ثالثها: قل سموهم أي عينوا اسماءهم فقولوا فلان وفلان فهو إنكار لوجودها على وجه برهاني، كما تقول إن كان الذي تدعيه موجوداً فسمه، لأن المراد بالاسم العلم.
رابعها: أم تنبئونه بما لا يعلم، احتجاج من باب نفي الشيء، أعني المعلوم بنفي لازمه وهو العلم وهو كناية.
خامسها: أم بظاهر من القول احتجاج من باب الاستدراج والهمزة للتقرير لبعثهم على التفكير، المعنى أتقولون بأفواهكم من غير روية وأنتم ألبَّاء فتفكروا فيه لتقفوا على بطلانه.
سادسها: التدريج في كل من الإضرابات على ألطف وجه، وحيث كانت الآية مشتملة على هذه الأسأليب البديعة مع اختصارها كان الاحتجاج المذكور منادياً على نفسه بالإعجاز وإنه ليس من كلام البشر. أهـ.
(بل) إضراب عن محاجتهم بالكلية، فكأنه قيل دع ذا فإنه لا فائدة فيه لأنه (زين للذين كفروا) قرأ ابن عباس زين على البناء للفاعل على أن الذي زين لهم ذلك هو (مكرُهم) وقرأ غيره على البناء للمفعول، والمزين هو الله سبحانه أو الشيطان بإلقاء الوسوسة، ويجوز أن يسمى المكر كفراً لأن مكرهم برسول الله ﷺ كان كفراً، وأما معناه الحقيقي فهو الكيد أو التمويه بالأباطيل، أي كيدهم للإسلام بشركهم.
(وصدوا عن السبيل) أي صدهم الله أو صدهم الشيطان، وقرئ بالبناء للفاعل، أي صدوا غيرهم عن الإيمان، قراءتان سبعيتان، وقد يستعمل صد لازماً بمعنى أعرض.
(ومن يضلل الله) أي يجعله ضالاً ويقتضي مشيئته إضلاله (فما له من هاد) يهديه إلى الخير، وقرأ الجمهور هاد من دون إثبات الياء على اللغة الكثيرة الفصيحة وقرئ بإثباتها على اللغة القليلة وهما سبعيتان.
(لهم عذاب في الحياة الدنيا) بما يصابون به من القتل والأسر وأنواع المحن (ولعذاب الآخرة أشق) عليهم من عذاب الحياة الدنيا وأشد وأغلظ، لأن المشقة غلظ الأمر على النفس وشدته، مما يكاد يصدع القلب من شدته فهو من الشق الذي هو الصدع (وما لهم من الله من واق) يقيهم عذابه ولا عاصم يعصمهم منه.
ثم لما ذكر سبحانه ما يستحقه الكفار من العذاب في الأولى والأخرى ذكر ما أعده للمؤمنين فقال
стр. 4099
(مثل الجنة) أي صفتها العجيبة الشأن التي هي في الغرابة كالمثل، قال ابن قتيبة: المثل الشبه في أصل اللغة، ثم قد يصير بمعنى صورة الشيء وصفته، يقال مثلت لك كذا أي صورته ووصفته، فأراد هنا بمثل الجنة صورتها وصفتها وجريان الأنهار من تحتها كالتفسير للمثل.
قال سيبويه: وتقديره فيما قصصنا عليك مثل الجنة، وقال الفراء المثل مقحم للتأكيد والمعنى الجنة.
(التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار) والعرب تفعل ذلك كثيراً، وقال الخليل وغيره: أن مثل الجنة مبتدأ والخبر تجري، وقال الزجاج: أنه تمثيل للغائب بالشاهد ومعناه مثل الجنة جنة تجري من تحتها الأنهار. وقال عكرمة: نعت الجنة ليس للجنة مثل، وقيل أن فائدة الخبر ترجع إلى قوله.
стр. 4100
(أكلها) أي ما يؤكل فيها (دائم) أي لا ينقطع أبداً ولا يفنى، ومثله قوله تعالى (لا مقطوعة ولا ممنوعة) قال إبراهيم التيمي: لذاتها دائمة في أفواههم، وقيل دائم بحسب نوعه، فكل شيء أكل يتجدد غيره لا بحسب شخصه إذ عين المأكول لا ترجع (وظلها) كذلك دائم لا يتقلص ولا ينسخه الشمس لأنه ليس في الجنة شمس ولا قمر ولا ظلمة بل ظل ممدود لا ينقطع ولا يزول.
وفي الآية رد على جهم وأصحابه فإنهم يقولون إن نعيم الجنة يفنى وينقطع، وفيها دليل على أن حركات أهل الجنة لا تنتهي إلى سكون دائم كما يقوله أبو الهذيل واستدل عبد الجبار المعتزلي بهذه الآية على أن الجنة لم تخلق بعد، ويرده قوله تعالى (أعدت للمتقين) إلى غير ذلك من الآيات والأخبار الصحيحة.
(تلك) الجنة الموصوفة بالصفات المتقدمة وهو مبتدأ خبره (عقبى) أي عاقبة (الذين اتقوا) المعاصي أي مآلهم ومنتهى أمرهم (وعقبى الكافرين النار) ليس لهم عاقبة ولا منتهى إلا ذلك.
стр. 4101
(والذين آتيناهم الكتاب) أي التوراة والإنجيل (يفرحون بما أنزل إليك) يا محمد وهم أهل الكتابين مطلقاً أو من أسلم منهم لكون ذلك موافقاً لما في كتبهم مصدقاً له.
