← Тафсир

Тафсир · id 37458

فتح البيان في مقاصد القرآن

صديق حسن خان

Полный текст (12 043 стр.). Показаны 5041–5080 · переход к 5046.

стр. 5041

قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٥) قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا (٧٦) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (٧٧) قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٧٨) أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (٧٩) وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (٨٠)

стр. 5042

(قال) الخضر (ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبراً) زاد هنا لفظ لك لأن سبب العتاب أكثر وموجبه أقوى فقد نقض العهد مرتين، وقيل زاد لقصد التأكيد كما تقول لمن توبخه، لك أقول وإياك أعني، وقيل زاد لعدم العذر هنا تحاملاً في الخطاب وتقريعاً لموسى. ولهذا

стр. 5043

(قال) موسى (إن سألتك عن شيء بعدها) أي بعد هذه المرة أو بعد هذه النفس المقتولة (فلا تصاحبني) أي لا تجعلني صاحباً لك؛ وقرئ تصحبني قال الكسائي: معناه لا تتركني أصحبك، وقرئ بضم التاء والباء وتشديد النون؛ نهاه عن مصاحبته مع حرصه على التعلم لظهور عذره. ولذا قال (قد بلغت من لدني عذراً) في مفارقتك لي، يريد أنك قد أعذرت حيث خالفتك ثلاث مرات. وهذا كلام نادم شديد الندامة اضطره الحال إلى الاعتراف وسلوك سبيل الإنصاف، وقرأ الجمهور لدني مخففاً وشددها الباقون، وعن أبيّ قال: أن النبي ﷺ قرأ من لدني عذراً مثقلة. أخرجه أبو داود والترمذي والطبراني وغيرهم. وقرأ الجمهور عذْرُاً بسكون الذال وقرئ بضمها، وحكى الداني أن أبيا روى عن النبي ﷺ بكسر الراء وياء بعدها بإضافة العذر إلى نفسه.

стр. 5044

(فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية) قيل هي (أيلة) وهي أبعد الأرض من السماء وقيل انطاكية، وقيل برقة، وقيل قرية من قرى أذربيجان، وقيل قرية من قرى الروم، وقيل هي بلدة بالأندلس (استطعما أهلها) طلبا منهم الطعام بضيافة؛ وضع الظاهر موضع المضمر لزيادة التأكيد أو للتأسيس أو لكراهة اجتماع الضميرين في هذه الكلمة لما فيه من المكلفة أو لزيادة التشنيع على أهل القرية بإظهارهم (فأبوا أن يضيفوهما) أي أن يعطوهما ما هو حق واجب عليهم من ضيافتهما؛ فمن استدل بهذه الآية على جواز السؤال وحل الكدية فقد أخطأ خطأً بيّناً ومن ذلك قول بعض الأدباء الذين يسألون الناس: فإن رددت فما في الرد منقصة ... عليَّ قد ردّ موسى قبل والخضر وقد ثبت في السنة تحريم السؤال بما لا يمكن دفعه من الأحاديث الصحيحة الكثيرة. عن أبيّ أن النبي ﷺ قرأ أن يضيفوهما مشددة، قيل شر القُرَى التي تبخل بالْقِرَى أي لا تضيف الضيف، قيل أطعمتهما امرأة من أهل بربر بعد أن طلبا من الرجال فلم يطعموهما فدعيا لنسائهم ولعنا رجالهم. (فوجدا فيها) أي في القرية (جداراً) طوله مائة ذراع وعرضه خمسون ذراعاً وامتداده على وجه الأرض خمسمائة ذراع (يريد أن ينقضّ) إسناد الإرادة إلى الجدار مجاز، قال الزجاج: الجدار لا يريد إرادة حقيقة إلا أن هيئة السقوط قد ظهرت فيه كما تظهر أفعال المريدين القاصدين فوصف بالإرادة ومعنى الانقضاض السقوط بسرعة يقال انقض الحائط إذا وقع وانقض الطائر إذا هوى من طيرانه فسقط على شيء. (فأقامه) أي فسواه الخضر بيده لأنه وجده مائلاً فرده كما كان، وقيل نقضه وبناه، وقيل أقامه بعمود، عن أبيّ بن كعب عن رسول الله صلى الله

стр. 5045

عليه وآله وسلم أنه قرأ يريد أن ينقض فهدمه ثم قعد يبنيه " قلت " ورواية الصحيحين التي قدمناها أنه مسحه بيده أولى. (١) (قال) موسى (لو شئت لتخذت) عن أبيّ إن الرسول ﷺ قرأ لتخذت مخففاً يقال تخذ فلان يتخذ تخذاً مثل اتخذ (عليه أجراً) أي على إقامته وإصلاحه، تحريضاً من موسى للخضر على أخذ الجعل والأجرة ليتعشيا به أو تعريضاً بأنه فضول، والأول أولى، قال الفراء: معناه لو شئت لم تقمه حتى يقرونا فهو الأجر.

