(والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً) معطوف على قوله والله جعل لكم من أنفسكم أزواجاً منتظم معه في سلك أدلة التوحيد أي أخرجكم من بطون أمهاتكم أطفالاً لا علم لكم بشيء ولا تعلمون شيئا مما أُخذ عليكم من الميثاق وقيل مما قضى به عليكم من السعادة والشقاوة، وقيل شيئاً من منافعكم والأولى التعميم لتشمل الآية هذه الأمور وغيرها اعتباراً بعموم اللفظ فإن شيئاً نكرة واقعة في سياق النفي.
(وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة) أي ركب فيكم هذه الأشياء وليس فيه دلالة على تأخير هذا الجعل عن الإخراج لما أن مدلول الواو هو مطلق الجمع والمعنى جعل لكم هذه الأشياء لتحصلوا بها العلم الذي كان مسلوباً عنكم عند إخراجكم من بطون أمهاتكم وتعملوا بموجب ذلك العلم من شكر النعم وعبادته والقيام بحقوقه.
ونكتة تأخيره أن السمع ونحوه من آلات الإدراك إنما يعتد به إذا أحس وأدرك، وذلك بعد الإخراج وقدم السمع على البصر لأنه طريق تلقي الوحي
стр. 4552
أو لأن إدراكه أقدم من إدراك البصر والأفئدة جمع فؤاد وهو وسط القلب منزل منه بمنزلة القلب من الصدر، وقد قدمنا الوجه في أفراد السمع وجمع الأبصار والأفئدة وهو أن أفراد السمع لكونه مصدراً في الأصل يتناول القليل والكثير (لعلكم تشكرون) أي لكي تصرفوا كل آلة فيما خلقت له فعند ذلك تعرفون مقدار ما أنعم الله به عليكم فتشكرونه أو أن هذا الصرف هو نفس الشكر.
ثم ذكر سبحانه دليلاً آخر على كمال قدرته فقال
стр. 4553
(ألم يروا إلى الطير مسخرات) أي ألم ينظروا إليها حال كونها مذللات للطيران، بما خلق الله لها من الأجنحة وسائر الأسباب المؤاتية لذلك كرقة قوام الهواء وإلهامها بسط الجناح وقبضه كما يفعل السابح في الماء (في جو السماء) أي في الهواء المتباعد من الأرض في سمت العلو وإضافته إلى السماء لكونه في جانبها قال كعب أن الطير ترتفع في الجو اثني عشر ميلاً ولا ترتفع فوق ذلك.
(وما يمسكهن) في قبضهن وبسطهن ووقوفهن في الجوّ (إلا الله) سبحانه بقدرته الباهرة فإن ثقل أجسامها ورقة قوام الهواء يقتضيان سقوطها لأنها لم تتعلق بشيء من فوقها ولا اعتمدت على شيء تحتها (إن في ذلك) التسخير على تلك الصفة (لآيات) ظاهرة تدل على وحدانية الله سبحانه وقدرته الباهرة (لقوم يؤمنون) بالله سبحانه وبما جاءت به رسله من الشرائع التي شرعها.
(والله جعل) أي صيَّر أو خلق (لكم من بيوتكم) التي هي من الحجر والمدر وغيرهما ومن ابتدائية (سكنا) مصدر يوصف به الواحد والجمع وإليه ذهب ابن عطية ومنعه الشيخ ولم يذكر وجه المنع وهو بمعنى مسكون أي تسكنون فيها وتهدأ جوارحكم من الحركة وهذا من جملة تعديد الله نعمه على الإنسان فإن الله سبحانه لو شاء لخلق العبد مضطرباً دائماً كالأفلاك ولو شاء لخلقه ساكناً أبداً كالأرض.
(وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتاً) لا ذكر سبحانه بيوت المدن وهي التي للإقامة الطويلة عقبها بذكر بيوت البادية والرحلة وهي الأنطاع والأدم جعلها بيوتاً كالخيام والقباب والأخبية والفساطين، قال مجاهد وهي خيام العرب وقيل ذلك في بعض الناس كالسودان فإنهم يتخذون خيامهم من الجلود ويجوز أن يتناول المتخذة من الصوف والوبر والشعر فإنها من حيث أنها نابتة على جلودها يصدق عليها أنها من جلودها.
(تستخفونها) أي يخف عليكم حملها في الأسفار وغيرها ولهذا قال (يوم ظعنكم) أي في يوم سيركم ورحيلكم في أسفاركم، والظعن بفتح العين ْوسكونها وهما لغتان قرئ بهما كالنهر والنهر وهو سير أهل البادية للانتجاع
стр. 4556
والتحول من موضع إلى موضع والظعن الهودج أيضاً، قال ابن عباس: بعض بيوت السيارة بنيانه في ساعة.
(ويوم إقامتكم) أي حضركم والمعنى لا يثقل عليكم حملها في الحالين (و) جعل لكم (من أصوافها وأوبارها وأشعارها) والأنعام تعم الإبل والبقر والغنم كما تقدم والأصواف للغنم والأوبار للإبل والأشعار للمعز وهي من جملة الغنم فيكون ذكر هذه الثلاثة على وجه التنويع كل واحد منهما لواحد من الثلاثة أعني الإبل ونوعي الغنم ولم يذكر القطن والكتان لأنهما لم يكونا ببلاد العرب.
(أثاثاً) هو متاع البيت وأصله الكثرة والاجتماع ومنه شعر أثيث أي كثير مجتمع يقال أث أي كثر وتكاثف، وقيل للمال أثاث إذا كثر، قال الخليل: أثاثاً أي منضماً بعضها إلى بعض من أث إذا كثر.