وعلى الأخير يكون المراد بقوله (ومن الأحزاب من ينكر بعضه) من لم يسلم من اليهود والنصارى، وعلى الأول يكون المراد به المشركين من أهل مكة ومن يماثلهم أو يكون المراد به بعض أهل الكتابين أي من أحزابهما، فإنهم أنكروه لما اشتمل عليه من كونه ناسخاً لشرائعهم فيتوجه فرح من فرح به منهم إلى ما هو موافق لما في الكتابين، وإنكار من أنكر منهم إلى ما خالفهما.
وقيل المراد بالكتاب القرآن والمراد بمن يفرح به المسلمون والمراد
стр. 4102
بالأحزاب المتحزبون على رسول الله ﷺ من المشركين واليهود والنصارى، والمراد بالبعض الذي أنكروه ما خالف ما يعتقدونه على اختلاف اعتقادهم.
واعترض على هذا بأن فرح المسلمين بنزول القرآن معلوم فلا فائدة في ذكره واجيب عنه بأن المراد زيادة الفرح والاستبشار بما يتجدد من الأحكام والتوحيد والنبوة والحشر بعد الموت، وقال كثير من المفسرين إن عبد الله بن سلام والذين آمنوا معه من أهل الكتاب ساءهم قلة ذكر الرحمن في القرآن مع كثرة ذكره في التوراة فأنزل الله (قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن) ففرحوا بذلك.
قال قتادة: الذين يفرحون أولئك أصحاب محمد ﷺ فرحوا بكتاب الله وصدقوا به وبرسله، والأحزاب اليهود والنصارى والمجوس، وقال ابن زيد: هؤلاء من آمن برسول الله ﷺ من أهل الكتاب يفرحون بذلك ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به.
ثم لما بين ما يحصل بنزول القرآن من الفرح للبعض والإنكار للبعض صرح بما عليه رسول الله ﵌ وأمره أن يقول لهم ذلك فقال (قل إنما أمرت أن أعبد الله) وحده (ولا أشرك به) بوجه من الوجوه أي قل لهم يا محمد ذلك إلزاماً للحجة ورداً للإنكار إنما أمرت فيما أنزل إليّ بعبادة الله وتوحيده وهذا أمر اتفقت عليه الشرائع وتطابقت على عدم إنكاره جميع الملل المقتدية بالرسل.
(إليه) أي إلى الله لا إلى غيره (أدعو) أو إلى ما أجمرت به وهو عبادة الله وحده والأول أولى لقوله (وإليه مآب) فإن الضمير لله سبحانه أي إليه وحده لا إلى غيره مرجعي يوم القيامة للجزاء، قال قتادة: إليه مصير كل عبد.
стр. 4103
وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ (٣٧) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ (٣٨) يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)
ثم ذكر بعض فضائل القرآن وأوعد على الإعراض عن اتباعه مع التعريض لرد ما أنكروه من اشتماله على نسخ بعض شرائعهم فقال:
стр. 4104
(وكذلك) الإنزال البديع (أنزلناه) أي القرآن مشتملاً على أصول الشرائع وفروعها.
وقيل المعنى وكما أنزلنا الكتب على الرسل بلغاتهم ولسانهم كذلك أنزلنا عليك القرآن بلسان العرب (حكماً عربياً) يريد بالحكم ما فيه من الأحكام والنقض والإبرام أو أنزلناه حكمة عربية مترجمة بلسان العرب ولغتها ليسهل عليها فهمها وحفظها وتحكم بها بين الناس فيما يقع لهم من الحوادث الفرعية وإن خالفت ما في الكتب القديمة إذ لا يجب عليك توافق الشرائع.
(ولئن) اللام هي الموطئة للقسم (اتبعت أهواءهم) التي يطلبون منك موافقتهم عليها كالاستمرار منك على التوجه إلى قبلتهم وعدم مخالفتك لشيء مما يعتقدونه (بعدما جاءك من العلم) الذي علمك الله إياه (مالك) ساد مسد جواب القسم والشرط (من الله) أي من جنابه (من ولي) يلي أمرك وينصرك (ولا واق) يقيك من عذابه والخطاب لرسول الله ﷺ تعريض لأمته لأن من هو أرفع منزلة وأعظم قدراً وأعلى رتبة إذا حذر كان غيره ممن هو دونه بطريق الأولى.
стр. 4105
(ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك وجعلنا لهم أزواجاً وذرية) أي أن الرسل الذين أرسلناهم من جنس البشر لهم أزواج من النساء ولهم ذرية توالدوا منهم
стр. 4106
ومن أزواجهم ولم نرسل الرسل من الملائكة الذين لا يتزوجون ولا يكون لهم ذرية.
وفي هذا رد على من كان ينكر على رسول الله ﷺ تزوجه بالنساء أي أن هذا شأن رسل الله المرسلين قبل هذا الرسول فما بالكم تنكرون عليه ما كانوا عليه فإنه قد كان لسليمان ثلثمائة امرأة وسبعمائة سرية فلم يقدح ذلك في نبوته وكان لأبيه داود مائة امرأة وكانوا ينكحون ويأكلون ويشربون فكيف يجعل هذا قادحاً في نبوتك.
