك أنه ما يؤمن أكثرهم بأن الله هو الخالق الرازق إلا وهو مشرك بالله بما يعبده من الأصنام، ويقال فيمن كان واقعاً في شرك من الشرك الخفي وهو من المسلمين أنه ما يؤمن بالله إلا وهو مشرك بذلك الشرك الخفي، ويقال مثلاً في سائر الوجوه بنحو هذا على التقرير الذي قررناه سابقاً، وهذا يصلح أن يكون وجهاً مستقلاً وهو أوجهها وأرجحها فيما أحسب وإن لم يذكره أحد من المفسرين. فما قيل من أنه يشكل وجود اتصافهم بالإيمان في حال تلبسهم بالشرك استشكال واقع موقعه، وسؤال حال محله، وجوابه قد ظهر مما سبق فإنه يقال مثلاً إن أهل الجاهلية كان إيمانهم المجامع للشرك هو مجرد الإقرار بأن الله هو الخالق الرازق وهو لا ينافي ما هم عليه من الشرك. وكذلك يقال إن أهل الإسلام كان شرك من وقع منهم في شيء من الشرك الخفي الأصغر غير مناف لوجود الإيمان منهم لأن الشرك الأصغر لا يخرج به فاعله عن مسمى الإيمان ولهذا كانت كفارته أن يتعوذ بالله من أن يشرك وأن يقول في الطيرة اللهم لا طير إلا طيرك ولا إله غيرك.

стр. 3993

أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٠٧) قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠٩) حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١١٠) فقد صح بهذا أنه اجتمع الإيمان الحقيقي والشرك الخفي في بعض المؤمنين، واجتمع الإيمان بالمعنى الأعم والشرك الحقيقي في أهل الجاهلية، وكذا يقال في أهل الكتاب أنه اجتمع فيهم الإيمان بما أنزل الله على أنبيائهم والإشراك بجعل بعض المخلوقين أبناء لله وهكذا في بقية الوجوه.

стр. 3994

(أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله) الاستفهام للإنكار والغاشية ما يغشاهم ويغمرهم من العذاب كقوله يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم وقيل هي الساعة، وقيل الصواعق والقوارع، وقيل وقيعة تغشاهم، قاله قتادة، وقيل نقمة تشملهم ولا مانع من الحمل على العموم. (أو تأتيهم الساعة بغتة) أي فجأة من غير سابقه علامة والنصب على الحال قال المبرد جاء عن العرب حال بعد نكرة وهو قولهم وقع أمر بغتة يقال بغتهم الأمر بغتاً وبغتة إذا فاجأهم. (وهم لا يشعرون) بإتيانها قيل تهيج الصيحة بالناس وهم في أسواقهم غير مستعدين لها.

стр. 3995

(قل) يا محمد للمشركين (هذه) الدعوة التي أدعو إليها والطريقة
следующие страницы →