قال الفراء: لا واحد له (ومتاعاً) هو ما يتمتع به بأنواع التمتع، قال الخليل: الأثاث والمتاع واحد وجمع بينهما لاختلاف لفظيهما وعلى قول أبي زيد الأنصاري أن الأثاث المال أجمع الإبل والغنم والعبيد، والمتاع يكون عطف المتاع على الأثاث من عطف الخاص على العام.
وقيل أن الأثاث ما يكتسي به الإنسان ويستعمله من الغطاء والوطاء، والمتاع ما يفرش في المنازل من الفرش والأكسية ويتزين به، ومعنى (إلى حين) إلى أن تقضوا أوطاركم منه أو إلى أن يبلى ويفنى أو إلى الموت أو إلى القيامة.
ثم لما كان الإنسان قد لا يكون له خيام أو أبنية يستظل بها لفقر أو لعارض آخر فيحتاج إلى أن يستظل بشجر أو جدار أو غمام أو نحو ذلك، نبه سبحانه على ذلك فقال
стр. 4557
(والله جعل لكم مما خلق ظلالاً) أي أشياء تستظلون بها من شدة الحر والبرد كالأشياء المذكورة وهي ظلال الأبنية والجدران والأشجار والحاصل أن الظلال تعم الأشياء التي تظل ثم لما كان
стр. 4558
المسافر قد يحتاج إلى من يأوي إليه في نزوله وإلى ما يدفع به عن نفسه آفات الحر والبرد نبه سبحانه على ذلك فقال:
(وجعل لكم من الجبال أكنانا) جمع كن وهو ما يستكن به من المطر وشدة الحر والبرد وفي المختار الكن السترة والجمع أكنان والأكنة الأغطية، وقال الكسائي كن الشيء ستره وبابه رد، وفي القاموس الكن بالكسر وقاء كل شيء وستره كالكنة والكنان كسرهما والكن البيت جمعه أكنان وأكنة وكنه كناً وكنونا وأكنه وكننه واكتنه ستره واستكن استتر كاكتن والكنة جناح يخرج من حائط أو سقيفة فوق باب الدار أو ظله هنالك أو مخدع انتهى.
وهي هنا الغيران والأسراب في الجبال ونحوه جعلها الله سبحانه عدة للخلق يأوون إليها ويتحصنون بها ويعتزلون عن الخلق فيها لأن الإنسان غني أو فقير فالغني يستصحب معه الخيام في سفره ليسكن فيها، وإليه الإشارة في الآية المتقدمة، والفقير يسكن في ظلال الأشجار والحيطان والكهوف وإلى هذه الإشارة في هذه الآية وكانت بلاد العرب شديدة الحرارة وحاجتهم إلى الظلال وما يدفع شدة الحر وقوته أكثر فلهذا السبب ذكر الله هذه المعاني في معرض الامتنان عليهم بها لأن النعمة عليهم فيها ظاهرة.
(وجعل لكم سرابيل) جمع سربال وهي القمصان والثياب من الصوف والقطن والكتان وغيرها، قال الزجاج كل ما لبسته فهو سربال (تقيكم الحر) أي تدفع عنكم ضرر الحر والبرد وهو ما عليه أكثر المفسرين من أنه من حذف المعطوف للعلم به.
قال الشهاب في الريحانة في الآية نكتة لطيفة لم ينبهوا عليها وهو أنه إنما اقتصر على الحر لأنه أهم هنا لما عرف من غلبة الحر على ديار العرب ثم إن ما يقي الحر يحصل به برودة في الهواء في الجملة فوقاية الحر إنما هي لتحصيل البرد، وهذا فيه من اللطف ما هو ألطف من النسيم، فلِلَّه در التنزيل فكم فيه من أسرار لا تتناهى انتهى، ونظيره بيدك الخير أي والشر لأن
стр. 4559
الخير مطلوب العباد من ربهم دون الشر أو لتقدم وقاية البرد في قوله لكم فيها دفء.
(وسرابيل تقيكم بأسكم) وهي الدروع والجواشن وسائر ما يلبس في الحرب من السلاح تتقون بها الطعن والضرب والرمي والمعنى أنها تقيكم البأس الذي يصل من بعضكم إلى بعض في الحرب (كذلك) الإتمام البالغ (يتم نعمته عليكم) فإنه سبحانه قد منَّ على عباده بصنوف النعم المذكورة هنا وبغيرها وهو بفضله وإحسانه سيتم نعمة الدين والدنيا (لعلكم تسلمون) أي إرادة أن تسلموا فإن من أمعن النظر في هذه النعم لم يسعه إلا الإسلام والانقياد للحق.
وقرأ ابن عباس وعكرمة من السلامة من الجراح، وقرأ الباقون من الإسلام قال أبو عبيد: والاختيار قراءة العامة لأن ما أنعم الله به علينا من الإسلام أفضل مما أنعم به من السلامة من الجراح، وقيل الخطاب لأهل مكة أي لعلكم يا أهل مكة تخلصون لله الربوبية والحمل على العموم أولى وأفرد النعمة هنا لأن المراد بها المصدر.
стр. 4560
(فإن تولوا) أي أعرضوا عن الإسلام ولم يقبلوا ما جئت به فقد تمهد عذرك وفيه التفات وجواب الشرط محذوف أي فلا لوم عليك وهذا تسلية له ﷺ والتعبير بالتولي إشارة إلى أن الأصل فطرة الإسلام وخلافها عارض متجدد والمعنى أن داموا على التولي لظهور توليهم.
