لا يشعر به غالب الناس ممن يفعله، كما روى عن حذيفة أنه دخل على مريض يزوره فرأى في عضده سيراً فقطعه وانتزعه ثم قال: " وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون " وفي الحديث الذي رواه الترمذي وحسنه عن ابن عمر مرفوعاً " من حلف بغير الله فقد أشرك " (١).
وأخرج أحمد وأبو داود من حديث ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ " إن الرقى والتمائم والتولة شرك " (٢) وفي لفظ لهما: الطيرة شرك وما منا الا. ولكن الله يذهبه بالتوكل.
وروى أحمد في المسند عن عدي بن عبد الرحمن قال دخلت على عبد الله ابن حكيم وهو مريض فقيل له لو تعلقت فقال أتعلق شيئاً، وقد قال رسول الله ﷺ : " من تعلق شيئاً وكل إليه " (٣)، ورواه النسائي عن أبي هريرة.
وفي المسند عن عقبة: بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ : " من علق تميمة فقد أشرك " (٤) وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول الله (أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملاً أشرك فيه غيري تركته وشركه) (٥).
وروى أحمد وغيره من حديث غيره؛ وفي المسند أيضاً من ردته الطيرة من حاجة فقّد أشرك قالوا يا رسول الله ما كفارة ذلك قال أن يقول أحدهم: " اللهم لا خير إلا خيرك ولا طير إلا طيرك ولا إله غيرك " (٦).
وأخرج أحمد من حديث أبي موسى قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه
стр. 3992
وسلم ذات يوم فقال يا أيها الناس اتقوا هذا الشرك فإنه أخفى من دبيب النمل، ثم قالوا له كيف نجتنبه وهو أخفى من دبيب النمل؟ قال قولوا: " اللهم إنا نعوذ بك أن نشرك بك شيئاً نعلمه ونستغفرك لما لا نعلمه " وقد روي من حديث غيره (١).
إذا عرفت ما تضمنته كتب التفسير من الوجوه التي ذكرناها وعرفت تقريرها على الوجه الذي قررناه فاعلم أن هذه الأقوال إنما هي اختلاف في سبب النزول وأما النظم القرآني فهو صالح لحمله على كل ما يصدق عليه مسمى الإيمان مع وجود مسمى الشرك، والاعتبار بما يفيده اللفظ لا بخصوص السبب كما هو مقرر في مواطنه.
فيقال مثلاً في أهل الشرك أنه ما يؤمن أكثرهم بأن الله هو الخالق الرازق إلا وهو مشرك بالله بما يعبده من الأصنام، ويقال فيمن كان واقعاً في شرك من الشرك الخفي وهو من المسلمين أنه ما يؤمن بالله إلا وهو مشرك بذلك الشرك الخفي، ويقال مثلاً في سائر الوجوه بنحو هذا على التقرير الذي قررناه سابقاً، وهذا يصلح أن يكون وجهاً مستقلاً وهو أوجهها وأرجحها فيما أحسب وإن لم يذكره أحد من المفسرين.
فما قيل من أنه يشكل وجود اتصافهم بالإيمان في حال تلبسهم بالشرك استشكال واقع موقعه، وسؤال حال محله، وجوابه قد ظهر مما سبق فإنه يقال مثلاً إن أهل الجاهلية كان إيمانهم المجامع للشرك هو مجرد الإقرار بأن الله هو الخالق الرازق وهو لا ينافي ما هم عليه من الشرك.
وكذلك يقال إن أهل الإسلام كان شرك من وقع منهم في شيء من الشرك الخفي الأصغر غير مناف لوجود الإيمان منهم لأن الشرك الأصغر لا يخرج به فاعله عن مسمى الإيمان ولهذا كانت كفارته أن يتعوذ بالله من أن يشرك وأن يقول في الطيرة اللهم لا طير إلا طيرك ولا إله غيرك.
стр. 3993
أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٠٧) قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠٩) حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١١٠)
فقد صح بهذا أنه اجتمع الإيمان الحقيقي والشرك الخفي في بعض المؤمنين، واجتمع الإيمان بالمعنى الأعم والشرك الحقيقي في أهل الجاهلية، وكذا يقال في أهل الكتاب أنه اجتمع فيهم الإيمان بما أنزل الله على أنبيائهم والإشراك بجعل بعض المخلوقين أبناء لله وهكذا في بقية الوجوه.
стр. 3994
(أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله) الاستفهام للإنكار والغاشية ما يغشاهم ويغمرهم من العذاب كقوله يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم وقيل هي الساعة، وقيل الصواعق والقوارع، وقيل وقيعة تغشاهم، قاله قتادة، وقيل نقمة تشملهم ولا مانع من الحمل على العموم.
(أو تأتيهم الساعة بغتة) أي فجأة من غير سابقه علامة والنصب على الحال قال المبرد جاء عن العرب حال بعد نكرة وهو قولهم وقع أمر بغتة يقال بغتهم الأمر بغتاً وبغتة إذا فاجأهم.
(وهم لا يشعرون) بإتيانها قيل تهيج الصيحة بالناس وهم في أسواقهم غير مستعدين لها.
стр. 3995
(قل) يا محمد للمشركين (هذه) الدعوة التي أدعو إليها والطريقة
стр. 3996
التي أنا عليها (سبيلي) طريقي وسنتي وفسر ذلك بقوله: (أدعو إلى الله على بصيرة) أي على حجة واضحة والبصيرة المعرفة التي يتميز بها الحق من الباطل (أنا ومن اتبعني) أي ويدعو إليها من اتبعني واهتدى بهدي، قال الفراء: والمعنى ومن اتبعني يدعو إلى الله كما أدعو.
وفي هذا دليل على أن كل متبع لرسول الله ﵌ حق عليه أن يقتدي به في الدعاء إلى الله أي الدعاء إلى الإيمان به وتوحيده والعمل بما شرعه لعباده، قال ابن الأنباري: ويجوز أن يتم الكلام عند قوله أدعو إلى الله، ثم ابتدأ فقال على بصيرة أنا ومن اتبعني، قال قتادة على بصيرة أي على هدى.
