(إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها) هذه الجملة تعليل للنهي المقصود من الترجي والقصد منه تسلية له ﷺ وتسكين أسفه وغيظه
стр. 4902
على عدم إيمانهم لأنه مختبر لأعمال العباد مجازيهم، فكأنه يقول له ﷺ لا تحزن فإني منتقم منهم لك، وقيل استئناف.
والمعنى إنا جعلنا ما عليها مما يصلح أن يكون زينة لها ولأهلها من الحيوانات والنبات والشجر والأنهار والجماد وغير ذلك من النعم كالذهب والفضة والمعادن كقوله سبحانه (هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً) قال ابن عباس: يعني الرجال والعلماء زينة الأرض، وعن سعيد بن جبير مثله، وقال الحسن: هم الرجال العباد العمال لله بالطاعة.
(لنبلوهم أيهم أحسن عملاً) اللام للغرض أو العاقبة، والمراد بالابتلاء أنه سبحانه يعاملهم معاملة لو كانت تلك المعاملة من غيره لكانت من قبيل الابتلاء والامتحان، قال الزجاج: أيهم رفع بالابتداء إلا أن لفظه لفظ الاستفهام والمعنى لنمتحنن أهذا أحسن عملاً أم ذلك، قال الحسن: أيهم أزهد وأشد للدنيا تركاً، ومثله عن الثوري وقال مقاتل: أيهم أصلح فيما أوتي من المال، وقال قتادة: أيهم أتم عقلاً.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم في التاريخ وابن مردويه عن ابن عمر قال: تلا رسول الله ﷺ هذه الآية فقلت: ما معنى ذلك يا رسول الله قال: " ليبلوكم أيكم أحسن عقلاً وأورع عن محارم الله وأسرعكم في طاعة الله "
ثم أعلم سبحانه أنه مبيد لذلك كله ومفنيه فقال
стр. 4903
(وإنا لجاعلون) أي مصيرون (ما عليها) من هذه الزينة عند تناهي عمر الدنيا (صعيداً) تراباً قال أبو عبيدة: الصعيد المستوي من الأرض، وقال الزجاج: هو الطريق الذي لا نبات فيه بعد أن كانت خضراء معشبة أي أرضاً ملساء، وقيل فُتَاتاً
стр. 4904
وهو الذي يضمحل بالريح لا اليابس الذي يرسب، ونظيره (كل من عليها فان) وقوله (فيذرها قاعاً صفصفاً لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً).
والمعنى أنه لا بد من المجازاة بعد إفناء ما على الأرض، وتخصيص الإهلاك بما على الأرض يوهم بقاء الأرض إلا أن سائر الآيات دلت أيضاً على أن الأرض لا تبقى وهو قوله (يوم تبدل الأرض غير الأرض) قال قتادة: الصعيد الجبال التي ليس فيها زرع.
(جرزاً) يابسًا قال الفراء: الجرز الأرض التي لا نبات فيها من قولهم امرأة جَرُوز إذا كانت أكولاً، وسيف جُراز إذا كان مستأصلاً وجرز الجراد والشاة والإبل الأرض إذا أكلت ما عليها، ويقال سنة جُرُز وسنونُ أَجْرَاز لا مطر فيها وأرض جُرُز وأرضون أَجْرَاز لا نبات بها، وجرزاً نعت " لصعيداً " فكأنه مجاز علاقته المجاورة.
وعن الحسن الجرز الخراب، أي نعيدها بعد عمارتها خراباً بإماتة الحيوان وتجفيف النبات والأشجار وغير ذلك. ومعنى النظم القرآني لا تحزن يا محمد بما وقع من هؤلاء من التكذيب فإنا قد جعلنا ما على الأرض زينة لاختبار أعمالهم وإنا لمذهبون ذلك عند انقضاء عمر الدنيا فمجازونهم إن خيراً فخير وإن شراً فشر.
стр. 4905
(أم حسبت) أي بل أحسبت أو بل حسبت ومعناها الانتقال من حديث إلى حديث آخر لا لإبطال الأول والإضراب عنه كما هو معني بل في الأصل (إن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجباً) المعنى أن القوم لما تعجبوا من قصة أصحاب الكهف وسألوا عنها الرسول ﵌ على سبيل الامتحان.
قال سبحانه بل أظننت يا محمد أنهم كانوا عجباً من آياتنا فقط لا تحسب
стр. 4906
ذلك فإن آياتنا كلها عجب؛ فإن من كان قادراً على جعل ما على الأرض زينة لها للابتلاء ثم جعل ما عليها صعيداً جرزاً كأن لم تغن بالأمس لا تستبعد قدرته ولا حفظه ورحمته بالنسبة إلى طائفة مخصوصة وإن كانت قصتهم خارقة للعادة فإن آيات الله سبحانه كذلك وفوق ذلك.
ومعنى عجباً ذات عجب، والكهف هو الغار الواسع في الجبل، فإن كان صغيراً سمي غاراً والجمع كُهُوف في الكثرة وأَكْهُف في القلة؛ والرقيم قال كعب والسدي: إنه اسم القرية التي خرج منها أصحاب الكهف، وقال سعيد بن جبير ومجاهد: إنه لوح من حجارة أو رصاص رقمت فيه أسماؤهم جعل على باب الكهف ففيه فلان بن فلان من مدينة كذا خرج في وقت كذا من سنة كذا.
قال الفراء: ويروى أنه إنما سمي رقيماً لأن أسماءهم كانت مرقومة والرقم الكتابة. وعن قتادة أن الرقيم دراهمهم التي كانت معهم.
وقال ابن عباس: الرقيم كتاب مرقوم فيه الشرع الذي تمسكوا به من دين عيسى ﵇، وقيل أن الرقيم اسم كلبهم قاله أنس، وقيل: هو اسم الوادي الذي كانوا فيه، وقيل اسم الجبل الذي فيه الغار.
قال الزجاج: أعلم الله سبحانه أن قصة أصحاب الكهف ليست بعجيبة من آيات الله لأن خلق السماوات والأرض وما بينهما أعجب من قصتهم، وقال ابن عباس: يقول الذي آتيتك من العلم والسنة والكتاب أفضل من شأن أصحاب الكهف والرقيم.
