← Тафсир

Тафсир · id 37458

فتح البيان في مقاصد القرآن

صديق حسن خان

Полный текст (12 043 стр.). Показаны 4831–4870 · переход к 4836.

стр. 4831

(قل كل) أي كل أحد (يعمل على شاكلته) التي جبل عليها قال الفراء: الشاكلة الطريقة وقيل الناحية قاله ابن عباس، وقيل الطبيعة وقيل الدين وقيل النية، قاله الحسن وبه فسرها البخاري في كتاب التفسير، وقيل الجبلة، وأحسن ما قيل فيها ما قاله الزمخشري أنها مذهبه الذي يشاكل حاله في الهدى والضلالة من قولهم طريق ذو شواكل، وهي الطرق التي تشعبت منه وهي مأخوذة من الشكل وهو المثل والنظير: يقال لست على شكلي ولا على شاكلتي. وأما الشكل بالكسر فهو الهيئة يقال جارية حسنة الشكل أو الشاكلة الروح والمعنى أن كل إنسان يعمل على ما يشاكل أخلاقه التي ألفها أو على حسب جوهر نفسه، فإن كانت نفسه شريفة طاهرة صدرت عنه أفعال جميلة وأخلاق زكية، وإن كانت نفسه كدرة خبيثة صدرت عنه أفعال خبيثة فاسدة رديئة وهذا ذمّ للكافر ومدح للمؤمن. (فربكم أعلم بمن هو أهدى) لأنه الخالق لكم العالم بما جبلتم عليه من الطبائع وما تباينتم فيه من الطرائق فهو الذي يميز بين المؤمن الذي لا يعرض عند النعمة ولا ييأس عند المحنة وبين الكافر الذي شأنه البطر للنعم والقنوط عند النقم وأهدى من اهتدى على حذف الزوائد أو من هدى المتعدي أو من هدى القاصر بمعنى اهتدى و (سبيلاً) تمييز أي أوضح طريقاً وأحسن مذهباً وأشد اتباعاً للحق. ثم لما انجر الكلام إلى ذكر الإنسان وما جبل عليه، ذكر سبحانه سؤال السائلين لرسول الله ﷺ عن الروح فقال

стр. 4832

(ويسألونك عن الروح) قد اختلف الناس في الروح المسؤول عنه، فقيل هو الروح المدبر للبدن الذي تكون به حياته وبهذا قال أكثر المفسرين.

стр. 4833

قال الفراء: الروح الذي يعيش به الإنسان لم يخبر الله به سبحانه أحداً من خلقه ولم يعط علمه أحداً من عباده. وقيل الروح المسؤول عنه جبريل، وقيل عيسى وقيل القرآن وقيل ملك من الملائكة عظيم الخلق وقيل خلق كخلق بني آدم، وقال بعضهم هو الدم، ألا ترى الإنسان إذا مات لا يفوت منه شيء إلا الدم، وقال قوم: هو نفس الحيوان بدليل أنه يموت باحتباس النفس، وقال قوم: هو عرض، وقال قوم: هو جسم لطيف يحيا به الإنسان، وقيل الروح معنى اجتمع فيه النور والطيب والعلم والعلوّ والبقاء، والظاهر هو القول الأول. وسيأتي ذكر سبب نزول هذه الآية وبيان السائلين لرسول الله ﷺ عن الروح، ثم الظاهر أن السؤال عن حقيقة الروح لأن معرفة حقيقة الشيء أهم وأقدم من معرفة حال من أحواله. ثم أمره سبحانه أن يجيب عن السائلين له عن الروح فقال (قل الروح) أظهر في مقام الإضمار إظهاراً لكمال الاعتناء بشأنه (من أمر ربي) من بيانية والأمر بمعنى الشأن والإضافة للاختصاص العلمي لا الإيجادي لاشتراك الكل فيه وفيها من تشريف المضاف ما لا يخفى كما في الإضافة الثانية من تشريف المضاف إليه أي هو من جنس ما استأثر الله بعلمه من الأشياء التي لم يعلم بها عباده. وأبهم أمر الروح وهو مبهم في التوراة أيضاً، وقيل المعنى من وحيه وكلامه لا من كلام البشر، وفي هذه الآية ما يزجر الخائضين في شأن الروح المتكلفين لبيان ماهيته وإيضاح حقيقته أبلغ زجر ويردعهم أعظم ردع، وقد أطالوا المقال في هذا البحث بما لا يتسع له المقام وغالبه بل كله من الفضول الذي لا يأتي بنفع في دين ولا دنيا. وقد حكى بعض المحققين أن أقوال المختلفين في الروح بلغت إلى ثمانية

