(قال) موسى (لقد علمت) يا فرعون (ما أنزل) أي أوجد (هؤلاء) يعني الآيات التسع التي أظهرها؛ وقرئ علمت بضم التاء أيضاً على أنها لموسى، ووجه الأولى أن فرعون كان عالماً بذلك كما قال (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً).
قال أبو عبيدة: المأخوذ به عندنا فتح التاء وهو الأصح للمعنى، لأن
стр. 4867
موسى لا يقول علمت أنا وهو الداعي. وروي نحو هذا عن الزجاج، ووجه الثانية أن فرعون لم يعلم ذلك وإنما علمه موسى.
(إلا رب السماوات والأرض بصائر) أي بيِّنات يبصر بها ودلالات يستدل بها على قدرته ووحدانيته (وإني لأظنك يا فرعون مثبوراً) الظن هنا بمعنى اليقين والثبور الهلاك والخسران أي مخسوراً؛ وقيل مسحوراً وقيل مطبوعاً على الشر وقيل المثبور الملعون؛ وقيل ناقص العقل، وقيل هو الممنوع المصروف من الخير يقال ما ثبرك عن كذا أي ما منعك منه. حكاه أهل اللغة.
стр. 4868
(فأراد) فرعون (أن يستفزهم من الأرض) أي يخرج بني إسرائيل وموسى ويزعجهم من أرض مصر بإبعادهم عنها. وقيل أراد أن يقتلهم ويستأصلهم وعلى هذا يراد بالأرض مطلق الأرض، وفي القاموس فز عنى، عدل، وفز فلاناً عن موضعه أزعجه واستفزه استخفه وأخرجه من داره وأفززته أفزعته (فأغرقناه ومن معه جميعاً) أي فعكسنا عليه فكره فوقع عليه وعليهم الهلاك بالغرق ولم يبق منهم أحد ونجى موسى وقومه.
стр. 4869
(وقلنا من بعده) أي من بعد إغراقه ومن معه جميعاً (لبني إسرائيل اسكنوا الأرض) أي أرض الشام ومصر التي أراد أن يستفزهم منها (فإذا جاء وعد) الدار (الآخرة) هي القيامة أو الكرّة الآخرة أو الساعة الآخرة وهي النفخة الثانية الموعود بها، وقيل أراد بوعد الآخرة نزول عيسى من السماء (جئنا بكم لفيفاً) أي جميعاً إلى موقف القيامة.
قال الجوهري: اللفيف ما اجتمع من الناس من قبائل شتى، يقال جاء القوم بلفهم ولفيفهم، أي بأخلاطهم، فالمراد هنا جئنا بكم من قبوركم مختلطين من كل موضع قد اختلط المؤمن بالكافر والسعيد بالشقي، قال الأصمعي: اللفيف جمع وليس له واحد وهو مثل الجمع.
(وبالحق أنزلناه وبالحق نزل) الضمير يرجع إلى القرآن، والمعنى وأوحيناه متلبساً بالحق وأنه نزل وفيه الحق، وقيل المعنى ومع الحق أنزلناه، كقولهم ركب الأمير بسيفه أي مع سيفه؛ وبالحق نزل أي بمحمد ﷺ ؛ كما تقول نزلت بزيد. وقال أبو علي الفارسي: الباء في الموضعين بمعنى مع.
وقيل المعنى وبالحق قدرنا أن ينزل وكذلك نزل، أو ما أنزلناه من السماء إلا محفوظاً بالرصد من الملائكة وما نزل على الرسول ﷺ إلا محفوظاً من تخليط الشياطين والتقديم في الموضعين للتخصيص. وفي الشهاب الحق فيهما ضد الباطل، لكن المراد بالأول الحكمة الإلهية المقتضية لإنزاله وبالثاني ما يشتمل عليه من العقائد والأحكام ونحوها.
(وما أرسلناك إلا مبشراً) لمن أطاع بالجنة (ونذيراً) مخوفاً لمن عصى بالنار والقصر إضافي أي لا هادياً فإن الهدى هدى الله.