стр. 4907
(إذ أوى الفتية إلى الكهف) أي صاروا إليه ونزلوه وسكنوه والتجأوا إليه وجعلوه مأواهم. يقال أوى إلى منزله من باب ضَرَب (١) إذا نزله بنفسه وسكنه
стр. 4908
والمأوى لكل حيوان مسكنه. والفتية هم أصحاب الكهف جمع فتى وهو الطرئ من الشباب، إظهار في مقام الإضمار للتنصيص على وصفهم وسنهم فكانوا في سن الشباب مُرْداً وكانوا سبعة خرجوا من مدينتهم خائفين على إيمانهم من قومهم الكفار حيث أمروهم بعبادة غير الله وكذلك ملك المدينة أمرهم بما ذكر، واسمه دقيانوس ومدينتهم اسمها أفسوس عند أهل الروم لأنها من مدائنهم واسمها عند العرب طرسوس.
فلما أمروهم بعبادة غير الله ذهب كل واحد منهم إلى بيت أبيه وأخذ منه زاداً ونفقة وخرجوا فارين هاربين حتى أووا إلى كهف في جبل قريب من المدينة فاختفوا فيه وصاروا يعبدون الله ويأكلون ويشربون ويبعثون أحداً منهم خفية ليشتري لهم الطعام من المدينة وهم خائفون من اطلاع أهل المدينة عليهم فيقتلوهم لعدم دخولهم في دينهم، فجلسوا يوماً بعد الغروب يتحدثون فألقى الله عليهم النوم وذلك قوله تعالى
стр. 4909
(فضربنا على آذانهم) الخ كما سيأتي تفصيله.
(فقالوا ربنا آتنا من لدنك) أي من عندك (رحمة) التنوين إما للتعظيم أو للتنويع وتقديم من لدنك للاختصاص أي رحمة مختصة بأنها من خزائن رحمتك وجلائل فضلك وهي المغفرة في الآخرة والأمن من الأعداء والرزق في الدنيا (وهيئ لنا من أمرنا رشداً) أي أصلح لنا من قولك هيأت الأمر فتهيأ والمراد بِأَمْرِهِم الأمرُ الذي هم عليه وهو مفارقتهم للكفار، والرشد نقيض الضلال، ومن للابتداء ويجوز أن تكون للتجريد كما في قولك رأيت منك أسداً وتقديم المجرورَيْن للاهتمام بهما أي اجعل أمرنا رشداً أو يسر لنا طريق رضاك.
стр. 4910
فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (١١) ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا (١٢) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (١٣) وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا (١٤)
(فضربنا على آذانهم) قال المفسرون: أنَمناهم والمعنى سددنا آذانهم بالنوم الغالب عن سماع الأصوات أي ضربنا على آذانهم الحجاب تشبيها للإنامة الثقيلة المانعة من وصول الأصوات إلى الآذان بضرب الحجاب عليها ففي الكلام تجوز بطريق الاستعارة التبعية، وهذا النوم من جملة الرحمة التي طلبوها فكأنه قال فاستجبنا دعاءهم ومن جملة استجابته أن أنمناهم وقلبناهم في نومهم ذات اليمين وذات الشمال.
(في الكهف سنين عدداً) أي ذوات عدد على أنه مصدراً وبمعنى معدودة على أنه بمعنى المفعول. ويستفاد من وصف السنين بالعدد الكثرة، قال الزجاج: أن الشيء إذا قل مقدار عدده لم يحتج إلى العدد وإن كثر احتاج إلى أن يعدّ وقيل يستفاد منه التقليل لأن الكثير قليل عند الله وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون.
стр. 4911
(ثم بعثناهم) أي أيقظناهم من تلك النومة (لنعلم) أي ليظهر معلومنا واللام للعاقبة، وقيل للتعليل وقرئ بالتحتية والفاعل هو الله تعالى ففيه التفات عن التكلم إلى الغيبة، قيل والمراد بالعلم الذي جعل علة للبعث هو الاختبار مجازاً فيكون المعنى بعثناهم لنعامل معاملة من يختبرهم. والَأوْلَى ما ذكرناه من أن المراد به ظهور معلوم الله سبحانه لعباده.
(أيّ الحزبين) من قوم الفتية أهل الهدى وأهل الضلالة فالمراد بالحزبين
стр. 4912
الفريقان من المؤمنين والكافرين المختلفين في مدة لبثهم، وقيل المراد نفس أصحاب الكهف لا أهل المدينة اختلفوا بعد انتباههم كم لبثوا، وقيل المراد بالحزبين الملوك الذين تداولوا المدينة ملكاً بعد ملك وأصحاب الكهف، وقيل أن أصحاب الكهف حزب وأصحابهم حزب، وقال الفراء: أن طائفتين من المسلمين في زمان أصحاب الكهف اختلفوا في مدة لبثهم.
(أحصى) أي أضبط (لما لبثوا أمداً) وكأنه وقع بينهم تنازع في مدة لبثهم في الكهف فبعثهم الله ليتبين لهم ذلك ويظهر من ضبط الحساب ممن لم يضبطه، قال ابن جريج: إنهم كتبوا اليوم الذي خرجوا فيه والشهر والسنة وما مصدرية أي أحصى لِلبُثْهِم أو بمعنى الذي واللام زائدة، وقيل على بابها من العلة أي لأجل قاله أَبُو الْبَقَاء، وما بمعنى الذي والأمد الغاية.
وقيل إن أحصى أفعل تفضيل واختاره الزجاج والتبريزي ورد بأنه خلاف ما تقرر في علم الإعراب وما ورد من الشاذ لا يقاس عليه كقولهم أفلس من ابن اْلمُذَلَّق (١) وأعدى من الْجَرَب، وقال أبو علي والزمخشري وابن عطية: أن أحصى فعل ماض.
