← Тафсир

Тафсир · id 37458

فتح البيان في مقاصد القرآن

صديق حسن خان

Полный текст (12 043 стр.). Показаны 4131–4170 · переход к 4136.

стр. 4131

(ولقد أرسلنا موسى) متلبساً (بآياتنا) التسع الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والعصا ويده والسنين ونقص من الثمرات، قاله مجاهد وعطاء وعبيد بن عمير. (أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور) المعنى قلنا لموسى أخرج، لأن الإرسال فيه معنى القول أو بأن أخرج بني إسرائيل بعد ملك فرعون من الكفر أو الجهل الذي قالوا بسببه اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة إلى الإيمان أو العلم (وذكرهم بأيام الله) أي بوقائعه. قال ابن السكيت: العرب تقول الأيام في معنى الوقائع، يقال فلان عالم بأيام العرب أي بوقائعها. وقال الزجاج: بنعم الله عليهم وبنقم أيام الله التي انتقم فيها من قوم نوح وعاد وثمود، والمعنى عظهم بالترغيب والترهيب والوعد والوعيد. وأخرج النسائي والبيهقي وغيرهما عن أبي بن كعب عن النبي ﷺ قال

стр. 4132

" ذكرهم بنعم الله وآلائه " وبه قال ابن عباس. وقال الربيع بوقائع في القرون الأولى، ويترجح تفسير أيام الله ببلائه ونعمه وفي تفسير ابن جرير بأيام الله، أي بأنواع عقوباته الفائضة ونعمه الباطنة التي أفاضها على القرون السالفة واللاحقة فمن أحاط علمه بذلك عظم خوفه، وفي القاموس وأيام الله نعمه ويوم أيوم شديد، وآخر يوم في الشهر، وفي المختار وربما عبروا عن الشدة باليوم. (إن في ذلك) التذكير بأيام الله أو في نفس أيام الله (لآيات) أي لدلالات عظيمة دالة على التوحيد وكمال القدرة (لكل صبار) كثير الصبر على المحن والمنح (شكور) كثير الشكر للنعم التي أنعم الله بها عليه لأنه إذا سمع بما نزل على من قبله من البلاء وأفيض عليهم من النعماء اعتبر وتنبه لما يجب عليه من الصبر والشكر وقيل المراد بذلك كل مؤمن، وعبر عنه بالوصفين لأنهما ملاك الإيمان وعنوان المؤمن، وقدم الصبار على الشكور لكون الشكر عاقبة الصبر. قال قتادة في الآية: نعم العبد عبد إذا ابتلى صبر، وإذا أعطى شكر، وإنما خص الصبار والشكور وإن كان فيها عبرة للكافة لأنهم المنتفعون بها دون غيرهم.

стр. 4133

(وإذ قال موسى) أي اذكر وقت قول موسى (لقومه) والمعنى اذكر يا محمد لقومك ما ذكر لعلهم يعتبرون (اذكروا نعمة الله) أي انعامه (عليكم إذ أنجاكم) أي وقت إنجائه لكم (من آل فرعون يسومونكم) أي يبغونكم، يقال سامه ظلماً أي أولاه ظلماً، وأصل السوم الذهاب في طلب الشيء.

стр. 4134

(سوء العذاب) مصدر ساء يسوء والمراد جنس العذاب السيئ وهو استعبادهم واستعمالهم في الأعمال الشاقة. (ويذبحون أبناءكم) المولودين لقول بعض الكهنة أن مولوداً يولد في بني إسرائيل يكون سبب ذهاب ملك فرعون، وعطف (يذبحون) على (يسومونكم سوء العذاب) وإن كان التذبيح من جنس سوء العذاب إخراجاً له عن مرتبة العذاب المعتاد حتى كأنه جنس آخر لما فيه من الشدة ومع طرح الواو كما في الآية الأخرى يكون التذبيح تفسيراً لسوء العذاب. (ويستحيون نساءكم) أي يتركونهن في الحياة لإهانتهن وإذلالهن، ولذلك عدَّ من جملة البلاء، وزاد الكرخي كانوا يستخدمونهن بالاستعباد ويفردونهن عن الأزواج وذلك من أعظم المضار. (وفي ذلكم) أي في إنجائكم أو في أفعالهم المذكورة (بلاء) أي ابتلاء لكم بالتنعم أو بالعذاب، فالله تعالى يختبر عباده تارة بالنعم وتارة بالشدائد، كما قال (وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون) (من ربكم عظيم) وقد تقدم تفسير هذه الآيات في البقرة مستوفى.

стр. 4135

وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (٧) وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (٨) أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٩)

стр. 4136

(وإذ تأذن) بمعنى أذن قاله الفراء، قال في الكشاف: ولا بد في تفعل من زيادة معنى ليس في أفعل، وكأنه قيل واذ آذن (ربكم) إيذاناً بليغاً تنتفي عنده الشكوك وتنزاح الشبه، والمعنى وإذ تأذن ربكم فقال لئن شكرتم، وأجرى تأذن مجرى قال لأنه ضرب من القول انتهى، وهذا من قول موسى لقومه، أي واذكروا حين تأذن ربكم. وقيل هو من قول الله سبحانه أي أذكر يا محمد إذ تأذن ربكم وقرئ وإذ قال ربكم والمعنى واحد كما تقدم واللام في. (لئن شكرتم) هي الموطئة للقسم والخطاب لبني إسرائيل وقوله (لأزيدنكم) سادّ مسد جوابي الشرط والقسم والمعنى لئن شكرتم إنعامي عليكم بما ذكر وما خولتكم من نعمة الإنجاء وغيرها من النعم بالإيمان الخالص والعمل الصالح لأزيدنكم نعمة إلى نعمة تفضلاً مني، وقيل من طاعتي قاله الحسن؛ وقيل من الثواب والأول أظهر فالشكر سبب المزيد. قال الربيع: أخبرهم موسى عن ربه أنهم إن شكروا النعمة زادهم من فضله وأوسع لهم من الرزق وأظهرهم على العالم، وقال سفيان الثوري في الآية: لا تذهب أنفسكم إلى الدنيا فإنها أهون عند الله من ذلك ولكن يقول لئن شكرتم لأزيدنكم من طاعتي.

