← Тафсир

Тафсир · id 37458

فتح البيان في مقاصد القرآن

صديق حسن خان

Полный текст (12 043 стр.). Показаны 4026–4065 · переход к 4031.

стр. 4026

(ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة) نزل في استعجالهم العذاب استهزاء والسيئة العقوبة المهلكة، والحسنة العافية والسلامة، قالوا هذه المقالة لفرط إنكارهم وشدة تصميمهم. (وقد خلت من قبلهم المثلات) جمع مثلة كسمرة وهي العقوبة الفاضحة، سميت بذلك لما بين العقاب والمعاقب عليه وهو الذنب من المماثلة في أن كُلاًّ منهما مذموم. قال ابن الأنباري: المثلة العقوبة التي تبقى في المعاقب شيئاً بتغيير بعض خلقه من قولهم مثل فلان بفلان إذا شأن خلقه بقطع أنفه وسمل عينيه وبقر بطنه، وقرئ بفتح الميم وإسكان الثاء تخفيفاً لثقل الضمة، قيل وهي لغة الحجاز، وفي لغة تميم بضم الميم والثاء جميعاً، واحدتها على لغتهم مثلة، مثل غرفة وغرفات، وقرئ بفتحهما.

стр. 4027

وقيل المثلة نقمة تنزل بالإنسان فيجعل مثالاً يرتدع غيره به. قال قتادة: المثلات العقوبات، يعني وقائع الله في الأمم فيمن خلا قبلكم. وقال ابن عباس: المثلات ما أصاب القرون الماضية من العذاب، والمعنى أن هؤلاء يستعجلونك بإنزال العقوبة بهم وقد مضت من قبلهم عقوبات أمثالهم من المكذبين فما لهم لا يعتبرون بهم ويحذرون من حلول ما حل بهم. وهذا الاستعجال من هؤلاء هو على طريقة الاستهزاء كقولهم اللهم أن كان هذا هو الحق من عندك الآية (وإن ربك لذو مغفرة) أي لذو تجاوز عظيم، والمراد بها الإمهال وتأخير العذاب (للناس على) أي مع (ظلمهم) باقترافهم الذنوب ووقوعهم في المعاصي إن تابوا عن ذلك ورجعوا إلى الله سبحانه، والجار والمجرور في محل نصب على الحال أي حال كونهم ظالمين. وفي الآية بشارة عظيمة ورجاء كبير، لأن من المعلوم أن الإنسان حال اشتغاله بالظلم لا يكون تائباً فيجوز العفو قبل التوبة ولهذا قيل إنها في عصاة الموحدين خاصة. وقيل المراد بالمغفرة هنا تأخير العقاب إلا الآخرة كما تقدم ليطابق ما حكاه الله من استعجال الكفار للعقوبة، وكما يفيده قوله تعالى (وإن ربك لشديد العقاب) فيعاقب من يشاء من العصاة المكذبين من الكافرين عقاباً شديداً على ما تقتضيه مشيئته في الدار الآخرة فتأخير ما استعجلوه ليس للإهمال. عن سعيد بن المسيب قال: لما نزلت هذه الآية قال رسول الله ﷺ : " لولا عفو الله وتجاوزه ما هنأ لأحد العيش، ولولا وعيده وعقابه لاتكل كل أحد " (١).

стр. 4028

(ويقول الذين كفروا) من أهل مكة (لولا) هلا (أنزل عليه) أي على

стр. 4029

محمد ﷺ (آية من ربه) غير ما قد جاء به من الآيات كالعصا واليد والناقة، وهؤلاء القائلون هم المستعجلون للعذاب وإنما عدل عن الإضمار إلى الوصول ذماً لهم بكفرهم بآيات الله التي تخر لها الجبال حيث لم يرفعوا لها رأساً ولم يعدوها من جنس الآيات، وهذا مكابرة من الكفار وعناد وإلا فقد أنزل الله على رسوله من الآيات ما يغني البعض منه. قال الزجاج: طلبوا غير الآيات التي أتى بها فالتمسوا مثل آيات موسى وعيسى فقال الله تعالى (إنما أنت منذر) تنذرهم بالنار وليس إليك من الآيات من شيء وفيه إزالة لرغبته ﷺ في حصول مقترحهم، فإنه كان شديد الرغبة في إيجاب مقترحاتهم لشدة التفاته إلى إيمانهم، قاله الخطيب. وجاء في إنما أنت بصيغة الحصر لبيان أنه ﷺ مرسل لإنذار العباد وبيان ما يحذرون عاقبته وليس عليه غير ذلك، وقد فعل ما هو عليه وأنذر أبلغ إنذار، ولم يدع شيئاً مما يحصل به ذلك إلا أتى به وأوضحه وكرره فجزاه الله عن أمته خيراً. (ولكل قوم هاد) أي نبي يدعوهم إلى ما فيه هدايتهم، ورشادهم بما يعطيه من الآيات لا بما يقترحون وإن لم تقع الهداية لهم بالفعل ولم يقبلوها، وآيات الرسل مختلفة، هذا يأتي بآياته أو آيات لم يأت بها الآخر بحسب ما يعطيه الله منها، ومن طلب من بعضهم ما جاء به البعض الآخر فقد بلغ في التعنت إلى مكان عظيم فليس المراد من الآيات إلا الدلالة على النبوة لكونها معجزة خارجة عن القدرة البشرية، وذلك لا يختص بفرد منها ولا بأفراد معينة. قال الرازي: فهذا هو الوجه الذي قرره القاضي، وهو الوجه الصحيح الذي يبقى الكلام معه منتظما. انتهى. وقيل أن المعنى ولكل قوم هاد هو الله سبحانه فإنه القادر على ذلك وليس على أنبيائه إلا مجرد الإنذار. قال ابن عباس: هاد أي داع،

стр. 4030

وقال مجاهد: المنذر محمد ﷺ ، ولكل قوم هاد نبي يدعوهم إلى الله، وعن سعيد بن جبير ومجاهد وابن عباس نحوه، وعنه قال رسول الله ﷺ هو المنذر وهو الهادي. أخرجه ابن مردويه، وعن عكرمة وأبي الضحى نحوه. وقيل الهادي هو العمل الصالح، وقيل الهادي هو القائد إلى الخير لا إلى الشر وهو يعم الرسل وأتباعهم إلى آخر الدهر. وعن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية وضع رسول الله ﷺ يده على صدره فقال: أنا المنذر، وأومأ بيده إلى منكب عليّ فقال (أنت الهادي يا عليّ بك يهتدي المهتدون من بعدي (١))، أخرجه ابن جرير وأبو نعيم في المعرفة، والديلمي وابن عساكر وابن النجار، قال ابن كثير في تفسيره، وهذا الحديث فيه نكارة شديدة. وجملة