стр. 4872
(وقرآناً) منصوب بفعل مقدر أي وأتيناك قرآناً، وقيل نصب بفعل مضمر يفسره قوله (فرقناه) بالتخفيف على قراءة الجمهور، أي بيناه وأوضحناه أو فرقنا فيه بين الحق والباطل.
стр. 4873
وقال الزجاج: فرقه الله في التنزيل ليفهمه الناس. قال أبو عبيدة: التخفيف أعجب إليّ لأن تفسيره بيّناه، وليس للتشديد معنى إلا أنه نزل متفرقاً، ويؤيده ما رواه ثعلب عن ابن الأعرابي أنه قال: فرقت مخففاً بين الكلام وفرقت مشدداً بين الأجسام.
وعن ابن عباس فرقناه مثقلاً وقال: نزل القرآن إلى السماء في ليلة القدر من رمضان جملة واحدة فكان المشركون إذا أحدثوا شيئاً أحدث الله لهم جواباً ففرقه الله في ثلاث وعشرين سنة. وقد روى نحو هذا عنه بطرق، وعن فرقناه فصلناه على مكث بأمد. قال؛ في الجمل وبالتشديد قرأ على وجماعة من الصحابة وغيرهم وفيه وجهان: أحدهما: أن التضعيف للتكثير، أي فرقنا آياته بين أمر ونهي وحكم وأحكام ومواعظ وأمثال وقصص وأخبار ماضية ومستقبلة. والثاني: أنه دال على التفريق والتنجيم. انتهى.
ثم ذكر سبحانه العلة لقوله فرقناه فقال (لتقرأه على الناس على مكث) أي على تطاول في المدة شيئاً بعد شيء على القراءة الثانية أو أنزلناه آية آية وسورة سورة، ومعناه على القراءة الأولى على ترسل وتمهل وتؤدة في التلاوة؛ فإن ذلك أقرب إلى الفهم وأسهل للحفظ، وقد اتفق القراء على ضم الميم في مكث إلا ابن محيصن فإنه قرأ بفتح الميم.
(ونزلناه تنزيلاً) التأكيد بالمصدر للمبالغة والمعنى أنزلناه منجماً مفرقاً في ثلاث وعشرين سنة على حسب الحوادث لما في ذلك من المصلحة، ولو أخذوا بجميع الفرائض في وقت واحد لنفروا ولم يطيقوا.
стр. 4874
(قل) يا محمد للكافرين المقترحين للآيات (آمنوا به) أي بالقرآن (أو لا تؤمنوا) فسواء إيمانكم به وامتناعكم عنه لا يزيده ذلك كمالاً ولا ينقصه نقصاناً، وفى هذا وعيد شديد لأمره ﷺ بالإعراض عنهم واحتقارهم، ثم علل ذلك بقوله (إن الذين أوتوا العلم من قبله) أي أن العلماء الذين قرأوا الكتب السابقة قبل إنزال القرآن وعرفوا حقيقة الوحي
стр. 4875
وإمارات النبوة وتمكنوا من التمييز بين المحق والمبطل ورأوا نعتك وصفة ما أنزل إليك في تلك الكتب كزيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل وعبد الله بن سلام وسلمان الفارسي وأبي ذر.
وقيل الضمير في قوله من قبله راجع إلى النبي ﷺ والأولى ما ذكرناه من رجوعه إلى القرآن لدلالة السياق على ذلك.
(إذا يتلى عليهم) القرآن (يخرون للأذقان سجداً) أي يسقطون على وجوههم ساجدين لله سبحانه، وإنما قيد الخرور وهو السقوط بكونه للأذقان أي عليها لأن الذقن وهو مجتمع اللحيين أول ما يحاذي الأرض، قال الزجاج: لأن الذقن مجتمع اللحيين، وكما يبتدئ الإنسان بالخرور للسجود فأول ما يحاذي الأرض به من وجهه الذقن.