стр. 4834

عشر مائة قول، فانظر إلى هذا الفضول الفارع والتعب العاطل عن النفع بعد أن علموا أن الله سبحانه قد استأثر بعلمه، ولم يطلع عليه أنبياءه ولا أذن لهم بالسؤال عنه ولا البحث على حقيقته فضلاً عن أممهم المقتدين بهم. فيالله العجب حيث تبلغ أقوال أهل الفضول والقانعين بالمعقول من المنقول إلى هذا الحد الذي لم تبلغه ولا بعضه في غير هذه المسألة مما أذن الله بالكلام فيه ولم يستأثر بعلمه، وقد عجزت الأوائل عن إدراك ماهيته بعد إنفاق الأعمار الطويلة على الخوض فيه. والحكمة في ذلك تعجيز العقل عن إدراك معرفة مخلوق مجاور له ليدل على أنه عن إدراك خالقه أعجز، ولذا رد ما قيل في حده قديماً وحديثاً. ثم ختم سبحانه هذه الآية بقوله (وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً) الخطاب عام لجميع الخلق ومن جملتهم النبي ﷺ ، وقيل هو خطاب لليهود خاصة، والأول أولى، ويدخل فيه اليهود دخولاً أولياً. والمعنى أن علمكم الذي علمكم الله ليس إلا المقدار القليل بالنسبة إلى علم الخالق سبحانه وأن أوتيتم حظاً من العلم وافراً، بل علم الأنبياء ﵈ ليس هو بالنسبة إلى علم الله سبحانه إلا كما يأخذ الطائر في منقاره من البحر كما في حديث موسى والخضر ﵉. وعبارة الخازن أن القلة والكثرة تدوران مع الإضافة، فوصف الشيء بالقلة بالنسبة إلى ما فوقه وبالكثرة إلى ما تحته. أهـ. أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن مسعود قال: كنت أمشي مع النبي ﷺ في خرب المدينة وهو متكئ على عسيب فمر بقوم من اليهود

стр. 4835

فقال بعضهم لبعض: اسألوه عن الروح، فقال بعضهم: لا تسألوه، فقالوا: يا محمد ما الروح؟ فما زال متكئاً على العسيب فظننت أنه يوحى إليه فقال (ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي) الآية. (١) وأخرج أحمد والترمذي وصححه النسائي وابن المنذر وابن حبان في العظمة والحاكم وصححه وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي عن ابن عباس قال: قالت قريش لليهود: أعطونا شيئاً نسأل هذا الرجل، قالوا: سلوه عن الروح، فنزلت هذه الآية، قالوا: أوتينا علماً كثيراً وأوتينا التوراة ومن أوتي التوراة فقد أوتي خيراً كثيراً، فأنزل الله (قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي) الآية، وفي الباب أحاديث وآثار. ولما بيَّن سبحانه ما آتاهم من العلم إلا قليلاً بين أنه لو شاء أن يأخذ منهم هذا القليل لفعل فقال

стр. 4836

(ولئن) اللام هي الموطئة الدالة على القسم المقدر، أي والله لئن (شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك) وبقيت كما كنت ما تدري ما الكتاب وهذا جواب القسم وجواب الشرط محذوف، أي ذهبنا به على القاعدة في اجتماع الشرط والقسم من حذف جواب المتأخر استغناء عنه بجواب المتقدم. قال الزجاج: أي لو شئنا لمحوناه من القلوب ومن الكتب حتى لا يوجد له أثر، انتهى. وعبر عن القرآن بالموصول تفخيماً لشأنه (ثم لا تجد لك به) بالقرآن (علينا وكيلاً) أي من يتوكل علينا في رد شيء منه بعد أن ذهبنا به ويتعهد ويلتزم استرداده بعد رفعه كما يلتزم الوكيل ذلك فيما يتوكل عليه.

стр. 4837

إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا (٨٧) قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨) وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (٨٩) وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢)

стр. 4838

(إلا رحمة من ربك) الاستثناء فيه قولان: أحدهما: أنه متصل لأن الرحمة تندرج في قوله وكيلاً، يعني إلا رحمة فإنها إن نالتك فلعلها تسترده عليك. والثاني: أنه منقطع فمعناه لكن لا نشاء ذلك رحمة من ربك أو لكن رحمة ربك تركته غير مذهوب به، أو لكن أبقيناه إلى قرب قيام الساعة فعند ذلك يرفع، ويقدر إلا بـ (لكن) عند البصريين وببل عند الكوفيين. وقد أخرج سعيد بن منصور والحاكم وصححه والطبراني والبيهقي وغيرهم عن ابن مسعود قال: إن هذا القرآن سيرفع، قيل كيف يرفع، وقد أثبته الله في قلوبنا وأثبتناه في المصاحف، قال: يسري عليه في ليلة واحدة فلا تترك منه آية في قلب ولا مصحف إلا رفعت فتصبحون وليس فيكم منه شيء، ثم قرأ هذه الآية وقد روي هذا عنه، وعن جمع من الصحابة موقوفاً ومرفوعاً. (إن فضله كان عليك كبيراً) حيث جعلك رسولاً وأنزل عليك الكتاب وألقى عليك القرآن والعلم وصيرك سيد ولد آدم وختم بك النبيين وأعطاك المقام المحمود وغير ذلك مما أنعم الله به عليك. ثم احتج سبحانه على المشركين بإعجاز القرآن فقال