стр. 5046

(قال) الخضر (هذا فراق بيني وبينك) على إضافة فراق إلى الظرف اتساعاً أي هذا الكلام والإنكار منك على ترك الأجر هو المفرق بيننا قال الزجاج: المعنى هذا فراق بيننا أي هذا فراق اتصالنا وكرر بين تأكيداً. أخرج أبو داود والنسائي والترمذي والحاكم وصححه وغيرهم عن ابن عباس عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ رحمة الله علينا وعلى موسى لو صبر لقص الله علينا من خبره ولكن (قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني) (١) ولما قال الخضر لموسى بهذا أخذ في بيان الوجه الذي فعل بسببه تلك الأفعال التي أنكرها موسى فقال: (سأنبئك) قبل فراقي لك (بتأويل ما لم تستطع عليه صبراً) أي الأمور الثلاثة المتقدمة، والمراد بالتأويل إظهار ما كان باطناً ببيان وجهه، قاله الشهاب وفي القرطبي المراد بالتأويل التفسير، وأصل التأويل رجوع الشيء إلى مآله. ثم شرع في البيان له فقال

стр. 5047

(أما السفينة) يعني التي خرقها (فكانت لمساكين) لضعفاء عشرة وكانوا إخوة لا يقدرون على دفع من أراد ظلمهم وقد

стр. 5048

ذكر النقاش أسماءهم وقرأ جماعة مساكين بتشديد السين واختلف في معناها فقيل هم ملاحو السفينة وذلك أن المساك هو الذي يمسك السفينة والأظهر قراءة الجمهور بالتخفيف. (يعملون في البحر) ولم يكن لهم مال غير تلك السفينة يكرونها من الذين يركبون البحر ويأخذون الأجرة، وقد استدل الشافعي بهذه الآية على أن الفقير أسوأ حالاً من المسكين (فأردت أن أعيبها) أي أجعلها ذات عيب بنزع ما نزعته منها (وكان وراءهم ملك) جملة حالية بإضمار قد قال المفسرون: يعني أمامهم، وعن ابن عباس أن النبي ﷺ كان يقرأ أمامهم، وعن أبيّ بن كعب أنه قرأها كذلك وكتب عثمان (وكان وراءهم) ووراء يكون أمام، وقد مر الكلام على هذا في قوله (ومن ورائه عذاب غليظ). وقيل أراد خلفهم وكان طريقهم في الرجوع عليه وما كان عندهم خبر بأنه (يأخذ كل سفينة) صالحة لا معيبة (غصباً) نصبه على المصدر المبين لنوع الأخذ، وقد قرأ ابن عباس وأبي بن كعب بزيادة صالحة والملك الغاصب كان اسمه الجلندي الأزدي وكان كافراً، وقيل كان اسمه هدد بن بدد، وقيل كان ملك غسان واسمه جيسورا ذكره القرطبي.

стр. 5049

(وأما الغلام) يعني الذي قتله (فكان أبواه مؤمنين) ولم يكن هو كذلك وقرأ ابن عباس وأما الغلام فكان كافراً وكان أبواه مؤمنين (فخشينا) الخشية خوف يشوبه تعظيم، وأكثر ما يكون عن علم بما يخشى منه، وقيل معناه فعلمنا والأول أولى. وعن قتادة: هي في مصحف عبد الله فخاف ربك (أن يرهقهما) أي يرهق الغلام أبويه يقال رهقه أي غشيه وأرهقه أغشاه، قال المفسرون: معناه

стр. 5050

خشينا أن يحملهما حبه على أن يتبعاه في دينه وهو الكفر، وقيل المعنى فخشينا أن يرهق الوالدين (طغياناً) عليهما (وكفراً) لنعمتهما بعقوقه. قيل ويجوز أن يكون فخشينا من كلام الله ويكون المعنى كرهنا كراهة من خشى سوء عاقبة أمره فغيره، وهذا ضعيف جداً فالكلام كلام الخضر. وقد استشكل بعض أهل العلم قتل الخضر لهذا الغلام بهذه العلة فقيل: إنه كان بالغاً وقد استحق ذلك بكفره، وقيل كان يقطع الطريق فاستحق القتل لذلك ويكون معنى خشينا الخ أن الخضر خاف على الأبوين أن يذبا عنه ويتعصبا له فيقعا في المعصية، وقد يؤدي ذلك إلى الكفر والارتداد. والحاصل أنه لا إشكال في قتل الخضر له إذا كان بالغاً كافراً أو قاطعاً للطريق هذا فيما تقتضيه الشريعة الإسلامية، ويمكن أن يكون للخضر شريعة من عند الله سبحانه تسوغ له ذلك. وأما إذا كان الغلام صبياً غير بالغ فقيل: أن الخضر علم بإعلام الله له أنه لو صار بالغاً لكان كافراً يتسبب عن كفره إضلال أبويه وكفرهما وهذا وإن كان ظاهر الشريعة الإسلامية يأباه فإن قتل من لا ذنب له ولا قد جرى عليه قلم التكليف لخشية أن يقع منه بعد بلوغه ما يجوز به قتله لا يحل في الشريعة المحمدية، ولكنه حل في شريعة أخرى فلا إشكال.

стр. 5051

فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (٨١) وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٨٢) وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (٨٣)

стр. 5052

(فأردنا أن يبدلهما) الإبدال رفع الشيء ووضع آخر مكانه، قال الزجاج: معنى فأردنا فأراد الله ومثله في القرآن، وقيل المعنى أردنا أن يرزقهما الله (ربهما) بدل هذا الولد ولداً (خيراً منه) والتفضيل ليس على بابه (زكاة) أي ديناً وصلاحاً وتقوى وطهارة من الذنوب (وأقرب رحماً) بسكون الحاء وقرئ بضمها الرحمة يقال ﵀ رحمة ورحماً والألف للتأنيث قال ابن عباس: رحماً مودة فأبدلا جارية ولدت نبياً.