стр. 4031

(الله يعلم ما تحمل كل أنثى) مستأنفة مسوقة لبيان إحاطته سبحانه بالعلم وعلمه بالغيب الذي هذه الأمور منه، وقيل الاسم الشريف خبر، أي لكل قوم هاد هو الله، وجملة (يعلم ما تحمل كل أنثى) تفسير لهاد، وهذا بعيد جداً، والعلم هنا متعد لواحد بمعنى العرفان وما موصولة، أي يعلم الذي تحمله كل أنثى في بطنها من علقة أو مضغة أو ذكر أو أنثى أو صبيح أو قبيح أو سعيد أو شقي أو طويل أو قصير، أو تام أو ناقص، أو استفهامية، أي يعلم أي شيء في بطنها وعلى أي حال هو؛ أو مصدرية، أي يعلم حملها. (وما تغيض الأرحام وما تزداد) وما في الموضعين محتملة للأوجه المتقدمة وغاض وازداد سمع تعديهما ولزومهما ولك أن تدعي حذف العائد على القول بتعديهما وأن تجعل ما مصدرية على القول بلزومهما، والغيض النقص وعليه

стр. 4032

أكثر المفسرين أي يعلم الذي تغيضه الأرحام أي تنقصه، ويعلم ما تزداده لا يخفى عليه شيء من ذلك ولا من أوقاته وأحواله فقيل المراد نقص خلقة الحمل وزيادته كنقص أصبع أو زيادتها. وقيل أن المراد نقص مدة الحمل عن تسعة أشهر أو زيادتها، وقيل إذا حاضت المرأة في حال حملها كان ذلك نقصا في ولدها، قاله ابن عباس وإذا لم تحض يزداد الولد وينمو فالنقصان نقصان خلقة الولد بخروج الدم والزيادة تمام خلقه باستمساك الدم، وقال سعيد بن جبير: الغيض ما تنقصه الأرحام من الدم، والزيادة ما تزداده منه، وقال الضحاك: ما تغيض السقط وما تزداد، ما زادت في الحمل على ما غاضت حتى ولدته تماما؛ وذلك أن من النساء من تحمل عشرة أشهر، ومنهن من تحمل تسعة أشهر ومنهن من تنقص، فذلك الغيض والزيادة التي ذكر الله وكل ذلك يعلمه الله. وقال مجاهد: الغيض خروج الدم؛ والزيادة استمساكه؛ ومدة الحمل أكثرها عند قوم سنتان، وبه قالت عائشة وأبو حنيفة، وقيل أن الضحاك ولد لسنتين، وقيل أكثرها أربع سنين، وإليه ذهب الشافعي وقيل خمس سنين، وبه قال مالك وأقلها ستة أشهر، وقد يولد لهذه المدة ويعيش. (وكل شيء) من الأشياء التي من جملتها الأشياء المذكورة (عنده) سبحانه (بمقدار) هو القدر الذي قدره الله وهو معنى قوله سبحانه (إنا كل شيء خلقناه بقدر) أي كل الأشياء عند الله سبحانه جارية على قدره الذي قد سبق وفرغ منه لا يخرج عن ذلك شيء، وهذا مذهب السلف، وقال الكرخي: هذه عندية علم، أي يعلم كيفية كل شيء وكميته على الوجه المفصل المبين. ويحتمل أن يكون المراد بالعندية أنه تعالى خصص كل حادث بوقت معين وحالة معينة بمشيئته الأزلية وإرادته السرمدية، ويدخل في هذه الآية أفعال العباد وأحوالهم وخواطرهم وهي من أدل الدلائل على بطلان قول المعتزلة.

стр. 4033

عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (٩) سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (١٠) لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ (١١) هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ (١٢) وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ (١٣)

стр. 4034

(عالم الغيب والشهادة) أي عالم كل غائب عن الحس وكل مشهود حاضر أو كل معدوم وموجود، وقال الضحاك: عالم السر والعلانية ولا مانع من حمل الكلام على ما هو أعم من ذلك (الكبير المتعال) أي العظيم الذي كل شيء دونه المتعالي عما يقوله المشركون أو المستعلى على كل شيء بقدرته وعظمته وقهره أو المتعالي عن الخلق باستوائه على عرشه ومباينته عن خلقه وهو الأولي. ثم لما ذكر سبحانه أنه يعلم تلك المغيبات لا يغادر شيئاً منها بين أنه عالم بما يسرونه في أنفسهم وما يجهرون به لغيره تعالى وأن ذلك لا يتفاوت عنده فقال

стр. 4035

(سواء منكم من أسر القول ومن جهر به) فهو يعلم ما أسره الإنسان كعلمه بما جهر به من خير أو شر أي سواء ما أضمرته القلوب أو نطقت به الألسن، وسر من أسر، وجهر من جهر. (ومن هو مستخف بالليل) أي مستتر في الظلمة الكائنة في الليل المتواري عن الأعين يقال خفى الشيء واستخفى أي استتر وتوارى (وسارب بالنهار).

стр. 4036

قال الكسائي: سرب يسرب سراباً وسروباً إذا ذهب، وقال القتيبي: أي متصرف في حوائجه بسرعة من قولهم أسرب الماء. قال الأصمعي: حل سربه أي طريقته، والسرب بالكسر النفس يقال هو واسع السرب أي رخى البال والسرب بفتحتين بيت في الأرض لا منفذ له وهو الوكر. وقال الزجاج: معنى الآية الجاهر بنطقه والمضمر في نفسه، والظاهر في الطرقات والمستخفي في الظلمات، علم الله فيهم جميعاً سواء وهذا الصق بمعنى الآية كما تفيده المقابلة بين المستخفي والسارب، فالمستخفي المستتر، والسارب البارز الظاهر، ولنعم ما قاله بعضهم: يا من ترى مدَّ البعوض جناحها ... في ظلمة الليل البهيم الأليل وترى عروق نياطها في نحرها ... والمخ في ذاك العظام النحل اغفر لعبد تاب من فرطاته ... ما كان منه في الزمان الأول وقيل مستخف راكب رأسه في المعاصي، وسارب ظاهر بالنهار بالمعاصي. وعن ابن عباس: قال هو صاحب ريبة مستخف بالليل، وإذا خرج بالنهار أرى الناس أنه بريء من الإثم.