وقيل المراد تعفير اللحية بالتراب فإن ذلك غاية الخضوع وإيثار اللام في للأذقان على (على) للدلالة على الاختصاص فكأنهم خصوا أذقانهم بالخرور. وفي هذا تسلية لرسول الله ﷺ وحاصلها أنه إن لم يؤمن به هؤلاء الجهال الذين لا علم عندهم ولا معرفة بكتب الله ولا بأنبيائه فلا تبال بذلك فقد آمن به أهل العلم وخشعوا له وخضعوا له عند تلاوته عليهم خضوعاً ظهر أثره البالغ بكونهم يخرون على أذقانهم سجداً لله.
стр. 4876
(ويقولون) في سجودهم (سبحان ربنا) أي تنزيهاً لربنا عما يقوله الجاهلون من التكذيب أو تنزيهاً له عن خلف وعده (إن كان وعد ربنا لمفعولاً) إن هذه هي المخففة من الثقيلة واللام هي الفارقة
стр. 4877
(ويخرون للأذقان يبكون) كرر ذلك الخرور للأذقان لاختلاف السبب فإن الأول لتعظيم الله سبحانه وتنزيهه وللسجود والثاني للبكاء بتأثير مواعظ القرآن في قلوبهم ومزيد خشوعهم ولهذا قال (ويزيدهم) أي سماع القرآن أو القرآن بسماعهم له أو البكاء أو السجود أو المتلو لدلالة قوله إذا يتلى (خشوعاً) أي لين قلب ورطوبة عين فالبكاء مستحب عند قراءة القرآن.
стр. 4878
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌ " لا يلج النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع ولا يجتمع على عبد غبار في سبيل الله ودخان جهنم " أخرجه الترمذي والنسائي (١).
وعن ابن عباس قال سمعت رسول الله ﷺ يقول " عينان لا تمسهما النار عين بكت من خشية الله وعين باتت تحرس في سبيل الله " أخرجه الترمذي (٢).
ثم أراد سبحانه أن يعلم عباده كيفية الدعاء والخشوع فقال
стр. 4879
(قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن) ومعناه أنهما مستويان في جواز الإطلاق وحسن الدعاء بهما ولهذا قال (أياً ما تدعوا) أصل الكلام أيا ما تدعوا فهو حسن فوضع موضعه قوله (فله الأسماء الحسنى) للمبالغة وللدلالة على أنه إذا حسنت أسماؤه كلها حسن هذان الاسمان، ومعنى حسن الأسماء استقلالها بنعوت الجلال والإكرام ذكر معنى هذا النيسابوري وتبعه أبو السعود.
قال الزجاج: أعلمهم الله أن دعاءهم الله ودعاءهم الرحمن يرجعان إلى قول واحد وسيأتي ذكر سبب نزول الآية وبه يتضح المراد منها، والحسنى مؤنث الأحسن الذي هو أفعل تفضيل لا مؤنث أحسن المقابل لامرأة حسناء كما في القاموس، عن ابن عباس قال: صلى رسول الله ﵌ بمكة ذات يوم فقال في دعائه: " يا الله يا رحمن " فقال المشركون: انظروا إلى هذا الصابئ ينهانا أن ندعو إلهين وهو يدعو إلهين فأنزل الله هذه الآية.
وعن إبراهيم النخعي قال: أن اليهود سألوا رسول الله ﷺ عن الرحمن وكان لهم كاهن باليمامة يسمون الرحمن فنزلت الآية وهو مرسل وعن مكحول أن النبي ﷺ كان يتهجد بمكة ذات ليلة
стр. 4880
يقول في سجوده: يا رحمن يا رحيم فسمعه رجل من المشركين فلما أصبح قال لأصحابه: أن ابن أبي كبشة يدعو الرحمن الذي باليمن وكان رجل باليمن يقال له رحمن فنزلت.
ثم ذكر كيفية أخرى للدعاء فقال (ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها) أي بقراءة صلاتك على حذف المضاف للعلم بأن الجهر والمخافتة من نعوت الصوت لا من نعوت أفعال الصلاة فهو من إطلاق الكل وإرادة الجزء يقال خفت صوته خفوتاً إذا انقطع كلامه وضعف وسكن وخفت الزرع إذا ذبل وخافت الرجل بقراءته إذا لم يرفع بها صوته.