(فإنما عليك البلاغ) لما أرسلت به إليهم وقد فعلت ذلك بهم (المبين) أي الواضح وليس عليك غير ذلك وصرف الخطاب إلى رسول الله ﵌ تسلية له، وهذا قبل الأمر بالقتال فتكون الآية منسوخة الحكم وهو لا يظهر إلا لو قدر جواب الشرط فأعرض عنهم ولا تقاتلهم مع أن أكثر المفسرين قدروه بقولهم فلا عتب عليك ولا مؤاخذة في عدم إيمانهم لأنك بلغت ما أمرت بتبليغه وهدايتهم من الله لا إليك، وهذا لا ينافي أن يكون مأموراً بقتالهم.
(يعرفون نعمة الله) التي عددها في هذه السورة ويعترفون بأنها من عند الله سبحانه (ثم ينكرونها) بما يقع عنهم من أفعالهم القبيحة من عبادة غير الله وبأقوالهم الباطلة حيث يقولون هي من الله ولكنها بشفاعة الأصنام وحيث يقولون أنهم ورثوا تلك النعم من آبائهم وأيضاً لكونهم لا يستعملون هذه النعم في مرضاة الرب سبحانه وفي وجوه الخير التي أمرهم الله بصرفها فيها، وقيل نعمة الله نبوة محمد ﷺ كانوا يعرفونه ﷺ ثم ينكرون نبوته.
وقيل هي الإسلام وجيء بثم للدلالة على أن إنكارهم أمر مستبعد بعد حصول المعرفة لأن من عرف النعمة حقه أن يعترف لا أن ينكر (وأكثرهم الكافرون) بالله أو الجاحدون لنعم الله. وعبر هنا بالأكثر عن الكل لأنه قد يذكر الأكثر ويراد به الجميع وإليه أشار في التقرير أو أراد بالأكثر العقلاء دون الأطفال ونحوهم أو أراد كفر الجحود ولم يكن كفر كلهم كذلك بل كان كفر بعضهم كفر جهل وكفر بعضهم بسبب تكذيب الرسول ﷺ مع اعترافهم بالله وعدم الجحد لربوبيته ومثل هذه الآية قوله تعالى (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً فانظر كيف كان عاقبة المفسدين).
стр. 4563
ولما بين سبحانه من حال هؤلاء أنهم عرفوا نعمة الله ثم أنكروها وإن أكثرهم كافرون أتبعه بأصناف وعيد يوم القيامة فقال
стр. 4564
(و) اذكر (يوم نبعث) أي نحيي ونخرج (من كل أمة شهيدًا) أو المعنى يوم نبعث وقعوا فيما وقعوا فيه وشهيد كل أمة نبيها يشهد لهم بالإيمان والتصديق وعليهم بالكفر والجحود والتكذيب.
قال ابن عباس: شهيدها نبيها، على أنه قد بلغ رسالات ربه، قال الله (وجئنا بك على هؤلاء شهيداً) قال ذكر لنا أن نبي الله ﷺ كان إذا قرأ هذه الآية فاضت عيناه وذلك اليوم هو يوم القيامة.
(ثم لا يؤذن للذين كفروا) في الاعتذار إذ لا حجة لهم ولا عذر كقوله سبحانه (ولا يؤذن لهم فيعتذرون) أو في كثرة الكلام أو في الرجوع إلى دار الدنيا وإلى التكليف أو في حالة شهادة الشهود، بل يسكت أهل الجمع كلهم ليشهد الشهود أو لا يؤذنا لهم في معارضة الشهود بإلقاء معذرة أو ادلاء بحجة بل يشهدون عليهم ويقرونهم على ذلك، وإيراد (ثم) هاهنا للدلالة على أن ابتلاءهم بالمنع عن الاعتذار المنبئ عن الإقناط الكلي أشد من ابتلائهم بشهادة الأنبياء.
(ولا هم يستعتبون) أي لا يطلب منهم العتبى أي الرجوع إلى ما يرضي الله من العبادات، لأن العتاب إنما يطلب لأجل العود إلى الرضاء، فإذا كان على عزم السخط فلا فائدة في العتاب. والمعنى أنهم لا يسترضون أي لا يكلفون أن يرضوا ربهم. لأن الآخرة ليست بدار عمل ولا تكليف، ولا يتركون إلى رجوع الدنيا فيتوبون.
وأصل الكلمة من العتب وهو الموجدة، يقال عتب عليه يعتب إذا وجد عليه وبابه ضرب ونصر، فإذا أفاض عليه ما عاتب فيه عليه، قيل عاتبه فإذا
стр. 4565
رجع إلى مسرته قيل أعتبه والاسم العتبى وهو رجوع المعتوب عليه إلى ما يرضي العاتب قاله الهروي، فالاستعتاب التعرض لطلب الرضاء، وهذا باب منسد على الكفار في الآخرة.
وفي الخطيب أي لا تزال عتباهم وهي ما يعتبون عليها ويلامون؛ يقال استعتبت فلاناً أي أزلت عتباه، انتهى. واستفعل بمعنى أفعل غير مستنكر.
قال الخليل: العتاب مخاطبة الإدلال ومذاكرة الموجدة، وعاتبه معاتبة وعتاباً واعتبه سره بعدما ساء واستعتب واعتب بمعنى واستعتب أيضاً طلب أن يعتب، أي استرضاه فأرضاه.
стр. 4566
(وإذا رأى) أي أبصر (الذين ظلموا) أي أشركوا وكفروا (العذاب) الذي يستحقونه بشركهم وهو عذاب جهنم (فلا يخفف) ذلك العذاب (عنهم ولا هم يُنظرون) أي لا يمهلون ولا يؤخرون ليتوبوا إذ لا توبة هنالك.