стр. 4137

(ولئن كفرتم إن عذابي لشديد) لمن كفر نعمتي فلا بد أن يصيبكم منه ما يصيب وهو ساد مسد الجوابين أيضاً، وقيل الجواب محذوف أي ولئن كفرتم ذلك وجحدتموه لأعذبنكم، دل عليه إن عذابي لشديد وإنما حذف هنا وصرح به في جانب الوعد لأن من عادة الكرام التصريح بالوعد والتعريض بالوعيد فما ظنك بأكرم الأكرمين.

стр. 4138

(وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعاً) أي وجميع الخلق من الثقلين نعمته تعالى ولم تشكروها وجواب الشرط محذوف أي فما أضررتم بالكفر إلا أنفسكم حيث حرمتموها من مزيد الإنعام وعرضتموها للعذاب الشديد (فإن الله) سبحانه (لغني) عن شكركم لا يحتاج إليه ولا يلحقه بذلك نقص (حميد) أي مستوجب للحمد لذاته لكثرة إنعامه وإن لم تشكروه أو يحمده غيركم من الملائكة وتنطق بنعمه ذرّات الكائنات. ولعله ﵇ إنما قال هذا عندما عاين منهم دلائل العناد ومخائل الإصرار على الكفر والفساد وتيقن أنه لا ينفعهم الترغيب ولا التعريض بالترهيب. أخرج البخاري في تاريخه والضياء في المختار عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ " من ألهم خمسة لم يحرم خمسة " وفيها من ألهم الشكر لم يحرم الزيادة. وعن أبي هريرة مرفوعاً " من أعطى الشكر لم يمنع الزيادة " أخرجه الحكيم الترمذي في النوادر، ولا وجه لتقييد الزيادة بالزيادة في الطاعة بل الظاهر من الآية العموم كما يفيده جعل الزيادة جزاء الشكر، فمن شكر الله على ما رزقه وسَّع الله عليه في رزقه ومن شكر الله على ما أقدره

стр. 4139

عليه من طاعته زاده من طاعته ومن شكره على ما أنعم من الصحة زاده الله صحة إلى غير ذلك.

стр. 4140

(ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم) استفهام تقرير يحتمل أن يكون هذا خطاباً من موسى لقومه فيكون داخلاً تحت التذكير بأيام الله ويحتمل أن يكون من كلام الله سبحانه ابتداء خطاباً لقوم موسى وتذكيراً لهم بالقرون الأولى وإخبارهم ومجيء رسل الله إليهم، ويحتمل أنه ابتداء خطاب من الله تعالى لقوم محمد ﷺ تحذيراً لهم عن مخالفته والنبأ الخبر والجمع الأنباء. (قوم نوح وعاد وثمود) بدل من الموصول أو عطف بيان (والذين من بعدهم) أي من بعد هؤلاء الأمم الماضية الثلاثة (لا يعلمهم) أي لا يحصى عددهم ومقاديرهم ولا يحيط بهم علماً (إلا الله) سبحانه والجملة معترضة وعدم العلم من غير الله إما أن يكون راجعاً إلى صفاتهم وأحوالهم وأخلاقهم ومدد أعمارهم أي هذه الأمور لا يعلمها إلا الله ولا يعلمها غيره أو يكون راجعاً إلى ذواتهم أي أنه لا يعلم ذوات أولئك الذين من بعدهم إلا الله سبحانه ولم يبلغنا خبرهم أصلاً. وعن ابن مسعود أنه كان يقرأ والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله ويقول كذب النسابون، وعن عمرو بن ميمون مثله، وعن أبي مجلز قال: قال رجل لعلي بن أبي طالب أنا أنسب الناس قال إنك لا تنسب الناس، فقال بلى، فقال له عليّ أرأيت قوله عاداً وثمود وأصحاب الرس وقروناً بين ذلك كثيراً قال أنا أنسب ذلك الكثير قال أرأيت قوله والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله، فسكت، وعن عروة بن الزبير قال: ما وجدنا أحداً يعرف ما وراء معدَّ بن عدنان، وعن ابن عباس قال: ما بين عدنان وإسماعيل ثلاثون أباً لا يعرفون.