وقيل معناه لا تجهر بصلاتك كلها ولا تخافت بها كلها والأول أولى، أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عباس قال: نزلت يعني هذه الآية ورسول الله ﷺ متوار فكان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن فإذا سمع ذلك المشركون سبوا القرآن ومن أنزله ومن جاء به فقال الله لنبيه ﷺ (ولا تجهر بصلاتك) أي بقراءتك فيسمع المشركون فيسبوا القرآن (ولا تخافت بها) عن أصحابك فلا تسمعهم القرآن حتى يأخذوا عنك الحديث (١).
وعن محمد بن سيرين قال: نبئت أن أبا بكر كان إذا قرأ خفض وكان عمر إذا قرأ جهر فقيل لأبي بكر لمَ تصنع هذا فقال: أنا أناجي ربي وقد عرف حاجتي وقيل لعمر لمَ تصنع هذا قال: أطرد الشيطان وأوقظ الوسنان فلما نزل (ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت) قيل لأبي بكر أرفع شيئاً، وقيل لعمر اخفض شيئاً، وأخرج البخاري ومسلم عن عائشة قالت: إنما نزلت هذه الآية في الدعاء وعنها أنها نزلت في التشهد.
(وابتغ بين ذلك) أي الجهر والمخافتة المدلول عليهما بالفعلين (سبيلاً)
стр. 4881
أي طريقاً متوسطاً بين الأمرين فلا تكن مجاهراً ولا مخافتاً بها وعلى التفسير الثاني يكون معنى ذلك النهي عن الجهر بقراءة الصلوات كلها والنهي عن المخافتة بقراءة الصلوات كلها والأمر بجعل بعض منها مجهوراً به وهو صلاة الليل والمخافتة بصلاة النهار وذهب قوم إلى أن هذه الآية منسوخة بقوله (ادعوا ربكم تضرعاً وخفية).
ولما أمر أن لا يذكر ولا ينادي إلا بالأسماء الحسنى نبه على كيفية الحمد فقال
стр. 4882
(وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً) كما يقوله اليهود والنصارى ومن قال من المشركين أن الملائكة بنات الله تعالى عن ذلك علواً كبيراً (ولم يكن له شريك في الملك) أي مشارك له في ملكه وألوهيته وربوبيته كما تزعمه الثنوية ونحوهم من الفرق القائلين بتعدد الآلهة (ولم يكن له ولي من الذل) أي لم يحتج إلى موالاة أحد لذل يلحقه فهو مستغن عن الولي والنصير.
قال الزجاج: أي لم يحتج أن ينتصر بغيره وفي التعرض في أثناء الحمد لهذه الصفات الجليلة إيذان بإن المستحق للحمد من له هذه الصفات لأنه القادر على الإيجاد وإفاضة النعم لكون الولد مجبنة مبخلة، ولأنه أيضًا يستلزم حدوث الأب لأنه متولد من جزء من أجزائه والمحدث غير قادر على كمال الأنعام.
والشركة في الملك إنما يتصور لمن لا يقدر على الاستقلال به ومن لا يقدر على الاستقلال عاجز فضلاً عن تمام ما هو فضلاً عن نظام ما هو عليه وأيضاً الشركة موجبة للتنازع بين الشريكين وقد يمنعه الشريك من إفاضة الخير إلى أوليائه ويؤديه إلى الفساد كما قال تعالى (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) والمحتاج إلى ولي يمنعه من الذل وينصره على من أراد إذلاله ضعيف لا يقدر على ما يقدر عليه من هو مستغنٍ بنفسه.