стр. 4913
(نحن نقص عليك نبأهم) هذا شروع في تفضيل ما أجمل في قوله إذ أوى الفتية، والنبأ الخبر الذي له شأن وخطر أي نحن نخبرك بخبرهم (بالحق) أي نقص قصصاً متلبساً بالحق أو نقصه متلبسين به أو نقص نبأهم متلبساً به أو نبأهم المتلبس به (إنهم فتية) أي أحداث وشبان وكان أحدهم وزير الملك دقيانوس وكانوا من أشراف تلك المدينة ومن عظماء أهلها والجملة مستأنفة واقعة في جواب سؤال اقتضاه ما قبلها فكأنه قيل وما نبؤهم؟ والفتية جمع قلة.
(آمنوا بربهم) فيه التفات من التكلم إلى الغيبة إذ لو جاء على نسق الكلام لقيل آمنوا بنا (وزدناهم هدى) بالتثبيت والتوفيق وفيه التفات من
стр. 4914
الغيبة إلى التكلم، قال الربيع بن أنس: هدى إخلاصاً، وقيل إيماناً وبصيرة، وقيل يقيناً.
стр. 4915
(وربطنا على قلوبهم) أي قويناها بالصبر على هجر الأهل والأوطان وفراق الخلان والأخدان؛ والفرار إلى بعض الغيران وجسرناهم على القيام بكلمة الحق والتظاهر بالإسلام حيث قالوا للملك ربنا رب السماوات إلخ ولم يحصل لهم منه رعب في الله، قال قتادة: ربطنا قلوبهم بالإيمان وشددنا عليها بالصبر والتثبيت وفيه استعارة تصريحية تبعية لأن الربط هو الشد بالحبل.
(إذ قاموا) اختلف أهل التفسير في هذا القيام على أقوال فقيل إنهم اجتمعوا وراء المدينة من غير ميعاد فقال رجل منهم هو أكبر القوم: إني لأجد في نفسي شيئاً أن ربي رب السماوات والأرض فقالوا ونحن كذلك نجد في أنفسنا فقاموا جميعاً.
(فقالوا ربنا رب السماوات والأرض) قاله مجاهد: وقال أكثر المفسرين إنه كان لهم ملك جبار يقال له (دقيانوس) وكان يدعو الناس إلى عبادة الطواغيت فثبت الله هؤلاء الفتية وعصمهم حتى قاموا بين يديه، وقد أمرهم بالسجود للأصنام فقالوا ربنا رب السماوات والأرض، أي قالوا جملاً ستاً، ثلاثة بين يدي ملكهم آخرها قوله شططاً، وثلاثة بعد انصرافهم عن مجلسه ذماً لقومهم آخرها قوله كذباً، وقال عطاء ومقاتل: إنهم قالوا ذلك عند قيامهم من النوم.
(لن ندعو من دونه إلهاً) أي لن نعبد معبوداً آخر غير الله لا اشتراكاً ولا استقلالاً (لقد قلنا إذاً شططاً) أي قولاً ذا شطط، أي إفراط في الكفران دعونا إلهاً غير الله فرضاً أو قولاً هو نفس الشطط لقصد المبالغة، والشطط الغلو ومجاوزة الحد المقدر في كل شيء، يقال شَطَّت الدار بعدت، وشَطَّ فلان في حكمه شطوطاً وشططاً جار وظلم، وَشَطَّ في القول أغلظ، وشط في السوم أفرط، والجميع من بابي ضرب وقتل، وقال قتادة: شططاً كذباً. وقال السدي جوراً.
(هؤلاء) أي أهل بلدهم (قومنا) عطف بيان أو بدل (اتخذوا من دونه) أي من دون الله (آلهة) أصناماً يعبدونها. وفي هذا الإخبار معنى الإنكار وفي الإشارة إليهم تحقير لهم.
(لولا يأتون عليهم بسلطان بين) أي هَلَّا يأتون على عبادتهم لها بحجة نيرة ظاهرة تصلح للتمسك بها، وفيه تبكيت لأن الإتيان بحجة على عبادة الأصنام محال، وهذه جملة طلبية وليست صفة لآلهة لفساده معنى وصناعة.
قال الزمخشري: وفي الآية دليل على فساد التقليد وإنه لا بدّ في الدين من الحجة حتى يتضح ويثبت.
(فمن) أي لا أحد (أظلم ممن افترى على الله كذباً) بنسبة الشريك إليه فزعم أن له شريكاً في العبادة، ثم قال بعضهم لبعض وقت اعتزالهم
стр. 4918
(وإذ اعتزلتموهم) أي فارقتموهم في الاعتقاد أو أردتم الاعتزال الجسماني وَتخَّيْتُمْ عنهم جانباً أي عن العابدين للأصنام.
(وما يعبدون إلا الله) عطف على الضمير المنصوب وما موصولة أو مصدرية أي إذا اعتزلتموهم ومعبوديهم إلا الله أو وعبادتهم إلا عبادة الله، وعلى
стр. 4919
التقديرين فالاستثناء استثناء منقطع على تقدير أنهم لم يعبدوا إلا الأصنام أو متصل على تقدير أنهم شركوهم في العبادة مع الله سبحانه.
وقيل هو كلام معترض إخبار من الله سبحانه عن الفتية أنهم لم يعبدوا غير الله فيكون ما على هذا نافية (فأووا) أي ألجئوا وصيروا (إلى الكهف) واجعلوه مأواكم. قال الفراء: هو جواب إذ ومعناه اذهبوا إليه واجعلوه مأواكم، وقيل هو دليل على جوابه، أي إذا اعتزلتموهم اعتزالاً اعتقادياً فاعتزلوهم اعتزالاً جسمانياً أو إذا أردتم اعتزالهم فافعلوا ذلك بالالتجاء إلى الكهف.
(ينشر) أي يبسط ويوسع (لكم ربكم) مالك أمركم (من رحمته) في الدارين (ويهيئ) أي يسهل وييسر (لكم من أمركم) الذي أنتم بصدده من الفرار بالدين (مرفقاً) بكسر الميم وفتحها لغتان قرئ بهما مأخوذ من الارتفاق وهو الانتفاع وقيل فتح الميم أقيس وكسرها أغلب، وأكثر العرب على كسر الميم من الأمر ومن مرفق الإنسان، وقد تفتح العرب الميم فيهما فَهُما لغتان.