وعن الحسن عن سمرة قال: " نهى رسول الله ﷺ عن التبتل " (١) أخرجه ابن ماجة والطبراني وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه وعن سعد بن هشام قال: دخلت على عائشة وقلت: إني أريد أن أتبتل. قالت: لا تفعل أما سمعت الله يقول (ولقد أرسلنا رسلاً) الآية أخرجه ابن أبي حاتم وابن مردويه.
وقد ورد في النهي عن التبتل والترغيب في النكاح ما هو معروف وقد كان لرسول الله ﷺ سبعة أولاد أربع اناث وثلاثة ذكور وكانوا في الترتيب في الولادة هكذا القاسم فزينب فرقية ففاطمة فأم كلثوم فعبد الله ويلقب بالطيب والطاهر فإبراهيم وكلهم من خديجة إلا إبراهيم فمن مارية القبطية وماتوا جميعاً في حياته إلا فاطمة فعاشت بعده ستة أشهر.
(وما كان) أي لم يكن (لرسول) من الرسل (أن يأتي بآية) من الآيات (إلا بإذن الله) سبحانه فإن شاء أظهر وإن شاء لم يظهرها وليس ذلك إلى الرسول لأن الرسل مربوبون ومقهورون ومغلوبون محكوم عليهم متصرف فيهم بتدبير أمرهم.
(لكل أجل كتاب) أي لكل أمر مما قضاه الله أو لكل وقت من
стр. 4107
الأوقات التي قضى الله بوقوع أمر فيها كتاب الله يكتبه على عباده ويحكم به فيهم، وقال الفراء: فيه تقديم وتأخير، والمعنى لكل كتاب أجل أي لكل أمر كتبه الله أجل مؤجل ووقت معلوم كقوله سبحانه (لكل نبأ مستقر) وليس الأمر على إرادة الكفار واقتراحاتهم بل على حسب ما يشاؤه الله ويختاره، وفيه رد لاستعجالهم الآجال والأعمار وإتيان المعجزات والعذاب، فقد كان يخوفهم بذلك فاستعجلوه عناداً فرد الله عليهم ذلك.
والمراد بالأجل هنا أزمنة الموجودات فلكل موجود زمان يوجد فيه محدود لا يزاد عليه ولا ينقص، والمراد بالكتاب صحف الملائكة التي تنسخها من اللوح المحفوظ أو اللوح نفسه.
стр. 4108
(يمحو الله ما يشاء ويثبت) أي يمحو من ذلك الكتاب ويثبت ما يشاء منه يقال محوت الكتاب محواً إذا أذهبت أثره، قرئ مخففاً ومشدداً وعن مجاهد قال: قالت قريش حين أنزل هذه الآية ما نراك يا محمد تملك من شيء ولقد فرغ الأمر فأنزلت هذه الآية تخويفاً لهم ووعيداً لهم أي إنا إن شئنا أحدثنا له من أمرنا ما شئنا ويحدث الله في كل رمضان فيمحو ما يشاء ويثبت من أرزاق الناس ومصائبهم ما يعطيهم وما يقسم لهم.
وقال ابن عباس: ينزل الله في كل شهر رمضان إلى سماء الدنيا فيدبر أمر السنة إلى السنة فيمحو ما يشاء ويثبت إلا الشقاوة والسعادة والحياة والموت، وعنه قال: هو الرجل يعمل الزمان بطاعة الله ثم يعود لمعصية الله فيموت على ضلالة فهو الذي يمحو، والذي يثبت الرجل يعمل بمعصية الله، وقد سبق له خير حتى يموت على طاعة الله وقال أيضاً: هما كتابان يمح الله ما يشاء من أحدهما ويثبت.
وظاهر النظم القرآني العموم في كل شيء مما في الكتاب فيمحو ما يشاء محوه من شقاوة أو سعادة أو رزق أو عمر أو خير أو شر ويبدل هذا بهذا ويجعل هذا مكان هذا، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، وإلى هذا ذهب عمر بن
стр. 4109
الخطاب وابن مسعود وابن عباس وأبو وائل وقتادة والضحاك وابن جريج وغيرهم، وقيل الآية خاصة بالسعادة والشقاوة.
وقيل يمحو ما يشاء من ديوان الحفظة، وهو ما ليس فيه ثواب ولا عقاب ويثبت ما فيه الثواب والعقاب.
وقيل يمحو ما يشاء من الرزق، وقيل من الأجل، وقيل من الشرائع فينسخه ويثبت ما يشاء فلا ينسخه، وقيل يمحو ما يشاء من ذنوب عباده ويترك ما يشاء وقيل يمحو ما يشاء من الذنوب بالتوبة ويترك ما يشاء منها مع عدم التوبة.
وقيل يمحو الآباء ويثبت الأبناء.
وقيل يمحو القمر ويثبت الشمس كقوله (فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة) وقيل يمحو ما يشاء من الأرواح التي يقبضها حال النوم فيميت صاحبه ويثبت ما يشاء فيرده إلى صاحبه.
وقيل يمحو ما يشاء من القرون ويثبت ما يشاء منها.
وقيل يمحو الدنيا ويثبت الآخرة، وقيل غير ذلك مما لا حاجة إلى ذكره والأول أولى كما يفيده ما في قوله ما يشاء من العموم مع تقدم ذكر الكتاب في قوله لكل أجل كتاب ومع قوله (وعنده أم الكتاب) أي جملة الكتاب قاله ابن عباس.