стр. 4567
(وإذا رأى الذين أشركوا) يوم القيامة (شركاءهم) مفعول به والإضافة لأدنى ملابسة باعتبار ادعائهم شركتها لله، أي أصنامهم وأوثانهم التي عبدوها في الدنيا لا تقرر من أنهم يبعثون مع المشركين، يقال لهم من كان يعبد شيئاً فليتبعه كما ثبت في الصحيح من قوله ﷺ .
(قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعو) أي نعبدهم ونتخذهم آلهة (من دونك) ونطيعهم، ولعلهم قالوا ذلك طمعاً في توزيع العذاب بينهم، قالى أبو مسلم الأصفهاني: مقصود المشركين بهذا القول حالة الذنب على تلك الأصنام تعللا بذلك واسترواحاً مع كونهم يعلمون أن العذاب واقع بهم لا محالة. ولكن الغريق يتعلق بكل ما تقع يده عليه.
стр. 4568
(فألقوا إليهم) أي ألقى أولئك الشركاء من الأصنام والأوثان والشياطين ونحوهم إلى المشركين والكفار (القول) وعن مجاهد قال حدثوهم وقالوا لهم (إنكم) أيها المشركون (لكاذبون) فيما تزعمون من إحالة الذنب علينا الذي هو مقصودكم من هذا القول، أو في تسميتنا آلهة، وما دعوناكم إلى عبادتنا بل عبدتم أهواءكم.
فإن قيل أن المشركين أشاروا إلى الأصنام ونحوها إن هؤلاء شركاؤنا وقد كانوا صادقين في ذلك فكيف كذبتهم الأصنام ونحوها.
فالجواب بأن مرادهم من قولهم هؤلاء شركاؤنا، هؤلاء شركاء الله في المعبودية فكذبتهم الأصنام في دعوى هذه الشركة، والأصنام والأوثان وإن كانت لا تقدر على النطق فإن الله سبحانه ينطقها في تلك الحال لتخجيل المشركين وتوبيخهم. وهذا كما قالت الملائكة بل كانوا يعبدون الجن يعنون أن الجن هم الذين كانوا راضين بعبادتهم لهم. قال الكرخي: أن المثبت لهم هنا النطق بتكذيب المشركين في دعوى عبادتهم لها والمنفي عنهم في الكهف النطق بالإجابة إلى الشفاعة لهم ودفع العذاب عنهم فلا تنافي.
стр. 4569
(وألقوا إلى الله يومئذ السلم) أي ألقى المشركون يوم القيامة الاستسلام والانقياد لعذاب الله والخضوع لعزته، وبه قال ابن جريج وعن قتادة نحوه، وقيل المعنى استسلم العابد والمعبود وانقادوا لحكمه فيهم، لكن الانقياد في هذا اليوم لا ينفعهم لانقطاع التكليف فيه (وضل عنهم ما كانوا يفترون) أي ضاع وبطل وزال ما افتروا من أن لله سبحانه شركاء وما كانوا يزعمون من شفاعتهم لهم وأن عبادتهم لهم تقربهم إلى الله سبحانه.
(الذين كفروا) في أنفسهم (وصدوا) غيرهم (عن سبيل لله) أي عن طريق الحق وهي طريق الإسلام والإيمان بأن منعوهم من سلوكها وحملوهم على الكفر، وقيل المراد به الصد عن المسجد الحرام والعموم أولى.
(زدناهم عذاباً) لأجل الإضلال لغيرهم (فوق العذاب) الذي استحقوه لأجل ضلالهم، وقيل المعنى زدنا القادة عذاباً فوق عذاب أتباعهم أي أشد منه وقيل أن هذه الزيادة هي إخراجهم من حر النار إلى برد الزمهرير وغير ذلك. وعن ابن مسعود قال: زيدوا عقارب لها أنياب كالنخل الطوال ينهشونهم في جهنم، وروي مثله عن البراء مرفوعاً أخرجه الخطيب وغيره.
وقال سعيد بن جبير: حيات كالبخت وعقارب أمثال البغال تلسع إحداهن اللسعة فيجد صاحبها ألمها أربعين خريفاً، وعن ابن عباس قال: خمسة أنهار من نار صبها الله عليهم يعذبون بعضها بالليل وبعضها بالنهار.
وقد روى ابن مردويه عن جابر عن النبي ﷺ قال " الزيادة خمسة أنهار تجري من تحت العرش على رؤوس أهل النار ثلاثة أنهار على مقدار الليل ونهران على مقدار النهار، فذلك قوله (زدناهم عذاباً فوق العذاب) (بما كانوا يفسدون) بصدهم الناس عن سبيل الله مع ما
стр. 4572
يستحقونه من العذاب على الكفر.
стр. 4573
(ويوم نبعث في كل أمة شهيداً) أي نبياً يشهد (عليهم من أنفسهم من) أي جنسهم إتماماً للحجة وقطعاً للمعذرة، وهو أعدل شاهد عليها، وهذا تكرير لما سبق لقصد التأكيد والتهديد.
وقال الخطيب: كرر سبحانه التحذير من ذلك اليوم على وجه يزيد على ما أفهمته الآية السابقة وهو إن الشهادة تقع على الأمم لا لهم وتكون بحضرتهم (وجئنا بك) يا محمد؛ وإيثار لفظ المجيء على البعث لكمال العناية بشأنه ﵊، وصيغة الماضي للدلالة على تحقق الوقوع.