стр. 4839

(قل لئن) اللام لام

стр. 4840

قسم وفيه ما تقدم (اجتمعت الإنس والجن) وكذا الملائكة، وإنما لم يذكروا لأن التحدي ليس معهم والتصدي لمعارضته لا يليق بشأنهم. (على أن يأتوا بمثل هذا القرآن) المنزل من عند الله الموصوف بالصفات الجليلة من كمال الفصاحة ونهاية البلاغة وحسن النظم وجزالة اللفظ (لا يأتون بمثله) أظهر في مقام الإضمار ولم يكتف بأن يقول لا يأتون به؛ على أن الضمير راجع إلى المثل المذكور لدفع توهم أن يكون له مثل معين، وللإشعار بأن المراد نفي المثل على أي صفة كان، وهو جواب قسم محذوف أو جواب للشرط واعتذروا عن رفعه بأن الشرط ماض والأول أظهر. ثم أوضح سبحانه عجزهم عن المعارضة سواء كان المتصدي لها أحدهم على الانفراد أو كان المتصدي لها المجموع بالمظاهرة فقال (ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً) أي عوناً ونصيراً في تحقيق ما يتوخونه من الإتيان بمثله، فثبت أنهم لا يأتون بمثله على كل حال مفروض، ولو في هذه الحال المنافية لعدم الإتيان به فضلاً عن غيرها، وفيه حسم لأطماعهم الفارغة في روم تبديل بعض آياته ببعض وقد تقدم وجه الإعجاز في أوائل سورة البقرة. وفي هذه الآية رد لما قاله الكفار (لو نشاء لقلنا مثل هذا) وإكذاب لهم. عن ابن عباس قال: أتى رسول الله ﷺ محمود بن شحان ونعيمان ابن آصي وبحري بن عمرو وسلام بن مشكم، فقالوا: أخبرنا يا محمد بهذا الذي جئت به أحق من عند الله، فإنا لا نراه متناسقاً كما تناسق التوراة، فقال لهم " والله إنكم لتعرفونه أنه من عند الله "، قالوا: إنا نجيئك بمثل ما تأتي به، فأنزل الله تعالى هذه الآية. فالقرآن كلام الله في أعلى طبقات البلاغة والفصاحة لا يشبه كلام الخلق وهو

стр. 4841

غير مخلوق، ولو كان مخلوقاً لأتوا بمثله، وهو معجز في النظم والتأليف والإخبار عن الغيوب. ثم بينَّ سبحانه أن الكفار مع عجزهم عن المعارضة استمروا على كفرهم وعدم إيمانهم فقال

стр. 4842

(ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل) أي رددنا القول فيه بوجوه مختلفة زيادة في التقرير والبيان، وكررنا بكل مثل يوجب الاعتبار من الآيات والعبر والترغيب والترهيب والأوامر والنواهي، وأقاصيص الأولين والجنة والنار والقيامة، وقيل من كل معنى هو كالمثل في غرابته وحسنه ووقوعه موقعاً في الأنفس والأول أولى. (فأبى أكثر الناس) يعني من أهل مكة (إلا كفورًا) فإنهم جحدوا وأنكروا كون القرآن كلام الله بعد قيام الحجة عليهم واقترحوا من الآيات ما ليس لهم وأظهر في مقام الإضمار حيث قال فأبى أكثر الناس تأكيداً وتوضيحاً ولما كان أبى ومؤلاً بالنفي أي ما قبل أو لم يرض صح الاستثناء منه.

стр. 4843

(وقالوا) أي قال رؤساء مكة كعتبة وشيبة ابني ربيعة وأبي سفيان والنضر بن الحرث قول المبهوت المحجوج المتحير، ولما تبينَّ إعجاز القرآن وانضمت إليه معجزات أخر وبيِّنات ولزمتهم الحجة وغلبوا أخذوا يتعلَّلون باقتراح الآيات وقالوا (لن نؤمن لك) ثم علقوا نفي إيمانهم بغاية طلبوها فقالوا (حتى تفجر لنا من الأرض) أي مكة (ينبوعاً) عيناً غزيرة من شأنها أن تنبع بالماء، قرئ تفجر مخففاً ومشدداً وهما سبعيتان، ولم يختلفوا في فتفجر الأنهار أنها مشدّدة باتفاق السبعة. ووجه ذلك أبو حاتم بأن الأولى بعدها ينبوع وهو واحد والثانية بعدها الأنهار وهي جمع، وأجيب عنه بأن الينبوع وإن كان واحداً في اللفظ فالمراد به الجمع، فإن الينبوع العيون التي لا ينضب ماؤها ويرد بأن الينبوع عين الماء والجمع ينابيع، وإنما يقال للعين ينبوع إذا كانت غزيرة من شأنها النبوع من غير انقطاع وهو يفعول

стр. 4844

من نبع الماء والياء زائدة كيعبوب من عب الماء. قال مجاهد: ينبوعاً عيوناً، وعن السدي الينبوع هو النهر الذي يجري من العين.