والمعنى أصله وهو اللوح المحفوظ، والأم أصل الشيء والعرب تسمى
كل ما يجري مجرى الأصل للشيء أماً له ومنه أم الرأس للدماغ وأم القرى لمكة، فالمراد من الآية أنه يمحو ما يشاء مما في اللوح المحفوظ فيكون كالعدم ويثبت ما يشاء مما فيه فيجري فيه قضاؤه وقدره على حسب ما يقتضيه مشئيته.
وهذا لا ينافي ما ثبت عنه ﵌ من قوله " جف القلم بما هو كائن " (١) وذلك لأن المحو والإثبات هو من جملة ما قضاه الله
стр. 4110
سبحانه، وقيل أن أم الكتاب هو علم الله تعالى بما خلق وما هو خالق.
قال ابن عباس: أن لله لوحاً محفوظاً مسيرته خمسمائة عام من درة بيضاء له دفتان من ياقوتة والدفتان لوحان لله فيه في كل يوم ثلاثمائة وستون لحظة يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب.
وعن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : " إن الله ينزل في ثلاث ساعات تبقين من الليل فيفتح الذكر في الساعة الأولى منها ينظر في الذكر الذي لا ينظر فيه أحد غيره فيمحو الله ما يشاء ويثبت " الحديث أخرجه الطبراني وابن أبي حاتم وغيرهما.
ْوأخرج الطبراني بإسناد قال السيوطي ضعيف عن ابن عمر سمعت رسول الله ﷺ يقول: " يمحو الله ما يشاء ويثبت إلا الشقاوة والسعادة والحياة والممات " وعن ابن عباس قال " لا ينفع الحذر من القدر ولكن الله يمحو بالدعاء ما يشاء من القدر " (١).
وقال قيس بن عباد: العاشر من رجب هو يوم يمحو الله فيه ما يشاء. وعن عمر بن الخطاب أنه قال وهو يطوف بالبيت: اللهم إن كنت كتبت عليَّ شقوة أو ذنباً فامحه، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب، واجعله سعادة ومغفرة. وعن ابن مسعود نحوه.
وقيل أم الكتاب الذكر قاله ابن عباس، وقد استدلت الرافضة على مذهبهم في البدء بهذه الآية، وهو أن يعتقد شيئاً ثم يظهر له أن الأمر بخلاف ما اعتقده وقالوا إنه جائز على الله، وهو ظاهر الفساد لأن علمه سبحانه صفة قديمة أزلية لا يتطرق إليه التغيير والتبديل والمحو والإثبات من معلوماته الأزلية وليسا من البدء في شيء وقد علم ما هو خالق وما خلقه وما هم يعملون.
(وإما نرينك) ما زائدة وأصله وأن نرك (بعض الذي نعدهم) به من العذاب في حياتك كما وعدناهم بذلك بقولنا (لهم عذاب في الحياة الدنيا) وبقولنا (ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة)، والمراد أريناك ما نعدهم قبل موتك، وجواب الشرط محذوف، أي فذاك شافيك من أعدائك ودليل على صدقك.
(أو نتوفينك) أي أو توفيناك قبل إراءتك لذلك، وجوابه أيضا محذوف أي فلا تقصير منك ولا لوم عليك، وقوله (فإنما عليك البلاغ) تعليل لهذا المحذوف، والبلاغ اسم أقيم مقام التبليغ، أي ليس عليك إلا تبليغ أحكام الرسالة ولا يلزمك حصول الإجابة منهم لما بلغته إليهم.
(وعلينا الحساب) أي محاسبتهم إذا صاروا إلينا يوم القيامة بأعمالهم ومجازاتهم عليها وليس ذلك عليك؛ وهذا تسلية من الله سبحانه لرسوله ﷺ وإخبار له أنه قد فعل ما أمره الله به وليس عليه غيره، وأن من لم يجب دعوته ويصدق نبوته فالله سبحانه محاسبه على ما اجترم واجترى عليه من ذلك.
стр. 4113
(أولم يروا) يعني أهل مكة والاستفهام للإنكار والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام أي أأنكروا نزول ما وعدناهم أو أشكوا أو ألم ينظروا، وفي ذلك
стр. 4114
لم يروا (أنا نأتي الأرض) أي أرض الكفر كمكة (ننقصها من أطرافها) بالفتوح على المسلمين منها شيئاً فشيئاً بما ينقص من أطراف المشركين ويزيد في أطراف المؤمنين.
قال الزجاج: أعلم الله أن بيان ما وعد المشركين من قهرهم قد ظهر، يقول أو لم يروا أنا فتحنا على المسلمين من الأرض ما قد تبين لهم فكيف لا يعتبرون وهذا قول قتادة وجماعة من المفسرين، وقيل أن معنى الآية ننقصها بموت العلماء والصلحاء. وقال ابن عباس: موت علمائها وفقائها وذهاب خيار أهلها. وعن مجاهد نحوه.
قال القشيري: وعلى هذا فالأطراف الأشراف، وقد قال ابن الأعرابي: الطرف الرجل الكريم، قال القرطبي: وهذا القول بعيد لأن مقصود الآية أنا أريناهم النقصان في أمرهم ليعلموا أن تأخير العقاب عنهم ليس عن عجز إلا أن يحمل على فوت أحبار اليهود والنصارى.