(و) أسبح (سبحان الله) أي وأنزه تنزيهاً له عما لا يليق بجلاله من جميع النقائص والشركاء والأضداد والأنداد (وما أنا من المشركين) بالله الذين يتخذون من دونه أنداداً.
стр. 3997
(وما أرسلنا من قبلك) هذا رد على من قال لولا أنزل عليه ملك أي لم نبعث من الأنبياء إلى من قبلهم (إلا رجالاً) لا ملائكة أي ليسوا من أهل السماء كما قلتم، قاله ابن عباس، فكيف ينكرون إرسالنا إياك، وتدل الآية على أن الله سبحانه لم يبعث نبياً من السماء ولا من الجن، وهذا يرد على من قال إن في النساء أربع نبيات حواء وآسية وأم موسى ومريم.
وقد كان بعثة الأنبياء من الرجال دون النساء أمراً معروفاً عند العرب حتى، قال قيس بن عاصم في سجاح المتنبئة:
أضحت نبيتنا انثى فطيف بها ... وأصبحت أنبياء الله ذكرانا
فلعنة الله والأقوام كلهم ... على سجاح ومن باللوم أغرانا
(نوحي إليهم) نوحي إليك، وقرئ بالياء مبنياً للمفعول (ومن أهل القرى) أي المدائن والأمصار دون أهل البادية لغلبة الجفاء والقسوة على البدو
стр. 3998
ولكون أهل الأمصار أتم عقلاً وأكمل حلماً وأحسن علماً وأجل فضلاً.
قال قتادة: ما نعلم إن الله أرسل رسولاً قط إلا من أهل القرى لأنهم كانوا أعلم وأحلم من أهل المعمور، وقال الحسن: لم يبعث نبي من بدو ولا من الجن ولا من النساء.
(أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم) أفلم يسر هؤلاء المشركون المنكرون لنبوة محمد ﵌ فينظروا إلى مصارع الأمم الماضية فيعتبروا بهم وما حل بهم من عذاب الله حتى ينزعوا عما هم فيه من التكذيب. قال الحسن: أي كيف عذب الله قوم نوح وقوم لوط وقوم صالح والأمم التي عذبها.
(ولدار) الساعة (الآخرة) أو الحالة الآخرة أو الحياة الآخرة على حذف الموصوف. وقال الفراء: أن الدار هي الآخرة، وأضيف الشيء إلى نفسه لاختلاف اللفظ كيوم الجمعة وصلاة الأولى ومسجد الجامع، والكلام في ذلك مبين في كتب الإعراب، والمراد بهذه الدار الجنة، وقرئ للدار الآخرة (خير) من دار الدنيا (للذين اتقوا أفلا تعقلون) على الخطاب، وقرئ بالتحتية أي يتفكرون ويعتبرون بهم فيؤمنوا.
стр. 3999
(حتى) غاية لمحذوف دل عليه الكلام، وتقديره وما أرسلنا من قبلك يا محمد إلا رجالاً ولم نعاجل أممهم الذين لم يؤمنوا بما جاءوا به بالعقوبة حتى (إذا استيأس الرسل) عن النصر بعقوبة قومهم، أو حتى إذا استيأسوا من إيمان قومهم لإنهماكهم في الكفر، وقدره القرطبي إلا رجالاً ثم لم نعاقب أمتهم حتى إذا، وقدره ابن الجوزي إلا رجالاً فدعوا قومهم فكذبوهم وطال دعاؤهم وتكذيب قومهم حتى إذا، وقدره الزمخشري إلا رجالاً فتراخى نصرهم حتى؛ وأحسنها ما قدمته. وقال الواحدي: حتى هنا من حروف الابتداء يستأنف بعدها.
стр. 4000
(وظنوا أنهم قد كذبوا) قرأ جماعة من الصحابة وتابعيهم والكسائي والفراء بالتخفيف مبنياً للمفعول، أي ظن القوم أن الرسل قد كذبوهم فيما أخبروا به من العذاب ولم يصدقوا.
وقيل المعنى ظن القوم أن الرسل قد كذبوا فيما ادعوا من النصر، وقيل المعنى وظن الرسل أنها قد كذبتهم أنفسهم حين حدثتهم بأنهم ينصرون عليهم أو كذبهم رجاؤهم النصر، وقرأ الباقون كذبوا بالتشديد.
والمعنى عليها واضح، أي ظن الرسل بأن قومهم قد كذبوهم فيما وعدوهم به من العذاب، ويجوز في هذا أن يكون فاعل ظن القوم المرسل إليهم على معنى أنهم ظنوا أن الرسل قد كذبوا فيما جاءوا به من الوعد والوعيد، وقرأ مجاهد وحميد قد كذبوا بالتخفيف معروفاً على معنى وظن قوم الرسل أن الرسل قد كذبوا. وقد قيل أن الظن في هذه الآية بمعنى اليقين لأن الرسل قد تيقنوا أن قومهم كذبوهم، وليس ذلك مجرد ظن منهم، والذي ينبغي أن يفسر الظن باليقين في مثل هذه الصورة، ويفسر بمعناه الأصلي فيما يحصل فيه مجرد ظن فقط من الصور السابقة، وقد أطال الخازن والخفاجي في بيان معنى هذه الآية بما ليس في ذكره كثير فائدة وفيما ذكرناه مقنع وبلاغ.
(جاءهم نصرنا) أي فجاء الرسل نصر الله سبحانه فجأة أو جاء قوم الرسل الذين كذبوهم نصر الله لرسله بإيقاع العذاب على المكذبين.
وأخرج البخاري وغيره من طريق عروة أنه سأل عائشة عن قول الله سبحانه حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا قال: قلت أكذبوا أم كذبوا يعني هل هذه الكلمة مخففة أومشددة؟ فقالت بل كذبوا تعني بالتشديد، قلت والله لقد استيقنوا أن قومهم كذبوهم فما هو بالظن، قالت أجل لعمري لقد استيقنوا بذلك فقلت لعلها وظنوا أنهم قد كذبوا مخففة، قالت معاذ الله لم
стр. 4001
تكن الرسل لتظن ذلك بربها قلت فما هذه الآية قالت هم أتباع الرسل الذين آمنوا بهم وصدقوهم وطال عليهم البلاء واستأخر عنهم النصر حتى إذا استيأس الرسل ممن كذبهم من قومهم وظنت الرسل أن أتباعهم قد كذبوهم جاءهم نصر الله عند ذلك.