стр. 5053

(وأما الجدار) يعني الذي أصلحه (فكان لغلامين يتيمين) قيل اسمهما أصرم وصريم (في المدينة) هي القرية المذكورة سابقاً وفيه جواز إطلاق المدينة على القرية لغة، وقيل عبر هناك بالقرية تحقيراً لها لخسة أهلها وعبر هنا بالمدينة تعظيماً لها من حيث اشتمالها على هذين الغلامين وعلى أبيهما (وكان تحته كنز لهما) قيل كان مالاً جسيماً كما يفيده لفظ الكنز، وبه قال عكرمة وقتادة إذ هو المال المجموع. قال الزجاج: المعروف في اللغة أن الكنز إذا أفرد فمعناه المال المدفون فإذا لم يكن مالاً قيل كنز علم وكنز فهم، وقيل لوح من ذهب، وقيل علم في صحف مكتوبة مدفونة، عن قتادة قال: كان الكنز لمن قبلنا وحرم علينا وحرمت الغنيمة على من كان قبلنا وأحلت لنا، فلا يعجبن الرجل فيقول ما شأن الكنز أحل لمن قبلنا وحرم علينا فإن الله يحل من أمره ما شاء ويحرم ما شاء، وهي السنن والفرائض تحل لأمة وتحرم على أخرى.

стр. 5054

وعن أبي الدرداء عن النبي ﷺ قال: وكان تحته كنز ذهب وفضة أخرجه البخاري في تاريخه والترمذي وحسنه والطبراني والحاكم وصححه (١)، وعن أبي الدرداء قال: أحلت لهم الكنوز وحرمت عليهم الغنائم، وأحلت لنا الغنائم وحرمت علينا الكنوز. وأخرج البزار وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي ذر رفعه قال: إن الكنز الذي ذكره الله في كتابه لوح من ذهب مصمت فيه " عجبت لمن أيقن بالقدر ثم نصب، وعجبت لمن ذكر النار ثم ضحك، وعجبت لمن ذكر الموت ثم غفل لا إله إلا الله محمد رسول الله " وفي نحو هذا روايات كثيرة لا تتعلق بذكرها فائدة. (وكان أبوهما صالحاً) فكان صلاحه مقتضياً لرعاية ولديه وحفظ مالهما، فظاهر اللفظ أنه أبوهما حقيقة، وقيل هو الذي دفنه، وقيل هو الأب السابع من عند الدافن له. قاله جعفر بن محمد وقيل العاشر وكان يسمى كاشحاً وكان من الأتقياء قاله مقاتل، واسم أمهما دنيا. ذكره النقاش، ففيه ما يدل على أن الله يحفظ الصالح في نفسه وفي ولده وإن بعدوا. قال ابن عباس: حفظا بصلاح أبيهما. وأخرج ابن مردويه عن جابر قال: قال رسول الله ﵌: " إن الله يصلح بصلاح الرجل الصالح ولده وولد ولده وأهل دويرته، وأهل دويرات حوله، فما يزالون في حفظ الله تعالى ما دام فيهم " (١). وعن ابن عباس نحوه وقال موضع حفظ الله في ستر من الله وعافية. قال سعيد بن المسيب: إني لأصلي فأذكر ولدي فأزيد في صلاتي. وقد

стр. 5055

روي أن الله يحفظ الصالح في سبعة من ذريته، وعلى هذا يدل قوله تعالى (إن وليّيّ الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين) قاله القرطبي. (فأراد ربك) أي مالكك ومدبر أمرك، وأضاف الرب إلى ضمير موسى تشريفاً له، وإنما ذكر أولاً: فأردت لأنه إفساد في الظاهر وهو فعله، وثانياً: فأردنا لأنه إفساد من حيث الفعل إنعام من حيث التبديل، وثالثاً: فأراد ربك لأنه إنعام محض وغير مقدور للبشر. قال الشوكاني في الفتح الرباني: علم أنه قد وجد في الخضر ﵇ المقتضى للمجيء بنون العظمة لما تفضل الله به عليه من العطايا العظيمة والمواهب الجسيمة التي من جملتها العلم الذي فضله الله به حين أخبر موسى ﵇ لما سأله هل في الأرض أعلم منه؟ فقال عبدنا خضر كما هو ثابت في الصحيح، كان هذا وجهاً صحيحاً ومسوغاً صحيحاً للمجيء بنون العظمة تارة وعدم المجيء بها أخرى، فقال فأردت أن أعيبها، وقال فأردنا ملاحظاً في أحد الموضعين لما يستحقه من التعظيم تحدثاً بنعمة الله سبحانه عليه وفي الموضع الآخر قاصداً للتواضع وأنه فرد من أفراد البشر غير ناظر إلى تلك المزايا التي اختصه الله بها سبحانه مع كون ذلك هو الصيغة التي هي الأصل في تكلم الفرد. ْومع هذا ففي تلوين العبارة نوع من الحسن آخر وهو الافتنان في الكلام فإنه أحسن تطرية لنشاط السامع وأكثر إيقاظاً له، كما قيل في نكتة الالتفات، ويمكن أن يقال إن خرق السفينة لما كان باعتبار تحصيل مسماه أمراً يسيراً فإنه يحصل بنزع لوح من ألواحها، قال (فأردت أن أعيبها) ولما كان القتل مما تتعاظمه النفوس وتدخل فاعله الروعة العظيمة نزل منزلة ما لا يقدر عليه إلا جماعة. ويمكن أيضاً وجه ثالث وهو أن يقال لما كان خرق السفينة مما يمكن تداركه بأن يرد اللوح الذي نزعه كان ذلك وجهاً للإفراد لأنه يسير بالنسبة إلى ما لا يمكن تداركه وهو القتل.