قال الواحدي؛ التفسير الأول أولى لأن هذا القول وإن صح فلا يليق بهذا الموضع وبه قال الرازي، وقيل المراد خراب الأرض المعمورة حتى يكون العمران في ناحية منها. قاله ابن عباس وبه قال مجاهد وعكرمة والشعبي وعطاء وجماعة من المفسرين أي نخربها ونهلك أهلها أفلا تخافون أن يفعل بكم ذلك.
وقيل المراد بالآية هلاك من هلك من الأمم، وقيل المراد جور ولاتها حتى تنقص. وقال ابن عباس: نقصان أهلها وبركتها. وعنه إنما تنقص الأنفس والثمرات، وأما الأرض فلا تنقص.
(والله يحكم) ما يشاء في خلقه فيرفع هذا ويضع هذا، ويحصي هذا ويميت هذا ويغني هذا ويفقر هذا، وفي الالتفات من التكلم إلى الغيبة وبناء الحكم على الاسم الشريف والعلم الجليل من الدلالة على الفخامة وتربية المهابة وتحقيق مضمون الخبر بالإشارة إلى العلة ما لا يخفى على ذي بصيرة.
стр. 4115
(لا معقب لحكمه) أي لا راد لقضائه، والمعقب الذي يكر على الشيء فيبطله وحقيقته الذي يقفيه بالرد والإبطال. قال الفراء: معناه لا راد لحكمه.
قال: والمعقب الذي يتبع الشيء فيستدركه ولا يستدرك أحد عليه، ومنه قيل لصاحب الحق معقب لأنه يتعقب غريمه بالطلب، يعني أنه حكم للإسلام بالإقبال وعلى الكفر بالإدبار، وذلك كائن لا يمكن تغييره، ومحل (لا) مع المنفي النصب على الحال، أي يحكم نافذاً حكمه خالياً من الدافع والمعارض والمنازع لا يتعقب أحد حكمه سبحانه بنقض ولا تغيير. قال ابن زيد: ليس أحد يتعقب حكمه فيرده كما يتعقب أهل الدنيا بعضهم حكم بعض فيرده.
(وهو سريع الحساب) أي الانتقام فيحاسبهم بعد زمن قليل في الآخرة بعدما عذبهم بالقتل وأخرجهم من ديارهم في الدنيا فلا تستبطئ عقابهم فإنه آت لا محالة وكل آت قريب، وقد تقدم الكلام في معناه قبل هذا، والمعنى فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته على السرعة.
стр. 4116
(وقد مكر الذين من قبلهم) أي قد مكر الكفار الذين من قبل كفار مكة بمن أرسله الله إليهم من الرسل فكادوهم وكفروا بهم، والمكر إيصال المكروه إلى الإنسان الممكور به من حيث لا يشعر، مثل مكر نمرود بإبراهيم وفرعون بموسى ويهود بعيسى؛ وهذا تسلية من الله سبحانه لرسوله ﷺ حيث أخبره أن هذا ديدن الكفار من قديم الزمان مع رسل الله سبحانه ثم أخبره بأن مكرهم هذا كالعدم ولا تأثير له وأن المكر كله لله لا اعتداد بمكر غيره فقال (فَلِلَّه المكر جميعاً) يعني عند الله جزاء مكرهم وفيه تسلية للنبي ﷺ وأمان له من مكرهم. وقال الواحدي: يعني جميع مكر الماكرين له ومنه أي هو من خلقه وإرادته، فالمكر جميعاً مخلوق له بيده الخير والشر وإليه النفع والضر، والمعنى أن المكر لا يضر إلا بإذنه وإرادته فإثباته لهم باعتبار الكسب ونفيه عنهم باعتبار الخلق.
стр. 4117
ثم فسر سبحانه هذا المكر الثابت له دون غيره فقال (يعلم ما تكسب كل نفس) من خير وشر، فيجازيها على ذلك ومن علم ما تكسب كل نفس وأعد لها جزاءها كان المكر كله له لأنه يأتيهم من حيث لا يشعرون (وسيعلم الكفار) جميعهم وقرئ الكافر على التوحيد أي جنس الكافر وقيل المراد بالكافر أبو جهل (لمن عقبى الدار) أي العاقبة المحمودة من الفريقين في دار الدنيا أو في دار الآخرة أو فيهما.
стр. 4118
(ويقول الذين كفروا) أي المشركون أو جميع الكفار خطاباً وشفاهاً لك (لست) يا محمد (مرسلاً) إلى الناس من عند الله فأمره الله سبحانه بأن يجيب عليهم فقال (قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم) فهو يعلم صحة رسالتي وصدق دعواي ويعلم كذبكم (و) كذا يعلم ذلك (من عنده علم الكتاب) أي علم جنس الكتاب السماوي كالتوراة والإنجيل فإن أهلهما العالمين بهما كانوا يعلمون صحة رسالة رسول الله ﷺ ؛ وقد أخبر بذلك من أسلم منهم كعبد الله بن سلام وسلمان الفارسي وكعب الأحبار وتميم الداري ونحوهم وقد كان المشركون من العرب يسألون أهل الكتاب ويرجعون إليهم فأرشدهم الله سبحانه في هذه الآية إلى أن أهل الكتاب يعلمون ذلك.