وكأن الذين فتحوا أرادوا أن يفرقوا بين المرفق من الأمر والمرفق من الإنسان .. وقال الكسائي: الكسر في مرفق اليد، وقيل المرفق بالكسر ما ارتفقت به والمرفق بفتح الميم الأمر الرافق، والمراد هنا ما يرتفقون به وينتفعون بحصوله والتقديم (١) في الموضعين يفيد الاختصاص، وإنما قالوا ذلك ثقة بفضل الله وقوة في رجائهم لتوكلهم عليه أو أخبرهم به نبي عصرهم.
стр. 4920
(وترى الشمس إذا طلعت) شرع سبحانه في بيان حالهم بعد أن أووا إلى الكهف (تزاور) مأخوذ من الزور بفتح الواو وهو الميل، ومنه زاره إذا مال إليه، وقيل تَزْوَر بمعنى تنقبض من ازْوَرّ أي انقبض والأول أولى. ومعنى
стр. 4921
الآية أن الشمس إذا طلعت تميل وتعدل وتتنحى (عن كهفهم ذات اليمين) أي ناحية اليمين وهي الجهة المسماة باليمين.
(وإذا غربت تقرضهم) القرض القطع، قال الكسائي والأخفش والزجاج وأبو عبيدة: تعدل عنهم وتتركهم، قَرَضْتُ المكانَ عَدَلْت عنه، تقول لصاحبك هل وردت مكان كذا؟ فيقول إنما قَرَضْتُه إذا مر به وتجاوز عنه.
وقال الفارسي: معنى تقرضهم تعطيهم من ضوئها شيئاً ثم يزول بسرعة كالقرض يسترد، وقد ضعِّف بأنه كان ينبغي أن يقرأ تقرضهم بضم التاء لأنه من أقرض؛ والمعنى أن الشمس إذا طلعت مالت عن كهفهم ذات اليمين، أي يمين الداخل للكهف وإذا غربت تمر.
(ذات الشمال) أي جهة شمال الكهف لا تصيبه لا في ابتداء النهار ولا في آخر الليل، بل تعدل عن سمته إلى الجهتين (وهم في فجوة منه) الفجوة المكان المتسع، ومما يدل على أن الفجوة المكان الواسع قول الشاعر:
أَلْبَسْتَ قومَكَ مَخزاةً ومنقصةً ... حتى أُبيحُوا وَخَلَّوا فجوَةَ الدار
وقال سعيد بن جبير: الفجوة الخلوة من الأرض، ويعني بالخلوة الناحية منها وللمفسرين في تفسير هذه الجملة قولان:
الأول: أنهم مع كونهم في مكان منفتح انفتاحاً واسعاً في ظل جميع نهارهم لا تصيبهم الشمس في طلوعها ولا في غروبها لأن الله سبحانه حجبها عنهم كرامة.
والثاني: أن باب ذلك الكهف كان مفتوحاً إلى جانب الشمال مستقبلاً
стр. 4922
لبنات النعش في أرض الروم، فإذا طلعت الشمس كانت عن يمين الكهف وإذا غربت كانت عن يساره ولا تقع عليهم عند الطلوع ولا عند الغروب ولا عند الاستواء فتؤذيهم بِحَرِّها وتغير ألوانهم وتبلي ثيابهم، ولكن اختار الله لهم مضجعاً في متسع ينالهم فيه برد الريح ونسيمها ويدفع عنهم كرب الغار وغمه.
ويؤيد القول الأول قوله (ذلك من آيات الله) فإن صرف الشمس عنهم مع توجه الفجوة إلى مكان تصل إليه عادة أنسب بمعنى كونها آية. ويؤيده أيضاً إطلاق الفجوة وعدم تقييدها بكونها إلى جهة كذا؛ وعلى الثاني يكون المعنى أن شأنهم وحديثهم من آيات الله والأول أولى. وقد قيل إنه كان لكهفهم حاجب من جهة الجنوب وحاجب من جهة الدبور وهم في زاويته.
وذهب الزجاج إلى أن فعل الشمس كان آية من الله تعالى من دون أن يكون باب الكهف إلى جهة توجب ذلك. وعلى الجملة فالآية في ذلك أن الله تعالى آواهم إلى كهف هذه صفته لا إلى كهف آخر يتأذون فيه بانبساط الشمس عليهم في معظم النهار، وعلى هذا فيمكن أن يكون صرف الشمس عنهم بإظلال غمام أو سبب آخر.
والمقصود بيان حفظهم من تطرق البلاء وتغير الأبدان والألوان إليهم والتأذي بحرّ أو برد.
ثم أثنى سبحانه عليهم بقوله: (من يهد الله) إلى الحق مثل أصحاب الكهف (فهو المهتد) الذي ظفر بالهدى وأصاب الرشد والفلاح (ومن يضلل) أي يضلله الله ولم يرشده كدقيانوس وأصحابه (فلن تجد له ولياً مرشداً) أي ناصراً يهديه إلى الحق.
(وتحسبهم) خطاب للنبي ﷺ أو لكل أحد (أيقاظاً) جمع يَقِظ بكسر القاف وفتحها (وهم رقود) أي نيام وهو جمع راقد كقعود في قاعد، قيل وسبب هذا الحسبان أن عيونهم كانت مفتحة وهم نيام. وقال الزجاج: لكثرة تقلبهم.
(ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال) أي نقلبهم في رقدتهم إلى الجهتين لئلا تأكل الأرض أجسادهم ولحومهم، قاله سعيد بن جبير، وتعجب منه الإمام الرازي وقال: أن الله قادر على حفظهم من غير تقليب.
ولقائل أن يقول لا ريب في قدرة الله تعالى ولكن جعل لكل شيء سبباً في أغلب الأحوال، قاله الكرخي، قيل تقلبة واحدة في كل سنة مرة في يوم عاشوراء. وقال ابن عباس: ستة أشهر على ذلك الجنب اليمين وستة أشهر على ذي الجنب الشمال وعلى هذا كان لهم تقلبتان في السنة، وقيل كل تسع سنين. وقالت فرقة إنما قلبوا في التسع الأواخر، وأما في الثلاثمائة فلا، وظاهر كلام المفسرين أن التقليب من فعل الله، ويجوز أن يكون من ملَك بأمر الله فيضاف إلى الله تعالى. قاله القرطبي والأول أولى.