стр. 5056

وأما قوله (فأراد ربك) فوجه نسبة الإرادة إلى الرب سبحانه أن هذه الإرادة وقعت على قوله أن يبلغا أشدهما، ومعلوم أن ذلك لا يكون من فعل البشر ولا بإرادته لأن بقاءهما في الحياة حتى يبلغا الأشد لا يدخل تحت طاقة البشر ولا يصح نسبته إلى غير الرب ؛ ولهذا يقول الخضر (رحمة من ربك وما فعلته عن أمري) هذا ما خطر بالبال عند الوقوف على هذه الآية، ولم أقف على كلام لأحد من أهل التفسير فيما يتعلق بذلك أهـ. (أن يبلغا أشدهما) أي كمالهما وتمام نموهما (ويستخرجا كنزهما) من ذلك الموضع الذي عليه الجدار، ولو انقض لخرج الكنز من تحته قبل اقتدارهما على حفظ المال وتنميته وضاع بالكلية (رحمة من ربك) لهما وهو مصدر في موضع الحال أي مرحومين من الله سبحانه. (وما فعلته عن أمري) أي عن اجتهادي ورأيي وهو تأكيد لما قبله فقد علم بقوله: فأراد ربك أنه لم يفعله الخضر عن أمر نفسه لأن تنقيص أموال الناس وإراقة دمائهم وتغيير أحوالهم لا يكون إلا بالنص، وليس في هذا دلالة على نبوة الخضر كما زعم الجمهور بل هو إلهام من الله سبحانه إليه. (ذلك) المذكور من تلك البيانات التي بينتها لك وأوضحت وجوهها (تأويل ما لم تسطع عليه صبراً) أي ما ضاق صبرك عنه ولم تطق السكوت عليه. ومعنى التأويل هنا هو المال الذي آلت إليه تلك الأمور، وهو اتضاح ما كان مشتبهاً على موسى وظهور وجهه، وحذف التاء من تسطع تخفيفاً، يقال اسطاع واستطاع بمعنى أطاق، ففي هذا وما قبله جمع بين اللغتين. وقد اختلف أهل العلم في نسب الخضر وفي كونه نبياً وفي طول عمره وبقاء حياته وكونه باقياً إلى زمن النبي ﵌ وحياته بعده على أقوال. كثيرة، فقيل هو ابن آدم لصلبه وهو ضعيف منقطع. وقيل إنه ابن قابيل بن آدم وهو معضل؛ وقيل إنه من سبط هارون أخي موسى وهو بعيد. وقيل إنه أرميا بن خلقيا ورده ابن جرير وقيل إنه ابن بنت فرعون، وقيل ابن

стр. 5057

فرعون لصلبه، وقيل إنه اليسع، وقيل إنه من ولد فارس. وقيل من ولد بعض من كان آمن بإبراهيم وهاجر معه من أرض بابل، وقيل كان أبوه فارسياً وأمه رومية، وقيل بعكس ذلك. ثم قيل كان اسمه عامراً؛ وقيل بليا بن ملكان، وقيل كلمان بدل ملكان، وقيل معمر بن مالك وكنيته أبو العباس، وهذا متفق عليه. قاله النووي. واحتج من قال إنه نبي بقوله تعالى (وما فعلته عن أمري) لأن الظاهر من هذا أنه فعله بأمر الله والأصل عدم الواسطة. قال الثعلبي: هو نبي في سائر الأقوال، ثم قيل نبي غير مرسل، وقيل أرسل إلى قومه فاستجابوا له ونصره الرماني ثم ابن الجوزي، وقيل كان ولياً وإليه ذهب جماعة من الصوفية، وبه قال علي بن أبي موسى من الحنابلة وابن الأنباري والقشيري، وقيل إنه ملك من الملائكة. قال ابن جرير في تاريخه: إنه كان في أيام فريدون الملك في قول عامة أهل الكتاب الأول، وقيل كان على مقدمة ذي القرنين الأكبر الذي كان في زمن إبراهيم الخليل، وقصته هذه ذكرها جماعة منهم خيثمة بن سليمان. وأما تعميره فقال ابن عباس: نسئ للخضر في أجله حتى يكذب الدجال، وقال أبو محنف: أجمع أهل العلم بالأحاديث والجمع لها أنه أطول آدمي عمراً وشرب من عين الحياة، وقال الحسن: وكل الخضر بالبحور وإلياس بالفيافي، وإنهما يجتمعان في موسم كل عام، وروى أبان مرفوعاً إليه ﷺ اجتماعهما عند ردم يأجوج ومأجوج كل ليلة، وفي سنده متروكان. وقال النووي في التهذيب. قال الأكثرون من العلماء: هو حي موجود بين أظهرنا وذلك متفق عليه بين الصوفية وأهل الصلاح والمعرفة وحكاياتهم