стр. 4037

(له) الضمير راجع إلى (من) في قوله (من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف) أي لكل من هؤلاء (معقبات) هي المتناوبات التي يخلف كل واحد منها صاحبه ويكون بدلاً منه وهم الحفظة من الملائكة تعتقبه في قول عامة المفسرين؛ قال الزجاج: المعقبات ملائكة يأتي بعضهم بعقب بعض قيل هم خمسة بالليل وخمسة بالنهار. وفي الخطيب أنهم عشرون لكل إنسان عشرة بالليل وعشرة بالنهار، وهو

стр. 4038

الذي في شرح الجوهرة، وإنما قال معقبات مع كون الملائكة ذكوراً لأن الجماعة من الملائكة يقال لها معقبة ثم جمع معقبة على معقبات ذكر معناه الفراء كما قيل أبناوات سعد، ورجالات بكر. وقيل أنث لكثرة ذلك منهم نحو نسابة وعلامة، قال الجوهري: والتعقب العود بعد البدء قال الله تعالى (ولى مدبراً ولم يعقب) وقرئ معاقيب جمع معقب وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر "، الحديث بطوله أخرجه الشيخان (١)، وقال ابن عباس هذه للنبي ﷺ خاصة. قلت العموم أولى ويدخل فيه سبب النزول دخولاً أولياً. (من بين يديه ومن خلفه) أي من بين يدي من له المعقبات؛ والمراد أن الحفظة من الملائكة يتعاقبون من جميع جوانبه، وقيل المراد بالمعقبات الأعمال ومعنى من بين يديه ومن خلفه ما تقدم منها وما تأخر (يحفظونه من) أجل (أمر الله) وقيل يحفظونه من بأس الله إذا أذنب بالاستمهال له والاستغفار حتى يتوب، وقيل يحفظون عليه الحسنات والسيئات، وقيل من شر طوارق الليل والنهار. قال الفراء في هذا قولان: أحدهما: أنه على التقديم والتأخير أي له معقبات من أمر الله يحفظونه من بين يديه ومن خلفه. والثاني: أن كون الحفظة يحفظونه هو مما أمر الله به، قال الزجاج: المعنى حفظهم إياه من أمر الله أي مما أمرهم به لا أنهم يقدرون أن يدفعوا أمر الله قال ابن الأنباري: وفي هذا قول آخر وهو أن من بمعنى الباء أي يحفظونه بأمر

стр. 4039

الله وإعانته واستظهره السفاقسي، وقيل أن من بمعنى عن أي يحفظونه عن أمر الله بمعنى من عند الله لا من عند أنفسهم كقوله (أطعمهم من جوع) أي عن جوع. وقيل يحفظونه عن ملائكة العذاب وقيل يحفظونه من الجن والأنس فهي على بابها، واختار ابن جرير أن المعقبات المواكب والحراس والجلاوزة بين أيدي الأمراء في حول السلطان على معنى أن ذلك لا يدفع عنه القضاء. وقال ابن عباس: ذلك الحفظ من أمر الله بأمر الله وبإذن الله، لأنه لا قدرة للملائكة ولا لأحد من الخلق أن يحفظ أحداً من أمر الله ومما قضاه الله عليه إلا بأمره وإذنه، وعن قتادة مثله. وعنه أيضاً قال: وليّ السلطان يكون عليه الحراس يحفظونه من بين يديه ومن خلفه يقول يحفظونه من أمري، فإني إذا أردت بقوم سوءاً فلا مرد له، وقال أيضاً الملوك يتخذون الحرس يحفظونهم من أمامهم وعن خلفهم وعن شمالهم يحفظونهم من القتل، ألم تسمع أن الله يقول (إذا أراد الله بقوم سوءاً فلا مرد له) أي إذا أراد سوءاً لم تغن الحرس عنه شيئاً. وعن عكرمة قال: هؤلاء الأمراء، وعن ابن عباس قال: هم الملائكة تعقب بالليل تكتب على ابن آدم ويحفظونه من بين يديه ومن خلفه، فإذا جاء قدر الله خلوا عنه. وعن علي قال: ليس من عبد إلا ومعه ملائكة يحفظونه من أن يقع عليه حائط أو يتردى في بئر أو يأكله سبع أو يغرق أو يحرق، فإذا جاء القدر خلوا بينه وبين القدر، وقد ورد في ذكر الحفظة الموكلين بالإنسان أحاديث كثيرة مذكورة في كتب الحديث. (إن الله لا يغير ما بقوم) من النعمة والعافية (حتى يغيروا ما

стр. 4040

بأنفسهم) من طاعة الله والحالة الجميلة بالحالة القبيحة؛ والمعنى أنه لا يسلب قوماً نعمة أنعم بها عليهم حتى يغيروا الذي بأنفسهم من الخير والأعمال الصالحة، أو يغيروا الفطرة التي فطرهم الله عليها، قيل وليس المراد أنه لا ينزل بأحد من عباده عقوبة حتى يتقدم له ذنب، بل قد تنزل المصائب بذنوب الغير، كما في الحديث أنه سأل رسول الله ﵌ سائل فقال: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث (١). (وإذا أراد الله بقوم سوءاً) أي هلاكاً وعذاباً (فلا مرد) أي فلا راد (له) وقيل المعنى إذا أراد بقوم سوءاً أعمى قلوبهم حتى يختاروا ما فيه البلاء (وما لهم من دونه من وال) يلي أمرهم ويلتجئون إليه فيدفع عنهم ما ينزل بهم من الله سبحانه من العقوبات، أو من ناصر ينصرهم يمنعهم من عذاب الله. والمعنى أنه لا راد لعذاب الله ولا ناقض لحكمه. ولما خوف سبحانه عباده بإنزال ما لا مرد له أتبعه بأمور ترجى من بعض الوجوه وتخاف من بعضها، وهي البرق والسحاب والرعد والصاعقة، وقد مر في أول البقرة تفسير هذه الألفاظ وأسبابها فقال

стр. 4041

(هو الذي يريكم البرق) هو لمعان يظهر من خلال السحاب. وعن علي بن أبي طالب قال: البرق مخاريق من نار بأيدي ملائكة السحاب يزجرون به السحاب. وروي عن جماعة من السلف ما يوافق هذا ويخالفه. (خوفاً وطمعاً) أي لتخافوا خوفاً ولتطمعوا طمعاً، وقيل النصب على العلة بتقدير إرادة الخوف والطمع أو على الحالية من البرق أو من المخاطبين