وقال ابن عباس: كذبوا مخففة يقول اخلفوا وكانوا بشراً حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله، قال عروة: عن عائشة أنها خالفت ذلك وأبته وقالت: والله ما وعد الله رسوله من شيء إلا علم أنه سيكون قبل أن يموت، ولكنه لم يزل البلاء بالرسل حتى ظنوا أن من معهم من المؤمنين قد كذبوهم، وكانت تقرأها مثقلة.
وعن عائشة أن النبي ﷺ قرأ (وظنوا أنهم قد كذبوا) مخففة أخرجه ابن مردويه من طريق عكرمة، وعن ابن عباس أيضاً أنه كان يقرأ قد كذبوا مخففة وقال: يئس الرسل من قومهم أن يستجيوا لهم وظن قومهم أن الرسل قد كذبوهم بما جاؤهم به جاؤوهم نصرنا أي الرسل، وبها قرأ ابن مسعود قال: استيأس الرسل من إيمان قومهم أن يؤمنوا بهم وظن قومهم حين إبطاء النصر أنهم قد كذبوا، وقال حفظت عن رسول الله ﵌ في سورة يوسف أنهم قد كذبوا مخففة، وللسلف في هذا كلام يرجع إلى ما ذكرناه من الخلاف عن الصحابة.
(فنجى من نشاء) من عبادنا عند نزول العذاب بالكافرين والذين نجاهم الله هم الرسل ومن آمن معهم وهلك المكذبون (ولا يرد بأسنا) أي عذابنا عند نزوله (عن القوم المجرمين) المشركين. قال ابن عباس: وذلك أن الله بعث الرسل يدعون قومهم فأخبروهم أن من أطاع الله نجا، ومن أعرض عُذب وغوى، وفيه بيان من يشاء الله نجاته من العذاب وهم من عدا هؤلاء المجرمين.
стр. 4002
لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١١١)
(لقد كان في قصصهم) أي قصص الرسل ومن بعثوا إليهم من الأمم أو في قصص يوسف ﵇ وإخوته وأبيه قاله مجاهد (عبرة) هي الفكرة والبصيرة المخلصة من الجهل والحيرة، وقيل هي نوع من الاعتبار وهي العبور من الطرف المعلوم إلى الطرف المجهول (لأولي الألباب) هم ذوو العقول السليمة الذين يعتبرون بعقولهم فيدرون ما فيه مصالح دينهم.
وإنما كان هذا القصص عبرة لما اشتمل عليه من الإخبارات المطابقة للواقع مع بعد المدة بين النبي ﷺ وبين الرسل الذين قص حديثهم ومنهم يوسف ﵇ وإخوته وأبوه مع كونه لم يطلع على أخبارهم ولا اتصل بأحبارهم، وعبارة الكرخي وجه الاعتبار بقصصهم أنه قال في أول السورة (نحن نقص عليك أحسن القصص) ثم قال هاهنا لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب وذلك تنبيه على أن حسن هذه القصة إنما هو لأجل حصول العبرة منها ومعرفة الحكمة والقدرة.
(ما كان) هذا المقصوص الذي يدل عليه ذكر القصص أو القرآن المشتمل على ذلك المتقدم ذكره في قوله إنا أنزلناه قرآناً عربياً (حديثاً يفترى) قال قتادة: الفرية الكذب (ولكن تصديق الذي بين يديه) من الكتب المنزلة كالتوراة والإنجيل والزبور، وقيل هو تصديق ذلك كله ويشهد عليه أن جميعه حق من عند الله.
(وتفصيل كل شيء) من الشرائع المجملة المحتاجة إلى تفصيلها لأن الله
стр. 4003
سبحانه لم يفرط في الكتاب من شيء من الأحكام والحدود والقصص والمواعظ والأمثال وغير ذلك.
وقيل تفصيل كل شيء من قصة يوسف ﵇ مع إخوته وأبيه وقيل وليس المراد به ما يقتضيه من العموم بل المراد به الأصول والقوانين وما يؤول إليها، قال قتادة: فصل الله بين حلاله وحرامه وطاعته ومعصيته، وقيل ما من شيء من أمر ديني إلا وله مستند في القرآن بواسطة أو بغير واسطة.
(وهدى) في الدنيا يهتدي به كل من أراد الله هدايته (ورحمة) في الآخرة يرحم الله بها عباده العاملين بما فيه بشرط الإيمان الصحيح ولهذا قال (لقوم يؤمنون) أي يصدقون به وبما تضمنه من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله وشرائعه وقدره، وأما من عداهم فلا ينتفع به ولا يهتدي بما اشتمل عليه من الهدى فلا يستحق ما يستحقونه.
стр. 4004
خاتمة الجزء السادس
تم بعون الله الجزء السادس من فتح البيان في مقاصد القرآن ويليه الجزء السابع وأوله تفسير سورة الرعد.
المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (١)
стр. 4005
فتحُ البيان في مقاصد القرآن
تفسِير سَلفي أثري خالٍ منَ الإِسرَائيليّاتِ والجَدليَّاتِ المذهبية والكلامية يغني عَن جميع التفاسِير وَلا تغني جميعُهَا عَنه
تأليف: السيد الإمام العلامة الملك المؤيد من الله الباري آبي الطيب صديق بن حسن بن علي الحسين القنوجي النجاري ١٢٤٨ - ١٣٠٧ هـ
عني بطبعهِ وقدّم له وراجعه: خادم العلم عَبد الله بن إبراهيم الأنصَاري
الجزء السابع
المَكتبة العصريَّة
صَيدَا - بَيروت
стр. 4006
جَمِيع الحُقُوق محفُوظَة
١٤١٢ هـ - ١٩٩٢ م
شركة أبناء شريف الأنصاري للطباعة والنشر والتوزيع
المَكتبة العصريَّة للطبَاعة والنّشْر
الدار النموذجية ــ المكتبة العصرية
بَيروت - صَ. ب ٨٣٥٥ - تلكس LE ٢٠٤٣٧ SCS
صَيدَا - صَ. ب ٢٢١ - تلكس LE ٢٩١٩٨
стр. 4007
فتح البيان في مقاصد القرآن
стр. 4008
الجزء السابع
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أوله تفسير سورة الرعد وتبدأ بقوله تعالى:
المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (١)
- سورة إبراهيم
- سورة الحجر
- سورة الإسراء إلى آخرها
стр. 4009
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة الرعد
(وهي ثلاث وقيل أربع أو خمس أو ست وأربعون آية)
وقد وقع الخلاف هل هي مكيّة أو مدنيّة، وممن ذهب إلى الأول سعيد بن جبير والحسن وعكرمة وعطاء وجابر وابن زيد، وإلى الثاني ابن الزبير والكلبي ومقاتل، والقول الثالث أنها مدنيّة إلا آيتين فإنهما نزلتا بمكة وهما قوله تعالى: (ولو أن قرآنا سيرت به الجبال) وقيل قوله: (ولا يذل الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة) وقيل هو الذي يريكم البرق -إلى قوله- له دعوة الحق. وعن جابر بن زيد كان يستحب إذا حضر الميت أن يقرأ عنده سورة الرعد فإن ذلك يخفف عن الميت وأنه أهون لقبضه وأيسر لشأنه.
(المر) قد تقدم الكلام في الحروف الواقعة في أوائل السور بما يغني عن الإعادة، قال ابن عباس: المعنى أنا الله أرى؛ وقال مجاهد فواتح يفتتح بها كلامه والحق أن الله تعالى أعلم بمراده أو هو اسم للسورة والتقدير هذه السورة اسمها هذا.
(تلك) أي آيات هذه السورة، وقيل إشارة إلى ما قص عليه من أنباء الرسل وقيل إلى آيات القرآن وعليه جرى الزمخشري وجمهور المفسرين (آيات الكتاب) والمراد بالكتاب السورة أي تلك آيات السورة الكاملة العجيبة الشأن والإضافة بمعنى من، وقال مجاهد: الكتاب التوراة والإنجيل.
(الذي أنزل إليك من ربك) المراد به القرآن كله، قال قتادة وغيره أي هو (الحق) البالغ في اتصافه بهذه الصفة لاشك فيه (ولكن أكثر الناس) يعني مشركي مكة (لا يؤمنون) بهذا الحق الذي أنزل الله إليك، قال الزجاج: لما ذكر أنهم لا يؤمنون ذكر الدليل الذي يوجب التصديق بالخالق فقال:
стр. 4012
(الله الذي رفع السماوات بغير عمد) العمد الأساطين والدعائم جمع عماد أي على غير قياس والقياس أن يجمع على عمد بضم العين والميم، وقيل إن عمداً جمع عماد في المعنى أي أنه اسم جمع لا جمع صناعي وهو صادق بأن لا عماد أصلا وهذا هو أصح القولين أي قائمات بغير عمد تعتمد عليها، وقيل لها عمد ولكن لا نراها، وهذا قول مجاهد وعكرمة، قال الزجاج: العمد قدرته التي يمسك بها السماوات وهي غير مرئية لنا، وقرئ عمد على أنه جمع عمود يعمد به أي يسند إليه.
وجملة (ترونها) مستأنفة استشهاد على رؤيتهم لها كذلك، وقيل هي صفة لعمد، وهو أقرب مذكور ورجحه الزمخشري، وقيل في الكلام تقديم وتأخير والتقدير رفع السماوات ترونها بغير عمد، ولا ملجئ إلى مثل هذا التكلف، قال ابن عباس: وما يدريك لعلها بعمد لا ترونها وقال يقول لها عمد، ولكن لا ترونها يعني الإعماد.
قال إياس بن معاوية: السماء مقببة على الأرض مثل القبة، وبه قال الحسن وقتادة وجمهور المفسرين، وعن ابن عباس قال: السماء على أربعة أملاك كل زاوية موكل بها ملك، قال السمين في هذا الكلام وجهان:
أحدهما: انتفاء العمد والرؤية جميعاً أي لا عمد فلا رؤية يعني لا عمد لها فلا ترى، وإليه ذهب الجمهور.
والثاني: أن لها عمداً ولكن غير مرئية.
(ثم) هنا لمجرد العطف لا للترتيب لأن الاستواء عليه غير مرتب على رفع السماوات (استوى على العرش) استواء يليق به هذا مذهب السلف، وقال المعتزلة استولى عليه بالحفظ والتدبير أو استوى أمره وأقبل على خلق العرش، وقد تقدم الكلام على هذا مستوفى، والحق أن الاستواء على العرش صفة الله سبحانه بلا كيف كما هو مقرر في موضعه من علم الكلام (وسخر
стр. 4013
الشمس والقمر) أي ذللهما لما يراد منهما من منافع الخلق ومصالح العباد فالحركة المستمرة على حد من السرعة تنفع في حدوث الكائنات وبقائها (كل) من الشمس والقمر (يجري لأجل مسمى) أي إلى وقت معلوم معين وهو فناء الدنيا وزوالها وقيام الساعة التي تتكور عندها الشمس وينخسف القمر وتنكدر النجوم وتنتثر، وقيل المراد بالأجل المسمى درجاتهما ومنازلهما التي ينتيهان إليها لا يجاوزانها وهي سنة للشمس وشهر للقمر لا يختلف جري واحد منهما قيل وهذا هو الحق في تفسير الآية.
(يدبر الأمر) أي أمر العالم العلوي والسفلي يعني يقضيه ويمضيه وحده، قاله مجاهد، والمعنى يصرفه على ما يريد وهو أمر ملكوته وربوبيته يدبره على أكمل الأحوال وأتم الأفعال لا يشغله شأن عن شأن، وقيل يدبر الأمر بالإيجاد والإعدام والإحياء والإماتة، ولا وجه للتخصيص بشيء دون شيء فإن اللفظ أوسع من ذلك، قال الكرخي: وحمل التدبير على العموم أولى من حمله على نوع من أحوال العالم كما جرى عليه جمع من المفسرين، وهذا التدبير والإنفاذ والإمضاء هو من فوق العرش وهو ظاهر نظم القرآن الكريم.