стр. 4141

(جاءتهم رسلهم بالبينات) أي المعجزات الظاهرة والدلالات الباهرة والشرائع الواضحة مستأنف وهذا في المعنى تفسير لنبأ الذين من قبلهم (فردوا أيديهم) أي جعلوا أيدي أنفسهم (في أفواههم) ليعضوها غيظاً مما جاءت به الرسل كما في قوله تعالى (عضوا عليكم الأنامل من الغيظ) لأن الرسل جاءتهم بتسفيه أحلامهم وشتم أصنامهم. وقيل أن المعنى أنهم أشاروا بأصابعهم إلى أفواههم لما جاءتهم الرسل بالبينات أي اسكتوا واتركوا هذا الذي جئتم به تكذيباً لهم ورداً لقولهم، وقيل المعنى أنهم أشاروا إلى ألسنتهم وما يصدر عنها من قولهم إنا كفرنا بما أرسلتم به أي لا جواب لكم سوى هذا الذي قلناه لكم بألسنتنا هذه، قيل وضعوا أيديهم على أفواههم استهزاء وتعجباً كما يفعله من غلبه الضحك من وضع يده على فيه. وقيل المعنى ردوا على الرسل قولهم وكذبوهم بأفواههم، فالضمير الأول للرسل، والثاني للكفار، وقيل جعلوا أيديهم في أفواه الرسل رداً لقولهم؛ فالضمير الأول على هذا للكفار، والثاني للرسل، وقيل معناه أومأوا إلى الرسل أن اسكتوا، وقيل أخذوا أيدي الرسل ووضعوها على أفواه الرسل ليسكتوهم ويقطعوا كلامهم، والمراد بهما على هذا هاتان الجارحتان المعلومتان. وقيل أن الأيدي هنا النعم أي ردوا نعم الرسل بأفواههم أي بالنطق والتكذيب، والمراد بالنعم هنا ما جاءوهم به من الشرائع، وقال أبو عبيدة ونعم ما قال هو ضرب مثل أي لم يؤمنوا ولم يجيبوا، والعرب تقول للرجل إذا أمسك عن الجواب وسكت قد رد يده في فيه، وهكذا قال الأخفش. واعترض على ذلك القتيبي فقال: لم يسمع أحد من العرب يقول رد يده في فيه إذا ترك ما أمر به، وإنما المعنى عضوا على الأيدي حنقاً وغيظاً، وهذا هو القول الذي قدمناه على جميع هذه الأقوال، وبه قال ابن مسعود وهو

стр. 4142

أقرب التفاسير للآية إن لم يصح عن العرب ما ذكره الأخفش وأبو عبيدة، فإن صح ما ذكراه فتفسير الآية به أقرب. (وقالوا) أي الكفار للرسل (إنا كفرنا بما أرسلتم به) من البينات على زعمكم (وإنا لفي شك) عظيم (مما تدعوننا إليه) من الإيمان بالله وحده وترك ما سواه (مريب) أي موجب للريب، يقال أربته إذا فعلت أمراً أوجب ريبة وشكاً، والريب قلق النفس وعدم سكونها وأن لا تطمئن إلى شيء. وقد قيل كيف صرحوا بالكفر ثم بنوا أمرهم على الشك وأجيب بأنهم أرادوا أنّا كافرون برسالتكم وإن نزلنا عن هذا المقام فلا أقل من أنّا نشك في صحة نبوتكم ومع كمال الشك لا مطمع في الاعتراف بنبوتكم، وقيل كانوا فرقتين إحداهما جزمت بالكفر، والأخرى شكت، وقيل أن كفرهم بالمعجزات وشكهم في التوحيد فلا تخالف.

стр. 4143

قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (١٠) قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١)

стр. 4144

(قالت رسلهم) جملة مستأنفة كأنه قيل فماذا قالت لهم الرسل فأجيب بأنهم قالوا منكرين عليهم ومتعجبين من مقالتهم الحمقاء (أفي الله شك) والاستفهام للتقريع والتوبيخ والإنكار أي أفي وحدانيته سبحانه شك وهي في غاية الوضوح والجلاء ثم إن الرسل ذكروا بعد إنكارهم على الكفار ما يؤكد ذلك الإنكار من الشواهد الدالة على عدم الشك في وجوده سبحانه ووحدانيته فقالوا (فاطر السماوات والأرض) أي خالقهما ومخترعهما ومبدعهما وموجدهما وما فيهما بعد العدم. (يدعوكم) إلى الإيمان به وتوحيده أو إلى الإيمان بإرساله إيانا لا أنا ندعوكم إليه من تلقاء أنفسنا كما يوهمه قولكم مما تدعوننا إليه (ليغفر لكم من ذنوبكم) أي لأجل غفران ذنوبكم إذا آمنتم وصدقتم أو اللام للتعدية كقولك دعوتك لزيد. قال أبو عبيدة: من صلة زائدة في الإيجاب، ووجه ذلك قوله في موضع آخر (إن الله يغفر الذنوب جميعًا) وأجازه الأخفش وقال سيبويه: هي للتبعيض ويجوز أن يذكر البعض ويراد منه الجميع. وقيل التبعيض على حقيقته ولا يلزم من غفران جميع الذنوب لأمة محمد ﷺ غفران جميعها لغيرهم، وبهذه الآية احتج من جوز زيادة (من) في الإثبات، وجمهور البصريين لا يجوزون زيادتها إلا في النفي إذا

стр. 4145

جرت نكرة ومن ثم جعلها بعضهم للبدل وقال ليست بزائدة ولا تبعيضية أي لتكون المغفرة بدلاً من عقوبة الذنوب، ويحتمل أن يضمن يغفر معنى يخلص أي يخلصكم من ذنوبكم ويكون مقتضاه غفران جميع الذنوب وهو أولى من دعوى زيادته (ويؤخركم) بلا عذاب (إلى أجل) أي وقت (مسمى) عنده سبحانه وهو الموت فلا يعذبكم في الدنيا. (قالوا إن) أي ما (أنتم إلا بشر مثلنا) في الهيئة والصورة، تأكلون وتشربون كما نأكل ونشرب، فلا فضل لكم علينا ولستم ملائكة (تريدون أن تصدونا) وصفوهم بالبشر أولاً ثم بإرادة الصدّ لهم (عما كان يعبد آباؤنا) أي آباؤهم ثانياً أي تريدون أن تصرفونا عن معبودات آبائنا من الأصنام ونحوها (فأتونا) إن كنتم صادقين بأنكم مرسلون من عند الله (بسلطان مبين) أي حجة ظاهرة واضحة تدل على صحة ما تدعونه من المزية أو النبوة وقد جاؤوهم بالسلطان المبين والحجة الظاهرة ولكن هذا نوع من تعنتاتهم ولون من تلوناتهم.

