← Тафсир

Тафсир · id 37458

فتح البيان في مقاصد القرآن

صديق حسن خان

Полный текст (12 043 стр.). Показаны 4586–4625 · переход к 4591.

стр. 4586

(ولا تتخذوا أيمانكم دخلاً بينكم) قال الشهاب وغيره: ولما كان اتخاذ الأيمان دخلاً قيداً للمنهى عنه كان منهياً عنه ضمناً فصرح به هنا تأكيداً ومبالغة في قبح المنهى عنه. قال في الجمل وعلى هذا فهو تأسيس لا تأكيد ولا تكرير، قال أبو حيان: لم يتكرر النهي وإنما الذي سبق إخبار بأنهم اتخذوا أيمانهم دخلاً معللاً بشيء خاص هو إن تكون أمة هي أربى من أمة وجاء النهي بقوله هذا استئنافاً للنهي عن اتخاذ الأيمان دخلاً على العموم، أي في كل حال، فيشمل جميع الصور من الخديعة في المبايعة وقطع الحقوق المالية وغير ذلك. قال الواحدي: قال المفسرون وهذا في نهي الذين بايعوا رسول الله ﷺ عن نقض العهد على الإسلام ونصرة الدين، واستدلوا على هذا التخصيص بما في قوله فتزل قدم بعد ثبوتها، من المبالغة، وبما في قوله وتذوقوا السوء بما صددتم لأنهم إذا نقضوا العهد مع رسول الله ﵌ صدوا غيرهم عن الدخول في الإسلام؛ وعلى تسليم أن هذه

стр. 4587

الأيمان مع رسول الله ﷺ هي سبب نزول هذه الآية، فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. (فتزل قدم) أي قدم من اتخذ يمينه دخلاً عن محجة الحق (بعد ثبوتها) عليها ورسوخها فيها؛ قيل وافراد القدم وتنكيرها للإيذان بأن زلل قدم واحدة أية قدم كانت عزت أو هانت محذور عظيم فكيف بأقدام كثيرة، وهذه استعارة للمستقيم الحال يقع في شر عظيم ويسقط فيه، لأن القدم إذا زلت نقلت الإنسان من حال خير إلى حال شر، ويقال لمن أخطأ في شيء زلت به قدمه. (وتذوقوا السوء) أي العذاب السيء في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما (بما صددتم) أي بسبب امتناعكم وصدودكم (عن سبيل الله) وهو الإسلام أو بسبب صدكم لغيركم عن الإسلام، فإن من نقض البيعة وارتد اقتدى به غيره في ذلك فكان فعله سنة سيئة عليه وزرها ووزر من عمل بها، ولهذا قال (ولكم عذاب عظيم) أي متبالغ في العظم، وهو عذاب الآخرة إن كان المراد بما قبله عذاب الدنيا. ثم نهاهم سبحانه عن الميل إلى عرض الدنيا والرجوع عن العهد لأجله فقال

стр. 4588

(ولا تشتروا بعهد الله) الذي تركتموه (ثمناً قليلاً) أي لا تأخذوا في مقابلة عهدكم عوضاً يسيراً حقيراً، وكل عرض دنيوي وإن كان في الصورة كثيراً فهو لكونه ذاهباً زائلاً يسيراً. ولهذا ذكر سبحانه بعد تقليل عرض الدنيا خيرية ما عند الله فقال: (إنما عند الله) وفي رسم أن هذه اختلاف بين المصاحف العثمانية ففي بعضها وصلها بما، وفي بعضها فصلها عنها كما ذكر ابن الجزري، أي ما عنده من النصر في الدنيا والغنائم والرزق الواسع وما عنده في الآخرة من نعيم الجنة الذي لا يزول ولا ينقطع (هو خير لكم) ثم علل النهي عن أن يشتروا

стр. 4589

بعهد الله ثمناً قليلاً بقوله (إن كنتم تعلمون) وتميزون بين الأشياء. ثم ذكر دليلاً قاطعاً على حقارة عرض الدنيا وخيرية ما عند الله فقال

стр. 4590

(ما عندكم ينفد وما عند الله باق) والنفاد الفناء والذهاب، يقال نفد بكسر العين ينفد بفتحها نفاداً ونفوداً، وأما نفذ بالمعجمة ففعله نفذ بالفتح ينفذ بالضم، ويقال أنفد القوم إذا فنى زادهم، وباق بثبوت الياء وحذفها مع سكون القاف وهما سبعيتان. ومعلوم لكل عاقل إن ما ينفد ويزول وأن بلغ في الكثرة إلى أي مبلغ فهو حقير يسير، وما كان يبقى ولا يزول فهو كثير جليل أما نعيم الآخرة فظاهر؛ وأما نعيم الدنيا الذي أنعم الله به على المؤمنين فهو وإن كان زائلاً لكنه لما كان متصلاً بنعيم الآخرة كان من هذه الحيثية في حكم الباقي الذي لا ينقطع. ثم قال (ولنجزين) بالنون ففيه التفات، وقرئ بالياء واللام هي الموطئة للقسم أي والله لنجزين (الذين صبروا) بسبب صبرهم على ما نالهم من مشاق التكليف والفاقة وجهاد الكافرين والصبر على ما ينالهم منهم من الأذى (أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون) من الطاعات، قيل وإنما خص أحسن أعمالهم لأن ما عداه وهو الحسن مباح والجزاء إنما يكون على الطاعة، وقيل المعنى ولنجزينهم بجزاء أشرف وأوفر من أعمالهم، كقوله (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها). وقيل (أحسن) هنا ليس للتفضيل بل بمعنى الحسن أو لنجزينهم بحسب أحسن أفراد أعمالهم على معنى لنعطينهم بمقابلة الفرد الأدنى من أعمالهم المذكورة ما نعطيهم بمقابلة الفرد الأعلى منها من الجزاء الجزيل لا إنا نعطي الأجر بحسب أفرادها المتفاوتة في مراتب الحسن بأن نجزي الحسن منها بالأجر الحسن، والأحسن بالأحسن، كذا قيل، وفيه ما لا يخفى من العدة