(يفصل) أي يبين (الآيات) الدالة على كمال قدرته وربوبيته ومنها ما تقدم من رفع السماء بغير عمد وتسخير الشمس والقمر وجريهما لأجل مسمى والمراد بهذا تنبيه العباد على أن من قدر على هذه الأشياء فهو قادر على البعث والإعادة ولهذا قال (لعلكم) عند مشاهدة هذه الآيات (بلقاء ربكم توقنون) لا تشكون فيه ولا تمترون في صدقه.
ولما ذكر الدلائل السماوية أتبعها بذكر الدلائل الأرضية فقال
стр. 4014
(وهو الذي مد الأرض) على وجه الماء، قال الفراء: بسطها طولاً وعرضاً لتثبت عليها الأقدام ويتقلب عليها الحيوان، وقال الأصم: أن المدّ هو البسط إلى ما
стр. 4015
لا يدرك منتهاه زاد الكرخي: فقوله مد الأرض يشعر بأنه تعالى جعل الأرض حجماً عظيماً لا يقع البصر على منتهاه انتهى.
قيل وهذا المد الظاهر للبصر لا ينافي كرويتها في نفسها لتباعد أطرافها، وبه قال أهل الهيئة (١)، والله أخبر أنه مد الأرض وأنه دحاها وبسطهما وأنه جعلها فراشاً وكل ذلك يدل على كونها مسطحة كالأكف، وهو أصدق قيلاً وأبين دليلاً من أصحاب الهيئة.
وفي الجامع الصغير حديث رواه البيهقي عن ابن عباس ولفظه: أول بقعة وضعت من الأرض موضع البيت ثم مدت منها الأرض، وأن أول جبل وضعه الله على وجه الأرض أبو قبيس ثم مدت منه الجبال (١).
وعن ابن عمرو قال: الدنيا مسيرة خمسمائة عام، أربعمائة عام خراب ومائة عمران، في أيدي المسلمين من ذلك مسيرة سنة، وقد روي عن جماعة من السلف في ذلك تقريرات لم يأت عليها دليل يصح.
وعن علي بن أبي طالب قال: لما خلق الله الأرض قمصت وقالت: أي رب تجعل عليّ بني آدم يعملون عليّ الخطايا ويجعلون عليّ الخبث فأرسل الله فيها من الجبال ما ترون وما لا ترون فكان إقرارها كاللحم ترجرج.
(وجعل فيها) جبالاً (رواسي) أي ثوابت تمسكها عن الاضطراب وأحدها راسية لأن الأرض ترسو بها أي تثبت والرسو الثبوت (وأنهاراً) أي مياهاً جارية في الأرض فيها منافع الخلق، أو المراد جعل فيها مجاري الماء.
(ومن كل الثمرات) متعلق بجعل في قوله (جعل فيها زوجين اثنين) أي اثنينية حقيقية وهما الفردان اللذان كل منهما زوج الآخر، وأكد به الزوجين لئلا يفهم أن المراد بذلك الشفعان إذ يطلق الزوج على المجموع، ولكن اثنينية ذلك اثنينية اعتبارية، أي جعل من كل نوع من أنواع ثمرات الدنيا صنفين،
стр. 4016
إما في اللونية كالبياض والسواد ونحوهما أو في الطعمية كالحلو والحامض ونحوهما أو في القدر كالصغر والكبر أو في الكيفية كالحر والبرد وما أشبه ذلك، ويجوز أن يتعلق بجعل الأول ويكون الثاني استئنافاً لبيان كيفية ذلك الجعل، قاله أبو السعود.
قال الفراء: يعني بالزوجين هنا الذكر والأنثى من كل صنف، ومثله عن مجاهد والأول أولى.
(يغشى الليل النهار) أي يلبسه مكانه فيصير أسوداً مظلماً بعدما كان أبيضاً منيراً أشبه إزالة نور الجو بالظلمة بتغطية الأشياء الحسية بالأغطية التي تسترها أي يستر النهار بالليل، والتركيب وإن احتمل العكس أيضاً بالحمل على تقديم المفعول الثاني على الأول فإن ضوء النهار أيضاً ساتر لظلمة الليل إلا أن الأنسب بالليل أن يكون هو الغاشي.
وعدَّ هذا في تضاعيف الآيات السفلية وإن كان تعلقه بالآيات العلوية ظاهراً باعتبار ظهوره في الأرض فإن الليل إنما هو ظلها وفيما فوق موقع ظلها لا ليل أصلاً، ولأن الليل والنهار لهما تعلق بالثمرات من حيث العقد والإنضاج على أنهما أيضاً زوجان متقابلان مثلها، وقرئ يغشى من التغشية، وقد سبق تفسير هذا في الأعراف.
(إن في ذلك) المذكور من مد الأرض وإثباتها بالجبال وما جعله الله فيها من الثمرات المتزاوجة وتعاقب النور والظلمة (لآيات) بينة (لقوم يتفكرون) أي للناظرين المتفكرين المعتبرين فيستدلون بالصنعة على الصانع وبالسبب على المسبب والفكر هو تصرف القلب في طلب الأشياء.
وقال صاحب المفردات: الفكر قوة مطرقة للعلم إلى المعلوم والتفكر جريان تلك القوة بحسب نظر العقل، وذلك للإنسان دون الحيوان ولا يقال
стр. 4017
إلا فيما يمكن أن يكون له صورة في القلب، ولهذا روى تفكروا في آلاء الله ولا تفكروا في الله إذ الله منزه عن أن يوصف بصورة.
стр. 4018
(وفي الأرض قطع متجاورات) أي بقاع مختلفة، وهذا كلام مستأنف مشتمل على ذكر نوع آخر من أنواع الآيات، قيل وفي الكلام حذف، أي قطع متجاورات وغير متجاورات كما في قوله (سرابيل تقيكم الحر) أي والبرد، وقيل المتجاورات المدن وما كان عامراً، وغير المتجاورات الصحاري وما كان غير معمور.