стр. 4845

(أو تكون لك جنة) أي بستان تستر أشجاره أرضه. وقال ابن عباس: جنة ضيعة، والمعنى هب إنك لا تفجر الأنهار لأجلنا ففجرها من أجلك بأن تكون لك جنة (من نخيل وعنب فتفجر الأنهار) أي تجريها بقوة (خلالها) أي وسط الجنة (تفجيراً) كثيراً وتشقيقاً.

стр. 4846

(أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً) أي قطعاً قاله ابن عباس، قرأ مجاهد أو تسقط مسند إلى السماء، وقرأ من عداه أو تسقط على الخطاب أي أو تسقط أنت يا محمد السماء، والكسف بفتح السين جمع كسفة، والكسفة القطعة من الشيء، قاله الجوهري، يقال أعطني كسفة من ثوبك والجمع كسف وكسف، أي إسقاطاً مماثلة كما زعمت، يعنون بذلك قول الله سبحانه (إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفاً من السماء). قال أبو علي: الكسف بالسكون الشيء المقطوع كالطحن للمطحون واشتقاقه على ما قال من كسفت الثوب كسفاً إذا قطعته، وقال الزجاج: من كسفت الشيء إذا غطيته كأنه قيل أو تسقطها طبقاً طبقاً علينا (أو تأتي بالله والملائكة قبيلاً) أي حال كونهما مقابلين بفتح الباء ومرئيين لنا فالقبيل بمعنى المقابل كالعشير بمعنى العاشر. اختلف المفسرون في معنى (قبيلاً) فقيل معناه معاينة قاله قتادة وابن جريج واختاره أبو علي الفارسي فقال: إذا حملته على العاينة كان القبيل مصدراً كالنكير والنذير وقيل معناه كفيلاً بما تدعيه قاله الضحاك، وقيل شهيداً قاله مقاتل وقيل هو جمع القبيلة أي تأتي بأصناف الملائكة قبيلة قبيلة قاله مجاهد وعطاء.

стр. 4847

أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (٩٣) وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤) قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا (٩٥) قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (٩٦)

стр. 4848

(أو يكون لك بيت من زخرف) أي من ذهب قاله ابن عباس وبه قرأ ابن مسعود وأصله الزينة والمزخرف المزين وزخارف الماء طرائقه وقال الزجاج: هو الزينة فرجع إلى أصل معنى الزخرف وهو بعيد لأنه يصير المعنى أو يكون لك بيت من زينة. (أو ترقى في السماء) أي حتى تصعد في معارجها والرقي الصعود يقال: رقيت في السلم إذا صعدت من باب تعب وارتقيت مثله ويقال رقي بكسر القاف يرقى بالفتح رقياً على فعول والأصل رقوى وبالكسر في المحسوسات كما هنا وأما في المعاني فهو من باب سعى يقال رقى في الخير والشر، يرقى في الماضي والمضارع، وأما رقى المريض بمعنى عوّذه فهو من باب رمى يقال رقاه يرقيه إذا عوذه وتلا عليه شيئاً من القرآن. (ولن نؤمن لرقيك) أي لأجل رقيك أو به فاللام للتعليل أو بمعنى الباء وهو مصدر نحو مضى يمضي مضياً وهوى يهوي هوياً (حتى تنزل علينا كتاباً) يصدقك ويدل على نبوتك (نقرؤه) جميعاً أو يقرؤه كل واحد منا، وقيل معناه كتاباً من الله إلى كل واحد منا كما في قوله (بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفاً منشرة). قال مجاهد: يعنون كتاباً من رب العالمين إلى فلان بن فلان تصبح عند كل رجل صحيفة عند رأسه موضوعة يقرؤها فأمر سبحانه رسوله صلى الله