стр. 4591

الجميلة باغتفار ما عسى يعتريهم في تضاعيف الصبر من بعض جزع ونظمه في سلك الصبر الجميل.

стр. 4592

(ومن عمل صالحاً) هذا شروع في ترغيب كل مؤمن في كل عمل صالح وتعميم للوعد، والمعنى من عمل صالحاً أي عمل كان (من ذكر أو أنثى) زيادة التمييز بذكر وأنثى مع كون لفظ من شاملاً لهما لقصد التأكيد والمبالغة في تقرير الوعد. وقيل أن لفظ من ظاهر في الذكور فكان في التنصيص على الذكر والأنثى بيان لشموله للنوعين. (وهو مؤمن) جعل سبحانه الإيمان قيداً في الجزاء المذكور لأن عمل الكافر لا اعتداد به لقوله سبحانه (وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثوراً) ثم ذكر سبحانه الجزاء لمن عمل ذلك العمل الصالح فقال (فلنحيينه حياة طيبة) وقد وقع الخلاف في الحياة الطيبة بماذا تكون، فقيل بالرزق الحلال في هذه الحياة الدنيا وإذا صار إلى ربه جازاه بأحسن ما كان يعمل. روي ذلك عن ابن عباس وسعيد بن جبير وعطاء والضحاك، وقيل بالقناعة قاله الحسن البصري وزيد بن وهب، ووهب بن منبه، وروي أيضاً عن عليّ وابن عباس قال: وكان رسول الله ﷺ يدعو " اللهم قنعني بما رزقتني وبارك لي فيه واخلف عليً كل غائبة لي بخير ". وأخرج أحمد ومسلم والترمذي وابن ماجة عن ابن عمرو أن رسول الله ﵌ قال " قد أفلح من أسلم ورزق كفافاً وقنعه الله بما آتاه " (١) وأخرج الترمذي والنسائي من حديث فضالة بن عبيد أنه سمع رسول

стр. 4593

الله ﷺ يقول " قد أفلح من هدى إلى الإسلام وكان عيشه كفافا وقنع به " (١). وقيل بالكسب الطيب والعمل الصالح، قاله ابن عباس، وقيل بالتوفيق إلى الطاعة قاله الضحاك، وقيل هي حياة الجنة، روي هذا عن مجاهد وقتادة وغيرهما وحكي عن الحسن أنه قال: لا تطيب الحياة لأحد إلا في الجنة، وقيل الحياة الطيبة هي السعادة، روي ذلك عن ابن عباس، وقيل هي المعرفة بالله، حكي ذلك عن جعفر الصادق ﵁. وقال أبو بكر الوراق: هي حلاوة الطاعة، وقال مقاتل: هي العيش في الطاعة وقيل رزق يوم بيوم. وقال السدي: إنما هي تحصل في القبر لأن المؤمن يستريح بالموت من نكد الدنيا وتعبها، وقال سهل بن عبد الله التستري: هي أن ينزع عن العبد تدبير نفسه ويرد تدبيره إلى الحق، وقيل هي الاستغناء عن الخلق والافتقار إلى الحق. وأكثر المفسرين على أن الحياة الطيبة هي في الدنيا لا في الآخرة، لأن حياة الآخرة قد ذكرت بقوله (ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون) وقد قدمنا قريباً تفسير الجزاء بالأحسن ووحد الضمير في (لنحيينه) وجمعه في لنجزينهم حملاً على لفظ (من) وعلى معناه. ثم لما ذكر سبحانه العمل الصالح والجزاء عليه أتبعه بذكر الاستعاذة التي تخلص بها الأعمال الصالحة عن الوساوس الشيطانية فقال

стр. 4594

(فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله) الفاء لترتيب الاستعاذة على العمل الصالح، وقيل هذه الآية