стр. 4146

(قالت لهم رسلهم) مسلمين مشاركتهم في الجنس (إن نحن إلا بشر مثلكم) أي في الصورة والهيئة كما قلتم لا ننكر ذلك (ولكن الله يمن) ويتفضل (على من يشاء من عباده) بالنبوة والرسالة، وقيل بالتوفيق والهداية جعلوا الموجب لاختصاصهم بالنبوة فضل الله تعالى وفيه دليل على أن النبوة أمر وهبي لا كسبي كما يزعمه المتفلسفة والحكماء. (وما كان) أي ما صح (لنا) ولا استقام (أن نأتيكم بسلطان) أي بحجة من الحجج، وقيل المراد بالسلطان هنا هو ما يطلبه الكفار من الآيات على سبيل التعنت، وقيل أعم من ذلك فإن ما شاء الله كان وما لم يشأه لم يكن (إلا بإذن الله) أي بمشيئته وإرادته وليس ذلك في قدرتنا، وقيل بأمره لنا بالإتيان أي إذنه لنا فيه والأول أولى. (وعلى الله) وحده (فليتوكل المؤمنون) في دفع شرور أعدائهم عنهم وفي

стр. 4147

وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (١٢) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (١٣) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ (١٤) وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (١٥) مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (١٦) الصبر على معاداتهم وهذا أمر منهم للمؤمنين بالتوكل على الله دون من عداه وكان الرسل قصدوا بهذا الأمر للمؤمنين الأمر لهم أنفسهم قصداً أولياً ولهذا قالوا:

стр. 4148

(وما لنا) أي وأيُّ مانع وعذر لنا في (أن لا نتوكل على الله) سبحانه في دفع شروركم عنا، فيه التفات عن الغيبة إلى التكلم والاستفهام للإنكار (وقد هدانا سبلنا) بضم الباء وسكونها سبعيتان، أىِ والحال إنه قد فعل بنا ما يوجب التوكل عليه ويستدعيه من هدايتنا إلى الطريق الموصل إلى رحمته وهو ما شرعه لعباده وأوجب عليهم سلوكه وعرفنا طريق النجاة وبين لنا الرشد. وحيث كانت أذية الكفار مما يوجب القلق والاضطراب القادح في التوكل قالوا على سبيل التوكيد القسمي مظهرين لكمال العزيمة (و) الله (لنصبرن على ما آذيتمونا) من وقوع التكذيب لنا منكم والعناد والاقتراحات الباطلة وغير ذلك مما لا خير فيه وما مصدرية أو موصولة اسمية (وعلى الله) وحده دون من عداه (فليتوكل المتوكلون) قيل المراد بالتوكل الأول استحداثه وإنشاؤه، وبهذا السعي في بقائه وثبوته فالتوكلان مختلفان. وقيل معنى الأول إن الذين يطلبون المعجزات يجب عليهم أن يتوكلوا في حصولها على الله سبحانه لا علينا، فإن شاء سبحانه أظهرها وإن شاء لم

стр. 4149

يظهرها. ومعنى الثاني إبداء التوكل على الله في دفع شر الكفار وسفاهتهم.

стр. 4150

(وقال الذين كفروا) هم طائفة من المتمردين عن إجابة الرسل (لرسلهم) واللام في (لنخرجنكم) هي الموطئة للقسم، أي والله لنخرجنكم (من أرضنا أو لتعودن في ملتنا) لم يقنعوا برد ما جاءت به الرسل وعدم امتثالهم لما دعوهم إليه حتى اجترؤوا عليهم بهذا وخيروهم بين الخروج من أرضهم أو العود في ملتهم الكفرية. وقد قيل أن (أو) بمعنى حتى أو بمعنى إلا أن كما قاله بعض المفسرين، ورد بأنه لا حاجة إلى ذلك بل أو على بابها للتخيير بين أحد الأمرين، قيل والعود هنا بمعنى الصيرورة، أي لتصيرن داخلين في ديننا أي في الشرك لعصمة الأنبياء عن أن يكونوا على ملة الكفر قبل النبوة وبعدها، وقيل إن الخطاب للرسل ولمن آمن بهم فغلب الرسل على أتباعهم، وقد تقدم تفسير الآية في سورة الأعراف (فأوحى إليهم) أي إلى الرسل بعد هذه المخاطبات والمحاورات (ربهم لنهلكن الظالمين) الكافرين

стр. 4151

(ولنسكننكم الأرض) أي أرض هؤلاء الكفار الذين توعدوكم بما توعدوكم من الإخراج أو العود. (من بعدهم) أي بعد هلاكهم، ومثل هذه الآية قوله سبحانه (وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها) وقال (وأورثكم أرضهم وديارهم). عن ابن عباس قال: كانت الرسل والمؤمنون يستضعفهم قومهم ويقهرونهم ويكذبونهم ويدعونهم إلى أن يعودوا في ملتهم، فأبى الله لرسله والمؤمنين أن يعودوا في ملة الكفر، وأمرهم أن يتوكلوا على الله وأمرهم أن يستفتحوا على الجبابرة ووعدهم أن يسكنهم الأرض من بعدهم، فأنجز لهم ما وعدهم واستفتحوا كما أمرهم الله أن يستفتحوا. وعن قتادة قال: وعدهم النصر في الدنيا والجنة في الآخرة، فبيّنَ الله