стр. 4925
(وكلبهم باسط ذراعيه) حكاية حال ماضية لأن اسم الفاعل لا يعمل إذا كان بمعنى المضي كما تقرر في علم النحو، أي ماد يديه. قال أكثر المفسرين: هربوا من ملكهم ليلاً فمروا براع معه كلب فتبعهم، وقيل كان لواحد منهم: قال مجاهد: اسم كلبهم قطمورا. وعن الحسن اسمه قطمير؛ وقيل اسمه ريان، وقيل صهبان قيل كان كلباً أغر. وقيل فوق القلطي ودون الكرزي، والقلطي كلب صيني. وقيل كان أصفر، وقيل كان أسمر اللون، وقيل كان يضرب إلى حمرة، وقيل كلون السماء.
قيل ليس في الجنة دواب سوى كلب أصحاب الكهف وحمار بلعم، ولا أدري أي تعلق لهذا التدقيق والتحقيق بتفسير الكتاب العزيز وما الذي حملهم على هذا الفضول الذي لا مستند له في السمع ولا في العقل.
(بالوصيد) قال أبو عبيد وأبو عبيدة: هو فناء الباب وكذا قال المفسرون، وقيل العتبة، ورد بأن الكهف لا يكون له عتبة ولا باب، وإنما أراد أن الكلب موضع العتبة من البيت.
وقال ابن عباس: بالوصيد بالفناء وبالباب، وقيل بفناء الكهف، وقيل الصعيد والتراب، قال بعضهم كلب أحب قوماً فذكره الله معهم فكيف بنا وعندنا عند الإيمان وكلمة الإسلام وحب النبي وآله وصحبه، وقول الله (ولقد كرمنا بني آدم) الآية، وفي هذا تسلية وأنس للمؤمنين المقصرين عن درجات الكمال المحبين للصالحين والأنبياء والعلماء المخالطين للأولياء والأصفياء.
(لو اطلعت عليهم) أي لو نظرت إليهم وهم على تلك الحالة (لوليت منهم فراراً) أي لفررت منهم هارباً (ولملئت منهم رعباً) أي خوفاً وفزعاً يملأ الصدر قرئ رعباً بسكون العين وضمها وسبب الرعب الهيبة التي ألبسهم الله إياها.
стр. 4926
وقيل طول أظفارهم وشعورهم وعظم إجرامهم ووحشة مكانهم، ذكره المهدوي والنحاس والزجاج والقشيري، ويدفعه قوله تعالى: (لبثنا يوماً أو بعض يوم) فإن ذلك يدل على أنهم لم ينكروا من حالهم شيئاً ولا وجدوا من أظفارهم وشعورهم ما يدل على طول المدة؛ وقيل لأن أعينهم كانت منفتحة كالمتيقظ. وقيل أن الله منعهم بالرعب حتى لا يراهم أحد.
قال ابن عطية: والصحيح في أمرهم أن الله حفظ لهم الحالة التي ماتوا عليها لتكون لهم ولغيرهم فيهم آية، فلم يَبْلَ لهم ثوب ولم تتغير لهم صفة، ولم ينكر الناهض إلى المدينة إلا معالم الأرض والبناء، ولو كانت في نفسه حالة ينكرها لكانت عليهم أهم. ذكره القرطبي.
стр. 4927
(وكذلك) أي وكما فعلنا بهم ما فعلنا من الكرامات وأَنمْناهم في الكهف تلك النومة وحفظنا أجسامهم من البلى على طول الزمان (بعثناهم) من نومهم وجعلنا بعثهم آية قاله الزجاج والزمخشري وفيه تذكير بقدرته على الإماتة والبعث جميعاً ثم ذكر الأمر الذي لأجله بعثهم فقال (ليتساءلوا بينهم) أي ليقع التساؤل بينهم والاختلاف والتنازع في مدة اللبث لما يترتب على ذلك من انكشاف الحال وظهور القدرة الباهرة.
وقيل اللام للصيرورة لأن البعث لم يكن للتساؤل قاله ابن عطية والصحيح أنها على بابها من السببية والاقتصار على علة التساؤل لا ينفي غيرها وإنما أفرده لاستتباعه لسائر الآثار (قال قائل) أي واحد (منهم) وهو كبيرهم ورئيسهم (مكسلمينا) (كم لبثتم) في النوم قالوا ذلك لأنهم رأوا في أنفسهم غير ما يعهدونه في العادة والجملة مبينة لما قبلها من التساؤل.
(قالوا) أي قال بعضهم وقيل قال الستة الباقون جواباً على سؤال من سأل منهم قال المفسرون: إنهم دخلوا الكهف غدوة وبعثهم الله سبحانه آخر
стр. 4928
النهار فلذلك قالوا (لبثنا يوماً) أي لظنهم أن الشمس قد غربت فلما رأوا الشمس لم تغرب قالوا (أو بعض يوم) وكان قد بقيت بقية من النهار وقد مر مثل هذا الجواب في قصة عزير في البقرة أو للشك، وقيل للتفصيل أي قال بعضهم كذا وبعضهم كذا وفيه دليل على جواز الاجتهاد والقول بالظن الغالب.
(قالوا) متوقفين في قدر مدة لبثهم (ربكم أعلم بما لبثتم) إما على طريق الاستدلال أو كان ذلك إلهاماً لهم من الله سبحانه أي أنكم لا تعلمون مدة لبثكم وإنما يعلمها الله سبحانه وهذا رد منهم على الأولين بأجمل ما يكون من مراعاة حسن الأدب وبه يتحقق التحزب إلى الحزبين المعهودين في قوله سابقاً لنعلم أي الحزبين.
وقد استدل ابن عباس على أن عددهم سبعة بهذه الآية لأنه قد قال في الآية قال قائل منهم وهذا واحد، وقالوا في جوابه لبثنا وهو جمع وأقله ثلاثة ثم قالوا وهذا قول جمع آخرين فصاروا سبعة.
(فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة) كأنه قال القائل منهم يعني يمليخا اتركوا ما أنتم عليه من المحاورة وخذوا في شيء آخر مما يهمكم وفيما تنتفعون به والفاء للسببية أي فأرسلوا واحداً منكم إلى البلد، والورق الفضة مضروبة كانت أو غير مضروبة ويقال لها الرقة وفي الحديث (وفي الرقة ربع العشر) وجمعت شذوذاً جمع المذكر السالم يقال عندي رِقون والباء للمصاحبة والملابسة.
وفي حملهم لهذه الورق معهم دليل على أن إمساك بعض ما يحتاج إليه الإنسان لا ينافي التوكل على الله، والمدينة أفُسوس بضم الهمزة كما قاله النيسابوري وهي مدينتهم التي كانوا فيها من مدائن الروم ويقال لها اليوم
стр. 4929
في الإسلام طرطوس كذا قال الواحدي، وفي الكشف: أن المدينة التي خرجوا منها غير المدينة التي بعثوا إليها لشراء الطعام، إذ أفسوس من أعمال طرطوس وهي ناحية.
(فلينظر أيها أزكى طعاماً) أي لينظر أي أهلها أطيب طعاماً وأحل كسباً أو أرخص سعراً وأي استفهامية أو موصولة.
قال ابن عباس: أحل وأطهر ذبيحة لأنهم كانوا يذبحون للطواغيت أو أكثر بركة، وقيل يجوز أن يكون الضمير إلى الأطعمة المدلول عليها في المقام كما يقال زيد طيب أبا علي أن الأب هو زيد وفيه بعد:
(فليأتكم برزق منه) أي من الورق أي بَدَلَه أو من قوت وطعام تأكلونه واستدل بالآية على حل ذبائح أهل الكتاب لأن عامة أهل المدينة كانوا كفاراً وفيه قوم يخفون إيمانهم؛ ووجه الاستدلال أن الطعام يتناول اللحم كما يتناول غيره مما يطلق عليه اسم الطعام (وليتلطف) أي يدقق النظر حتى لا يُعْرَف أو لا يُغْبَن والأول أولى ويؤيده (ولا يشعرن بكم أحداً) من الناس أي لا يفعلن ما يؤدي إلى الشعور ويتسبب له فهذا النهي يتضمن التأكيد للأمر بالتلطف.
ثم علل ما سبق من الأمر والنهي فقال
стр. 4930
(إنهم) أي أهل المدينة (إن يظهروا عليكم) أي يطلعوا ويعلموا بمكانكم (يرجموكم) يقتلوكم بالرجم وهذه القِتْلة هي أخبث قِتْلة وكأن ذلك كان عادة لهم ولهذا خصه من بين أنواع ما يقع به القتل، وقيل يشتموكم ويؤذوكم بالقول والأول أولى (أو يعيدوكم في ملتهم) أي يردوكم إلى ملتهم التي كنتم عليها قبل أن يهديكم الله أو يصيِّروكم إليها كرهاً والمراد بالعود هنا الصيرورة على تقدير أنهم لم يكونوا على ملتهم وإيثار كلمة " في " على كلمة إلى للدلالة على الاستقرار.
(ولن تفلحوا إذاً أبداً) في إذاً معنى الشرط والجزاء كأنه قال إن رجعتم إى دينهم فلن تفلحوا إذاً أبداً لا في الدنيا ولا في الآخرة.
(وكذلك) أي وكما أنمناهم وبعثناهم (أعثرنا) أي أطلعنا الناس (عليهم) وأظهرناهم وسمي الإعلام إعثاراً لأن من كان غافلاً عن شيء فعثر به نظر إليه وعرفه فكان الإعثار سبباً لحصول العلم (ليعلموا) أي ليعلم الذين أعثرهم الله عليهم (أن وعد الله) بالبعث (حق) قيل وكان ملك زمانهم ممن ينكر البعث فأراه الله هذه الآية.
قيل وسبب الإعثار عليهم أن ذلك الرجل الذي بعثوه بالورق وكانت من ضربة دقيانوس إلى السوق فلما اطلع عليها أهل السوق اتهموه بأنه وجد كنزاً فذهبوا به إلى الملك فقال له من أين وجدت هذه الدراهم؛ قال: بعت بها أمس شيئاً من التمر وخرجنا فراراً من الملك دقيانوس فعرف الملك صدقه ثم قص عليه القصة فركب الملك وركب أصحابه معه حتى وصلوا إلى الكهف.
(و) ليعلموا (أن الساعة) أي القيامة (لا ريب فيها) أي لا شك في حصولها فإن من شاهد حال أهل الكهف علم صحة ما وعد الله به من بعث الأرواح والأجساد جميعاً وحشرها (إذ يتنازعون بينهم أمرهم) أي أعثرنا عليهم وقت التنازع والاختلاف بين أولئك الذين أعثرهم الله في أمر البعث، وقيل في أمر أصحاب الكهف في قدر مكثهم وفي عددهم وفيما يفعلونه بعد أن اطلعوا عليهم، وقيل قال المسلمون: نبني عليهم مسجداً يصلي فيه الناس لأنهم على
стр. 4933
ديننا، وقال المشركون: نبني عليهم بيعة لأنهم من أهل ملتنا.
(فقالوا ابنوا عليهم بنياناً) لئلا يتطرق الناس إليهم كما حفظت تربة رسول الله ﷺ بالحظيرة، وذلك أن الملك وأصحابه لما وقفوا عليهم وهم أحياء أمات الله الفتية فقال بعضهم ابنوا عليهم بنياناً يسترهم عن أعين الناس، وقيل يتنازعون متعلق بمحذوف هو اذكر.
ويؤيده أن الإعثار ليس في زمن التنازع بل قبله ويمكن أن يقال إن أولئك القوم مازالوا متنازعين فيما بينهم قرناً بعد قرن منذ أووا إلى الكهف إلى وقت الإعثار ويؤيد ذلك أن خبرهم كان مكتوباً على باب الغار كتبه بعض المعاصرين لهم من المؤمنين الذين كانوا يخفون إيمانهم كما قاله المفسرون.