(شهيداً) تشهد (على هؤلاء) أي على هذه الأمم، وقيل على أمتك وقومك، هكذا قال الجلال، وسنده قوله سابقاً (ويوم نبعث من كل أمة شهيداً) الخ ومثله في البيضاوي، وفي الشهاب عليه، وقيل الآية مسوقة لشهادته على الأنبياء فتخلوا عن التكرار، ورد بأن المراد بشهادته على أمته تزكيته وتعديله لهم وقد شهدوا على تبليغ الأنبياء، وهذا لم يعلم مما مر وهو الوارد في الحديث، وقد تقدم مثل هذا في البقرة والنساء.
(ونزلنا عليك) في الدنيا (الكتاب) أي القرآن والجملة مستأنفة (تبياناً لكل شيء) أي بياناً له والتاء للمبالغة فالتبيان أخص من مطلق البيان على قاعدة أن زيادة البناء تدل على زيادة المعنى، ونظيره من المصادر التلقاء ولم يأت غيرهما وفي الأسماء كثير نحو التمساح والتمثال.
ومثل هذه الآية قوله سبحانه (ما فرطنا في الكتاب من شيء) ومعنى كونه تبياناً لكل شيء أن فيه البيان البليغ لكثير من الأحكام والإحالة فيها بقي منها على السنة، وأمرهم باتباع رسوله ﷺ فيما يأتي به من الأحكام وطاعته كما في الآيات القرآنية الدالة على ذلك.
стр. 4574
وقد صح عنه ﷺ أنه قال " إني أوتيت القرآن ومثله معه " (١). وعن ابن مسعود قال: تبياناً لكل شيء ولكن علمنا يقصر عما بين لنا في القرآن وعنه قال: من أراد العلم فليؤثر القرآن فإن فيه علم الأولين والآخرين.
قال الكرخي: إما بتبيينه في نفس الكتاب أو بإحالته على السنة لقوله تعالى (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) أو بإحالته على الإجماع كما قال تعالى (ويتبع غير سبيل المؤمنين) الآية. أو على القياس كما قال (فاعتبروا يا أولي الأبصار) والاعتبار النظر والاستدلال اللذان يحصل بهما القياس.
فهذه أربعة طرق لا يخرج شيء من أحكام الشريعة عنها وكلها مذكورة في القرآن، فكان تبياناً لكل شيء فاندفع ما قيل، كيف قال الله ذلك ونحن نجد كثيراً من أحكام الشريعة لم يعلم من القرآن نصاً كعدد ركعات الصلاة ومدة المسح والحيض ومقدار حد الشرب ونصاب السرقة وغير ذلك، ومن ثم اختلفت الأمة في كثير من الأحكام. أهـ.
وفي هذا التقرير بحث ونظر ذكر في محله فليراجعه؛ ولذلك قال الشهاب على قول البيضاوي بالإحالة إلى السنة أو القياس وفيه تأمل. انتهى. وقد احتج بهذه الآية جمع من أهل العلم على منع التقليد.
(وهدى) للعباد من الضلالة (ورحمة) لهم (وبشرى للمسلمين) خاصة دون غيرهم، أو يكون الهدى والرحمة والبشرى خاصة لهم لأنهم المنتفعون بذلك. ثم لما ذكر سبحانه أن في القرآن تبيان كل شيء ذكر عقبه آية جامعة لأصول التكليف كلها تصديقاً لذلك فقال.
стр. 4575
(إن الله يأمر) أي فيما نزله تبياناً لكل شيء وهدى وبشرى (بالعدل والإحسان) وإيثار صيغة الاستقبال فيه وفيما بعده لإفادة التجدد والاستمرار، وقد اختلف أهل العلم في تفسير العدل والإحسان، فقيل العدل شهادة أن لا إله إلا الله والإحسان أداء الفرائض. وقيل العدل الفرض والإحسان النافلة.
وقيل العدل استواء العلانية والسريرة والإحسان أن تكون السريرة أفضل من العلانية، وقيل العدل التوحيد والإحسان التفضل، وقيل العدل خلع الإنداد والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه.
وقيل العدل التوحيد والإحسان الإخلاص، وقيل العدل في الأفعال والإحسان في الأقوال فلا يفعل إلا ما هو عدل ولا يقول إلا ما هو حسن. وقيل غير ذلك مما لا حاجة إلى ذكره، والعدل هو المساواة في كل شيء من غير شطط ولا وكس.
ْوالأولى تفسير العدل بالمعنى اللغوي وهو التوسط بين طرفي الإفراط والتفريط فمعنى أمره سبحانه بالعدل أن تكون عبادة في الدين على حالة متوسطة ليست بمائلة إلى جانب الإفراط وهو الغلو المذموم في الدين ولا إلى جانب التفريط وهو الإخلال بشيء مما هو من أمر الدين اعتقاداً كالتوحيد المتوسط بين التعطيل والتشريك، والقول بالكسب المتوسط بين محض الجبر والقدر، وعملاً كالتعبد بأداء الواجبات المتوسط بين البطالة والترهب وخلقاً كالجود المتوسط بين البخل والتبذير.
وأما الإحسان فمعناه البغوي يرشد إلى أنه التفضل بما لم يجب كصدقة التطوع، ومن الإحسان فعل ما يثاب عليه العبد مما لم يوجبه الله عليه في العبادات وغيرها ولم يذكر متعلقات العدل والإحسان والبغي ليعم جميع ما يعدل فيه ويحسن به وإليه وينبغي فيه وقد صح عن النبي صلى الله عليه وآله
стр. 4576
وسلم أنه فسر الإحسان بأن يعبد الله العبد حتى كأنه يراه فقال في حديث ابن عمر في الصحيحين " والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك " (١) وهذا هو المعنى بالإحسان شرعاً.