وقيل المراد بالكتاب القرآن ومن عنده علم منه هم المسلمون فأنهم يشهدون أيضاً على نبوته أو المراد من عنده علم اللوح المحفوظ وهو الله سبحانه قاله مجاهد وبه قال الحسن ومثله عن ابن عمر بسند ضعيف واختار هذا الزجاج، وقال لأن الأشبه أن الله لا يستشهد على خلقه بغيره.
عن جندب قال: جاء عبد الله بن سلام حتى أخذ بعضادتي باب المسجد ثم قال: أنشدكم بالله أتعلمون إني الذي أنزلت فيه ومن عنده علم الكتاب قالوا اللهم نعم، وعن ابن عباس هم أهل الكتاب من اليهود والنصارى يشهدون بالحق ويعرفونه منهم ابن سلام والجارود، وعن الشعبي ما نزل في
стр. 4119
ابن سلام شيء من القرآن، وعن سعيد بن جبير أنه سئل عن الآية أهو ابن سلام فقال: كيف وهذه السورة مكيّة وعبد الله أسلم بالمدينة، وعنه قال هو جبريل.
وهذه السورة مدارها كما في الكشف على حقية الكتاب المجيد واشتماله على ما فيه صلاح الدارين وأن السعيد من تمسك بحبله والشقي من أعرض عنه إلى آخر ما فصله.
وهنا أقول ما قاله الخفاجي اللهم اجعلنا ممن تمسك بعروته الوثقى، واهتدى بهداه حتى لا يضل ولا يشقى ببركة من أنزل عليه ﷺ ، ثم أقول يا بركة النبي تعالي وانزلي ثم لا ترتحلي (١).
стр. 4120
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة إبراهيم ﵇
هي مكيّة قاله ابن عباس والزبير والحسن وعكرمة وجابر بن زيد وقتادة إلا آيتين منها، وقيل إلا ثلاث آيات نزلت في الذين حاربوا رسول الله ﷺ وهي قوله (ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا) - إلى قوله - (فإن مصيركم إلى النار)، وعن ابن عباس قال: هي مكيّة سوى آيتين منها نزلتا في قتلى بدر من المشركين وهي اثنتان وخمسون آية.
(الر) قد تقدم الكلام في أمثال هذا وبيان قول من قال أنه متشابه وبيان قول من قال إنه غير متشابه (كتاب) خبر مبتدأ محذوف أي هذا القرآن (أنزلناه إليك) يا محمد (لتخرج الناس) بدعائك إياهم إلى اتباع ما تضمنه الكتاب من التوحيد وغيره واللام في لتخرج للغرض والغاية والتعريف في الناس للجنس والمعنى أنه ﷺ يخرج الناس بالكتاب المشتمل على ما شرعه الله لهم من الشرائع مما كانوا فيه.
(من الظلمات) أي من ظلمات الكفر والجهل والضلالة (إلى) ما صاروا إليه من (النور) أي نور الإيمان والعلم والهداية.
قال الرازي: فيه دليل على أن طريق الكفر والبدعة كثيرة، وطريق الحق ليس إلا واحداً لأنه عبر عنها بالظلمات وهي صيغة جمع وعبر عن الحق بالنور وهو لفظ مفرد جعل الكفر بمنزلة الظلمات والإيمان بمنزلة النور على طريق الاستعارة وقيل أن الظلمة مستعارة للبدعة والنور مستعار للسنة وقيل من الشك إلى اليقين، ولا مانع من إرادة جميع هذه الأمور وأسند الفعل إلى النبي ﷺ لأنه الداعي والهادي والمنذر.
стр. 4123
(بإذن ربهم) أي بأمره وعلمه وتيسيره وتسهيله، قال الزجاج؛ أي بما أذن لك من تعليمهم ودعائهم إلى الإيمان (إلى صراط العزيز الحميد) بدل من قوله إلى النور بتكرير العامل كما يقع مثله كثيراً أي لتخرج الناس من الظلمات إلى صراط العزيز الحميد وهو طريقة الله الواضحة التي شرعها الله لعباده وأمرهم بالمصير إليها والدخول فيها.
ويجوز أن يكون مستأنفاً كأنه قيل ما هذا النور الذي أخرجهم إليه فقيل صراط العزيز الحميد لأنه نور في نفسه طريق للخلود في الجنة المؤبد، وإضافة الصراط إلى الله تعالى لأنه المظهر له وأفهم بتخصيص الوصفين أنه لا يزل سالكه ولا يخيب قاصده، والعزيز هو القادر الغالب الغني عن جميع الحاجات، والحميد هو الكامل في استحقاق الحمد.
стр. 4124
(الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض) قرأ الجمهور بالجر على أنه عطف بيان لكونه من الأعلام الغالبة فلا يصح وصف ما قبله به لأن العلم لا يوصف به، وقيل يجوز أن يوصف به من حيث المعنى وقرأ نافع وابن عامر بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو الله المتصف بملك ما فيهما خلقاً وملكاً وعبيداً وكان يعقوب إذا وقف على الحميد رفع وإذا وصل خفض، قال ابن الأنباري: من خفض وقف على وما في الأرض.
ثم توعد من لا يعترف بربوبيته فقال (وويل للكافرين من عذاب شديد) معدّ لهم في الآخرة، وقد تقدم بيان معنى الويل وأصله النصب كسائر المصادر ثم رفع للدلالة على الثبات، قال الزجاج: هي كلمة تقال للعذاب والهلكة فدعا بذلك على من لم يخرج من الكفار بهداية رسول الله ﷺ بما أنزله الله عليه مما هو فيه من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، قيل والويل هو نقيض لو أل أي النجاة وقيل الويل واد في جهنم، ومن بيانية وقيل الويل بمعنى التأوه فمن للتعدية أي يولولون ويضجون
стр. 4125
من العذاب الشديد الذي صاروا فيه قائلين يا ويلاه.