стр. 4595

متصلة بقوله (ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء) والتقدير فإذا أخذت في قراءته فاستعذ بالله. قال الزجاج وغيره من أئمة اللغة: معناه إذا أردت أن تقرأ القرآن فاستعذ، وهذا على مذهب الأكثرين من الفقهاء والمحدثين من أن الاستعاذة تطلب قبل القراءة، وليس معناه استعذ بعد أن تقرأ القرآن، ومثله إذا أكلت فقل بسم الله. قال الواحدي: وهذا إجماع الفقهاء أن الاستعاذة قبل القراءة إلا ما روي عن أبي هريرة وابن سيرين ومالك وحمزة من القراء فإنهم قالوا: الاستعاذة بعد القراءة ذهبوا إلى ظاهر الآية، وإليه ذهب جماعة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الأئمة وداود الظاهري. وأما مذهب الأكثرين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الأئمة وفقهاء الأمصار أنها قبل القراءة كما تقدم، ومعنى فاستعذ بالله اسأله سبحانه أن يعيذك (من الشيطان الرجيم) أي من وساوسه لئلا يوسوسك في القراءة وفيه دليل على أن المصلي يستعيذ في كل ركعة لأن الحكم المترتب على شرط يتكرر بتكرره قياساً، وتعقيبه لذكر العمل الصالح والوعد عليه إيذان بأن الاستعاذة عند القراءة من هذا القبيل. وتخصيص قراءة القرآن من بين الأعمال الصالحة بالاستعاذة عند إرادتها للتنبيه على أنها لسائر الأعمال الصالحة عند إرادتها أهم لأنه إذا وقع الأمر بها عند قراءة القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه كانت عند إرادة غيره أولى كذا قيل وتوجيه الخطاب إلى رسول الله ﷺ للإشعار بأن غيره أولى منه بفعل الاستعاذة لأنه ﵌ إذا أمر بها لدفع وساوس الشيطان مع عصمته، فكيف بسائر أمته، قال السيوطي في الآية، أي قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم انتهى. وهذا بيان للأفضل وإلا فأصل السنة يحصل بأي صيغة كانت من صيغ الاستعاذة، وقد ذهب الجمهور إلى أن الأمر في الآية للندب، وروي عن

стр. 4596

إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠) وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣) عطاء الوجوب أخذاً بظاهر الأمر، والضمير في

стр. 4597

(إنه) للشأن أو للشيطان (ليس له سلطان) أي تسلط تعليل لمحذوف هو جواب الأمر تقديره فإن استعذت كفيت شره (على) إغواء (الذين آمنوا) وحكى الواحدي عن جميع المفسرين أنهم فسروا السلطان بالحجة وقالوا المعنى ليس له حجة على المؤمنين في إغوائهم ودعائهم إلى الضلالة. (وعلى ربهم يتوكلون) أي يفوضون أمورهم إليه في كل قول وفعل فإن الإيمان بالله والتوكل عليه يمنعان الشيطان من وسوسته لهم وإن وسوس لأحد منهم لا تؤثر فيه وسوسته وهؤلاء الجامعون بين الإيمان والتوكل هم الذين قال فيهم إبليس (إلا عبادك منهم المخلصين) وقال الله فيهم (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين). ثم حصر سبحانه سلطان الشيطان فقال:

стр. 4598

(إنما سلطانه) أي تسلطه (على) إغواء (الذين يتولونه) أي يتخذونه ولياً ويطيعونه في وساوسه يقال توليته إذا أطعته وتوليت عنه إذا أعرضت عنه وهذا مقابل لقوله وعلى ربهم يتوكلون (والذين هم به) أي بالله والباء للتعدية (مشركون) وقيل الضمير يرجع إلى الشيطان والباء للسببية أي والذين هم من أجله وبسبب وسوسته مشركون بالله وهذا مقابل لقوله على الذين آمنوا.

стр. 4599

(وإذا بدلنا آية مكان آية) (١) هذا شروع منه سبحانه في حكاية شبهة كفرية ودفعها ومعنى التبديل رفع الشيء مع وضع غيره مكانه وتبديل الآية رفعها بأخرى غيرها وهو نسخها بآية سواها قال مجاهد: وهو كقوله (ما ننسخ من آية أو ننسها) الخ .. وقد تقدم الكلام على النسخ في البقرة (والله أعلم بما ينزل) اعتراض دخل في الكلام أي أنه أعلم بما ينزل من الناسخ وبما هو أصلح لخلقه وبما يغير وما يبدل من أحكامه، وهذا نوع توبيخ وتقريع للكفار، وقيل الجملة حالية وليس بظاهر. وجواب إذا قوله (قالوا) أي كفار قريش الجاهلون للحكمة في النسخ (إنما أنت) يا محمد ﷺ (مفتر) أي كاذب مختلق على الله فتقول عليه بما لم يقل حيث تزعم أنه أمرك بشيء ثم تزعم أنه أمرك بخلافه فرد الله سبحانه عليهم بما يفيد جهلهم فقال: (بل أكثرهم لا يعلمون) شيئاً من العلم أصلاً أو لا يعلمون حقيقة القرآن وهو أنه اللفظ المنزل من عند الله على محمد ﷺ للإعجاز بسورة منه المتعبد بتلاوته أو لا يعلمون بالحكمة في النسخ فإنه مبني على المصالح التي لا يعلمها إلا الله سبحانه فقد تكون في شرع هذا الشيء مصلحة مؤقتة بوقت ثم تكون المصلحة بعد ذلك الوقت في شرع غيره. وفيه التخفيف على العباد ولو انكشف الغطاء لهؤلاء الكفرة لعرفوا أن ذلك وجه الصواب ومنهج العدل والرفق واللطف. ثم بينَّ سبحانه لهؤلاء المعترضين على حكمة النسخ الزاعمين أن ذلك لم يكن من عند الله وأن رسوله ﵌ افتراه فقال