стр. 4042

بتقدير ذوي خوف، وقيل غير ذلك مما لا حاجة إليه، قيل والمراد بالخوف هو الحاصل من الصواعق وبالطمع هو الحاصل بالمطر. وقال الزجاج: الخوف للمسافر لما يتأذى به من المطر، والطمع للحاضر لأنه إذا رأى البرق طمع في المطر الذي هو سبب الخصب، قال قتادة: خوفاً للمسافر يخاف أذاه ومشقته، وطمعاً للمقيم يطمع في رزق الله ويرجو بركة المطر ومنفعته وعن الحسن خوفاً لأهل البحر وطمعاً لأهل البر. وعن الضحاك قال: الخوف ما يخاف من الصواعق والطمع الغيث. (وينشئ السحاب الثقال) التعريف للجنس والواحدة سحابة والثقال جمع ثقيلة والسحاب الغيم المنسحب في الهواء، والمراد أن الله سبحانه يجعل السحاب التي ينشئها ثقالاً بما يجعله فيها من الماء.

стр. 4043

(ويسبح الرعد) نفسه متلبساً (بحمده) وليس هذا بمستبعد، ولا مانع من أن ينطقه الله بذلك (وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم) وأما على تفسير الرعد بملك من الملائكة فلا استبعاد بذلك ويكون ذكره على الإنفراد مع ذكر الملائكة بعده لزيد خصوصية له وعناية به، والمسموع لنا منه هو نفس صوته إذا سبح التسبيح المذكور. وقيل هو صوت الآلة التي يضرب بها السحاب أي الصوت الذي يتولد عنه الضرب، وقيل المراد ويسبح سامعو الرعد، أي يقولون سبحان الله وبحمده، والأول أولى. أخرج أحمد عن شيخ من بني غفار قد صحب رسول الله ﷺ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: أن الله ينشئ السحاب فينطق أحسن النطق ويضحك أحسن الضحك (١)، وقيل والمراد بنطقها الرعد وبضحكها البرق، وقد ثبت عند أحمد والترمذي والنسائي في

стр. 4044

اليوم والليلة والحاكم في مستدركه من حديث ابن عمر قال: كان رسول الله ﵌ إذا سمع الرعد والصواعق قال: اللهم لا تقتلنا بغضبك، ولا تهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك (١). وأخرج العقيلي وضعَّفه وابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ينشئ الله السحاب ثم ينزل فيه الماء فلا شيء أحسن من ضحكه ولا شيء أحسن من نطقه، ومنطقه الرعد وضحكه البرق (٢). وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله أن خزيمة بن ثابت وليس بالأنصاري سأل رسول الله ﵌ عن منشأ السحاب فقال: أن ملكاً موكلاً يلم القاصية ويلحم الدانية، بيده مخراق فإذا رفع برقت وإذا زجر رعدت، وإذا ضرب صعقت. وعن ابن عباس قال: أقبلت يهود إلى رسول الله ﷺ فقالوا: أخبرنا ما هذا الرعد؟ قال: ملك من ملائكة الله سبحانه موكل بالسحاب بيده مخراق من نار يزجر به السحاب يسوقه حيث أمره الله، قالوا: فيما هذا الصوت الذي يُسمع؟ قال: صوته، قالوا: صدقت، أخرجه الترمذي وغيره (٣). وأخرج البخاري في الأدب المفرد وابن أبي الدنيا في المطر وابن جرير عن ابن عباس أنه كان إذا سمع صوت الرعد قال سبحان الذي سبحت له، وقال إن الرعد ملك ينعق بالغيث كما ينعق الراعي بغنمه، وقد روي نحو هذا عنه من طرق وعن أبي هريرة أن الرعد صوت الملك، وعن ابن عمر نحوه.

стр. 4045

وعن ابن عباس قال: الرعد ملك اسمه الرعد وصوته هذا تسبيحه، فإذا اشتد زجره احتك السحاب واضطرم من خوفه فتخرج الصواعق من بينه. وعن أبي عمران الجوني قال: أن بحوراً من نار دون العرش تكون منها الصواعق. وعن السدي قال: الصواعق نار. وتسبح (الملائكة من خيفته) سبحانه أي هيبته وجلاله، وقيل من خيفة الرعد، وقد ذكر جماعة من المفسرين أن هؤلاء الملائكة هم أعوان الرعد وأن الله سبحانه جعل له أعواناً. (ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء) من خلقه فيهلكه، وسياق هذه الأمور هنا للغرض الذي سيقت له الآيات التي قبلها وهو الدلالة على كمال قدرته، والصواعق جمع صاعقة وهي العذاب النازل من البرق، وقيل هي الصوت الشديد النازل من الجو ثم يكون فيه نار أو عذاب أو موت وهي في ذاتها شيء واحد، وهذه الأشياء تنشأ منها. قال الكرخي: وأمر الصاعقة عجيب جداً لأنها نار تتولد في السحاب وإذا نزلت من السحاب فربما غاصت في البحر وأحرقت الحيتان. قال محمد ابن علي الباقر: الصاعقة تصيب المسلم وغير المسلم ولا تصيب الذاكر. (وهم) أي الكفار المخاطبون في قوله، وهو الذي يريكم البرق (يجادلون في) شأن (الله) فينكرون البعث تارة ويستعجلون بالعذاب أخرى ويكذبون الرسل ويعصون الله، وقيل الضمير راجع إلى من وأعاد عليها الضمير جمعاً باعتبار معناها، ثم المجادلة المفاوضة على سبيل المنازعة والمغالبة، وأصله من جدلت الحبل إذا أحكمت فتله والجملة مستأنفة. (وهو شديد المحال) أي المماحلة والمكايدة لأعدائه من محل بفلان إذا كاده وعرَّضه للهلاك ومنه تمحَّل إذا تكلف استعمال الحيلة، ولعل أصله المحل بمعنى القحط، والجملة حالية من الجلالة الكريمة ويضعف استئنافها. قال ابن الأعرابي: المحال المكر والمكر من الله التدبير بالحق، وقال