(وكبره تكبيراً) أي وعظمه تعظيماً تاماً وصفه بأنه أعظم من كل شيء
стр. 4883
وعن قتادة قال: ذكر لنا أن رسول الله ﵌ كان يعلم أهله هذه الآية الحمد لله ... الخ الصغير من أهله والكبير أخرجه ابن جرير، وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن عبد الكريم بن أبي أمية قال: كان رسول الله ﷺ يعلم الغلام من بني هاشم إذا أفصح سبع مرات الحمد لله إلى آخر السورة وروى الإمام أحمد في مسنده عن معاذ الجهني عن رسول الله ﷺ أنه كان يقول آية العز الحمد لله الذي الخ.
стр. 4884
خاتمة الجزء السابع
تم بعون الله الجزء السابع من كتاب فتح البيان في مقاصد القرآن ويليه الجزء الثامن وأوله تفسير سورة الكهف:
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١)
стр. 4885
فتحُ البيان في مقاصد القرآن
تفسِير سَلفي أثري خالٍ منَ الإِسرَائيليّاتِ والجَدليَّاتِ المذهبية والكلامية يغني عَن جميع التفاسِير وَلا تغني جميعُهَا عَنه
تأليف: السيد الإمام العلامة الملك المؤيد من الله الباري آبي الطيب صديق بن حسن بن علي الحسين القنوجي النجاري ١٢٤٨ - ١٣٠٧ هـ
عني بطبعهِ وقدّم له وراجعه: خادم العلم عَبد الله بن إبراهيم الأنصَاري
الجزء الثامن
المَكتبة العصريَّة
صَيدَا - بَيروت
стр. 4886
جَمِيع الحُقُوق محفُوظَة
١٤١٢ هـ - ١٩٩٢ م
شركة أبناء شريف الأنصاري للطباعة والنشر والتوزيع
المَكتبة العصريَّة للطبَاعة والنّشْر
الدار النموذجية ــ المكتبة العصرية
بَيروت - صَ. ب ٨٣٥٥ - تلكس LE ٢٠٤٣٧ SCS
صَيدَا - صَ. ب ٢٢١ - تلكس LE ٢٩١٩٨
стр. 4887
فتح البيان في مقاصد القرآن
стр. 4888
الجزء الثامن
ويشتمل على تفسير
- سورة الكهف
- سورة مريم
- سورة طه
- سورة الأنبياء
стр. 4889
سورة الكهف
مائة وإحدى عشرة آية
قال القرطبي: وهي مكية في قول جميع المفسرين، وبه قال ابن عباس وابن الزبير وروي عن فرقة أن أول السورة نزل بالمدينة إلى قوله جرزا والأول أصح وقد ورد في فضلها أحاديث منها ما أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ قال: " من حفظ عشر آيات من سورة الكهف عصم من فتنة الدجال " (١).
وأخرج مسلم والبخاري وغيرهما عن البراء قال: قرأ رجل سورة الكهف وفي الدار دابة فجعلت تنفر فنظر فإذا ضبابة أو سحابة قد غشيته فذكر ذلك للنبي ﵌ فقال: " اقرأ فلان فإن السكينة نزلت للقرآن " (٢) وهذا الذي كان يقرأ هو أسيد بن حضير كما بينه الطبراني، وفي قراءة العشر الآيات من أولها أو من آخرها أحاديث.
وأخرج الطبراني في الأوسط والحاكم وصححه والبيهقي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ " من قرأ سورة الكهف كانت له نورًا من مقامه إلى مكة ومن قرأ عشر آيات من آخرها ثم خرج الدجال لم يضره " (٣).
وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ " من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة سطع له نور من تحت قدمه إلى عنان السماء يضيء له يوم القيامة وغفر له ما بين الجمعتين ".
стр. 4890
وعن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : " ألا أخبركم بسورة ملأ عظمتها ما بين السماء والأرض ولكاتبها من الأجر مثل ذلك ومن قرأها يوم الجمعة غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وزيادة ثلاثة أيام ومن قرأ الخمس الأواخر منها عند نومه بعثه الله من أي الليل شاء قالوا: بلى يا رسول الله قال: سورة أصحاب الكهف " أخرجه ابن مردويه (١).