стр. 4152

من يسكنها من عباده فقال (ولمن خاف مقام ربه جنتان) وإن لله مقاماً هو قائمه، وأن أهل الإيمان خافوا ذلك المقام فنصبوا ودأبوا الليل والنهار. (ذلك) أي ما تقدم من إهلاك الظالمين وإسكان المؤمنين في مساكنهم (لمن خاف مقامي) أي موقفي، وذلك يوم الحساب فإنه موقف الله سبحانه، والمقام بفتح الميم مكان الإقامة وبالضم فعل الإقامة، وقيل إن المقام هنا مصدر بمعنى القيام، أي لمن خاف قيامى عليه ومراقبتي له كقوله تعالى (أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت) وقال الأخفش مقامي بمعنى عذابي. (وخاف وعيد) أي خشي وعيدي بالعذاب، وقيل بالقرآن وزواجره، وقيل هو نفس العذاب الموعود للكفار، والوعيد اسم من الوعد، وهذه الآية تدل على أن الخوف من الله غير الخوف من وعيده لأن العطف يقتضي التغاير، قاله الكرخي.

стр. 4153

(واستفتحوا) أي استنصروا بالله على أعدائهم أو سألوا الله القضاء بينهم من الفتاحة وهي الحكومة بين الخصمين، ومن الأول قوله (إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح) ومن الثاني قوله (ربنا افتح بيننا وبين قومنا) أي احكم، والضمير في استفتحوا للرسل، وقيل للكفار وقيل للفريقين وقيل لقريش لأنهم في سني الجدب استمطروا فلم يمطروا، وهو على هذا مستأنف والأول أولى، وقرئ استفتحوا بكسر التاء الثانية على لفظ الأمر، أمراً للرسل بطلب النصرة فنصروا وسعدوا وربحوا. (وخاب) أي خسر وقيل هلك (كل جبار) هو المتكبر الذي لا يرى لأحد عليه حقاً، هكذا حكاه النحاس عن أهل اللغة. وقيل من تجبر بنفسه بادعاء منزلة عالية لا يستحقها، وهو صفة ذم في

стр. 4154

حق الإنسان، وقيل الذي لا يرى فوقه أحداً. وقيل المتعظم في نفسه المتكبر على أقرانه والمعاني متقاربة (عنيد) هو المعاند للحق والمجانب له قاله مجاهد، وهو مأخوذ من العقد وهو الناحية، أي آخذ في ناحية معرضاً. قال الزجاج: العنيد الذي يعدل عن القصد، وبمثله قال الهروي. وقال أبو عبيد: هو الذي عند وبغى وقال ابن كيسان: هو الشامخ بأنفه، وقيل المراد به العاصي، وقيل الذي أبي أن يقول لا إله إلا الله. قاله قتادة، وقيل العنيد الناكب عن الحق. قاله إبراهيم النخعي، وقال مقاتل: المتكبر، وقال ابن عباس: هو المعرض عن الحق. وقيل هو المعجب بما عنده، وقيل هو الذي يعاند ويخالف، ومعنى الآية أنه خسر وهلك من كان متصفاً بهذه الصفة.

стр. 4155

(من ورائه) أي من بعده (جهنم) والمراد بعد هلاكه على أن وراء هنا بمعنى بعد: ومثله قوله تعالى (ومن ورائه عذاب غليظ) أي من بعده، كذا قال الفراء. وقيل من ورائه أي من أمامه قال أبو عبيدة: هو من أسماء الأضداد لأن أحدهما ينقلب إلى الآخر، ومنه قوله تعالى (وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصباً) أي أمامهم، وبه قال قطرب. وقال الأخفش: هو كما يقال هذا الأمر من ورائك أي سوف يأتيك وأنا من وراء فلان أي في طلبه. وقال النحاس: من ورائه أي من أمامه، وليس من الأضداد، ولكنه من توارى أي استتر فصارت جهنم من ورائه لأنها لا ترى وحكى مثله ابن الأنباري وقال ثعلب: هو اسم لما توارى عنك سواء كان خلفك أو قدامك. (ويسقى من ماء صديد) أي يلقى فيها ويسقى، والصديد ما يسيل من جلود أهل النار ولحومهم واشتقاقه من الصد لأنه يصد الناظرين عن رؤيته وهو دم مختلط بقيح يسيل من جلد الكافر ولحمه.