стр. 4600

(قل نزله) أي القرآن المدلول عليه بذكر الآية (روح القدس) بضم الدال وسكونها سبعيتان والقدس التطهير والطهارة والمعنى نزله الروح المطهر من أدناس البشرية

стр. 4601

وهو جبريل ﵇ فهو من إضافة الموصوف إلى الصفة كما يقال حاتم الجود وطلحة الخير (من ربك) أي ابتداء تنزيله من عنده سبحانه (بالحق) أي متلبساً بكونه حقاً ثابتاً لحكمة بالغة. (ليثبت الذين آمنوا) على الإيمان فيقولون كل من الناسخ والمنسوخ من عند ربنا ولأنهم أيضاً إذا عرفوا ما في النسخ من المصالح ثبتت أقدامهم على الإيمان ورسخت عقائدهم وقرئ من الإثبات (وهدى وبشرى للمسلمين) معطوفان على محل ليثبت أي تثبيتاً لهم وهداية وبشارة وفيه تعريض بحصول أضداد هذه الخصائل لغيرهم. ثم ذكر سبحانه شبهة أخرى من شبههم فقال

стр. 4602

(ولقد نعلم) علماً مستمراً (أنهم يقولون إنما يعلمه بشر) وليس هو من عند الله كما هو يزعم، واللام هي الموطئة أي والله لقد نعلم أن هؤلاء الكفار يقولون إنما يعلم محمداً القرآن بشر من بني آدم غير ملك. وقد اختلف أهل العلم في تعيين هذا البشر الذي زعموا عليه ما زعموا فقيل هو غلام الفاكه بن المغيرة واسمه جبر وكان نصرانياً حداداً رومياً فأسلم، وكان قريش إذا سمعوا من النبي ﵌ أخبار القرون الأولى مع كونه أمياً قالوا إنما يعلمه جبر. وقيل اسمه عايش أو يعيش عبد لبني الحضرمي وكان يقرأ الكتب الأعجمية، وقيل غلام لبني عامر بن لؤي، وقيل عنوا سلمان الفارسي، وقيل عنوا نصرانياً بمكة اسمه بلعام وكان يقرأ التوراة، وقيل عنوا رجلاً نصرانياً كان اسمه أبا ميسرة يتكلم بالرومية، وفي رواية اسمه عداس وقيل أرادوا بالبشر غلامين اسم أحدهما يسار واسم الآخر جبر، وكانا صيقليَّين يعملان السيوف بمكة، وكانا يقرآن كتاباً لهم، وقيل كانا يقرآن التوراة والإنجيل وكان النبي ﷺ يمر عليهما ويسمع ما يقرآنه فقال المشركون إنما يتعلم منهما؛ قاله عبد الله بن مسلم الحضرمي.

стр. 4603

قال النحاس: وهذه الأقوال غير متناقضة لأنه يجوز أنهم زعموا أنهم جميعاً يعلمونه ولكن لا يمكن الجمع باعتبار قول من قال أنه سلمان لأن هذه الآية مكية وهو إنما أتى النبي ﷺ بالمدينة. ثم أجاب سبحانه عن قولهم هذا فقال (لسان الذي يلحدون إليه) أي لغته وكلامه (أعجمي) والإلحاد الميل يقال لحد وألحد أي مال عن القصد ومنه لحد القبر لأنه حفرة مائلة عن وسطه، وقد تقدم في الأعراف، والمعنى لسان الذي يميلون إليه ويشيرون ويزعمون أنه يعلمك أعجمي يقال رجل أعجم وامرأة عجماء أي لا يفصحان والعجمة الإخفاء وهي ضد البيان والعرب تسمي كل من لا يعرف لغتهم ولا يتكلم بها أعجمياً. قال الفراء والراغب: الأعجم الذي في لسانه عجمة وإن كان في العرب والأعجمي هو الذي أصله من العجم، وقال أبو علي الفارسي: العجمي المنسوب إلى العجم الذي لا يفصح سواء كان من العرب أو من العجم وكذلك الأعجم والأعجمي المنسوب إلى العجم وإن كان فصيحاً بالعربية والأعرابي الذي يسكن البادية والعربي الذي يسكن الأمصار من بلاد العرب. (وهذا) أي القرآن (لسان) أي كلام (عربي مبين) وسماه لساناً لأن العرب تقول للقصيدة والبيت لساناً أو أراد باللسان البلاغة فكأنه قال وهذا قرآن ذو بلاغة عربية وبيان واضح فكيف تزعمون أن بشراً يعلمه من العجم وأين فصاحة هذا القرآن من عجمة هذا الذي تشيرون إليه وقد عجزتم أنتم عن معارضة سورة منه وأنتم أهل اللسان العربي ورجال الفصاحة وقادة البلاغة. فثبت بهذا أن الذي جاء به محمد ﷺ وحي أوحاه الله إليه، وليس هو من تعليم البشر الذي تشيرون إليه ولا هو آت به من تلقاء نفسه بل هو وحي من الله وهاتان الجملتان مستأنفتان سيقتا لإبطال طعنهم ودفع كذبهم.