وقيل معنى متجاورات متدانيات ترابها واحد وماؤها واحد وفيها زرع وجنات ثم تتفاوت في الثمار فيكون البعض حلواً والبعض حامضاً، والبعض طيباً والبعض غير طيب، والبعض يصلح فيه نوع والبعض الآخر نوع آخر.
وعن ابن عباس قال: يريد الأرض الطيبة العذبة التي يخرج نباتها بإذن ربها تجاورها السبخة القبيحة المالحة التي لا يخرج منها نباتها وهما أرض واحدة وماؤها شيء واحد، ملح أو عذب ففضلت أحداهما على الأخرى قال قتادة: قرئ متجاورات قريب بعضها من بعض.
وقال ابن عباس: الأرض تنبت حلواً والأرض تنبت حامضاً وهي متجاورات تسقى بماء واحد، وقيل متلاصقات فمنها طيب وسبخ، وقليل الريع وكثيره، وهو من دلائل قدرته تعالى سبحانه.
(و) في الأرض (جنات) أي بساتين وعلى النصب تقديره جعل فيها جنات، والجنة كل بستان ذي شجر من نخيل وأعقاب وغير ذلك، سمي جنة لأنه يستر بأشجاره الأرض وإليه الإشارة بقوله (من أعناب) جمع عنب (وزرع ونخيل) ذكر سبحانه الزرع بين الأعناب والنخيل لأنه يكون في الخارج كثيراً كذلك، ومثله في قوله سبحانه جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب
стр. 4019
وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعاً، والنخل والنخيل بمعنى والواحد نخلة، لكن النخل يذكر ويؤنث والنخيل مؤنث لا غير.
(صنوان وغير صنوان) قرئ بالرفع في الأربعة عطفاً على جنات وبالجر عطفاً على أعناب وبضم الصاد وكسرها وهما لغتان والأولى لغة قيس وتميم والثانية لغة العامة وقرئ بفتحها وهو اسم جمع لا جمع تكسير لأنه ليس من أبنية فعلان بالفتح، ونظير صنوان بالفتح سعدان، قال أبو عبيدة جمع صنو، وهو أن يكون الأصل واحداً ثم يتفرع فيصير نخيلاً ثم يحمل.
وهذا قول جميع أهل اللغة والتفسير، فالصنوان جمع صنو وهي النخلات يجمعها أصل واحد وتتشعب فروعها، فالصنو المفرد واحد هذه النخلات، قال ابن الأعرابي: الصنو المثل. ومنه قوله ﷺ " عم الرجل صنو أبيه " (١) فمعنى الآية على هذا أن أشجار النخيل قد تكون متماثلة وقد لا تكون.
قال في الكشاف: جمع صنو وهي النخلة لها رأسان وأصلها واحد، وقيل الصنوان المجتمع وغير الصنوان المتفرق. قال النحاس: وهو كذلك في اللغة، يقال للنخلة إذا كانت فيها نخلة أخرى أو أكثر صنوان. والصنو المثل ولا فرق بين التثنية والجمع إلا بكسر النون في المثنى وبما يقتضيه الإعراب في الجمع.
عن البراء بن عازب قال: الصنوان ما كان أصله واحداً وهو متفرق وغير الصنوان التي تنبت وحدها، وفي لفظ الصنوان النخلة في النخلة ملتصقة وغير الصنوان النخل المتفرق. وعن ابن عباس: هي مجتمع النخل في أصل واحد وغيرها المتفرق، وفي السمين والصنو الفرع يجمعه، وفرعاً آخر أصل
стр. 4020
واحد والمثل، وفي المختار إذا خرج نخلتان أو ثلاث من أصل واحد فكل واحدة منهن صنو، والاثنتان صنوان بكسر النون والجمع صنوان برفعها.
(يسقى) بالتحتية أي يسقى ذلك كله، يعني أشجار الجنة وزروعها (بماء واحد) والماء جسم رقيق مائع به حياة كل نام، وقيل في حده هو جوهر سيال به قوام الأرواح، وقرئ تسقى بالفوقية بإرجاع الضمير إلى جنات. وقال أبو عمرو: التأنيث أحسن لقوله:
(ونفضل بعضها على بعض الأكل) أي في الطعم ما بين الحلو والحامض وغير ذلك من الطعام ولم يقل بعضه، قرئ بالنون على تقدير ونحن نفضل، وقرئ بالياء، ومتى قرئ الأول بالتاء جاز في الثاني الياء والنون، ومتى قرئ الأول بالياء تعين في الثاني النون لا غير، فالقراءات ثلاثة لا أربعة كما توهم وكلها سبعية.
قال الكرخي: قرئ بالتحتية ليطابق قوله يدبر وقرئ بنون العظمة وأنت خبير بأن القراء يتبعون فيما اختاروه من القراءات الأثر لا الرأي فإنه لا مدخل له فيها.
أخرج الترمذي وحسنه والبزار وابن جرير وابن المنذر عن أبي هريرة عن
النبي ﷺ في الآية قال " الدقل والفارسي والحلو الحامض " (١)، وقال مجاهد هذا كمثل بني آدم صالحهم وخبيثهم، وأبوهم واحد، وعن ابن عباس قال: هذا حامض وهذا حلو، وهذا دقل وهذا فارسي.
والأكل بضمتين وإسكان الثاني للتخفيف المأكول والمراد به ما يؤكل منها وهو الثمر والحب، فالثمر من النخيل والأعناب والحب من الزرع، كأنه قال
стр. 4021
ونفضل الحب والثمر بعضها على بعض طعماً وشكلا ورائحة وقدراً وحلاوة وحموضة وغضاضة وغير ذلك من الطعوم، وفضلها أيضاً في غير ذلك كاللون والنفع والضر وإنما اقتصر على الأكل لأنه أعظم المنافع.