стр. 4156

يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ (١٧) مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (١٨) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٩) وقال عكرمة: هو القيح والدم. وقال محمد بن كعب القرظي: هو ما يسيل من فروج الزناة يسقاه الكافر والصديد صفة لماء أو بدل منه، وقيل عطف بيان له

стр. 4157

(يتجرعه) التجرع التحسي أي يتحساه مرة بعد مرة لا مرة واحدة لمرارته وحرارته ونتنه وكراهته، وقيل يكلف تجرعه ويقهر عليه ولم يذكر الزمخشري غيره، وقيل إنه دال على المهلة أي يتناوله شيئاً فشيئاً. وقيل أنه بمعنى جرعه المجرد (ولا يكاد يسيغه) يقال ساغ الشراب في الحلق يسوغ سوغاً إذا كان سهلاً، والمعنى لا يقارب أن يسيغه ويبتلعه فكيف يكون الإساغة بل يغص به بعد اللتيا واللتي فيشربه جرعة بعد جرعة فيطول عذابه بالحرارة والعطش تارة، ويشربه على هذه الحالة أخرى، فإن السوغ انحدار الشراب في الحلق بسهولة وقبول نفس ونفيه لا يوجب نفي ما ذكر جميعاً. وقيل لا يكاد يدخله في جوفه، وعبر عنه بالإساغة لما أنها المعهودة في الأشربة وقيل أنه يسيغه بعد شدة وإبطاء كقوله (وما كادوا يفعلون) أي يفعلون بعد إبطاء كما يدل عليه قوله تعالى في آية أخرى (يصهر به ما في بطونهم) قيل كاد صلة، وقال الزمخشري للمبالغة؛ وقيل معناه لا يجيزه. أخرج أحمد والترمذي واستغربه والنسائي وابن أبي الدنيا وأبو يعلى وابن مردويه والبيهقي وأبو نعيم في الحلية وصححه عن أبي أمامة عن النبي صلى الله

стр. 4158

عليه وسلم في الآية قال: " يقرب إلى فيه فيكرهه فإذا أدنى منه شوى وجهه ووقعت فروة رأسه، فإذا شربه قطع أمعاءه حتى تخرج من دبره " يقول الله (وسقوا ماء حميماً فقطع إمعاءهم) وقال: (وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقاً). (ويأتيه الموت) أي أسبابه (من كل مكان) أي من كل جهة من الجهات من قدامه ومن خلفه ومن فوقه ومن تحته وعن يمينه وعن شماله، أو من كل موضع من مواضع بدنه. وقال الأخفش: المراد بالموت هنا البلايا التي تصيب الكافر في النار، سماها موتا لشدتها. وقال ابن عباس: يعني أنواع العذاب وليس منها نوع إلا الموت يأتيه منه لو كان يموت، ولكنه لا يموت لأن الله يقول لا يقضى عليهم فيموتوا. وقال ميمون بن مهران: المعنى من كل عظم وعرق وعصب. وعن محمد بن كعب نحوه، وعن إبراهيم التيمي قال: من موضع كل شعرة في جسده. (وما هو بميت) أي والحال أنه لم يمت حقيقة فيستريح. وقيل تعلق نفسه في حنجرته فلا تخرج من فيه فيموت، ولا ترجع إلى مكانها من جوفه فيحيا، ومثله قوله (لا يموت فيها ولا يحيى). وقيل المعنى وما هو بميت لتطاول شدائد الموت به وامتداد سكراته عليه، والأولى تفسير الآية بعدم الموت حقيقة لما ذكرنا من قوله سبحانه (لا يموت فيها

стр. 4159

ولا يحيى) وقوله (لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها). (ومن ورائه) أي من أمامه أو من بعده أو من بين يديه، قاله البيضاوي. وقيل الضمير عائد على كل جبار كما في السمين (عذاب غليظ) أي شديد يستقبل في كل وقت عذاباً أشد مما هو عليه، قيل هو الخلود في النار، قال إبراهيم التيمي وقيل حبس الأنفاس، قاله فضيل بن عياض.

стр. 4160

(مثل الذين كفروا بربهم) كلام مستأنف منقطع عما قبله، قال سيبويه: تقديره فيما يتلى عليكم مثل الذين، والمثل مستعار للقصة التي فيها غرابة. وقال الزجاج والفراء: التقدير مثل اعمال الذين. وروي عنه أنه قال بالغاء مثل، وقيل مستأنفة على تقدير سؤال سائل يقول مثلهم فقيل: (أعمالهم) الصالحة. كالصدقة وصلة الأرحام وفك الأسير وإقراء الضيف وبر الوالدين ونحو ذلك أو عبادتهم الأصنام في عدم الانتفاع بها أو الأعمال التي أشركوا فيها غير الله تعالى. (كرماد) أي باطلة غير مقبولة، والرماد ما يبقى بعد احتراق الشيء، وهو ما يسقط من الحطب والفحم بعد احتراقه بالنار وجمعه في الكثرة على رمد؛ وفي القلة على أرمد. (اشتدت به الريح) حملته بشدة وسرعة فنسفته وطيَّرته ولم تبق منه شيئاً (في يوم عاصف) العصف شدة الريح وصف به زمانها مبالغة كما يقال يوم حار ويوم بارد والبرد والحر فيهما لا منهما والإسناد فيه تجوز، ووجه الشبه أن الريح العاصفة تطير الرماد وتفرق أجزاءه بحيث لا يبقى له أثر، فكذلك كفرهم أبطل أعمالهم واحبطها بحيث لا يبقى لها أثر. وقد بيَّن محصله بقوله (لا يقدرون مما كسبوا) من تلك الأعمال الباطلة

стр. 4161

(على شيء) منها ولا يرون له أثراً في الآخرة يجازون به ويثابون عليه، جميع ما عملوه في الدنيا باطل ذاهب كذهاب الريح بالرماد عند شدة هبوبها وهو فذلكة التمثيل. وعن ابن عباس: لا يقدرون على شيء من أعمالهم ينفعهم كما لا يقدر على الرماد إذا أرسل في يوم عاصف. (ذلك) أي ما دل عليه التمثيل من هذا البطلان لأعمالهم وذهاب أثرها (هو الضلال) الهلاك (البعيد) عن طريق الحق المخالف لمنهج الثواب أو عن فعل الثواب، ولما كان هذا خسراناً لا يمكن تداركه ولا يرجى عوده سماه بعيداً