стр. 4604

إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤) إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٠٥) مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦) ولما ذكر سبحانه جوابهم وبخهم وهددهم فقال

стр. 4605

(إن الذين لا يؤمنون بآيات الله) أي لا يصدقون بها في علم الله (لا يهديهم الله) إلى الحق الذي هو سبيل النجاة وهداية موصلة إلى المطلوب لما علم من شقاوتهم (ولهم) في الآخرة (عذاب أليم) بسبب ما هم عليه من الكفر والتكذيب بآيات الله. ثم لما وقع منهم نسبة الافتراء إلى رسول الله ﷺ رد عليهم بقوله

стр. 4606

(إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله) فكيف يقع الافتراء من رسول الله ﷺ وهو رأس المؤمنين بها والداعين إلى الإيمان بها وهؤلاء الكفار هم الذين لا يؤمنون بها فهم المفترون للكذب، قال الزجاج: المعنى إنما يفتري الكذب الذين إذا رأوا الآيات التي لا يقدر عليها إلا الله كذبوا بها هؤلاء أكذب الكذبة، ثم سماهم الكاذبين فقال (وأولئك) المتصفون بذلك (هم الكاذبون) أي أن الكذب نعت لازم لهم وعادة من عاداتهم، فهم الكاملون في الكذب إذ لا كذب أعظم من تكذيبهم بآيات الله، وقولهم إنما يعلمه بشر والتأكيد بالتكرار وإن، وغيرهما ردا لقولهم إنما أنت مفتر.

стр. 4607

(من كفر بالله من بعد إيمانه) أي تلفظ وتكلم بالكفر أو فعل فعل كفر سواء كان مختاراً في ذلك أو مكرهاً عليه فالاستثناء في قوله (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان) متصل. وقال القرطبي: أجمع المفسرون وأهل العلم على أن من أكره على الكفر

стр. 4608

حتى خشي على نفسه القتل أنه لا إثم عليه إن كفر وقلبه مطمئن بالإيمان، ولا تبين منه زوجته ولا يحكم عليه بحكم الكفر. وحكى عن محمد بن الحسن أنه إذا أظهر الكفر كان مرتداً في الظاهر وفيما بينه وبين الله على الإسلام وتبين منه امرأته ولا يصلى عليه إن مات ولا يرث أباه إن مات مسلماً، وهذا القول مردود على قائله مدفوع بالكتاب والسنة. وذهب الحسن البصري والأوزاعي والشافعي وسحنون إلى أن هذه الرخصة إنما جاءت في القول وأما في الفعل فلا رخصة مثل أن يكره على السجود لغير الله، ويدفعه ظاهر الآية فإنها عامة فيمن أكره من غير فرق بين القول والفعل كما تقدم، والمعنى إلا من كفر بإكراه والحال أن قلبه مطمئن بالإيمان لم تتغير عقيدته. أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال: لما أراد رسول الله ﷺ أن يهاجر إلى المدينة قال لأصحابه: " تفرقوا عني فمن كانت به قوة فليتأخر إلى آخر الليل ومن لم تكن به قوة فليذهب أول الليل فإذا سمعتم بي قد استقرت لي الأرض فالحقوا بي ". فأصبح بلال المؤذن وخباب وعمار وجارية من قريش كانت أسلمت فأخذهم المشركون وأبو جهل فعرضوا على بلال أن يكفر فأبى فجعلوا يضعون درعاً من حديد في الشمس ثم يلبسونها إياه فإذا ألبسوه إياه قال أحد أحد، وأما خباب فجعلوا يجرونه في الشوك، وأما عمار فقال لهم كلمة أعجبتهم تقية، وأما الجارية فوتد لها أبو جهل أربعة أوتاد ثم مدها فأدخل الحربة في قلبها حتى قتلها، ثم خلوا عن بلال وخباب وعمار فلحقوا برسول الله ﷺ فأخبروه بأمرهم، واشتد على عمار الذي كان تكلم به، فقال رسول الله ﷺ : " كيف كان قلبك حين قلت، أكان منشرحا بالذي قلت أم لا؟ " قال: لا. فأنزل الله (إلا من أكره وقلبه مطمئن