وأخرج أيضاً عن عبد الله بن مغفل قال: قال رسول الله ﷺ " البيت الذي تقرأ فيه سورة الكهف لا يدخله شيطان تلك الليلة " وفي الباب أحاديث وآثار وفيما أوردناه كفاية مغنية.
(الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب) هل المراد الإعلام بذلك للإيمان به وتكون الجملة خبرية لفظاً ومعنى أو الثناء به، أي إنشاء الثناء بثبوت الحمد لله وتكون الجملة إنشائية لفظاً ومعنى، بمعنى أنها نقلت في العرف للإنشاء أو الإعلام والثناء كلاهما، والجملة مستعملة في الخبر والإنشاء على طريق الجمع بين الحقيقة والمجاز، احتمالات أفيدها الثالث.
وقال الشوكاني ﵀: علم عباده كيف يحمدونه على إفاضة نعمه عليهم، ووصفه بالموصول يشعر بعلية ما هو في حيز الصلة لما قبله، ووجه كون إنزال الكتاب وهو القرآن نعمة على رسول الله ﷺ لكونه اطلع بواسطته على أسرار التوحيد وأحوال الملائكة والأنبياء وعلى كيفية الأحكام الشرعية التي تعبده الله وتعبد أمته بها؛ وكذلك العباد كان إنزال الكتاب على نبيهم نعمة لهم لمثل ما ذكرناه في النبي ﷺ .
(ولم يجعل له) أي فيه (عوجاً) أي شيئاً من العوج بنوع من أنواع الاختلال في اللفظ والمعنى، والعوج بالكسر في المعاني، أي فيما لا يدرك بالبصر بل بالبصيرة، وبالفتح في الأعيان أي فيما يدرك به، كذا قيل، ويرد عليه قوله سبحانه (لا ترى فيها عوجاً ولا أَمْتاًْ) يعني الجبال وهي من الأعيان. قال الزجاج: المعنى لم يجعل فيه اختلافاً كما قال: (ولو كان من عند غير
стр. 4893
الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً) والمراد نفي الاختلاف والتناقض عن معانيه؛ وقيل لم يجعله مخلوقاً، والجملة معطوفة على الصلة قبلها أو اعتراضية أو حالية.
стр. 4894
(قيماً) القيم المستقيم الذي لا ميل ولا إفراط فيه ولا تفريط، أو القيم بمصالح العباد الدينية والدنيوية، أو القيم على ما قبله من الكتب السماوية مهيمناً عليها يشهد بصحتها، وعلى الأول يكون تأكيداً لما دل عليه نفي العوج، فرُب مستقيم في الظاهر لا يخلو عن أدنى عوج في الحقيقة، أي جعله قيماً عدلاً، قيل في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير أنزل على عبده الكتاب قيماً ولم يجعل له عوجاً.
ثم فصل سبحانه ما أجمل في قوله [قَيِّماً] فقال (لينذر) وحذف المنذر للعلم به مع قصد التعميم، والمعنى لينذر الكافرين (بأساً) أي عذاباً (شديداً من لدنه) أي صادراً من عنده نازلاً من لدنه (ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات) قرئ يبشر مشدداً ومخففاً وأجري الموصول على موصوفه المذكور لأن مدار قبول الأعمال هو الإيمان.
(أن لهم أجراً حسناً) هو الجنة قاله السدي حال كونهم
стр. 4895
(ماكثين فيه) أي في ذلك الأجر (أبداً) أي مكثاً دائماً لا انقطاع له، وتقديم الإنذار على التبشير لإظهار كمال العناية بزجر الكفار.
ثم كرر الإنذار وذكر المنذر بخصوصه وحذف المنذر به وهو البأس الشديد لتقدم ذكره فقال
стр. 4896
(وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولداً) وهم اليهود والنصارى. قال السدي وبعض كفار قريش القائلين بأن الملائكة بنات الله، فذكر سبحانه أولاً قضية كلية وهي إنذار عموم الكفار، ثم عطف عليها قضية خاصة هي بعض جزئيات تلك الكلية تنبيهاً على كونها أعظم جزئياتها، فأفاد ذلك أن نسبة الولد إلى الله سبحانه أقبح أنواع الكفر.