стр. 4046

النحاس: المكر من الله إيصال المكروه إلى من يستحقه من حيث لا يشعر، وقال الأزهري: المحال فعال من المحل بمعنى القوة والشدة والميم أصلية وماحلت فلاناً محالاً أينا أشد، وقال أبو عبيدة المحال العقوبة والمكروه. قال الزجاج: يقال ماحلته محالاً إذا قاويته حتى يتبين أيكما أشد والمحل في اللغة الشدة، قال ابن قتيبة: أي شديد الكيد وأصله مفعل من الحول أو الحيلة جعل الميم كميم المكان وأصله من الكون ثم يقال تمكنت فاعل على غير قياس ويعضده أنه قرئ بفتح الميم على أنه مفعل من حال يحول إذا احتال. قال الأزهري: غلط ابن قتيبة إن الميم فيه زائدة بل هي أصلية وإذا رأيت الحرف على مثال فعال أوله ميم مكسورة فهي أصلية مثل مهاد وملاك ومراس وغير ذلك من الحروف، وفي القاموس المحال ككتاب الكيد وروم الأمر بالحيل والتدبير والقدرة والجدال والعذاب والعقاب والعداوة والمعادلة كالمماحلة والقوة والشدة والهلاك والإهلاك. ومحل به مثلث الحاء محلاً ومحالاً كاده بسعاية إلى السلطان وماحله مماحلة ومحالاً قاواه حتى يتبين أيهما أشد انتهى. وللصحابة والتابعين في تفسير المحال هنا أقوال ثمانية: الأول: العداوة. الثاني: الحول. الثالث: الأخذ، وبه قال ابن عباس. الرابع: الحقد. الخامس: القوة. السادس: الغضب. السابع: الهلاك. الثامن: الحيلة.

стр. 4047

لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (١٤) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (١٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (١٦)

стр. 4048

(له دعوة الحق) الإضافة للملابسة أي الدعوة الملابسة للحق المختصة به التي لا مدخل للباطل فيها بوجه من الوجوه كما يقال كلمة الحق والمعنى أنها دعوة مجابة واقعة في موقعها لا كدعوة من دونه، وقيل الحق هو الله سبحانه، والمعنى أن لله سبحانه دعوة المدعوّ الحق وهو الذي يسمع فيجيب، وقيل المراد بدعوة الحق هاهنا كلمة التوحيد والإخلاص، والمعنى لله من خلقه أن يوحدوه ويخلصوا له، وقيل معنى كونها له تعالى أنه شرعها وأمر بها وجعلها افتتاح الإسلام بحيث لا يقبل بدونها، وقيل دعوة الحق دعاؤه سبحانه عند الخوف فإنه لا يدعى فيه سواه كما قال تعالى (ضل من تدعون إلا إياه) وقيل الدعوة العبادة فإن عبادة الله هي الحق والصدق. (و) الآلهة (الذين يدعون) بالياء متواترة وبالتاء شاذة لا من السبعة ولا من العشرة وعليها فيقرأ كباسط بالتنوين ويكون في قوله الآتي لا يستجيبون التفات (من دونه) أي غير الله وهم الأصنام (لا يستجيبون) أي لا يجيبون (لهم بشيء) مما يطلبونه منهم كائناً ما كان (إلا كباسط كفيه إلى الماء) أي استجابة كاستجابة الماء لمن بسط كفيه إليه من بعيد فإنه لا يجيبه لأنه جماد لا يشعر بحاجته إليه، ولا يقدر أن يجيب دعاءه ولا يدري أنه طلب منه

стр. 4049

(ليبلغ فاه) بارتفاعه من البئر إليه ولهذا قال (وما هو) أي الماء (ببالغه) أي ببالغ فيه. وقيل وما الفم ببالغ الماء إذ كل واحد منهما لا يبلغ الآخر على هذه الحال، وقيل وما باسط كفيه إلى الماء ببالغ الماء ذكره السمين، والأول أولى. أعلم الله سبحانه أن دعاءهم الأصنام كدعاء العطشان إلى الماء يدعوه إلى بلوغ فمه وما الماء ببالغه، وقيل أنه كباسط كفيه إلى الماء ليقبض عليه فلا يحصل في كفه شيء منه، وقد ضرب العرب لمن سعى فيما لا يدركه مثلاً بالقبض على الماء، وقال الفراء: أن المراد بالماء هنا ماء البئر لأنها معدن للماء وأنه شبهه بمن مدَّ يديه إلى البئر بغير رشا. ضرب الله سبحانه هذا مثلاً لمن يدعو غيره من الأصنام، عن عليّ قال: كان الرجل العطشان يمد يده إلى البئر ليرتفع الماء إليه وما هو ببالغه، وعن ابن عباس قال: هذا مثل المشرك الذي عبد مع الله غيره فمثله كمثل الرجل العطشان الذي ينظر إلى خياله في الماء من بعيد وهو يريد أن يتناوله ولا يقدر عليه. (وما دعاء الكافرين) أي عبادتهم الأصنام أو حقيقة الدعاء والأول هو الظاهر، والثاني قول ابن عباس: (إلا في ضلال) أي يضل عنهم ذلك الدعاء إذا احتاجوا إليه لأن أصواتهم محجوبة عن الله تعالى فلا يجدون منه شيئاً ولا ينفعهم بوجه من الوجوه بل هو ضائع ذاهب.

стр. 4050

(ولله يسجد من في السماوات والأرض) إن كان المراد بالسجود معناه الحقيقي وهو وضع الجبهة على الأرض للتعظيم مع الخضوع والتذلل فذلك ظاهر في المؤمنين والملائكة ومسلمي الجن، وأما في الكفار فلا يصح تأويل