стр. 4849

عليه وآله وسلم أن يأتي بما يفيد التعجب من قولهم والتنزيه للرب سبحانه عن اقتراحاتهم القبيحة فقال: (قل) وفي قراءة سبعية قال (سبحان ربي) تعجب عما تقدم أو عن أن يتحكم عليه أو يشاركه أحد في القدرة (هل كنت إلا بشراً) من البشر لا ملكاً حتى أصعد السماء (رسولاً) كسائر الرسل مأموراً من الله سبحانه بإبلاغكم، فهل سمعتم أيها المقترحون لهذه الأمور أن بشراً قدر على شيء منها، وإن أردتم أني أطلب ذلك من الله سبحانه حتى يظهرها على يدي فالرسول إذا أتى بمعجزة واحدة كفاه ذلك لأن بها يتبين صدقه ولا ضرورة إلى طلب الزيادة وأنا عبد مأمور ليس لي أن أتحكم على ربي بما ليس بضروري ولا دعت إليه حاجة، ولو لزمتني الإجابة لكل متعنت لاقترح كل معاند في كل وقت اقتراحات وطلب لنفسه إظهار آيات فتعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً وتنزه عن تعنتاتهم وتقدس عن اقتراحاتهم. وقد أعطى النبي ﷺ من الآيات والمعجزات ما يغني عن هذا كله مثل القرآن وانشقاق القمر ونبع الماء من بين أصابعه وما أشبهها وليست بدون ما اقترحوه، بل أعظم منه ولكن لم يكن قصدهم طلب الدليل بل كانوا متعنتين ثم حكى سبحانه شبهة أخرى قد تكرر في الكتاب العزيز التعرض لإيرادها وردها في غير موضع فقال:

стр. 4850

(وما منع الناس أن يؤمنوا) المراد الناس على العموم، وقيل أهل مكة على الخصوص أي ما منعهم الإيمان بالقرآن ونبوة محمد ﵌ (إذ جاءهم الهدى) أي الوحي من الله سبحانه على رسوله ﷺ وبين ذلك لهم وأرشدهم إليه أي ما منعهم وقت مجيء الهدى أن يؤمنوا بالقرآن والنبوة (إلا أن قالوا) أي ما منعهم إلا قولهم (أبعث الله بشراً رسولاً) الهمزة للإنكار منهم أن يكون الرسول من جنس البشر. والمعنى أن هذا الاعتقاد الشامل لهم هو الذي منعهم عن الإيمان

стр. 4851

بالكتاب وبالرسول وعبر عنه بالقول للإشعار بأنه ليس إلا مجرد قول قالوه بأفواههم. ثم أمر سبحانه رسوله ﷺ أن يجيب عن شبهتهم هذه فقال

стр. 4852

(قل لو كان) أي لو وجد وثبت (في الأرض) بدل من فيها من البشر (ملائكة يمشون) على الأقدام كما يمشي الإنس (مطمئنين) مستقرين فيها ساكنين بها، قال الزجاج مستوطنين في الأرض أي لا يظعنون عنها إلى السماء ومعنى الطمأنينة السكون فالمراد هاهنا المقام والاستيطان فإنه يقال سكن البلد فلان إذا أقام فيها وإن كان ماشياً متقلباً في حاجاته. (لنزلنا عليهم من السماء ملكاً رسولاً) حتى يكون من جنسهم وممكنهم مخاطبته والفهم عنه، وفيه إعلام من الله سبحانه بأن الرسل ينبغي أن يكونوا من جنس المرسل إليهم فكأنه اعتبر في تنزيل الرسول من جنس الملائكة أمرين: الأول: كون سكان الأرض ملائكة. والثاني: كونهم ماشين على الأقدام غير قادرين على الطيران بأجنحتهم إلى السماء إذ لو كانوا قادرين على ذلك لطاروا إليها وسمعوا من أهلها ما يجب معرفته وسماعه فلا تكون في بعثة الملائكة إليهم فائدة. ثم ختم الكلام بما يجري مجرى التهديد فقال

стр. 4853

(قل) لهم يا محمد من جهتك (كفى بالله) وحده (شهيداً) على إبلاغي إليكم ما أمرني به من أمور الرسالة وقال (بيني وبينكم) ولم يقل بيننا تحقيقاً للمفارقة الكلية، وقيل إن إظهار المعجزة على وفق دعوى النبي شهادة من الله له على الصدق ثم علل كونه سبحانه شهيداً كافياً بقوله (إنه كان بعباده خبيراً) أي عالماً بجميع أحوالهم محيطاً بظواهرها وبواطنها (بصيراً) بما كان منها وما يكون وفيه تهديد لهم وتسلية له ﷺ .

стр. 4854

وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا (٩٧) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٩٨) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا (٩٩) ثم بين سبحانه أن الإقرار والإنكار مستندان إلى مشيئته فقال

стр. 4855

(ومن يهد الله) أي من يرد الله هدايته (فهو المهتد) إلى الحق أو إلى كل مطلوب وأفرد الضمير حملاً على لفظ من (ومن يضلل) أي يرد إضلاله (فلن يجد) الخطاب للنبي ﷺ أو لكل من يصلح له (لهم) جمع الضمير حملاً على معنى من (أولياء) ينصرونهم ويهدونهم إلى الحق الذي أضلهم الله عنه أو إلى طريق النجاة (من دونه) أي من دون الله سبحانه. (ونحشرهم يوم القيامة) ماشين (على وجوههم) هذا الحشر فيه وجهان للمفسرين: الأول: أنه عبارة عن الإسراع بهم إلى جهنم من قول العرب قد مر القوم على وجوههم إذا أسرعوا. الثاني: أنهم يسحبون يوم القيامة على وجوههم حقيقة كما يفعل في الدنيا بمن يبالغ في إهانته وتعذيبه، وهذا هو الصحيح لقوله تعالى (يوم يسحبون في النار على وجوههم). ولما صح في السنة فقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أنس قال:

стр. 4856

قيل يا رسول الله كيف يحشر الناس على وجوههم قال: " الذي أمشاهم على أرجلهم قادر أن يمشيهم على وجوههم " (١). وأخرج أبو داود والترمذي وحسنه البيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌ " يحشر الناس يوم القيامة على ثلاثة أصناف: صنف مشاة وصنف ركباناً وصنف على وجوههم "، قيل يا رسول الله كيف يمشون على وجوههم، قال: " إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم أما إنهم يتقون بوجوهم كل حدب وشوك " (٢) والحدب ما ارتفع من الأرض وفي الباب أحاديث. (عمياً وبكماً وصماً) النصب على الحال والأبكم الذي لا ينطق، والأصم الذي لا يسمع أي لا يبصرون ولا ينطقون ولا يسمعون، وهذه هيئة يبعثون عليها في أقبح صورة وأشنع منظر، قد جمع الله لهم بين عمى البصر وعدم النطق وعدم السمع مع كونهم مسحوبين على وجوههم، وقد أثبت الله تعالى لهم الرؤية والكلام والسمع في قوله (ورأى المجرمون النار) وقوله (دعوا هنالك ثبوراً) وقوله (سمعوا لها تغيظاً وزفيراً). فالمعنى هنا عمياً لا يبصرون ما يسرهم بُكماً لا ينطقون بحجة صماً لا يسمعون ما يلذ مسامعهم وقيل هذا حين يقال لهم اخسؤوا فيها ولا تكلمون وقيل يحشرون على ما وصفهم الله ثم تعاد إليهم هذه الأشياء بعد ذلك ثم من وراء ذلك (مأواهم) أي المكان الذي يأوون إليه (جهنم) مستأنفة أو حال من الضمير، قال ابن عباس: يعني أنهم وقودها. (كلما خبت) أي سكن لهبها بأن أكلت جلودهم ولحومهم، يقال خبت النار تخبو خبواً إذا خمدت وسكن لهبها زاد السمين فإذا ضعف جمرها خمدت

стр. 4857

فإذا طفئت بالجملة قيل همدت، وكلاهما من باب قعد، قال ابن قتيبة: معنى (زدناهم سعيراً) تسعراً وهو التلهب والتوقد أي فتعود ملتهبة ومتسعرة فإنهم لما كذبوا بالإعادة بعد الإفناء جزاهم الله بأن لا يزالوا على الإعادة والإفناء. وقد قيل أن في خبو النار تخفيفاً لعذاب أهلها، فكيف يجمع بينه وبين قوله (لا يخفف عنهم العذاب) وأجيب بأن المراد بعدم التخفيف أنه لا يتخلل زمان محسوس بين الخبو والتسعر، وقيل ضعفت وهدأت من غير أن يوجد نقصان في إيلامهم، لأن الله تعالى قال (لا يفتر عنهم) وقيل معناه أرادت أن تخبو، وقيل معناه كلما نضجت جلودهم واحترقت أعيدوا إلى ما كانوا عليه وزيد في سعير النار لتحرقهم.

стр. 4858

(ذلك) العذاب المذكور (جزاؤهم) الذي أوجبه الله لهم واستحقوه عنده (بأنهم كفروا بآياتنا) أي بسبب كفرهم بها فلم يصدقوا بالآيات التنزيلية ولا تفكروا في الآيات التكوينية (وقالوا أئذا كنا عظاماً ورفاتاً) الهمزة للإنكار وقد تقدم تفسير هذه الآية في هذه السورة (أئنا لمبعوثون) أي مخلوقون (خلقاً جديداً) مصدر من غير لفظة أو حال أي مخلوقين مستأنفين فجاء سبحانه بحجة تدفعهم عن الإنكار وتردهم عن الجحود فقال:

стр. 4859

(أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم) أي من هو قادر على خلقها في عظمها وشدتها فهو على إعادة ما هو أدون منه في الصغر والضعف أقدر، وقيل المراد أنه قادر على إفنائهم وإيجاد غيرهم من الإنس قال الكرخي: أراد بمثلهم إياهم فعبر عن خلقهم بلفظ المثل كقول المتكلمين الإعادة مثل الابتداء وذلك أن مثل الشيء مساوٍ له في حاله فجاز أن يعبر عن الشيء نفسه. يقال مثلك لا يفعل كذا أي أنت لا تفعله، أو أنه تعالى قادر على أن