стр. 5058

في رؤيته والاجتماع به والأخذ عنه وسؤاله ووجوده في المواضع الشريفة ومواطن الخير أكثر من أن تحصى، وأشهر من أن تذكر. قال ابن الصلاح: هو حي عند جماهير العلماء والصلحاء والعامة منهم، إنما شذ بإنكاره بعض المحدثين. وقال بعضهم: إن لكل زمان خضراً وهي دعوى لا دليل عليها، وقال السهيلي: اسمه عاميل وإن أباه كان ملكاً، وأنه الرجل الذي يقتله الدجال ثم يحييه. وقال البخاري وطائفة من أهل الحديث: إنه مات قبل انقضاء مائة سنة من الهجرة، ونصره أبو بكر العربي لقوله ﵌ في آخر حياته " لا يبقى على وجه الأرض بعد مائة سنة ممن عليها اليوم " (١)؛ وله ألفاظ عند الشيخين وغيرهما عن جابر وابن عمر. وأجاب من أثبت حياته بأنه كان حينئذ على وجه البحر، وما أبرد هذا الجواب وأبعده عن الصواب. وأما اجتماعه مع النبي ﷺ وتعزيته لأهل البيت وهم مجتمعون لغسله ﷺ فقال لهم عليّ: هو الخضر فقد ذكره ابن عبد البر في التمهيد، وقيل اجتمع الناس مع النبي ﷺ ، وإذا جاز ذلك جاز لقاء الخضر، رواه ابن أبي الدنيا عن أنس، وتعقبه الحافظ أبو الخطاب بن دحية وقال: لم يصح من طرقه شيء ولا يثبت اجتماعه مع أحد من الأنبياء إلا مع موسى كما قصه الله من خبره، وجميع ما ورد في حياته لا يصح منه شيء باتفاق أهل النقل. وأما ما جاء من المشايخ فهو مما يتعجب منه، كيف يجوز لعاقل أن يلقى شيخاً لا يعرفه فيقول له أنا فلان فيصدقه، وحديث التعزية المتقدم موضوع وفيه ابن محرز متروك، قال مسلم صاحب الصحيح فلما رأيته كانت بعرة

стр. 5059

أحب إليَّ منه، وما روي عن أنس فموضوع أيضاً، وقد نقل تكذيبه عن أحمد ويحيى وإسحاق وأبي زرعة، وسياق المتن ظاهر النكارة وإنه من المجازفات. وتمسك من قال بتعميره بقصة عين الحياة واستند إلى ما وقع من ذكرها في صحيح البخاري وجامع الترمذي لكن لم يثبت ذلك مرفوعاً، وأخرج الطبراني في المعجم الكبير حديثاً طويلاً عن أبي أمامة الباهلي مرفوعاً إليه ﷺ في قصة الخضر يدل على كونه نبياً وسنده حسن لولا عنعنة بقية وهو ضعيف. وقد ذهب إلى أن الخضر مات عليُّ بن موسى الرضا والبخاري، وانكر أن يكون باقياً للحديث المتقدم، وهو عمدة من تمسك بأنه مات. قال أبو حيان في تفسيره: الجمهور على أن الخضر مات، وبه قال ابن أبي الفضل المرسي، لأنه لو كان حياً لزمه المجيء إلى النبي ﷺ والإيمان به واتباعه، وقد روي عنه ﷺ أنه قال: لو كان موسى حياً ما وسعه إلا اتباعي؛ وبذلك جزم ابن المناوي وإبراهيم الحربي وأبو طاهر العبادي. وأخرج مسلم من حديث جابر قال؛ قال رسول الله ﷺ قبل موته بشهر: " أقسم بالله ما على الأرض نفس منفوسة يأتي عليها مائة سنة " (١)، وله ألفاظ وطرق عند الترمذي وغيره. وممن جزم أنه غير موجود الآن أبو يعلى الحنبلي وأبو الفضل بن ناصر والقاضي أبو بكر بن العربي وأبو بكر بن النقاش وابن الجوزي، واستدل على ذلك بأدلة منها ما تقدم، ومنها قوله تعالى (وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون). قال ابن عباس: ما بعث الله نبياً إلا أخذ عليه الميثاق إن بعث محمد وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه. أخرجه البخاري. فلو كان الخضر موجوداً لجاء إليه ونصره بيده ولسانه وقاتل تحت رايته،

стр. 5060

ولم يأت في خبر صحيح أنه جاء إلى النبي ﵌ أو قاتل معه. قال أبو الحسين بن المناوي: بحثت عن تعمير الخضر وهل هو باق أم لا فإذا أكثر المغفلين مغترون بأنه باق من أجل ما روي في ذلك، والأحاديث المرفوعة في ذلك واهية، والسند إلى أهل الكتاب ساقط لعدم ثقتهم؛ وخبر مسلمة بن مصقلة كالخرافة، وخبر رياح كالريح وما عدا ذلك من الأخبار كلها واهية الصدور والأعجاز لا يخلو حالها من أمرين؛ إما أن تكون أدخلت على الثقات استغفالاً أو يكون بعضهم تعمد ذلك. وقد قال الله (وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد). وفي تفسير الأصفهاني عن الحسن أن الخضر مات، وقد مر عنه أيضاً أنه حي، وإذا تعارضا تساقطا، واحتج ابن الجوزي أيضاً بما ثبت في صحيح البخاري أن النبي ﷺ قال يوم بدر: " اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض " (١)، ولم يكن الخضر فيهم، ولو كان يومئذ حياً لورد على هذا العموم، فإنه كان ممن يعبد قطعاً. وقد بسط الحافظ بن حجر العسقلاني القول في بيان أحوال الخضر وأخباره قبل بعثة النبي ﵌ والتي وردت أن الخضر وإلياس كانا في زمن النبي ﵌ ثم بعده إلى الآن، وما جاء في بقائه بعد النبي ﷺ ومن نقل عنه أنه رآه وكلمه في أبواب مستقلة من كتابه الإصابة في معرفة الصحابة، وتكلم على أسانيدها جرحاً وتعديلاً وغالبها لا يخلو عن علة أو ضعف أو انقطاع أو إعضال أو وضع أو نكارة أو شذوذ، ولا يصلح شيء للاستدلال على حياة الخضر وبقائه إلى الآن أو إلى خروج الدجال.