стр. 4051

السجود بهذا في حقهم فلا بد أن يحمل السجود المذكور في الآية على معنى حق لله السجود ووجب حتى يتناول السجود بالفعل وغيره أو يفسر السجود بالانقياد لأن الكفار وإن لم يسجدوا لله سبحانه فهم منقادون لأمره وحكمه فيهم بالصحة والمرض والحياة والموت، والفقر والغنى، وجاء بمن تغليباً للعقلاء على غيرهم، ولكون سجود غيرهم تبعاً لسجودهم. ومما يؤيد حمل السجود على الانقياد ما يفيده تقديم لله على الفعل من الاختصاص فإن سجود الكفار لأصنامهم معلوم ولا ينقادون لهم كانقيادهم لله في الأمور التي يقرون على أنفسهم بأنها من الله كالخلق والحياة والموت وغير ذلك. وأيضاً يدل على إرادة هذا المعنى قوله (طوعاً وكرهاً) فإن الكفار ينقادون كرهاً كما ينقاد المؤمنون طوعاً، وهما منتصبان على المصدرية أي انقياد طوع وانقياد كره، أو على الحال أي طائعين وراضين وكارهين غير راضين، قال الفراء: الآية خاصة بالمؤمنين فإنهم يسجدون طوعاً وبعض الكفار يسجدون إكراهاً بالسيف، وخوفاً كالمنافقين فالآية محمولة على هؤلاء. وقيل الآية في المؤمنين فمنهم من يسجد طوعاً لا يثقل عليه السجود ومنهم من يثقل عليه لأن التزام التكليف مشقة، ولكنهم يتحملون المشقة إيماناً بالله وإخلاصاً له أو المراد بالسجود هو الاعتراف بالعظمة والعبودية وكل من فيهما من ملك وإنس وجن فإنهم يقرون له بالعبودية والتعظيم، ويدل عليه قوله تعالى (ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله) والأول أولى. (وظلالهم) جمع ظل والمراد به من له ظل منهم كالإنسان لا الجن ولا الملك إذ لا ظل لهما والمعنى سجوده حقيقة تبعاً لصاحبه حيث صار لازماً لا

стр. 4052

ينفك عنه، قال الزجاج: جاء في التفسير أن الكافر يسجد لغير الله فظله يسجد لله وقال ابن الأنباري ولا يبعد أن يخلق الله تعالى للظلال عقولاً وأفهاماً تسجد بها لله سبحانه كما جعل للجبال أفهاماً حتى اشتغلت بتسبيحه، فظل المؤمن يسجد لله طوعاً وظل الكافر يسجد لله كرهاً. وقيل المراد بالسجود ميلان الظلال من جانب إلى جانب آخر وطولها تارة وقصرها أخرى بسبب ارتفاع الشمس ونزولها والأول أولى. (بالغدو والآصال) أي البكر والعشايا وخصهما بالذكر لأنه يزداد ظهور الظلال فيهما وهما ظرف للسجود المقدر، أي ويسجد ظلالهم في هذين الوقتين، وقيل لأنهما طرفا النهار فيدخل وسطه فيما بينهما، والغدو بالضم من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس والغدوة والغداة أول النهار، وقيل إلى نصف النهار. والآصال جمع أصيل وهو العشية والآصال العشايا جمع عشية وهي ما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس، وقد تقدم تفسير الغدو والآصال في الأعراف أيضاً. وفي معنى هذه الآية قوله سبحانه (أو لم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل سجداً لله وهم داخرون) قيل وهذه السجدة من عزائم سجود التلاوة، فيسن للقارئ والمستمع أن يسجد عند قراءته واستماعه لهذه السجدة.

стр. 4053

(قل من رب السماوات والأرض) أي خالقهما ومتولي أمورهما، أمر الله سبحانه رسوله أن يسأل الكفار مَنْ ربهما؛ سؤال تقرير، ثم لما كانوا يقرون بذلك ويعترفون به كما حكاه الله سبحانه في قوله (ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم) وقوله (ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله) أمر رسوله ﵌ أن يجيب فقال (قل

стр. 4054

الله) فكأنه حكي جوابهم وما يعتقدونه لأنهم ربما تلعثموا (١) في الجواب حذراً مما يلزمهم. ثم أمره بأن يلزمهم الحجة ويبكتهم فقال (قل أفاتخذتم) الاستفهام للإنكار، أي إذا كان رب السماوات والأرض هو الله كما تقرون بذلك وتعترفون به كما حكاه سبحانه عنكم بقوله (قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم سيقولون الله) فما بالكم اتخذتم لأنفسكم بعد إقراركم هذا (من دونه أولياء) عاجزين (لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضرا) يضرون به غيرهم أو يدفعونه عن أنفسهم فكيف ترجون منهم النفع والضر وهم لا يملكونهما لأنفسهم. ثم ضرب الله سبحانه لهم مثلاً وأمر رسوله ﷺ أن يقوله لهم فقال (قل هل يستوي الأعمى) في دينه وهو الكافر (والبصير) فيه وهو الموحد، فإن الأول جاهل لما يجب عليه وما يلزمه والثاني عالم بذلك. قال ابن عباس يعني المؤمن والكافر. (أم هل) أم هذه هي النقطعة فتقدر ببل. والهمزة عند الجمهور، وببل وحدها عند بعضهم، وقد تقوى بهذه الآية من يرى تقديرها ببل فقط بوقوع هل بعدها، وأجيب بأن هل هنا بمعنى قد وإليه ذهب جماعة، وقيل استفهامية للتقريع والتوبيخ وهو الظاهر (تستوي) قرئ بالتاء والياء والوجهان واضحان (الظلمات) أي الكفر (والنور) أي الإيمان، أي كيف يكونان مستويين وبينهما من التفاوت ما بين الأعمى والبصير، وما بين الظلمات والنور، ووحد النور وجمع الظلمات لأن طريق الحق واحدة لا تختلف، وطرائق الباطل كثيرة غير منحصرة.

стр. 4055

(أم) هي المنقطعة التي بمعنى بل والهمزة أي بل أ (جعلوا لله شركاء) والاستفهام لإنكار الوقوع قال إبن الأنباري: معناه أجعلوا لله شركاء (خلقوا كخلقه) أي مثل خلق الله، يعني سماوات وأرضاً وشمساً وقمراً، وجبالاً وبحاراً وجناً وإنساً. (فتشابه الخلق عليهم) أي فتشابه خلق الشركاء بخلق الله عندهم، وهذا كله في حيز النفي كما علمت، أي ليس الأمر كذلك حتى يشتبه الأمر عليهم، بل إذا فكروا بعقولهم وجدوا الله هو المتفرد بالخلق وسائر الشركاء لا يخلقون شيئاً. والمعنى أنهم لم يجعلوا لله شركاء متصفين بأنهم خلقوا كخلقه فتشابه بهذا السبب الخلق عليهم حتى يستحقوا بذلك العبادة منهم. بل إنما جعلوا له شركاء الأصنام ونحوها بمحض سفه وجهل. وهي بمعزل أن تكون كذلك لأنه لم يصدر عنها فعل ولا خلق ولا أثر البتة. ثم أمره الله بأن يوضح لهم الحق ويرشدهم إلى الصواب فقال (قل الله خالق كل شيء) كائناً ما كان ليس لغيره في ذلك مشاركة بوجه من الوجوه فلا شريك له في العبادة، قال الزجاج: والمعنى أنه خالق كل شيء مما يصح أن يكون مخلوقاً، ألا ترى أنه تعالى شيء وهو غير مخلوق (وهو الواحد) أي المنفرد بالربوبية مقول القول أو مستأنفه (القهار) لما عداه فكل ما عداه مربوب مقهور مغلوب.