стр. 4860

يخلق عبيداً يوحدون ويقرون بكمال حكمته وقدرته، ويتركون هذه الشبهات الفاسدة وعلى هذا فهو كقوله (يأت بخلق) (ويستبدل قوماً غيركم) وعلى القول الأول يكون الخلق بمعنى الإعادة وعلى هذا القول هو على حقيقته، والمعنى قد علموا بدليل العقل أن من قدر على خلق السماوات والأرض فهو قادر على خلق أمثالهم لأنهم ليسوا بأشد خلقاً منها كما قال أأنتم أشد خلقاً أم السماء. قال الواحدي: والأول أشبه. (وجعل لهم) أي لبعثهم (أجلاً) أي وقتاً محققاً لعذابهم (لا ريب) أي غير مرتاب (فيه) وهو الموت أو القيامة، ويحتمل أن يكون الواو للاستئناف. وقيل في الكلام تقديم وتأخير، أي أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض وجعل لهم أجلاً لا ريب فيه قادر على أن يخلق مثلهم (فأبى الظالمون إلا كفروا) أي أبى المشركون إلا جحوداً للأجل وعناداً مع وضوح الدليل. وفيه وضع الظاهر موضع المضمر للحكم عليهم بالظلم ومجاوزة الحد، ثم لما وقع من هؤلاء الكفار طلب إجراء العيون والأنهار في أراضيهم لتتسع معايشهم بين الله سبحانه أنهم لا يقنعون بل يبقون على بخلهم وشحهم فقال:

стр. 4861

قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا (١٠٠) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا (١٠١) قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا (١٠٢) فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا (١٠٣) وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا (١٠٤)

стр. 4862

(قل) لهم شرحاً لحالهم التي يدعون خلافها (لو أنتم تملكون) تقديره لو تملكون أنتم لأن (لو) تدخل على الأفعال دون الأسماء فلا بد من فعل بعدها، وهذا هو الوجه الذي يقتضيه علم الإعراب، وأما ما يقتضيه علم البيان فهو أن في حذف الفعل الذي ارتفع به أنتم وإبراز الكلام في صورة المبتدأ والخبر دلالة على أنهم هم المختصون بالشح المتبالغ فلا ينافي قوله تعالى (لو أن لهم ما في الأرض جميعاً) الآية. لأن ذلك في الآخرة. (خزائن رحمة ربي) هي خزائن الأرزاق (إذاً لأمسكتم) أي لبخلتم وحبستم في دار الدنيا. قال الزجاج: أعلمهم الله أنهم لو ملكوا خزائن الأرزاق والنعم لأمسكوا شحاً وبخلاً (خشية الإنفاق) أي خشية أن ينفقوا فيفتقروا. قال أهل اللغة: أنفق وأصرم وأعدم وأقتر بمعنى قل ماله، فيكون المعنى لأمسكتم خشية قلة المال وخوف نفاده وذهابه بالإنفاق (وكان الإنسان قتوراً) أي بخيلاً ممسكاً مضيقاً عليه، يقال قتر على عياله يقتر قتراً وقتوراً ضيق عليهم من النفقة. وقيل معنى قتوراً قليل المال، والظاهر أن المراد المبالغة في وصفه بالشح

стр. 4863

لأن الإنسان ليس بقليل المال على العموم بل بعضهم كثير المال إلا أن يراد أن جميع النوع الإنساني قليل المال بالنسبة إلى خزائن الله وما عنده، وقد اختلف في هذه الآية على قولين: أحدهما: أنها نزلت في المشركين خاصة وبه قال الحسن. والثاني: إنها عامة، وهو قول الجمهور وحكاه الماوردي.

стр. 4864

(ولقد آتينا موسى تسع آيات بيِّنات) أي علامات واضحات دالة على نبوته، قيل ووجه اتصال هذه الآية بما قبلها أن المعجزات المذكورة كأنها مساوية لتلك الأمور التي اقترحها كفار قريش بل أقوى منها فليس عدم الاستجابة لما طلبوه من الآيات إلا لعدم المصلحة في استئصالهم إن لم يؤمنوا بها. قال أكثر المفسرين: الآيات التسع هي الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والعصار واليد والسنين ونقص الثمرات، وجعل الحسن مكان السنين ونقص الثمرات البحر والجبل. وقال محمد بن كعب القرظي: هي الخمس التي في الأعراف والبحر والعصا والحجر والطمس على أموالهم، وقد تقدم الكلام على هذه الآيات مستوفى. وعن ابن عباس: في تسع آيات مثل ما ذكرناه عن أكثر المفسرين، وعنه قال: يده وعصاه ولسانه والبحر والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم. وعن صفوان بن عسال: أن يهوديين قال أحدهما لصاحبه انطلق بنا إلى هذا النبي نسأله، فأتياه فسألاه عن هذه الآية فقال: " لا تشركوا بالله شيئاً ولا تزنوا ولا تسرقوا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا تسرقوا ولا تسحروا ولا تمشوا ببريء إلى السلطان فيقتله، ولا تأكلوا الربا ولا تقذفوا