(وإيتاء ذي القربى) ما تدعو إليه حاجتهم وفي الآية إرشاد إلى صلة الأقارب والأرحام وترغيب في التصدق عليهم، وهو من باب عطف الخاص على العام إن كان إعطاء الأقارب قد دخل تحت العدل والإحسان، وقيل من باب عطف الندوب على الواجب، ومثل هذه الآية قوله (وآت ذا القربى حقه) وإنما خص ذوي القربى لأن حقهم آكد فإن الرحم قد اشتق الله اسمها من اسمه الشريف وجعل صلتها من صلته وقطيعتها من قطيعته فيستحب أن يصلهم من فضل ما رزقه الله فإن لم يكن له فضل فدعاء حسن وتودد.
(وينهى عن الفحشاء) هي الخصلة التزايدة في القبح من قول أو فعل، وقيل هي الزنا وقيل البخل (والمنكر) وهو ما أنكره الشرع بالنهي عنه وهو يعم جميع المعاصي على اختلاف أنواعها، وقيل هو الشرك (والبغي) قيل هو الكبر، وقيل هو الظلم وقيل الحقد وقيل التعدي، وحقيقته تجاوز الحد فيشمل هذه المذكورة ويندرج بجميع أقسامه تحت المنكر وإنما خص بالذكر اهتماماً به لشدة ضرره ووبال عاقبته وهو من الذنوب التي ترجع على فاعلها لقوله سبحانه (إنما بغيكم على أنفسكم) وهذه الآية من الآيات الدالة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وعن عبد الملك بن عمير أن هذه الآية لما بلغت أكثم بن صيفي حكيم العرب قال إني أراه يأمر بمكارم الأخلاق وينهى عن ملائمها ثم قال لقومه كونوا في هذه الأمر رؤساء ولا تكونوا فيه أذناباً وكونوا فيه أولاً ولا تكونوا فيه آخراً.
стр. 4577
وعن ابن عباس قال: أعظم آية في كتاب الله (الله لا إله إلا هو الحي القيوم) وأجمع آية في كتاب الله للخير والشر التي في النحل (إن الله يأمر بالعدل والإحسان) وأكثر آية في كتاب الله تفويضاً (ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب)، وأشد آية في كتاب الله رجاء (يا عبادي) الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله) الآية.
وعن عكرمة أن النبي ﷺ قرأ على الوليد بن المغيرة هذه الآية فقال له: يا ابن أخي أعد عليّ فأعادها عليه فقال له الوليد والله إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق، وما هو بقول البشر، وعن الحسن أنه قرأ هذه الآية إلى آخرها؛ ثم قال: إن الله جمع لكم الخير كله والشر كله في آية واحدة فوالله ما ترك العدل والإحسان من طاعة الله شيئاً إلا جمعه وأمر به، ولا ترك الفحشاء والمنكر والبغي من معصية الله شيئاً إلا جمعه وزجر عنه.
وفي المستدرك عن ابن مسعود وهذه أجمع آية في القرآن للخير والشر، قال البيضاوي: وبسببها أسلم عثمان بن مظعون ولو لم يكن في القرآن غير هذه الآية لصدق عليه أنه تبيان لكل شيء وهدى ورحمة ولعل إيرادها عقب قوله (ونزلنا عليك الكتاب) للتنبيه عليه.
ثم ختم سبحانه هذه الآية بقوله (يعظكم) بما ذكره في هذه الآية مما أمركم به ونهاكم عنه (لعلكم تذكرون) أي إرادة أن تتذكروا ما ينبغي تذكره فتتعظوا بما وعظكم الله به فإنه كاف في باب الوعظ والتذكير.
(وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم) خص الله سبحانه الإيفاء من جملة المأمورات التي تضمنها قوله (إن الله يأمر بالعدل والإحسان) وظاهرة العموم في كل عهد يقع من الإنسان من غير فرق بين عهد البيعة وغيره، وخص هذا العهد المذكور في الآية بعض المفسرين بالعهد الكائن في بيعة النبي ﷺ على الإسلام وهو خلاف ما يفيده العهد المضاف إلى اسم الله سبحانه من العموم الشامل لجميع عهود الله، ولو فرض أن السبب خاص بعهد من العهود لم يكن ذلك موجباً لقصره على السبب فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وفسره بعضهم باليمين وهو مدفوع بذكر الوفاء بالإيمان بعده حيث قال سبحانه:
(ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها) أي بعد تشديدها وتغليظها وتوثيقها بزيادة الأسماء والصفات، وقيل أن تأكيد اليمين هو حلف الإنسان على الشيء الواحد مراراً، وحكى القرطبي عن ابن عمر أن التوكيد هو أن يحلف مرتين فإن حلف واحدة فلا كفارة عليه.
وليس المراد اختصاص النهي عن النقض بالإيمان المؤكدة لا بغيرها مما لا تأكيد فيه فإن تحريم النقض يتناول الجميع، ولكن في نقض اليمين المؤكدة من
стр. 4580
الإثم فوق الإثم الذي في نقض ما لم يؤكد منها، يقال وكد وأكد توكيداً وتأكيداً وهما لغتان.
وقال الزجاج: الأصل الواو والهمزة بدل منها، وقيل ليست الهمزة بدلاً من الواو كما زعمه أبو إسحاق لأن الاستعمالين في المادتين متساويان فليس ادعاء كون أحدهما أصلاً أولى من الآخر وتبع مكي الزجاج في ذلك ثم قال ولا يحسن أن يقال الواو بدل من الهمزة ولذلك تبعه الزمخشري أيضاً.