стр. 4162

(ألم تر أن الله خلق السماوات والأرض) الرؤية هنا هي القلبية والخطاب لرسول الله ﷺ تعريضاً لأمته أو الخطاب لكل من يصلح له " بالحق " أي بالوجه الصحيح الذي يحق أن يخلقها عليه ليستدل بها على كمال قدرته لا باطلاً ولا عبثاً والباء للمصاحبة. ثم بيَّن كمال قدرته سبحانه واستغنائه عن كل أحد من خلقه فقال: (إن يشأ يذهبكم) أيها الناس (ويأت بخلق جديد) سواكم فيعدم الموجودين ويوجد المعدومين؛ ويهلك العصاة، ويأتي بمن يطيعه من خلقه، لأن القادر لا يصعب عليه شيء وأنه قادر لذاته لا اختصاص له بمقدور دون مقدور، والمقام يحتمل أن يكون هذا الخلق الجديد من نوع الإنسان، ويحتمل أن يكون من نوع آخر.

стр. 4163

وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (٢٠) وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ (٢١) وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٢)

стр. 4164

(وما ذلك) أي الإذهاب والإتيان بإعدام الموجود وإيجاد المعدوم (على الله بعزيز) أي بممتنع ومتعذر لأنه سبحانه قادر على كل شيء، وفيه أن الله تعالى هو الحقيق بأن يرجى ثوابه ويخاف عقابه، فلذلك أتبعه بذكر أحوال الآخرة فقال

стр. 4165

(وبرزوا لله جميعاً) أي الخلائق من قبورهم يوم القيامة، والبروز الظهور والبراز بالفتح المكان الواسع لظهوره، ومنه امرأة برزة أي تظهر للرجال، وبرز حصل في البراز أي الفضاء، وذلك بأن يظهر بذاته كلها، فمعنى برزوا ظهروا من قبورهم. وعبر بالماضي عن المستقبل تنبيهاً على تحقيق وقوعه كما هو مقرر في علم المعاني وإنما قال وبرزوا لله مع كونه سبحانه عالماً بهم لا يخفى عليه شيء من أحوالهم برزوا أو لم يبرزوا لأنهم كانوا يستترون عن العيون عند فعلهم للمعاصي ويظنون أن ذلك يخفى على الله تعالى، فالكلام خارج على ما يعتقدونه. (فقال الضعفاء للذين استكبروا) أي قال الاتباع الضعفاء في الرأي للرؤساء الأقوياء المتكبرين بما هم فيه من الرياسة (إنا كنا لكم تبعاً) في الدنيا

стр. 4166

في الدين والاعتقاد فكذبنا الرسل وكفرنا بالله متابعة لكم، والتبع جمع تابع مثل خادم وخدم وحارس وحرس وراصد ورصد، أو مصدر وصف به للمبالغة أو على تقدير ذوي تبع. قال الزجاج: جمعهم في حشرهم فاجتمع التابع والمتبوع فقال الضعفاء للذين استكبروا من أكابرهم وقادتهم عن عبادة الله إنا كنا لكم تبعاً. (فهل أنتم) في هذا اليوم، والاستفهام للتوبيخ (مغنون) أي دافعون (عنا) يقال أغنى عنه إذا دفع عنه الأذى وأغناه إذا أوصل إليه النفع (من عذاب الله من شيء) أي بعض الشيء الذي هو عذاب الله، فمن الأولى للبيان والثانية للتبعيض قاله الزمخشري، وقيل هما للتبعيض معاً قاله في الكشاف أيضاً وقيل الأولى تتعلق بمحذوف والثانية مزيدة. (قالوا) أي قال المستكبرون مجيبين عن قول المستضعفين (لو هدانا الله) إلى الإيمان في الدنيا (لهديناكم) إليه ولكن لما أضلنا وضللنا دعوناكم إلى الضلالة وأضللناكم واخترنا لكم ما اخترناه لأنفسنا، والجملة مستأنفة كأنه قيل كيف أجابوا، وقيل المعنى لو هدانا الله إلى طريق الجنة لهديناكم إليها، وقيل لو نجانا الله من العذاب لنجيناكم منه. (سواء علينا أجزعنا أم صبرنا) أي مستو علينا الجزع والصبر، والجزع أبلغ من الحزن لأنه يصرف الإنسان عما هو بصدده وبقطعه عنه والهمزة وأم لتأكيد التسوية كما في قوله تعالى (سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم). (ما لنا من محيص) أي منجاة ومهرب من العذاب من الحيص وهو العدول على جهة الفرار يقال حاص فلان عن كذا أي فرَّ وزاغ يحييص حيصاً وحيوصاً وحيصاناً.

стр. 4167

والمعنى ما لنا وجه نتباعد به عن النار، ويجوز أن يكون هذا من كلام الفريقين وإن كان الظاهر أنه من كلام المستكبرين، وفي مجيء كل جملة مستقلة من غير عاطف دلالة على أن كُلاًّ من المعاني مستقل بنفسه كاف في الأخبار، وقال زيد بن أسلم: جزعوا مائة سنة وصبروا مائة سنة. وأخرج الطبراني وابن أبي حاتم وابن مردويه عن كعب بن مالك يرفعه إلى النبي ﷺ قال " يقول أهل النار هلموا فلنصبر فيصبرون خمسمائة عام، فلما رأوا ذلك لا ينفعهم قالوا هلموا فلنجزع فبكوا خمسمائة عام، فلما رأوا ذلك لا ينفعهم قالوا سواء علينا أجزعنا أم صبرنا مالنا من محيص ". والظاهر أن هذه المراجعة كانت بينهم بعد دخولهم النار كما في قوله تعالى (وإذ يتحاجون في النار فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعاً فهل أنتم مغنون عنا نصيباً من النار قال الذين استكبروا إنا كل فيها إن الله قد حكم بين العباد).