стр. 4056

أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ (١٧) لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٨) ثم ضرب سبحانه مثلاً آخر للحق وذويه وللباطل ومنتحليه، فقال

стр. 4057

(أنزل من السماء ماء) مطراً يعني من جهتها والتنكير للتكثير أو للنوعية (فسالت أودية) جمع واد وهو كل منفرج بين جبلين أو نحوهما يسيل الماء فيه بكثرة فاتسع فيه واستعمل للماء الجاري فيه وتنكيرها لأن المطر يأتي على تناوب بين البقاع وإذا نزل لا يعم جميع الأرض ولا يسيل في كل الأودية بل ينزل في أرض دون أرض ويسيل في واد دون واد. قال أبو علي الفارسي: لا نعلم فاعلاً جمع على أفعلة إلا هذا، وكأنه حمل على فعيل مثل جريب وأجربة كما أن فعيلاً حمل على فاعل فجمع على أفعال مثل يتيم وأيتام وشريف وأشراف كأصحاب وأنصار في صاحب وناصر. قال وفي قوله أودية توسع أي سال ماؤها قال ومعنى (بقدرها) بقدر مائها لأن الأودية ما سالت بقدر أنفسها، قال الواحدي: والقدر مبلغ الشيء والمعنى بقدرها من الماء فإن صغر الوادي قل الماء وإن اتسع كثر، قال ابن عباس: الصغير قدر صغره، والكبير قدر كبره، ونحوه قال ابن جريج وقال في الكشاف بمقدارها الذي يعرف الله أنه نافع للممطور عليهم غير ضار، وقيل بمقدار ملئها أي ما يملؤها كل واحد بحسبه صغراً وكبراً، والباء للملابسة. قال ابن الأنباري: شبه نزول القرآن الجامع للهدى والبيان بنزول المطر

стр. 4058

إذ نفْع نزول القرآن يعم كعموم نفع نزول المطر، وشبه الأودية بالقلوب إذ الأودية يستكن فيها الماء كما يستكن القرآن والإيمان في قلوب المؤمنين. (فاحتمل السيل) احتمل بمعنى حمل فافتعل بمعنى المجرد وإنما نكر الأودية وعرف السيل لأن المطر ينزل على المناوبة والسيل قد فهم من الفعل قبله وهو فسالت (زبداً رابياً) الزبد هو الأبيض المرتفع المنتفخ على وجه السيل ويقال له الغُثاء والرغوة وكذلك ما يعلو عن القدر عند غليانها، وقيل الزبد وضر الغليان والوضر بفتحتين وسخ الدسم ونحوه وهو مجاز عما يعلو الماء من الغُثاء والرابي العالي المرتفع فوق الماء، قال الزجاج: هو الطافي فوق الماء، وقال غيره هو الزائد بسبب انتفاخه من ربا يربو إذا زاد. والمراد من هذا تشبيه الكفر بالزبد الذي يعلو الماء فإنه يضمحل ويعلق بجنبات الوادي وتدفعه الرياح، فكذلك يذهب الكفر ويضمحل، وعن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﵌ " إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضاً فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء نفع الله بها الناس فشربوا منها وسقوا ووعوا وأصاب طائفة منها أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماءً ولا تنبت كلأ فذلك مثل من فقه في دين ونفعه ما بعثني الله به فتعلم وعلم ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به (١)، أخرجه البخاري ومسلم. وقد تم هنا المثل الأول ثم شرع سبحانه في ذكر المثل الثاني فقال (ومما يوقدون عليه في النار) مِن لابتداء الغاية أي ومنه ينشأ زبد مثل زبد الماء أو للتبعيض بمعنى وبعضه زبد مثله والضمير للناس أضمر مع عدم سبق الذكر لظهوره؛ هذا على قراءة التحتية واختاره أبو عبيدة، وقرئ بالفوقية على الخطاب والمعنى ومما توقدون عليه في النار فيذوب من الأجسام المتطرفة

стр. 4059

الذائبة، وفي المصباح وقدت النار وقداً من باب وعد ووقوداً والوقود بالفتح الحطب وأوقدتها إيقاداً ومنه على الاستعارة كلما أوقدوا ناراً للحرب، والوقد بفتحتين النار نفسها والموقد موضع الوقود. (ابتغاء) أي لطلب اتخاذ (حلية) بتزينون بها ويتجملون كالذهب والفضة (أو) لطلب (متاع) آخر يتمتعون به من الأواني والآلات المتخذة من الحديد والصفر والنحاس والرصاص (زبد مثله) المراد بالزبد هنا الخبث فإنه يعلو فوق ما أذيب من تلك الأجسام كما يعلو الزبد على الماء فالضمير في مثله يعود إلى زبداً رابياً وزبد مبتدأ وخبره مما توقدون، ووجه المماثلة أن كلا منهما ناش من الاكدار. (كذلك) الضرب البديع (يضرب) أي يبين (الله) المثل (الحق) أي الإيمان (و) المثل (الباطل) أي الكفر فالحق هو الماء والجوهر الصافي الثابت والباطل هو الزبد الطافي الذي لا ينتفع به ثم شرع في تتميم المثل فقال: (فأما الزبد) بقسميه (فيذهب جفاء) باطلاً مرمياً به يقال جفأ الوادي غثاء جفأ إذا رمى به أي يرميه الماء إلى الساحل ويرميه الكير فلا ينتفع به والجفاء بمنزلة الغثاء وكذا قال أبو عمرو بن العلاء، وحكى أبو عبيدة أنه سمع رؤبة يقرأ (جفالاً) قال أبو عبيدة أجفلت القدر إذا قذفت بزبدها وأجفلت الريح السحاب إذا قطعته، قال أبو حاتم لا يقرأ بقراءة رؤبة لأنه كان يأكل الفار. والمعنى يذهب باطلاً ضائعاً أي أن الباطل وأن علا في وقت فإنه يضمحل ويذهب، وقيل الجفاء المتفرق قاله ابن الأنباري يقال جفأت الريح السحاب أي قطعته وفرقته ووجه المماثلة بين الزبدين في الزبد الذي يحمله السيل والزبد الذي يعلو الأجسام المتطرقة إن تراب الأرض لما خالط الماء وحمله معه صار زبداً رابياً فوقه وكذلك ما يوقد عليه في النار حتى يذوب من الأجسام