ثم وصف هؤلاء الكفار بقوله
стр. 4126
(الذين يستحبون الحياة الدنيا) أي يؤثرونها لمحبتهم لها (على الآخرة) الدائمة والنعيم الأبدي.
(ويصدون) أي يصرفون الناس (عن سبيل الله) أي عن دينه الذي شرعه لعباده (ويبغونها) أي السبيل (عوجا) أي يطلبون لها زيغاً وميلاً وعدولاً وانحرافاً عن الحق لموافقة أهوائهم وقضاء حاجاتهم وأغراضهم، وقيل الهاء راجعة إلى الدنيا أي يطلبونها على سبيل الميل عن الحق، والميل إلى الحرام والعوج بكسر العين في المعاني وبفتحها في الأعيان وقد سبق تحقيقه، واجتماع هذه الخصال نهاية الضلال، ولهذا وصف ضلالهم بالبعد عن الحق فقال:
(أولئك) يعني من هذه صفته (في ضلال بعيد) عن طريق الحق، أي بالغ في ذلك غاية الغايات القاصية أو ذي بعد أو فيه بعد لأن الضال قد يضل ويبعد عن الطريق مكاناً قريباً وقد يضل بعيداً، والبعد وإن كان من صفة الضال لكنه يجوز وصف الضلال به مجازاً لقصد المبالغة كجد جدّه وداهية دهياء.
ثم لما منّ على المكلفين بإنزال الكتاب وإرسال الرسول ذكر من كمال تلك النعمة أن ذلك المرسل بلسان قومه فقال:
стр. 4127
(وما أرسلنا من رسول إلا) متلبساً (بلسان قومه) متكلماً بلغتهم لأنه إذا كان كذلك فهم عنه المرسل إليهم ما يقوله لهم ويدعوهم إليه وسهل عليهم ذلك بخلاف ما لو كان بلسان غيرهم فإنهم لا يدرون ما يقول ولا يفهمون ما يخاطبهم به حتى يتعلموا ذلك اللسان دهراً طويلاً ومع ذلك فلا بد أن يصعب عليهم فهم ذلك بعض صعوبة، ولهذا علّل سبحانه ما امتن به على العباد بقوله:
стр. 4128
(ليبين) أي ليوضح (لهم) ما أمرهم الله به من الشريعة التي شرعها لهم ووحد اللسان لأن المراد بها اللغة. عن ابن عباس أن الله فضل محمداً على أهل السماء وعلى الأنبياء. قيل ما فضله على أهل السماء؟ قال: إن الله قال لأهل السماء (ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم) وقال لمحمد ﷺ ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر. فكتب له براءة من النار. قيل فما فضله على الأنبياء؟ قال: إن الله يقول (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه) وقال لمحمد ﵌ (وما أرسلناك إلا كافة للناس) فأرسله إلى الإنس والجن.
وقال عثمان بن عفان: نزل القرآن بلسان قريش. وعن مجاهد مثله، وقد قيل في هذه الآية إشكال لأن النبي ﵌ أرسل إلى الناس جميعاً بل إلى الجن والإنس ولغاتهم متباينة وألسنتهم مختلفة وأجيب بأنه ﷺ وإن كان مرسلاً إلى الثقلين كما مر، لكن لما كان قومه العرب وكانوا أخص به وأقرب إليه، كان أرساله بلسانهم أولى من أرساله بلسان غيرهم وهم يبينونه لمن كان على غير لسانهم ويوضحونه حتى يصير فاهماً له كفهمهم إياه.
ولو نزل القرآن بجميع لغات من أرسل إليهم وبينه رسول الله ﷺ لكل قوم بلسانه، لكان ذلك مظنةً للاختلاف، وفتحاً لباب التنازع، لأن كل أمة قد تدعي من المعاني في لسانها ما لا يعرفه غيرها، وربما كان ذلك أيضاً مفضياً إلى التحريف والتصحيف بسبب الدعاوى الباطلة التي يقع فيها المتعصبون.
قال في الجمل والأولى أن يحمل القوم على من أرسل إليهم الرسول أياً كان وهم بالنسبة لغير سيدنا محمد خصوص عشيرة رسولهم، وبالنسبة إليه كل من أرسل إليه من سائر القبائل وأصناف الخلق وهو ﷺ كان يخاطب كل قوم بلغتهم، وإن لم يثبت أنه تكلم باللغة التركية لأنه لم يتفق أنه خاطب أحداً من أهلها، ولو خاطبه لكلمه بها، تأمل انتهى.
стр. 4129
(فيضل الله من يشاء) إضلاله فيه التفات عن التكلم إلى الغيبة (ويهدي من يشاء) هدايته، والجملة مستأنفة.
قال الفراء: إذا ذكر فعل وبعده فعل آخر فإن لم يكن النسق مشاكلاً للأول فالرفع على الاستئناف هو الوجه، يعني لا يجوز نصبه عطفاً على ما قبله لأن المعطوف كالمعطوف عليه في المعنى، والرسل أرسلت للبيان لا للضلال.