стр. 4609

بالإيمان) وقيل نزلت في أناس من أهل مكة. وقيل نزلت في جبر مولى عامر بن الحضرمي أكرهه سيده على الكفر، والأول أولى، والحق أن الآية عامة في كل من أكره على الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان وإن كان السبب خاصاً، وفيه دليل على أن محل الإيمان هو القلب. (ولكن) الاستدراك واضح لأن قوله إلا من أكره قد يسبق الوهم إلى الاستثناء مطلقاً فاستدرك هذا، وقوله (مطمئن) لا ينفي ذلك الوهم (من) موصولة أو شرطية والأول أولى. (شرح بالكفر صدراً) أي اختاره ورضي به وطابت به نفسه (فعليهم) فيه مراعاة معنى (من) ولو راعى لفظها لأفرد وقال فعليه (غضب من الله ولهم عذاب عظيم) في الآخرة. عن ابن عباس قال: أخذ المشركون عمار بن ياسر فلم يتركوه حتى سب النبي ﷺ وذكر آلهتهم بخير فتركوه، فلما أتى النبي ﷺ قال " ما وراءك؟ " قال: شر، ما تركت حتى نلت منك وذكرت آلهتهم بخير، قال: " كيف تجد قلبك؟ " قال: مطمئناً بالإيمان، قال " إن عادوا فعد "، فنزلت (إلا من أكره) الخ. قال: فذاك عمار بن ياسر، ولكن من شرح بالكفر صدراً عبد الله بن أبي سرح (١)، أخرجه البيهقي والحاكم وصححه، وفي الباب روايات مصرحة بأنها نزلت فيه. وعن محمد بن سيرين قال: نزلت هذه الآية في عياش بن أبي ربيعة وعن ابن عباس قال: هو عبد الله بن أبي سرح الذي كان يكتب لرسول الله ﷺ فأزله الشيطان فلحق بالكفار، فأمر به النبي ﷺ أن يقتل يوم فتح مكة، فاستجار له عثمان بن عفان، فأجاره النبي ﷺ . وعن الحسن وعكرمة مثله، وليس بعد هذا الوعيد العظيم وهو الجمع للمرتدين بين غضب الله وعظيم عذابه وعيد.

стр. 4610

ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (١٠٧) أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٠٨) لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٠٩) ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٠)

стр. 4611

(ذلك) أي الكفر بعد الإيمان أو الوعيد بالغضب والعذاب (بأنهم استحبوا الحياة الدنيا) أي ذلك بسبب تأثيرهم للحياة الدنيا الفانية (على الآخرة) الباقية الدائمة (وأن الله لا يهدي القوم الكافرين) في علمه إلى الإيمان به ولا يعصمهم من الزيغ. ثم وصفهم بقوله

стр. 4612

(أولئك) الموصوفون بما ذكر من الأوصاف القبيحة (الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم) فلم يفهموا المواعظ ولا سمعوها ولا أبصروا الآيات التي يستدل بها على الحق، وقد سبق تحقيق الطبع في أول البقرة، ثم أثبت لهم صفة نقص غير الصفة المتقدمة فقال (وأولئك هم الغافلون) عما يراد بهم من العذاب في الآخرة، وضمير الفصل يفيد أنهم متناهون في الغفلة إذ لا غفلة أعظم من غفلتهم هذه.

стр. 4613

(لا جرم) قد تقدم تحقيق الكلام في معناها أي حقاً (أنهم في الآخرة هم الخاسرون) أي الكاملون في الخسران البالغون إلى غاية منه ليس فوقها غاية لمصيرهم إلى النار المؤبدة عليهم، والوجب لخسرانهم أن الله وصفهم بست صفات تقدمت: الأولى: أنهم استوجبوا غضب الله. الثانية: أنهم استحقوا عذابه العظيم.

стр. 4614

الثالثة: أنهم استحبوا الحياة الدنيا. الرابعة: أنهم حرمهم الله من الهداية. الخامسة: أنه طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم. السادسة: أنه جعلهم من الغافلين.

стр. 4615

(ثم إن ربك للذين هاجروا) من دار الكفر إلى دار الإسلام، وخبر (إن) محذوف أي لغفور رحيم؛ وقيل الخبر هو الذين هاجروا، أي إن ربك لهم بالولاية والنصرة لا عليهم وفيه بعد، قال في الكشاف (ثم) هاهنا للدلالة على تباعد حال هؤلاء، يعني الذين نزلت الآية فيهم عن حال أولئك، وهم عمار وأصحابه، ويدل على ذلك ما روي أنها نزلت في ابن أبي السرح. قال ابن عباس: كان قوم من أهل مكة أسلموا وكانوا يستخفون بالإسلام فنزلت فيهم هذه الآية فكتبوا بذلك إليهم أن الله قد جعل لكم مخرجاً فأخرجوا فأدركهم المشركون فقاتلوهم فنجى من نجى وقتل من قتل. (من بعد ما فتنوا) أي فتنتهم الكفار بتعذيبهم لهم ليرجعوا في الكفر، وقرئ فتنوا على البناء للفاعل وهي سبعية أيضاً، أي للذين فتنوا المؤمنين وعذبوهم على الإسلام (ثم جاهدوا) في سبيل الله (وصبروا) على ما أصابهم من الكفار وعلى ما يلقونه من مشاق التكليف (إن ربك من بعدها) أي من بعد الفتنة التي فتنوها أو بعد المهاجرة أو الجهاد أو الصبر أو جميع ذلك (لغفور رحيم) أي كثير الغفران والرحمة لهم. ومعنى الآية على قراءة البناء للفاعل واضح ظاهر، أي إن ربك لهؤلاء الكفار الذين فتنوا من أسلم وعذبوهم ثم جاهدوا وصبروا لغفور رحيم، وأما على قراءة البناء للمفعول وهي قراءة الجمهور فالمعنى أن هؤلاء المفتونين الذين تكلموا بكلمة الكفر مكرهين وصدورهم غير منشرحة للكفر إذا صلحت أعمالهم وجاهدوا في الله وصبروا على المكاره لغفور لهم رحيم بهم.