(إن في ذلك) المذكور (لآيات) دلالات على بديع صنعه وعظيم قدرته فإن القطع المتجاورة والجنات المتلاصقة المشتملة على أنواع النبات مع كونها تسقى بماء واحد وتتفاضل في الثمرات في الأكل فيكون طعم بعضها حلو والآخر حامضاً وهذا في غاية الجودة، وهذا ليس بجيد، وهذا فائق في حسنه، وهذا غير فائق مما يقطع من تفكر واعتبر ونظر نظر العقلاء أن السبب المقتضى لاختلافها ليس إلا قدرة الصانع الحكيم جل سلطانه وتعالى شأنه، لأن تأثير الاختلاف فيما يخرج منها ويحصل من ثمراتها لا يكون في نظر العقلاء إلا للسببين. إما اختلاف المكان الذي هو المنبت أو اختلاف الماء الذي تسقى به، فإذا كان المكان متجاوراً وقطع الأرض متلاصقة والماء الذي تسقى به واحداً لم يبق سبب للاختلاف في نظر العقل إلا تلك القدرة الباهرة والصنع العجيب.
(لقوم يعقلون) أي يعملون على قضية العقل وما يوجبه غير مهملين لما يقتضيه من التفكر في المخلوقات والاعتبار في العبر الموجودات، أي يستعملون عقولهم بالتفكر فيها، خص هذا بالعقل والأول بالتفكر لأن الاستدلال باختلاف النهار أسهل، ولأن التفكر في الشيء سبب لتعقله والسبب مقدم على المسبب، فناسب تقديم التفكر على التعقل.
قال الحسن: هذا مثل ضربه الله لقلوب بني آدم، فالناس خلقوا من آدم فينزل عليهم من السماء تذكرة فترق قلوب قوم وتخشع وتخضع، وتقسو قلوب قوم فتلهو ولا تسمع. وقال أيضاً: والله ما جالس القرآن أحد إلا قام من عنده بزيادة أو نقصان، قال الله تعالى (وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خساراً).
(وإن تعجب) يا محمد من تكذيبهم لك بعدما كنت عندهم من الصادقين (فعجب) أي فأعجب منه (قولهم) أي تكذيبهم بالبعث، والله تعالى لا يجوز عليه التعجب لأنه تغير النفس بشيء تخفى أسبابه، وذلك في حق الله تعالى محال، قاله القرطبي.
وقيل العجب تغير النفس برؤية المستبعد في العادة وإنما ذكر ذلك ليعجب منه رسوله واتباعه.
قال الزجاج: أي هذا موضع عجب أيضاً أنهم أنكروا البعث وقد بين لهم من خلق السماوات والأرض ما يدل على أن البعث أسهل في القدرة وقد تقرر في النفوس أن الإعادة أهون من الإبداء فهذا موضع التعجيب، وقيل الآية في منكري الصانع مع الأدلة الواضحة بأن المتغير لا بدّ له من مغير فهو محل التعجب.
والأول أولى لقوله (أئذا كنا تراباً أئنّا لفي خلق جديد) والجملة في محل الرفع أو النصب والعجب على الأول كلامهم وعلى الثاني تكلمهم بذلك أو لا يرون أنه خلقهم من نطفة، فالخلق منها أشد من الخلق من تراب وعظام، والعامل في إذا نبعث أو نعاد، والاستفهام منهم للإنكار المفيد لكمال
стр. 4024
الاستبعاد، وفي هذا الاستفهام المكرر اختلف القراء اختلافاً منتشراً وهو في أحد عشر موضعاً في تسع سور من القرآن ولا بدّ من تعيينها.
فأولها هنا.
والثاني والثالث في الإسراء بلفظ واحد (أئذا كنا عظاماً ورفاتاً أئنا لمبعوثون خلقاً جديداً).
والرابع: في المؤمنون (أئذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أئنا لمبعوثون).
والخامس: في النمل (أئذا كنا تراباً وآباؤنا أئنا لمخرجون).
والسادس: في العنكبوت (أئنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين) (أئنكم لتأتون الرجال).
والسابع: في ألم السجدة (أئذا ضللنا في الأرض أئنا لفي خلق جديد).
والثامن والتاسع: في الصافات (أئذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أئنا لمبعوثون) وأئنا لمدينون.
والعاشر: في الواقعة مثل الصافات.
والحادي عشر: في النازعات (أئنا لمردودون في الحافرة * أئذا كنا عظاماً نخرة). فهذه هي المواضع المختلف فيها ثم الوجه في قراءة من استفهم في الأول والثاني المبالغة في الإنكار فأتى به في الجملة الأولى وأعاد في الثانية تأكيداً له، والوجه في قراءة من أتى به مرة واحدة حصول المقصود، لأن كل جملة مرتبطة بالأخرى فإذا أنكر في إحداهما حصل الإنكار في الأخرى، ذكره السمين، وتقديم الظرف في قوله (لفي خلق) لتأكيد الإنكار بالبعث.
وكذلك تكرير الهمزة في قوله أئنا، والمعنى أي نعاد خلقاً جديداً بعد
стр. 4025
الموت كما كنا قبله؛ ولم يعلموا أن القادر على إنشاء الخلق وما تقدم على غير مثال قادر على إعادتهم.
ثم لما حكى الله سبحانه ذلك عنهم حكم عليهم بأمور ثلاثة:
الأول: (أولئك الذين كفروا بربهم) أي أولئك المنكرون لقدرته سبحانه على البعث هم المتمادون في الكفر الكاملون فيه، وفيه دليل على كفر منكري البعث.
(و) الثاني (أولئك الأغلال في أعناقهم) الأغلال جمع غل بالضم وهو طوق من حديد يجعل في العنق أو تشد به اليد إلى العنق، أي يغلون بها يوم القيامة كما يقاد الأسير ذليلاً بالغل، وقيل الأغلال أعمالهم السيئة التي هي لازمة لهم لزوم الأطواق للأعناق (و) الثالث (أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) لا ينفكون عنها بحال من الأحوال، وفي توسيط ضمير الفصل دلالة على تخصيص الخلود بمنكري البعث.
стр. 4026
(ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة) نزل في استعجالهم العذاب استهزاء والسيئة العقوبة المهلكة، والحسنة العافية والسلامة، قالوا هذه المقالة لفرط إنكارهم وشدة تصميمهم.
(وقد خلت من قبلهم المثلات) جمع مثلة كسمرة وهي العقوبة الفاضحة، سميت بذلك لما بين العقاب والمعاقب عليه وهو الذنب من المماثلة في أن كُلاًّ منهما مذموم.