ثم قال سبحانه حاكياً لقول المتنازعين فيهم وفي عددهم وفي مدة لبثهم وفي نحو ذلك مما يتعلق بهم (ربهم أعلم بهم) من هؤلاء المتنازعين فيهم قالوا ذلك تفويضاً للعلم إلى الله سبحانه، وقيل هو من كلام الله سبحانه رداً لقول المتنازعين فيهم أي دعوا ما أنتم فيه من التنازع فإني أعلم بهم منكم والأول هو الظاهر قاله الكرخي.
(قال الذين غلبوا على أمرهم) يعني يندوسيس وأصحابه قاله الخازن أي كانت الكلمة لهم وكان كلامهم هو النافذ لأن ملك الوقت كان من جملتهم وكان مؤمناً وأما الملك الذي خرجوا هاربين منه فقد مات في مدة نومهم (لنتخذن عليهم مسجداً) يصلي فيه المسلمون ويعتبرون بحالهم. وذكر اتخاذ المسجد يشعر بأن هؤلاء الذين غلبوا على أمرهم هم المسلمون، وقيل هم أهل السلطان والملك من القوم المذكورين فإنهم الذين يغلبون على أمر من عداهم والأول أولى.
قال الزجاج: هذا يدل على أنه لما ظهر أمرهم غلب المؤمنون بالبعث ولنشور لأن المساجد للمؤمنين.
стр. 4934
(سيقولون) هؤلاء القائلون بأنهم ثلاثة أو خمسة أو سبعة وهم المتنازعون في عددهم في زمن رسول الله ﷺ من أهل الكتاب والمسلمين، وقيل هم أهل الكتاب خاصة، قال السدي: هم اليهود، وعلى كل تقدير فليس المراد أنهم جميعاً قالوا جميع ذلك بل قال بعضهم بكذا وبعضهم بكذا.
قيل إنما أتى بالسين في هذا لأن في الكلام طياً وإدماجاً تقديره فإذا أجبتهم عن سؤالهم عن قصة أهل الكهف فسلهم عن عددهم فإنهم ليقولون، ولم يأت بها في باقي الأفعال لأنها معطوفة على ما فيه السين فأعطيت حكمه من الاستقبال، والمعنى يقولون لك يا محمد ويخبرونك على ثلاثة أقوال: الأولان: للنصارى. والثالث: للمؤمنين.
(ثلاثة رابعهم كلبهم) أي هم ثلاثة أشخاص حال كون كلبهم جاعلهم أربعة بانضمامه إليهم (ويقولون خمسة سادسهم كلبهم) الكلام فيه كالكلام فيما قبله قاله السدي: هم النصارى، وقيل اليهود كما في البيضاوي.
قال أبو علي الفارسي: قوله رابعهم كلبهم وسادسهم كلبهم جملتان استغني عن حرف العطف فيهما بما تضمنتا من ذكر الجملة الأولى وهي قوله ثلاثة والتقدير هم ثلاثة. هكذا حكاه الواحدي.
(رجماً بالغيب) أي راجمين أو يرجمون رجماً والرجم بالغيب هو القول بالظن والحدس من غير يقين ودليل ولا برهان كما قاله الطيبي وغيره والموصوفون بالرجم بالغيب هم كلا الفريقين القائلون بأنهم ثلاثة والقائلون بأنهم خمسة، قال قتادة: رجماً قذفاً بالظن، ولم يقل هذا في السبعة وتخصيص الشيء بالوصف يدل على أن الحال في الباقي بخلافه، والرجم بمعنى الرمي وهو استعارة للتكلم بما لم يطلع عليه لخفائه عنه تشبيهاً له بالرمي بالحجارة التي لا تصيب غرضاً والباء فيه للتعدية على تشبيه الظن بالحجر الرمي على طريق الكناية.
стр. 4935
(ويقولون) أي المؤمنون يعني قالوه بإخبار الرسول لهم عن جبريل ﵇ (سبعة وثامنهم كلبهم) وكان قول هذه الفرقة أقرب إلى الصواب بدليل عدم إدخالهم في سلك الراجمين بالغيب، قيل وإظهار الواو في هذه الجملة يدل على أنها مرادة في الجملتين الأوليين، وعلى رأي الأخفش والكوفيين الواو زائدة لأن وجودها في الكلام كالعدم في عدم إفادة أصل معناها. قاله الكرخي.
وقيل زائدة لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف والدلالة على أن اتصافه بها أمر ثابت، وهذا ما جنح إليه الزمخشري وصرح به البيضاوي واختاره ابن هشام، وقيل إنها واو العطف كأنه قيل هم سبعة وثامنهم كلبهم، وقيل واو الحال فيؤول المعنى إلى أنهم يقولون ذلك مع هذا الحال وهو كون ثامنهم كلبهم واقعاً لا محالة ويلزم منه أن يكونوا سبعة.
قال ابن هشام: وقول جماعة الأدباء كالحريري ومن النحوين كابن خالويه ومن المفسرين كالثعلبي أنها واو الثمانية لا يرضاه نحوي لأنه لا يتعلق به حكم إعرابي ولا سر معنوي. قال الكرخي: هي في التحقيق واو العطف، لكن لما اختص استعمالها بمحل مخصوص تضمنت أمراً غريباً واعتباراً لطيفاً ناسب أن تسمى باسم غير جنسها فسميت بواو الثمانية لمناسبة بينها وبين سبعة، وذلك لأن السبعة عندهم عند تام كعقود العشرات لاشتمالها على أكثر مراتب أصول الأعداد، والثمانية عند مستأنف فكان بينهما اتصال من وجه وانفصال من وجه، وهذا هو المقتضي للعطف. وهذا المعنى ليس موجوداً بين السبعة والستة. انتهى ملخصاً من الكرخي.