стр. 4865

محصنة، أو قال: لا تفروا من الزحف ". شك شعبة وعليكم يا يهود خاصة أن لا تعتدوا في السبت، فقبلا يديه ورجليه وقالا نشهد إنك نبي الله. قال " فما يمنعكما أن تسلما؟ قالا: إن داود دعا الله أن لا يزال في ذريته نبي، وإنا نخاف إن أسلمنا تقتلنا اليهود " (١) أخرجه أحمد والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجة والطبراني وابن قانع والبيهقي وغيرهم. وعلى هذا المراد بالآيات الأحكام العامة الثابتة في كل الشرائع، سميت بذلك لأنها تدل على حال من يتعاطى متعلقاتها في الآخرة من السعادة والشقاوة، وقوله عليكم يا يهود الخ كلام مستأنف زائد على الجواب، ولذلك غير فيه سياق الكلام (فاسأل) يا محمد ﷺ (بني إسرائيل إذ جاءهم) أي حين جاءهم موسى، وقرئ فسأل أي سأل موسى فرعون أن يخلي بني إسرائيل ويطلق سبيلهم ويرسلهم معه، وعلى الأول السؤال سؤال استشهاد لزيد الطمأنينة والإيقان لأن الأدلة إذا تظافرت كان ذلك أقوى، والمسؤولون مؤمنو بني إسرائيل كعبد الله بن سلام وأصحابه. (فقال له فرعون) الفاء هي الفصيحة أي فأظهر موسى عند فرعون ما آتيناه من الآيات البيِّنات وبلغه ما أرسل به فقال له فرعون (إني لأظنك يا موسى مسحوراً) المسحور هو الذي سحر فخولط عقله. وقيل هو المخدوع، وقيل هو المطبوب. وقال أبو عبيدة والفراء: هو بمعنى الساحر فوضع المفعول موضع الفاعل

стр. 4866

(قال) موسى (لقد علمت) يا فرعون (ما أنزل) أي أوجد (هؤلاء) يعني الآيات التسع التي أظهرها؛ وقرئ علمت بضم التاء أيضاً على أنها لموسى، ووجه الأولى أن فرعون كان عالماً بذلك كما قال (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً). قال أبو عبيدة: المأخوذ به عندنا فتح التاء وهو الأصح للمعنى، لأن

стр. 4867

موسى لا يقول علمت أنا وهو الداعي. وروي نحو هذا عن الزجاج، ووجه الثانية أن فرعون لم يعلم ذلك وإنما علمه موسى. (إلا رب السماوات والأرض بصائر) أي بيِّنات يبصر بها ودلالات يستدل بها على قدرته ووحدانيته (وإني لأظنك يا فرعون مثبوراً) الظن هنا بمعنى اليقين والثبور الهلاك والخسران أي مخسوراً؛ وقيل مسحوراً وقيل مطبوعاً على الشر وقيل المثبور الملعون؛ وقيل ناقص العقل، وقيل هو الممنوع المصروف من الخير يقال ما ثبرك عن كذا أي ما منعك منه. حكاه أهل اللغة.

стр. 4868

(فأراد) فرعون (أن يستفزهم من الأرض) أي يخرج بني إسرائيل وموسى ويزعجهم من أرض مصر بإبعادهم عنها. وقيل أراد أن يقتلهم ويستأصلهم وعلى هذا يراد بالأرض مطلق الأرض، وفي القاموس فز عنى، عدل، وفز فلاناً عن موضعه أزعجه واستفزه استخفه وأخرجه من داره وأفززته أفزعته (فأغرقناه ومن معه جميعاً) أي فعكسنا عليه فكره فوقع عليه وعليهم الهلاك بالغرق ولم يبق منهم أحد ونجى موسى وقومه.

стр. 4869

(وقلنا من بعده) أي من بعد إغراقه ومن معه جميعاً (لبني إسرائيل اسكنوا الأرض) أي أرض الشام ومصر التي أراد أن يستفزهم منها (فإذا جاء وعد) الدار (الآخرة) هي القيامة أو الكرّة الآخرة أو الساعة الآخرة وهي النفخة الثانية الموعود بها، وقيل أراد بوعد الآخرة نزول عيسى من السماء (جئنا بكم لفيفاً) أي جميعاً إلى موقف القيامة. قال الجوهري: اللفيف ما اجتمع من الناس من قبائل شتى، يقال جاء القوم بلفهم ولفيفهم، أي بأخلاطهم، فالمراد هنا جئنا بكم من قبوركم مختلطين من كل موضع قد اختلط المؤمن بالكافر والسعيد بالشقي، قال الأصمعي: اللفيف جمع وليس له واحد وهو مثل الجمع.

стр. 4870

وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (١٠٥) وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (١٠٦) قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (١٠٩) قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١١٠) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١)
следующие страницы →