قال ابن الأنباري: المثلة العقوبة التي تبقى في المعاقب شيئاً بتغيير بعض خلقه من قولهم مثل فلان بفلان إذا شأن خلقه بقطع أنفه وسمل عينيه وبقر بطنه، وقرئ بفتح الميم وإسكان الثاء تخفيفاً لثقل الضمة، قيل وهي لغة الحجاز، وفي لغة تميم بضم الميم والثاء جميعاً، واحدتها على لغتهم مثلة، مثل غرفة وغرفات، وقرئ بفتحهما.
стр. 4027
وقيل المثلة نقمة تنزل بالإنسان فيجعل مثالاً يرتدع غيره به. قال قتادة: المثلات العقوبات، يعني وقائع الله في الأمم فيمن خلا قبلكم. وقال ابن عباس: المثلات ما أصاب القرون الماضية من العذاب، والمعنى أن هؤلاء يستعجلونك بإنزال العقوبة بهم وقد مضت من قبلهم عقوبات أمثالهم من المكذبين فما لهم لا يعتبرون بهم ويحذرون من حلول ما حل بهم.
وهذا الاستعجال من هؤلاء هو على طريقة الاستهزاء كقولهم اللهم أن كان هذا هو الحق من عندك الآية (وإن ربك لذو مغفرة) أي لذو تجاوز عظيم، والمراد بها الإمهال وتأخير العذاب (للناس على) أي مع (ظلمهم) باقترافهم الذنوب ووقوعهم في المعاصي إن تابوا عن ذلك ورجعوا إلى الله سبحانه، والجار والمجرور في محل نصب على الحال أي حال كونهم ظالمين.
وفي الآية بشارة عظيمة ورجاء كبير، لأن من المعلوم أن الإنسان حال اشتغاله بالظلم لا يكون تائباً فيجوز العفو قبل التوبة ولهذا قيل إنها في عصاة الموحدين خاصة.
وقيل المراد بالمغفرة هنا تأخير العقاب إلا الآخرة كما تقدم ليطابق ما حكاه الله من استعجال الكفار للعقوبة، وكما يفيده قوله تعالى (وإن ربك لشديد العقاب) فيعاقب من يشاء من العصاة المكذبين من الكافرين عقاباً شديداً على ما تقتضيه مشيئته في الدار الآخرة فتأخير ما استعجلوه ليس للإهمال.
عن سعيد بن المسيب قال: لما نزلت هذه الآية قال رسول الله ﷺ : " لولا عفو الله وتجاوزه ما هنأ لأحد العيش، ولولا وعيده وعقابه لاتكل كل أحد " (١).
стр. 4028
(ويقول الذين كفروا) من أهل مكة (لولا) هلا (أنزل عليه) أي على
стр. 4029
محمد ﷺ (آية من ربه) غير ما قد جاء به من الآيات كالعصا واليد والناقة، وهؤلاء القائلون هم المستعجلون للعذاب وإنما عدل عن الإضمار إلى الوصول ذماً لهم بكفرهم بآيات الله التي تخر لها الجبال حيث لم يرفعوا لها رأساً ولم يعدوها من جنس الآيات، وهذا مكابرة من الكفار وعناد وإلا فقد أنزل الله على رسوله من الآيات ما يغني البعض منه.
قال الزجاج: طلبوا غير الآيات التي أتى بها فالتمسوا مثل آيات موسى وعيسى فقال الله تعالى (إنما أنت منذر) تنذرهم بالنار وليس إليك من الآيات من شيء وفيه إزالة لرغبته ﷺ في حصول مقترحهم، فإنه كان شديد الرغبة في إيجاب مقترحاتهم لشدة التفاته إلى إيمانهم، قاله الخطيب.
وجاء في إنما أنت بصيغة الحصر لبيان أنه ﷺ مرسل لإنذار العباد وبيان ما يحذرون عاقبته وليس عليه غير ذلك، وقد فعل ما هو عليه وأنذر أبلغ إنذار، ولم يدع شيئاً مما يحصل به ذلك إلا أتى به وأوضحه وكرره فجزاه الله عن أمته خيراً.
(ولكل قوم هاد) أي نبي يدعوهم إلى ما فيه هدايتهم، ورشادهم بما يعطيه من الآيات لا بما يقترحون وإن لم تقع الهداية لهم بالفعل ولم يقبلوها، وآيات الرسل مختلفة، هذا يأتي بآياته أو آيات لم يأت بها الآخر بحسب ما يعطيه الله منها، ومن طلب من بعضهم ما جاء به البعض الآخر فقد بلغ في التعنت إلى مكان عظيم فليس المراد من الآيات إلا الدلالة على النبوة لكونها معجزة خارجة عن القدرة البشرية، وذلك لا يختص بفرد منها ولا بأفراد معينة. قال الرازي: فهذا هو الوجه الذي قرره القاضي، وهو الوجه الصحيح الذي يبقى الكلام معه منتظما. انتهى.
وقيل أن المعنى ولكل قوم هاد هو الله سبحانه فإنه القادر على ذلك وليس على أنبيائه إلا مجرد الإنذار. قال ابن عباس: هاد أي داع،
стр. 4030
وقال مجاهد: المنذر محمد ﷺ ، ولكل قوم هاد نبي يدعوهم إلى الله، وعن سعيد بن جبير ومجاهد وابن عباس نحوه، وعنه قال رسول الله ﷺ هو المنذر وهو الهادي. أخرجه ابن مردويه، وعن عكرمة وأبي الضحى نحوه.
وقيل الهادي هو العمل الصالح، وقيل الهادي هو القائد إلى الخير لا إلى الشر وهو يعم الرسل وأتباعهم إلى آخر الدهر.
وعن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية وضع رسول الله ﷺ يده على صدره فقال: أنا المنذر، وأومأ بيده إلى منكب عليّ فقال (أنت الهادي يا عليّ بك يهتدي المهتدون من بعدي (١))، أخرجه ابن جرير وأبو نعيم في المعرفة، والديلمي وابن عساكر وابن النجار، قال ابن كثير في تفسيره، وهذا الحديث فيه نكارة شديدة.
وجملة