(ما لهم به) أي بالولد واتخاذ الله إياه (من علم) ومن مزيدة لتأكيد النفي والجملة مستأنفة، والمعنى ما لهم بذلك علم أصلاً، وانتفاء العلم بالشيء إما للجهل بالطريق الموصل إليه أو لأنه في نفسه محال لا يستقيم تعلق العلم به (ولا لآبائهم) أي ولا لأحد من أسلافهم علم بذلك، بل كانوا في زعمهم هذا على ضلالة وقلدهم أبناؤهم فضلوا جميعاً، وهذا مبالغة في كون تلك المقالة فاسدة باطلة.
(كبرت كلمة) قال الفراء: كبرت تلك الكلمة كلمة. وقال الزجاج: كبرت مقالتهم كلمة، والمراد بهذه الكلمة هي قولهم اتخذ الله ولداً، ومعنى الكلام على التعجب أي ما أكبرها كلمة، ثم وصف الكلمة بقوله (تخرج من أفواههم) وفائدة هذا الوصف استعظام اجترائهم على التفوه بها، وكثيراً ما يوسوس الشيطان في قلوب الناس من المنكرات ما لا يتمالكون أن يتفوهوا به، بل يكظمون عليه فكيف بمثل هذا المنكر.
والخارج من الفم وإن كان مجرد الهواء لكن لما كانت الحروف والأصوات كيفيات قائمة بالهواء أسند إلى الحال ما هو من شأن المحل أو المعنى هذا الذي
стр. 4899
يقولونه لا تحكم به عقولهم وفكرهم البتة لكونه في غاية الفساد والبطلان، فكأنه يجري على لسانهم على سبيل التقليد.
ثم زاد في تقبيح ما وقع منهم فقال (إن) أي ما (يقولون إلا) قولاً (كذباً) لا مجال للصدق فيه بحال. ثم سلى رسول الله ﷺ بقوله
стр. 4900
(فلعلك باخع نفسك) قال الأخفش والفراء: البَخْع الجهد، وقال الكسائي: بخعت الأرض بالزراعة إذا جعلتها ضعيفة بسبب متابعة الحراثة، وبخع الرجل نفسه إذا أنهكها وقال أبو عبيدة: معناه مهلك نفسك أو مضعفها أو مهلكها، والمقصود من هذا الترجي النهي، أي لا تبخع نفسك من أجل غمك على عدم إيمانهم، أي لا تغتم لئلا تهلك نفسك.
وفي السمين ولعل قيل للإشفاق على بابها وقيل للاستفهام وهو رأي الكوفيين، وقيل للنهي (على آثارهم) أي على فراقهم من بعد توليهم عنك وإعراضهم أو هلاكهم (إن لم يؤمنوا بهذا الحديث) أي القرآن (أسفاً) أي غيظًا وحزناً. قاله قتادة. وقال مجاهد: جزعاً ونصبه على المفعول له وجواب إن محذوف دل عليه الترجي تقديره فلا تحزن، وهذا عند الجمهور وعند غيرهم هو جواب متقدم.
عن ابن عباس قال: اجتمع عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبو جهل والنضر بن الحرث وأمية بن خلف والعاص بن وائل والأسود بن عبد المطلب وأبو البختري في نفر من قريش وكان رسول الله ﷺ قد كبر عليه ما يرى من خلاف قومه إياه وإنكارهم ما جاء من النصيحة فأحزنه حزناً شديداً فأنزل الله سبحانه (فلعلك باخع نفسك). الآية.
стр. 4901
(إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها) هذه الجملة تعليل للنهي المقصود من الترجي والقصد منه تسلية له ﷺ وتسكين أسفه وغيظه
стр. 4902
على عدم إيمانهم لأنه مختبر لأعمال العباد مجازيهم، فكأنه يقول له ﷺ لا تحزن فإني منتقم منهم لك، وقيل استئناف.