стр. 4616

يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١١١) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢) وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (١١٣) وأما إذا كان سبب الآية هو هذا عبد الله بن أبي سرح الذي ارتد عن الإسلام ثم رجع بعد ذلك إليه، فالمعنى أن هذا المفتون في دينه بالردة إذا أسلم وجاهد وصبر فالله غفور له رحيم به.

стр. 4617

(يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها) أي تخاصم وتسعى في خلاصها، وقد استشكل إضافة ضمير النفس إلى النفس ولا بد من التغاير بين المضاف والمضاف إليه. وأجيب بأن المراد بالنفس الأولى جملة بدن الإنسان وبالنفس الثانية الذات فكأنه قيل يوم يأتي كل إنسان يجادل عن ذاته لا يهمه غيرها بل يقول نفسي نفسي ومعنى المجادلة عنها الاعتذار بما لا يقبل منه كقوله (والله ربنا ما كنا مشركين) ونحو ذلك من المعاذير الكاذبة فهو مجادل ومخاصم عن نفسه لا يتفرغ لغيرها يوم القيامة. (وتوفى كل نفس) جزاء (ما عملت) في الدنيا من خير أو شر (وهم لا يظلمون) من جزاء أعمالهم بل يوفون ذلك كاملاً من غير زيادة أو نقصان

стр. 4618

(وضرب الله مثلاً قرية) قد قدمنا أن ضرب مضمن معنى جعل ولذا عُدِّيَ إلى مفعولين قد اختلف المفسرون هل المراد بهذا القرية قرية معينة أو المراد قرية غير معينة. قال الزمخشري: بل كل قوم أنعم الله عليهم فأبطرتهم النعمة فكفروا وتولوا فأنزل الله بهم نقمته، ونحوه في البيضاوي.

стр. 4619

قال القرطبي: إنه مثل مضروب لأي قرية كانت على هذه الصفة من سائر القرى فيجوز أن تراد قرية مقدرة على هذه الصفة، ويجوز أن تكون في قرى الأولين قرية كانت هذه حالها فضربها الله مثلاً لمكة إنذاراً من مثل عاقبتها. وذهب الأكثرون إلى الأول وصرحوا بأنها مكة، وذلك لما دعا عليهم رسول الله ﷺ وقال: " اللهم أشدد وطأتك على مضر وأجعلها عليهم سنين كسني يوسف " (١) فابتلوا بالقحط حتى أكلوا العظام، والثاني أرجح لأن تنكير قرية يفيد بذلك، ومكة تدخل في هذا العموم البدلي دخولاً أولياً. وأيضا يكون الوعيد أبلغ والمثل أكمل وغير مكة مثلها، وعلى فرض إرادتها ففي المثل إنذار لغيرها من مثل عاقبتها. وعن ابن عباس قال: يعني مكة وعن عطية مثله وزاد فقال: ألا ترى أنه قال

стр. 4620

(ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه) قال الواقدي: ذكر المشبه به ولم يذكر المشبه لوضوحه عند المخاطبين. والآية عند عامة المفسرين نازلة في أهل مكة وما امتحنوا به من الخوف والجوع بعد الأمن والنعمة بتكذيبهم النبي ﷺ فتقدير الآية ضرب الله مثلاً لقريتكم، أي بيَّن الله لها شبهاً، ثم وصف القرية بأنها (كانت آمنة) غير خائفة. (مطمئنة) غير منزعجة، أي لا يخاف أهلها ولا ينزعجون، وعن ابن شهاب قال القرية التي كانت آمنة مطمئنة هي يثرب. قلت ولا أدري أي دليل على هذا التعيين ولا أي قرينة قامت له على ذلك ومتى كفرت دار الهجرة ومسكن الأنصار بأنعم الله وأي وقت أذاقها الله