стр. 5061

والحق ما ذكرناه عن البخاري وأضرابه في ذلك ولا حجة في قول أحد كائناً من كان إلا الله سبحانه ورسوله ﷺ ، ولم يرد في ذلك نص مقطوع به ولا حديث مرفوع إليه ﷺ حتى يعتمد عليه ويصار إليه؛ وظاهر الكتاب والسنة نفي الخلد وطول التعمير لأحد من البشر، وهما قاضيان على غيرهما، ولا يقضي غيرهما عليهما. ومن قال إنه نبي أو مرسل أو حي باق لم يأت بحجة نيرة ولا سلطان مبين، وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل، وقد تكلم الحافظ على هذا الباب في فتح الباري أيضاً فمَنْ شاء الاطلاع على تفصيل ذلك فليرجع إليه وبالله التوفيق، ومنه الفتح والإصابة. ولما أجاب سبحانه عن سؤالين من سؤالات اليهود وانتهى الكلام إلى حيث انتهى شرع سبحانه في السؤال الثالث والجواب عنه، فالمراد بالسائلين في قوله (ويسألونك) هم اليهود أي سؤال تعنت (عن ذي القرنين) واختلفوا فيه اختلافاً كثيرا، فقيل هو الاسكندر بن فيلقوس الذي ملك الدنيا كلها بأسرها اليوناني باني الاسكندرية. وقال ابن إسحاق: هو رجل من أهل مصر اسمه مرزبان بن مرزبة اليوناني من ولد يونان بن يافث بن نوح، وقيل هو ملك اسمه هرمس وقيل هردس، وقيل شاب من الروم وقيل كان نبياً وقيل كان عبداً صالحاً وقيل اسمه عبد الله بن الضحاك وقيل مصعب بن عبد الله من أولاد كهلان بن سبا. وحكى القرطبي عن السهيلي أنه قال: أن الظاهر من علم الأخبار أنهما اثنان أحدهما كان على عهد إبراهيم ﵇، والآخر كان قريباً من عيسى ﵇، وقيل هو أبو كرب الحميري وقيل هو ملك من الملائكة؛ ورجح الرازي القول الأول قال: لأن من بلغ ملكه من السعة والقوة إلى الغاية التي نطق بها النزيل إنما هو إسكندر اليوناني كما يشهد به كتب التواريخ قال فوجب القطع بأن ذا القرنين هو الاسكندر. قال: وفيه إشكال لأنه كان تلميذاً لأرسطاطاليس الحكيم وكان

стр. 5062

على مذهبه فتعظيم الله إياه يوجب الحكم بأن مذهب أرسطاطاليس حق وصدق، وذلك مما لا سبيل إليه. قال النيسابوري: قلت ليس كل ما ذهب إليه الفلاسفة باطلاً فلعله أخذ منهم ما صفا وترك ما كدر والله أعلم، ورجح ابن كثير ما ذكره السهيلي من أنهما اثنان كما قدمنا ذلك وبين أن الأول طاف بالبيت مع إبراهيم أول ما بناه وآمن به واتبعه وكان وزيره الخضر، وأما الثاني فهو الاسكندر المقدوني اليوناني وكان وزيره الفيلسوف المشهور أرسطاطاليس وكان قبل المسيح بنحو من ثلاثمائة سنة، فأما الأول المذكور في القرآن فكان في زمن الخليل. هذا معنى ما ذكره ابن كثير في تفسيره راوياً له عن الأزرقي وغيره ثم قال: وقد ذكرنا طرفاً صالحاً في أخباره في كتاب (البداية والنهاية) بما فيه كفاية (١)، وحكى أبو السعود في تفسيره عن ابن كثير أنه قال؛ وإنما بينا هذا يعني أنهما اثنان لأن كثيراً من الناس يعتقد أنهما واحد، وأن المذكور في القرآن العظيم هو هذا المتأخر فيقع بذلك خطأ كثير وفساد كبير. كيف لا والأول كان عبداً صالحاً مؤمناً وملكاً عادلاً ووزيره الخضر، وقد قيل إنه كان نبياً، وأما الثاني فقد كان كافراً ووزيره أرسطاطاليس الفيلسوف وكان بينهما من الزمان أكثر من ألفي سنة، فأين هذا من ذاك انتهى. قلت: لعله ذكر هذا في الكتاب الذي ذكره سابقاً وسماه بالبداية والنهاية ولم نقف عليه والذي يستفاد من كتب التاريخ هو أنهما اثنان كما ذكره السهيلي والأزرقي وابن كثير وغيرهم لا كما ذكر الرازي وادعى أنه الذي تشهد به كتب التواريخ وقد وقع الخلاف هل هو نبي أم لا؟ وسيأتي ما يستفاد منه المطلوب. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب الرد على المنطقيين: المشهور