والمعنى إنا جعلنا ما عليها مما يصلح أن يكون زينة لها ولأهلها من الحيوانات والنبات والشجر والأنهار والجماد وغير ذلك من النعم كالذهب والفضة والمعادن كقوله سبحانه (هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً) قال ابن عباس: يعني الرجال والعلماء زينة الأرض، وعن سعيد بن جبير مثله، وقال الحسن: هم الرجال العباد العمال لله بالطاعة.
(لنبلوهم أيهم أحسن عملاً) اللام للغرض أو العاقبة، والمراد بالابتلاء أنه سبحانه يعاملهم معاملة لو كانت تلك المعاملة من غيره لكانت من قبيل الابتلاء والامتحان، قال الزجاج: أيهم رفع بالابتداء إلا أن لفظه لفظ الاستفهام والمعنى لنمتحنن أهذا أحسن عملاً أم ذلك، قال الحسن: أيهم أزهد وأشد للدنيا تركاً، ومثله عن الثوري وقال مقاتل: أيهم أصلح فيما أوتي من المال، وقال قتادة: أيهم أتم عقلاً.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم في التاريخ وابن مردويه عن ابن عمر قال: تلا رسول الله ﷺ هذه الآية فقلت: ما معنى ذلك يا رسول الله قال: " ليبلوكم أيكم أحسن عقلاً وأورع عن محارم الله وأسرعكم في طاعة الله "
ثم أعلم سبحانه أنه مبيد لذلك كله ومفنيه فقال
стр. 4903
(وإنا لجاعلون) أي مصيرون (ما عليها) من هذه الزينة عند تناهي عمر الدنيا (صعيداً) تراباً قال أبو عبيدة: الصعيد المستوي من الأرض، وقال الزجاج: هو الطريق الذي لا نبات فيه بعد أن كانت خضراء معشبة أي أرضاً ملساء، وقيل فُتَاتاً
стр. 4904
وهو الذي يضمحل بالريح لا اليابس الذي يرسب، ونظيره (كل من عليها فان) وقوله (فيذرها قاعاً صفصفاً لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً).
والمعنى أنه لا بد من المجازاة بعد إفناء ما على الأرض، وتخصيص الإهلاك بما على الأرض يوهم بقاء الأرض إلا أن سائر الآيات دلت أيضاً على أن الأرض لا تبقى وهو قوله (يوم تبدل الأرض غير الأرض) قال قتادة: الصعيد الجبال التي ليس فيها زرع.
(جرزاً) يابسًا قال الفراء: الجرز الأرض التي لا نبات فيها من قولهم امرأة جَرُوز إذا كانت أكولاً، وسيف جُراز إذا كان مستأصلاً وجرز الجراد والشاة والإبل الأرض إذا أكلت ما عليها، ويقال سنة جُرُز وسنونُ أَجْرَاز لا مطر فيها وأرض جُرُز وأرضون أَجْرَاز لا نبات بها، وجرزاً نعت " لصعيداً " فكأنه مجاز علاقته المجاورة.
وعن الحسن الجرز الخراب، أي نعيدها بعد عمارتها خراباً بإماتة الحيوان وتجفيف النبات والأشجار وغير ذلك. ومعنى النظم القرآني لا تحزن يا محمد بما وقع من هؤلاء من التكذيب فإنا قد جعلنا ما على الأرض زينة لاختبار أعمالهم وإنا لمذهبون ذلك عند انقضاء عمر الدنيا فمجازونهم إن خيراً فخير وإن شراً فشر.
стр. 4905
(أم حسبت) أي بل أحسبت أو بل حسبت ومعناها الانتقال من حديث إلى حديث آخر لا لإبطال الأول والإضراب عنه كما هو معني بل في الأصل (إن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجباً) المعنى أن القوم لما تعجبوا من قصة أصحاب الكهف وسألوا عنها الرسول ﵌ على سبيل الامتحان.
قال سبحانه بل أظننت يا محمد أنهم كانوا عجباً من آياتنا فقط لا تحسب