стр. 4621

لباس الجوع والخوف وهي التي تنفي خبثها كما ينفي الكير خبث الحديد كما صح ذلك عن الصادق المصدوق. وصح عنه ﷺ أنه قال " والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون " (يأتيها رزقها) أي ما يرتزق به أهلها (رغداً) أي واسعاً يقال رغد العيش بالضم رغادة اتسع ولأن فهو رغد ورغيد ورغد ورغد رغداً من باب تعب لغة فهو راغد وهو في رغد من العيش أي رزق واسع، وأرغد القوم بالألف أخصبوا والرغيد الزبد (من كل مكان) من الأمكنة التي يجلب ما فيها إليها أي من نواحيها من البر والبحر. (فكفرت) أي كفر أهلها (بأنعم الله) التي أنعم بها عليهم وهي جمع نعمة كالأشد جمع شدة، وقيل كالأدرع جمع درع على ترك الاعتداد بالتاء وقيل جمع نعم مثل بؤس وأبؤس ويحتمل أنه جمع نعماء بفتح النون والمد وهي بمعنى النعمة وهذا الكفر منهم هو كفرهم بالله سبحانه وتكذيب رسله. (فأذاقها الله) أي أهلها (لباس الجوع والخوف) أي أثرهما فقحطوا سبع سنين وسمي ذلك لباساً لأنه يظهر به عليهم من الهزال وشحوبة اللون وسوء الحال ما هو كاللباس فاستعير له اسمه وأوقع عليه الإذاقة وأصلها الذوق بالفم ثم استعيرت لمطلق الإيصال مع إنبائها بشدة الإصابة لما فيها من اجتماع الإدراكين إدراك اللمس والذوق. روي أن ابن الراوندي الزنديق، قال لابن الأعرابي إمام اللغة والأدب: هل يذاق اللباس؟ فقال له ابن الأعرابي: لا بأس أيها النسناس هب أن محمداً ﷺ ما كان نبياً أما كان عربياً، كأنه طعن في الآية بأن المناسب أن يقال فكساها الله لباس الجوع أو فأذاقها الله طعم الجوع، فرد عليه ابن الأعرابي. وقد أجاب علماء البيان هذا أن تجريد الاستعارة وذلك أنه استعار

стр. 4622

اللباس لما غشي الإنسان من بعض الحوادث كالجوع والخوف لاشتماله عليه اشتمال اللباس على اللابس، ثم ذكر الوصف ملائماً للمستعار له وهو الجوع والخوف لأن إطلاق الذوق على إدراك الجوع والخوف جرى عندهم مجرى الحقيقة فيقولون ذاق فلان البؤس والضر، وأذاقه غيره فكانت الاستعارة مجردة ولو قال فكساها كانت مرشحة قيل وترشيح الاستعارة وإن كان مستحسناً من جهة المبالغة إلا أن للتجريد ترجيحاً من حيث أنه روعي جانب المستعار له فازداد الكلام وضوحاً. قال الرازي: والحاصل أنه حصل لهم في ذلك الجوع حالة تشبه المذوق، وحالة تشبه الملبوس، فاعتبر الله كلا الاعتبارين فقال فأذاقها، والتقدير: أن الله عرفها لباس الجوع والخوف إلا أنه تعالى عبر عن التعريف بلفظ الإذاقة، وأصل الذوق بالفم ثم قد يستعار فيوضع موضع التعرف والاختيار قال الشاعر: ومن يذق الدنيا فإني طعمتها ... وسيق إلينا عذبها وعذابها أو يحمل اللبس على المماسة أي فأذاقها الله مساس الجوع (بما كانوا يصنعون) أي فعلنا بهم ما فعلنا بسبب تكذيبهم رسول الله ﷺ وخروجه من بين أظهرهم، ولم يقل صنعت لأنه أراد أهل القرية، قال الفراء: كل الصفات أجريت على القرية إلا قوله يصنعون تنبيهاً على أن المراد في الحقيقة أهلها. (ولقد جاءهم) يعني أهل مكة (رسول منهم) أي من جنسهم يعرفونه ويعرفون نسبه فأمرهم بما فيه نفعهم ونهاهم عما فيه ضررهم (فكذبوه) فيما جاء به (فأخذهم العذاب) النازل بهم من الله سبحانه (وهم) أي والحال أنهم في حال أخذهم العذاب لهم (ظالمون) لأنفسهم بإيقاعها في العذاب الأبدي ولغيرهم بالإضرار لهم وصدهم عن سبيل الله. وهذا الكلام من تمام المثل الضروب وقيل أن المراد بالعذاب هنا هو الجوع الذي أصابهم، وقيل القتل يوم بدر والأول أولى.

стр. 4623

فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١١٤) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٥) وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١٧) وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٨) ثم لما وعظهم الله سبحانه بما ذكره من حال أهل القرية المذكورة أمرهم بأن يأكلوا مما زرقهم الله من الغنائم ونحوها وقال

стр. 4624

(فكلوا مما رزقكم الله حلالاً طيباً) جاء بالفاء للإشعار بأن ذلك متسبب عن ترك الكفر، والمعنى انكم لما آمنتم وتركتم الكفر فكلوا الحلال الطيب وهو الغنائم واتركوا الخبائث وهي الميتة والدم، قيل الخطاب للمسلمين، وبه قال جمهور المفسرين، وقيل للمشركين من أهل مكة حكاه الواحدي وغيره والأول أولى. وقيل أن الفاء (فكلوا) داخلة على الأمر بالشكر، وإنما دخلت على الأمر بالأكل لأن الأكل ذريعة إلى الشكر (واشكروا نعمة الله) التي أنعم بها عليكم واعرفوا حقها (إن كنتم إياه تعبدون) ولا تعبدون غيره أو أن صح زعمكم أنكم تقصدون بعبادة الآلهة عبادة الله تعالى.

стр. 4625

(إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير و) حرم الله (ما أهلَّ) أي ما رفع الصوت (لغير الله به) سواء كان صنماً أو وثناً أو نصباً أو روحاً خبيثاً من جن أو روحاً طيباً من إنس كالنبي والولي والصالح، حياً كان أو ميتاً فهو حرام.
следующие страницы →