وهذا العموم مخصوص بما ثبت في الأحاديث الصحيحة من قوله ﷺ " من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه " (١) حتى بالغ في ذلك ﷺ فقال " والله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيراً منها إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني " (٢) وهذه الألفاظ ثابتة في الصحيحين وغيرهما ويخص أيضاً من هذا العموم يمين اللغو لقوله سبحانه (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم) ويمكن أن يكون التقييد بالتوكيد هنا لإخراج أيمان اللغو وقد تقدم بسط الكلام على الإيمان في البقرة.
(وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً) أي شهيداً إما على التشبيه فهو استعارة أو باستعماله في لازم معناه فهو مجاز مرسل، وقيل حافظاً، وقيل ضامناً وقيل رقيباً لأن الكفيل يراعي حال المكفول له (إن الله يعلم ما تفعلون) من وفاء العهد ونقضه فيجازيكم بحسب ذلك إن خيراً فخير وإن شراً فشر وفيه ترغيب وترهيب.
ثم أكد وجوب الوفاء تحريم النقض فقال
стр. 4581
(ولا تكونوا) فيما تصنعون
стр. 4582
من النقض بعد التوكيد (كالتي نقضت غزلها) أي ما غزلته (من بعد قوة) أي إبرام الغزل وإحكامه. عن ابن عباس أن سعيدة الأسدية كانت تجمع الشعر والليف فنزلت فيها هذه الآية، وعن أبي بكر بن حفص مثله وفي الروايتين جميعاً أنها كانت مجنونة، وعن السدي في سبب نزولها قال: كانت امرأة بمكة تسمى خرقاء مبهة كانت تغزل فإذا أبرمت غزلها نقضته.
وعن عبد الله بن كثير معناه، وقيل هي امرأة حمقاء اسمها ريطة بنت سعد بن تيم قرشية فالمشبه به معين على هذا، وفي الكرخي المراد به تشبيه الناقض بمن هذا شأنه من غير تعيين لأن القصد بالأمثال صرف المكلف عن الفعل إذا كان قبيحاً والدعاء إليه إذا كان حسناً، وذلك يتم بدون التعيين إذ لا يلزم في التشبيه أن يكون المشبه به موجوداً في الخارج.
(أنكاثا) جمع نكث بكسر النون ما ينكث فتله ليغزل ثانياً بمعنى منكوث أي منقوض يقال نكث الرجل العهد نكثاً من باب قتل نقضه ونبذه فانتكث، قال ابن قتيبة هذه الآية متعلقة بما قبلها والتقدير وأوفوا بعهد الله ولا تنقضوا الأيمان فإنكم إن فعلتم ذلك كنتم مثل امرأة غزلت غزلاً وأحكمته ثم جعلته أنكاثاً أي أقطاعاً وأجزاء.
(تتخذون أيمانكم دخلاً بينكم) قال الجوهري: الدخل المكر والخديعة، وقال أبو عبيدة: كل أمر لم يكن صحيحاً فهو دخل، وقيل الدخل ما أدخل في الشيء على فساده، وقال الزجاج: غشاً وغلا، وقيل أصل الدخل العيب والعيب ليس من الشيء الذي يدخل فيه (أن تكون أمة) أي بأن تكون جماعة أو لأجل وجدانكم أمة (هي أربى من أمة) جماعة أي أكثر عدداً منها وأوفر مالاً، يقال ربى الشيء يربو إذ كثر، قال الفراء: المعنى لا تغدروا بقوم لقلتهم وكثرتكم أو لقلتكم وكثرتهم وقد عززتموهم بالإيمان قيل وقد كانت قريش إذا رأوا شوكة في أعادي حلفائهم نقضوا عهدهم وحالفوا
стр. 4583
أعداءهم قاله مجاهد: وقيل هو تحذير للمؤمنين أن يغتروا بكثرة قريش وسعة أموالهم فينقضوا بيعة النبي ﷺ .
(إنما يبلوكم الله به) أي يختبركم بكونكم أكثر وأوفر لينظر هل تتمسكون بحبل الوفاء أم تنقضون اغتراراً بالكثرة، فالضمير في به راجع إلى مضمون الجملة المتقدمة، أي إنما يبلوكم الله بتلك الكثرة ليعلم ما تصنعون أو إنما يبلوكم الله بما يأمركم وينهاكم.
(وليبين لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون) فيوضح الحق والمحقين ويرفع درجاتهم ويبيّنَ الباطل والمبطلين فينزل بهم من العذاب ما يستحقونه أو يبينِّ لكم ما كنتم تختلفون فيه من البعث والجنة والنار وفي هذا إنذار وتحذير من مخالفة الحق والركون إلى الباطل.
ثم بينَّ سبحانه أنه قادر على أن يجمع المؤمنين والكافرين على الوفاء أو على الإيمان فقال
стр. 4584
(ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة) متفقة على الحق (ولكن) بحكم الإلهية (يضل من يشاء) بخذلانه إياهم عدلاً منه فيهم (ويهدي من يشاء) بتوفيقه إياهم فضلاً منه عليهم (لا يسأل عما يفعل وهم يُسألون) ولهذا قال (ولنسألن) يوم القيامة سؤال تبكيت لا سؤال استفسار وتفهم وهو المنفي في غير هذه الآية (عما كنتم تعملون) من الأعمال في الدنيا لتجازوا عليها، واللام في ليبين وفي لنسألن هي الموطئة للقسم.
(ولا تتخذوا أيمانكم دخلاً بينكم) قال الشهاب وغيره: ولما كان اتخاذ الأيمان دخلاً قيداً للمنهى عنه كان منهياً عنه ضمناً فصرح به هنا تأكيداً ومبالغة في قبح المنهى عنه.