ثم أمر الله نبيه ﷺ أن يخبر المختلفين في عددهم بما يقطع التنازع بينهم فقال (قل ربي أعلم) أي أقوى علماً وأزيد في الكيفية (بعدَّتهم) منكم أيها المختلفون؛ فإن مراتب اليقين متفاوتة في القوة، وهذا هو الحق لأن العلم بتفاصيل العالم والكائنات فيه في الماضي والمستقبل لا يكون
стр. 4936
إلا لله تعالى أو من أخبرهم الله سبحانه.
ثم أثبت العلم على ذلك لقليل من الناس فقال (ما يعلمهم) أي ما يعلم ذواتهم فضلاً عن عددهم، أو ما يعلم عددهم على حذف المضاف (إلا قليل) من الناس عن ابن مسعود قال: أنا من القليل كانوا سبعة. وعن ابن عباس قال السيوطي بسند صحيح أنا من أولئك القليل كانوا سبعة، ثم ذكر أسماءهم.
وذكر بعض المفسرين لأسمائهم خواص ومنافع ليست من التفسير في شيء ثم نهى الله سبحانه رسوله ﷺ عن الجدال مع أهل الكتاب في شأن أصحاب الكهف فقال:
(فلا تمار فيهم) أي لا تجادل ولا تقل في عددهم وشأنهم؛ والمراء في اللغة الجدال، يقال مارى يماري مماراة ومراء أي جادل. قال ابن عباس: يقول حسبك ما قصصت عليك؛ ثم استثنى سبحانه من المراء ما كان ظاهراً واضحاً فقال (إلا مراء ظاهراً) أي غير متعمق فيه، وهو أن يقص عليهم ما أوحى الله إليه فحسب من غير تجهيل لهم ومن غير رد عليهم.
وقال الرازي: هو أن لا يكذبهم في تعيين ذلك العدد، بل يقول هذا التعيين لا دليل عليه فوجب التوقف. ثم نهاه سبحانه عن الاستفتاء في شأنهم فقال (ولا تستفت فيهم) أي في شأنهم (منهم) أي من الخائضين فيهم (أحداً) منهم لأن المفتي يجب أن يكون أعلم من المستفتي. وهاهنا الأمر بالعكس ولا سيما في واقعة أهل الكهف، وفيما قص الله عليك في ذلك ما يغنيك عن سؤال من لا علم له.
قال ابن عباس: يعني اليهود، وقال القرطبي: النصارى وهو الأولى، قال البيضاوي: لا تسأل سؤال مسترشد ولا سؤال متعنت، يريد فضيحة المسؤول وتزييف ما عنده فإنه يخل بمكارم الأخلاق، وفي الآية دليل على منع المسلمين من مراجعة أهل الكتاب في شيء من العلم.
إِلَّا أَنْ يَشَاءَ الله) أي لا تقولن لأجل شيء أو في شأن شيء تعزم عليه فيما يستقبل من الزمان، فعبر عنه بالغد، ولم يرد الغد بعينه، فيدخل فيه الغد دخولاً أولياً، قال الواحدي: قال المفسرون لما سألت اليهود النبي ﷺ عن خبر الفتية فقال: أخبركم غداً ولم يقل إن شاء الله فاحتبس الوحي عنه حتى شق عليه، فأنزل الله هذه الآية يأمره بالاستثناء بمشيئة الله، يقول إذا قلت لشيء إني فاعل ذلك غداً فقل إن شاء الله.
قيل وهذا الاستثناء مفرغ من أعم الأحوال، أي لا تقولن ذلك في حال من الأحوال إلا في حال ملابسته لمشيئة الله، وهو أن تقول إن شاء الله، أو في وقت من الأوقات إلا وقت أن يشاء الله أن تقوله لا مطلقاً بل بإذن الله، فحذف الوقت وهو مراد، أولا تقولن أفعل غداً إلا قائلاً إن شاء الله، فحذف القول ونقل شاء إلى لفظ الاستقبال حملاً على المعنى. قاله الأخفش والمبرد والكسائي.
وقيل: التقدير إلا بأن يشاء الله، أي متلبساً بقول إن شاء الله، والمعنى إلا أن تذكر مشيئة الله فليس إلا أن يشاء الله من القول الذي نهى عنه، وقيل الاستثناء جار مجرى التأبيد، كأنه قيل لا تقولنه أبداً، كقوله (وما يكون لنا
стр. 4940
أن نعود فيها إلا أن يشاء الله) لأن عودهم في ملتهم مما لا يشاؤه الله. (واذكر ربك إذا نسيت) الاستثناء بمشيئة الله، أي فقل إن شاء الله سواء كانت المدة قليلة أو كثيرة؛ وقد اختلف أهل العلم في المدة التي يجوز إلحاق الاستثناء فيها بعد المستثنى منه على أقوال معروفة في مواضعها، وقيل: المعنى واذكر ربك بالاستغفار إذا نسيت مبالغة في الحث عليه، أو اذكر ربك عقابه إذا تركت بعض ما أمرك به ليبعثك على التدارك، أو اذكره إذا اعتراك النسيان لتذكر المنسيّ. وعن ابن عباس أنه كان يرى الاستثناء ولو بعد سنة ثم قرأ هذه الآية. وعنه قال: هي خاصة لرسول الله ﵌ وليس لأحد أن يستثني إلا في صلة يمين.
وعن ابن عمر قال: كل استثناء موصول فلا حنث على صاحبه وإذا
كان غير موصول فهو حانث.
وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أبي هريرة قال، قال رسول الله ﷺ : " قال سليمان بن داود: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة. وفي رواية تسعين تلد كل امرأة منهن غلاماً يقاتل في سبيل الله، فقال له الملك قل إن شاء الله، فلم يقل، فطاف فلم تلد منهن إلا امرأة واحدة نصف إنسان، قال رسول الله ﵌ " والذي نفسي بيده لو قال إن شاء الله لم يحنث وكان دركاً لحاجته " (١).
وعن عكرمة قال: معنى إذا نسيت إذا غضبت. وعن الحسن قال: إذا نسيت إذا لم تقل إن شاء الله. وقيل الآية في الصلاة ويدل له حديث أنس قال: قال رسول الله ﷺ " مَن نسي صلاةً فليُصلِّها إذا ذَكَرَها " (٢) أقم الصلاة لذكري متفق عليه. والأول أولى.