стр. 5063

المتواتر أن أرسطو وزير الاسكندر بن فيلبس كان قبل المسيح بنحو ثلاثمائة سنة وكثير من الجهال يحسب أن هذا هو ذو القرنين المذكور في القرآن ويعظم أرسطو بكونه كان وزيراً له كما ذكر ذلك ابن سينا وأمثاله من الجهال بأخبار الأمم، وهذا من جهلهم فإن الاسكندر الذي وزر له أرسطو هو المقدوني الذي يؤرخ له تاريخ الروم المعروف عند اليهود والنصارى وهو إنما ذهب إلى أرض القدس لم يصل إلى السد عند من يعرف أخباره، وكان مشركاً يعبد الأصنام، وكذلك أرسطو وقومه كانوا مشركين يعبدون الأصنام وذو القرنين كان موحداً مؤمناً بالله وكان متقدماً على هذا؛ ومن يسميه الإسكندر ويقول هو الإسكندر بن فيلبس. ولهذا كان هؤلاء المتفلسفة إنما راجوا على أبعد الناس عن العقل والدين كالقرامطة والباطنية الذين ركبوا مذهبهم من فلسفة اليونان ودين المجوس وأظهروا الرفض، وكجهال المتصوفة وأهل الكلام، وإنما ينفقون (١) في دولة جاهلية بعيدة عن العلم والإيمان إما كفاراً وإما منافقين كما نفق منهم من نفق على المنافقين الملاحدة ثم نفق على المشركين الترك، وكذلك إنما ينفقون دائماً على أعداء الله ورسوله من الكفار والمنافقين انتهى. وأما السبب الذي لأجله سمي ذا القرنين فقال الزجاج والأزهري: إنما سمي ذا القرنين لأنه بلغ قرن الشمس من مطلعها وقرن الشمس من مغربها، وقيل إنه كان له ضفيرتان من شعر والضفائر تسمى قروناً، وقيل إنه رأى في أول ملكه كأنه قابض على قرني الشمس فسمي بذلك، وقيل كان له قرنان تحت عمامته، وقيل: إنه دعا إلى الله فشجه قومه على قرنه ثم دعا إلى الله فشجوه على قرنه الآخر وقيل إنما سمي بذلك لأنه كريم الطرفين من أهل بيت شرف من قبل أبيه وأمه وقيل: لأنه انقرض في وقته قرنان من الناس وهو حي، وقيل

стр. 5064

لأنه كان إذا قاتل قاتل بيديه وركائبه جميعاً، وقيل لأنه أعطى علم الظاهر والباطن. وقيل لأنه دخل النور والظلمة، وقيل لأنه ملك فارس والروم، وقيل لأنه ملك الروم والترك، وقيل: لأنه بلغ أقصى المغرب والمشرق والشمال والجنوب، وهذا هو القدر المعمور من الأرض، وقيل لأنه كان لتاجه قرنان. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " ما أدري أتُبَّع كان نبياً أم لا؟ وما أدري أذو القرنين كان نبياً أم لا؟ وما أدري الحدود كفارات لأهلها أم لا " (١)؟ أخرجه عبد الرزاق وابن المنذر والحاكم وصححه وغيرهم. وعن عليّ بن أبي طالب قال؛ لم يكن نبياً ولا ملكاً ولكن كان عبداً صالحاً أحب الله فأحبه الله، ونصح لله فنصحه الله، بعثه الله إلى قوم فضربوه على قرنه فمات ثم أحياه الله لجهادهم، ثم بعثه الله إلى قومه فضربوه على قرنه الآخر فمات فأحياه الله لجهادهم فلذلك سمي ذا القرنين وإن فيكم مثله. وعن ابن عمر قال: ذو القرنين نبي، وعن النبي ﵌ قال: " هو ملك يسيح الأرض بالأسباب "، أخرجه ابن أبي حاتم عن الأحوص بن حكيم عن أبيه وعن عمر بن الخطاب أنه سمع رجلاً ينادي بمنى يا ذا القرنين فقال ها أنتم قد سميتم بأسماء الأنبياء فما بالكم وأسماء الملائكة، وفي الباب غير ما ذكرناه مما يغني عنه ما قد أوردناه. وقد أخرج أبو الشيخ والبيهقي عن عقبة بن عامر الجهني حديثاً يتضمن أن نفراً من اليهود سألوا النبي ﵌ عن ذي القرنين فأخبرهم بما جاؤوا له ابتداء وكان فيما أخبرهم به أنه كان شاباً من الروم وأنه بنى الاسكندرية وأنه علا به ملك إلى السماء وذهب به إلى السد، وإسناده