وقال الزجاج: ولو قرئ بنصبه على أن اللام لام العاقبة جاز، والمعنى على الأول وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم تلك الشرائع باللغة التي ألفوها وفهموها، ومع ذلك فإن المضل والهادي هو الله ، والبيان لا يوجب حصول الهداية إلا إذا جعله الله سبحانه واسطة وسبباً، وتقديم الإضلال على الهداية لأنه متقدم عليها إذ هو إبقاء على الأصل، والهداية إنشاء ما لم يكن.
(وهو العزيز) الذي لا يغالبه مغالب في ملكه (الحكيم) الذي تجري أفعاله على مقتضى الحكمة في صنعه.
стр. 4130
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٥) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٦)
ثم لما بيَّن أن المقصود من بعثة نبينا ﷺ هو إخراج الناس من الظلمات إلى النور؛ أراد أن يبين أن الغرض من إرسال الأنبياء لم يكن إلا ذلك وخص موسى بالذكر لأن أمته أكثر الأمم المتقدمة على هذه الأمة المحمدية فقال
стр. 4131
(ولقد أرسلنا موسى) متلبساً (بآياتنا) التسع الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والعصا ويده والسنين ونقص من الثمرات، قاله مجاهد وعطاء وعبيد بن عمير.
(أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور) المعنى قلنا لموسى أخرج، لأن الإرسال فيه معنى القول أو بأن أخرج بني إسرائيل بعد ملك فرعون من الكفر أو الجهل الذي قالوا بسببه اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة إلى الإيمان أو العلم (وذكرهم بأيام الله) أي بوقائعه.
قال ابن السكيت: العرب تقول الأيام في معنى الوقائع، يقال فلان عالم بأيام العرب أي بوقائعها.
وقال الزجاج: بنعم الله عليهم وبنقم أيام الله التي انتقم فيها من قوم نوح وعاد وثمود، والمعنى عظهم بالترغيب والترهيب والوعد والوعيد. وأخرج النسائي والبيهقي وغيرهما عن أبي بن كعب عن النبي ﷺ قال
стр. 4132
" ذكرهم بنعم الله وآلائه " وبه قال ابن عباس.
وقال الربيع بوقائع في القرون الأولى، ويترجح تفسير أيام الله ببلائه ونعمه وفي تفسير ابن جرير بأيام الله، أي بأنواع عقوباته الفائضة ونعمه الباطنة التي أفاضها على القرون السالفة واللاحقة فمن أحاط علمه بذلك عظم خوفه، وفي القاموس وأيام الله نعمه ويوم أيوم شديد، وآخر يوم في الشهر، وفي المختار وربما عبروا عن الشدة باليوم.
(إن في ذلك) التذكير بأيام الله أو في نفس أيام الله (لآيات) أي لدلالات عظيمة دالة على التوحيد وكمال القدرة (لكل صبار) كثير الصبر على المحن والمنح (شكور) كثير الشكر للنعم التي أنعم الله بها عليه لأنه إذا سمع بما نزل على من قبله من البلاء وأفيض عليهم من النعماء اعتبر وتنبه لما يجب عليه من الصبر والشكر وقيل المراد بذلك كل مؤمن، وعبر عنه بالوصفين لأنهما ملاك الإيمان وعنوان المؤمن، وقدم الصبار على الشكور لكون الشكر عاقبة الصبر.
قال قتادة في الآية: نعم العبد عبد إذا ابتلى صبر، وإذا أعطى شكر، وإنما خص الصبار والشكور وإن كان فيها عبرة للكافة لأنهم المنتفعون بها دون غيرهم.
стр. 4133
(وإذ قال موسى) أي اذكر وقت قول موسى (لقومه) والمعنى اذكر يا محمد لقومك ما ذكر لعلهم يعتبرون (اذكروا نعمة الله) أي انعامه (عليكم إذ أنجاكم) أي وقت إنجائه لكم (من آل فرعون يسومونكم) أي يبغونكم، يقال سامه ظلماً أي أولاه ظلماً، وأصل السوم الذهاب في طلب الشيء.
стр. 4134
(سوء العذاب) مصدر ساء يسوء والمراد جنس العذاب السيئ وهو استعبادهم واستعمالهم في الأعمال الشاقة.
(ويذبحون أبناءكم) المولودين لقول بعض الكهنة أن مولوداً يولد في بني إسرائيل يكون سبب ذهاب ملك فرعون، وعطف (يذبحون) على (يسومونكم سوء العذاب) وإن كان التذبيح من جنس سوء العذاب إخراجاً له عن مرتبة العذاب المعتاد حتى كأنه جنس آخر لما فيه من الشدة ومع طرح الواو كما في الآية الأخرى يكون التذبيح تفسيراً لسوء العذاب.
(ويستحيون نساءكم) أي يتركونهن في الحياة لإهانتهن وإذلالهن، ولذلك عدَّ من جملة البلاء، وزاد الكرخي كانوا يستخدمونهن بالاستعباد ويفردونهن عن الأزواج وذلك من أعظم المضار.
(وفي ذلكم) أي في إنجائكم أو في أفعالهم المذكورة (بلاء) أي ابتلاء لكم بالتنعم أو بالعذاب، فالله تعالى يختبر عباده تارة بالنعم وتارة بالشدائد، كما قال (وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون) (من ربكم عظيم) وقد تقدم تفسير هذه الآيات في البقرة مستوفى.