قال في الجمل وعلى هذا فهو تأسيس لا تأكيد ولا تكرير، قال أبو حيان: لم يتكرر النهي وإنما الذي سبق إخبار بأنهم اتخذوا أيمانهم دخلاً معللاً بشيء خاص هو إن تكون أمة هي أربى من أمة وجاء النهي بقوله هذا استئنافاً للنهي عن اتخاذ الأيمان دخلاً على العموم، أي في كل حال، فيشمل جميع الصور من الخديعة في المبايعة وقطع الحقوق المالية وغير ذلك.
قال الواحدي: قال المفسرون وهذا في نهي الذين بايعوا رسول الله ﷺ عن نقض العهد على الإسلام ونصرة الدين، واستدلوا على هذا التخصيص بما في قوله فتزل قدم بعد ثبوتها، من المبالغة، وبما في قوله وتذوقوا السوء بما صددتم لأنهم إذا نقضوا العهد مع رسول الله ﵌ صدوا غيرهم عن الدخول في الإسلام؛ وعلى تسليم أن هذه
стр. 4587
الأيمان مع رسول الله ﷺ هي سبب نزول هذه الآية، فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
(فتزل قدم) أي قدم من اتخذ يمينه دخلاً عن محجة الحق (بعد ثبوتها) عليها ورسوخها فيها؛ قيل وافراد القدم وتنكيرها للإيذان بأن زلل قدم واحدة أية قدم كانت عزت أو هانت محذور عظيم فكيف بأقدام كثيرة، وهذه استعارة للمستقيم الحال يقع في شر عظيم ويسقط فيه، لأن القدم إذا زلت نقلت الإنسان من حال خير إلى حال شر، ويقال لمن أخطأ في شيء زلت به قدمه.
(وتذوقوا السوء) أي العذاب السيء في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما (بما صددتم) أي بسبب امتناعكم وصدودكم (عن سبيل الله) وهو الإسلام أو بسبب صدكم لغيركم عن الإسلام، فإن من نقض البيعة وارتد اقتدى به غيره في ذلك فكان فعله سنة سيئة عليه وزرها ووزر من عمل بها، ولهذا قال (ولكم عذاب عظيم) أي متبالغ في العظم، وهو عذاب الآخرة إن كان المراد بما قبله عذاب الدنيا.
ثم نهاهم سبحانه عن الميل إلى عرض الدنيا والرجوع عن العهد لأجله فقال
стр. 4588
(ولا تشتروا بعهد الله) الذي تركتموه (ثمناً قليلاً) أي لا تأخذوا في مقابلة عهدكم عوضاً يسيراً حقيراً، وكل عرض دنيوي وإن كان في الصورة كثيراً فهو لكونه ذاهباً زائلاً يسيراً. ولهذا ذكر سبحانه بعد تقليل عرض الدنيا خيرية ما عند الله فقال:
(إنما عند الله) وفي رسم أن هذه اختلاف بين المصاحف العثمانية ففي بعضها وصلها بما، وفي بعضها فصلها عنها كما ذكر ابن الجزري، أي ما عنده من النصر في الدنيا والغنائم والرزق الواسع وما عنده في الآخرة من نعيم الجنة الذي لا يزول ولا ينقطع (هو خير لكم) ثم علل النهي عن أن يشتروا
стр. 4589
بعهد الله ثمناً قليلاً بقوله (إن كنتم تعلمون) وتميزون بين الأشياء.
ثم ذكر دليلاً قاطعاً على حقارة عرض الدنيا وخيرية ما عند الله فقال
стр. 4590
(ما عندكم ينفد وما عند الله باق) والنفاد الفناء والذهاب، يقال نفد بكسر العين ينفد بفتحها نفاداً ونفوداً، وأما نفذ بالمعجمة ففعله نفذ بالفتح ينفذ بالضم، ويقال أنفد القوم إذا فنى زادهم، وباق بثبوت الياء وحذفها مع سكون القاف وهما سبعيتان.
ومعلوم لكل عاقل إن ما ينفد ويزول وأن بلغ في الكثرة إلى أي مبلغ فهو حقير يسير، وما كان يبقى ولا يزول فهو كثير جليل أما نعيم الآخرة فظاهر؛ وأما نعيم الدنيا الذي أنعم الله به على المؤمنين فهو وإن كان زائلاً لكنه لما كان متصلاً بنعيم الآخرة كان من هذه الحيثية في حكم الباقي الذي لا ينقطع.
ثم قال (ولنجزين) بالنون ففيه التفات، وقرئ بالياء واللام هي الموطئة للقسم أي والله لنجزين (الذين صبروا) بسبب صبرهم على ما نالهم من مشاق التكليف والفاقة وجهاد الكافرين والصبر على ما ينالهم منهم من الأذى (أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون) من الطاعات، قيل وإنما خص أحسن أعمالهم لأن ما عداه وهو الحسن مباح والجزاء إنما يكون على الطاعة، وقيل المعنى ولنجزينهم بجزاء أشرف وأوفر من أعمالهم، كقوله (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها).
وقيل (أحسن) هنا ليس للتفضيل بل بمعنى الحسن أو لنجزينهم بحسب أحسن أفراد أعمالهم على معنى لنعطينهم بمقابلة الفرد الأدنى من أعمالهم المذكورة ما نعطيهم بمقابلة الفرد الأعلى منها من الجزاء الجزيل لا إنا نعطي الأجر بحسب أفرادها المتفاوتة في مراتب الحسن بأن نجزي الحسن منها بالأجر الحسن، والأحسن بالأحسن، كذا قيل، وفيه ما لا يخفى من العدة