стр. 4168

(وقال الشيطان) للفريقين (لما قضي الأمر) أي دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار على ما سيأتي بيانه في سورة مريم (إن الله وعدكم وعد الحق) فصدق في وعده وهو وعده سبحانه بالبعث والحساب ومجازاة المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته. قال الفراء: وعد الحق هو من إضافة الشيء إلى نفسه كقولهم مسجد الجامع؛ وقال البصريون وعدكم وعد اليوم الحق. (ووعدتكم) وعداً باطلاً بأنه لا بعث ولا حساب ولا جنة ولا نار

стр. 4169

(فأخلفتكم) ما وعدتكم به من ذلك (وما كان لي عليكم من سلطان) أي تسلط عليكم بإظهار حجة على ما وعدتكم به وزينته لكم. (إلا أن دعوتكم) أي مجرد دعائي لكم إلا الغواية والضلال بلا حجة ولا برهان ودعوته لهم ليست من جنس السلطان حتى يستثنى منه بل الاستثناء منقطع أي لكن دعوتكم وقيل المراد بالسلطان هنا القهر أي ما كان لي عليكم من قهر يضطركم إلا إجابتي وقيل هذا الاستثناء هو من باب " تحية بينهم ضرب وجيع " مبالغة في نفيه للسلطان عن نفسه كأنه قال إنما يكون لي عليكم سلطان إذا كان مجرد الدعاء من سلطان وليس منه قطعاً. (فاستجبتم لي) أي فسارعتم إلى إجابتي (فلا تلوموني) بما وقعتم فيه بسبب وعدى لكم بالباطل وإخلافي هذا الموعد فإن من صرح بالعداوة لا يلام بأمثال ذلك (ولوموا أنفسكم) باستجابتكم لي بمجرد الدعوة التي لا سلطان عليها ولا حجه فإن من قبل المواعيد الباطلة والدعاوي الزائغة عن طريق الحق فعلى نفسه جنى ولمارنه قطع ولا سيما ودعوتي هذه الباطلة وموعدى الفاسد وقعا معارضين لوعد الله لكم وهو الحق ودعوته لكم إلا دار السلام مع قيام الحجة التي لا تخفى على عاقل ولا تلتبس إلا على مخذول. وقريب من هذا من يقتدي بآراء الرجال المخالفة لما في كتاب الله ولما في سنة رسوله ﷺ ويؤثرها على ما فيهما فإنه قد استجاب للباطل الذي لم تقم عليه حجة، ولا دل عليه برهان، وترك الحجة والبرهان خلف ظهره كما يفعله كثير من المقتدين بالرجال المقلدين لهم، المتنكبين عن طريق الحق بسوء اختيارهم، اللهم غفراً. (ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخيّ) يقال صرخ فلان إذا استغاث يصرخ صراخاً وصرخاً واستصرخ بمعنى صرخ والمصرخ المغيث والمستصرخ

стр. 4170

المستغيث، يقال استصرخني فأصرخته والصريخ صوت المستصرخ والصريخ أيضا الصارخ وهو المغيث والمستغيث وهو من أسماء الأضداد كما في الصحاح. قال ابن الأعرابي: الصارخ المستغيث والمصرخ المغيث، ومعنى الآية ما أنا بمغيثكم ومنقذكم مما أنتم فيه من العذاب، وما أنتم بمغيثي ولا منقذي مما أنا فيه وفيه إرشاد لهم إلى أن الشيطان في تلك الحالة مبتلى بما ابتلوا به من العذاب، محتاج إلى من يغيثه ويخلصه مما هو فيه فكيف يطمعون في إغاثة من هو محتاج إلى من يغيثه. قال ابن عباس: المعنى ما أنا بنافعكم وما أنتم بنافعي، وقال الشعبي في هذه الآية: خطيبان يقومان يوم القيامة إبليس وعيسى؛ فأما إبليس فيقوم في حزبه فيقول القول المذكور في الآية، وأما عيسى فيقول (ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد) وقال قتادة: المعنى ما أنا بمعينكم. (إني كفرت بما أشركتمون من قبل) قد ذهب جمهور المفسرين إلى أن ما مصدرية أي بإشراككم أياي مع الله في الطاعة لأنهم كانوا يطيعونه في أعمال الشر، كما يطاع الله في أعمال الخير، فالإشراك استعارة بتشبيه الطاعة به وتنزيلها منزلته، أو لأنهم لما أشركوا الأصنام ونحوها بإيقاعه لهم في ذلك فكأنهم أشركوه وقيل موصولة على معنى إني كفرت بالذي أشركتمونيه وهو الله ، ويكون هذا حكاية لكفره بالله عند أن أمره بالسجود لآدم. ولما كشف لهم القناع بأنه لا يغنى عنه من عذاب الله شيئاً ولا ينصرهم بنوع من أنواع النصر، صرح لهم بأنه كافر بإشراكهم له مع الله في الربوبية من قبل هذا الوقت الذي قال لهم الشيطان فيه هذه المقالة، وهو ما كان منهم في الدنيا من جعله شريكاً.
следующие страницы →