стр. 4060

المتطرقة فإن أصله من المعادن التي تنبت في الأرض فيخالطها التراب فإذا أذيبت صار ذلك التراب الذي خالطها خبثاً مرتفعاً فوقها. (وأما ما ينفع الناس) منها وهو الماء الصافي والجوهر الجيد من هذه الأجسام المذابة والذائب الخالص من الخبث (فيمكث في الأرض) أي يثبت فيها ويبقى ولا يذهب، أما الماء فإنه يسلك في عروق الأرض فينتفع الناس به، وأما ما أذيب من تلك الأجسام فإنه يصاغ حلية وأمتعة. وهذان مثلان ضربهما الله سبحانه للحق والباطل يقول إن الباطل وإن ظهر على الحق في بعض الأحوال وعلاه فإن الله سبحانه سيمحقه ويبطله، ويجعل العاقبة للحق وأهله كالزبد الذي يعلو الماء فيلقيه الماء ويضمحل، وكخبث هذه الأجسام فإنه وأن علا عليها فإن الكير يقذفه ويدفعه فهذا مثل الباطل. وأما الماء الذي ينفع الناس وينبت المراعي فيمكث في الأرض وكذلك الصفو من هذه الأجسام فإنه يبقى خالصاً لا شوب فيه وهو مثل الحق. قال الزجاج: فمثل المؤمن واعتقاده ونفع الإيمان كمثل هذا الماء المنتفع به في نبات الأرض وحياة كل شيء، وكمثل نفع الفضة والذهب وسائر الجواهر لأنها كلها تبقى منتفعاً بها، ومثل الكافر وكفره كمثل الزبد الذي يذهب جفاء، وكمثل خبث الحديد وما تخرجه النار من وسخ الفضة والذهب الذي لا ينتفع به، وقد حكينا عن ابن الأنباري فيما تقدم أنه شبه نزول القرآن إلى آخر ما ذكرناه فجعل ذلك مثلاً ضربه الله للقرآن. (كذلك) الضرب العجيب (يضرب الله الأمثال) في كل باب لكمال العناية بعباده واللطف بهم في الإرشاد والهداية، وفيه تفخيم لشأن هذا التمثيل وتأكيد لقوله: (كذلك يضرب الله الحق والباطل) إما باعتبار ابتناء هذا على التمثيل الأول أو بجعل ذلك إشارة إليهما جميعاً. ثم بيَّن سبحانه من ضرب له مثل الحق ومثل الباطل من عباده، فقال

стр. 4061

فيمن ضرب له مثل الحق

стр. 4062

(للذين استجابوا لربهم) خبر مقدم، أي أجابوا دعوته إذ دعاهم إلى توحيده وتصديق أنبيائه والعمل بشرائعه. (الحسنى) مبتدأ مؤخر، أي المثوبة الحسنى وهي الجنة، وبه قال جمهور المفسرين، وقيل الحسنى هي المنفعة العظمى الخالصة الخالية عن شوائب المضرة والانقطاع والأول أولى. وهو قول ابن عباس. وقال سبحانه فيمن ضرب له مثل الباطل: (والذين لم يستجيبوا له) أي لدعوته إلى ما دعاهم إليه وهم الكفار الذين استمروا على كفرهم وشركهم وما كانوا عليه، والموصول مبتدأ أخبر عنه بثلاثة أخبار، الأول الجملة الشرطية وهي (لو أن لهم ما في الأرض جميعاً) من أصناف الأموال التي يتملكها العباد ويجمعونها بحيث لا يخرج عن ملكهم منها شيء (ومثله معه) أي مثل ما في الأرض جميعاً كائناً معه ومنضماً إليه (لافتدوا به) أي بمجموع ما ذكر وهو ما في الأرض ومثله، والمعنى ليخلصوا به مما هم فيه من العذاب الكبير والهول العظيم، ثم بين سبحانه ما أعد لهم فقال: (أولئك) يعني الذين لم يستجيبوا وهو خبر ثان للموصول (لهم سوء الحساب) من إضافة الصفة للموصوف أي الحساب السيء، وهو أن يحاسب الرجل بذنبه كله ولا يغفر له منه شيء. قال الزجاج: لأن كفرهم أحبط أعمالهم، وقال غيره هو المناقشة فيه، وفي الحديث " من نوقش الحساب عذب " (١) (ومأواهم جهنم) أي مرجعهم إليها (وبئس المهاد) أي المستقر الذي يستقرون فيه أو الفراش الذي يفرش لهم في جهنم، والمخصوص بالذم محذوف وهو خبر ثالث للموصول المتقدم.

стр. 4063

أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٩) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (٢٠) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (٢١) وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (٢٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣)

стр. 4064

(أفمن يعلم) الهمزة للإنكار على من يتوهم المماثلة بين من يعلم وبين من هو أعمى لا يعلم ذلك ولا يؤمن به (أنما أنزل إليك من ربك الحق) أي ما أنزل الله سبحانه إلى رسوله ﷺ من الحق الذي لا شك فيه ولا شبهة وهو القرآن (كمن هو أعمى) فإن الحال بينهما متباعد جداً كالتباعد الذي بين الماء والزبد وبين الخبيث والخالص من تلك الأجسام. قيل نزل في حمزة وأبي جهل، ومع هذا فالأولى حمل الآية على العموم وإن كان السبب خاصاً، والمعنى لا يستوي من يبصر الحق ويتبعه ومن لا يبصره ولا يتبعه، وعن قتادة قال: هؤلاء قوم انتفعوا بما سمعوا من كتاب الله وعقلوه ووعوه وهؤلاء كمن هو أعمى عن الحق فلا يبصره ولا يعقله (إنما يتذكر أولو الألباب) أي إنما يقف على تفاوت المنزلتين وتباين الرتبتين أو يتعظ أهل العقول الصحيحة. ثم وصفهم بالأوصاف المادحة فقال

стр. 4065

(الذين يوفون بعهد الله) أي بما عقدوه من العهود فيما بينهم وبين ربهم أو فيما بينهم وبين العباد (ولا ينقضون الميثاق) الذي وثقوه على أنفسهم وأكدوه بالإيمان ونحوها، وهذا تعميم بعد التخصيص لأنه يدخل تحت الميثاق كل ما أوجبه العبد على نفسه كالنذور ونحوها.
следующие страницы →