стр. 5065

ضعيف وفي متنه نكارة، وأكثر ما فيه أنه من أخبار بني إسرائيل، ذكر معنى هذا ابن كثير في تفسيره وعزاه إلى ابن جرير والأموي في مغازيه: ثم قال بعد ذلك والعجب أن أبا زرعة الرازي مع جلالة قدره ساقه بتمامه في كتابه دلائل النبوة انتهى (١). وقد ساقه بتمامه السيوطي في الدر المنثور وساق أيضاً خبراً طويلاً عن وهب بن منبه وعزاه إلى ابن إسحاق وابن المنذر وغيرهم، وفيه أشياء منكرة جداً وكذلك ذكر خبراً طويلاً عن محمد الباقر أخرجه أبو الشيخ وغيره، ولعل هذه الأخبار ونحوها منقولة عن أهل الكتاب وقد أمرنا بأن لى لا نصدقهم ولا نكذبهم فيما ينقلونه إلينا. واختلفوا أيضاً في وقته فقال قوم: كان بعد موسى، وقال قوم: كان في الفترة بعد عيسى، وقال قوم: كان في وقت إبراهيم وإسماعيل، وقد حققنا ذلك في لقطة العجلان فراجعه. وبالجملة فإن الله مكنه وملكه ودانت له الملوك، وروي أن الذين ملكوا الدنيا كلها أربعة مؤمنان وكافران، فالمؤمنان سليمان بن داود والاسكندر، والكافران نمروذ وبختنصر، وسيملكها من هذه الأمة خامس لقوله تعالى (ليظهره على الدين كله) وهو المهدي ذكره القرطبي. وعن السدي قال؛ قالت اليهود للنبي ﷺ : إنك إنما تذكر إبراهيم وموسى وعيسى والنبيين إنك سمعت ذكرهم منا فأخبرنا عن نبي لم يذكره الله في التوراة إلا في مكان واحد، قال " ومن هو؟ " قالوا ذو القرنين قال: " ما بلغني عنه شيء " فخرجوا فرحين قد غلبوا في أنفسهم، فلم يبلغوا باب البيت حتى نزل جبريل بهذه الآيات

стр. 5066

(ويسألونك عن ذي القرنين). (قل سأتلو عليكم) أيها السائلون (منه) أي من ذي القرنين (ذكراً) خبراً وذلك بطريق الوحي التلو.

стр. 5067

إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (٨٤) فَأَتْبَعَ سَبَبًا (٨٥) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا (٨٦) قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا (٨٧) وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا (٨٨) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٨٩) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا (٩٠) كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا (٩١) ثم شرع سبحانه في بيان ما أمر به رسوله أن يقوله لهم من أنه سيتلو عليهم منه ذكراً فقال

стр. 5068

(إنا مكنا له في الأرض) أي أقدرناه بما مهدنا له من الأسباب فجعلنا له مكنة وقدرة على التصرف فيها وسهل عليه المسير في مواضعها وذلّل له طرقها حتى تمكن منها أين شاء وكيف شاء، ومن جملة تمكينه فيها أن جعل الله الليل والنهار عليه سواء في الإضاءة (وآتيناه من كل شيء) مما يتعلق بمطلوبه أو مما يحتاج إليه الخلق (سبباً) أي طريقاً يتوصل بها إلى ما يريده كآلات السير وكثرة الجند واستقصاء بقاع الأرض والوصول إلى عين الحياة، وقال ابن عباس: سبباً أي علماً وقال أيضا: بلاغاً إلى حيث أراد. قال المفسرون: والمعنى طريقاً تؤديه إلى مغرب الشمس قاله الزجاج: وقيل من كل شيء يستعين به الملوك من فتح المدائن وقهرالأعداء وأصل السبب الحبل فاستعير لكل ما يتوصل به إلى شيء.

стр. 5069

(فأتبع سبباً) سلك طريقاً نحو المغرب، قال الأخفش: تبعته وأتبعته بمعنى مثل ردفته وأردفته ومنه قوله تعالى (فأتبعه شهاب) وحكى الأصمعي أنه يقال تبعته واتبعته إذا سار ولم يلحقه واتبعه إذا لحقه.

стр. 5070

قال أبو عبيدة: ومثله (فأتبعوهم مشرقين) قال النحاس وهذا من الفرق وإن كان الأصمعي قد حكاه فلا يقبل إلا بعلم أو دليل، وقوله (فأتبعوهم مشرقين) ليس في الحديث أنهم لحقوهم، وإنما في الحديث لما خرج موسى وأصحابه من البحر وحصل فرعون وأصحابه في البحر انطبق عليهم البحر. والحق في هذا أن تبع واتبع وأتبع لغات، بمعنى واحد وهو بمعنى السير

стр. 5071

(حتى إذا بلغ مغرب الشمس) أي نهاية الأرض من جهة المغرب وآخر العمارة منها لأن من وراء هذه النهاية البحر المحيط وهو لا يمكن المضي فيه فلما لم يبق قدامه شط بل مياه لا آخر لها (وجدها) أي رأى الشمس (تغرب في عين حمئة) أي كثيرة الحمأة وهي الطينة السوداء يقال حمأت البئر حمأً بالتسكين إذا نزعت حمأتها وحمأت البئر حمأً بالتحريك كثرت حمأتها وقرئ حامية من الحمأة أي حارة وقد يجمع بين القراءتين فيقال كانت حارة وذات حمئة. قال كعب: أما أنا فإني أجد في التوراة تغرب الشمس في ماء وطين، وأشار بيده إلى المغرب وأنشد ابن أبي حاصر: فرأى مغيب الشمس عند غروبها ... في عين ذي خلب وثاط حرمد فقال ابن عباس: ما الخلب؟ قال الطين بكلامهم، قال فما الثاط؟ قال الحمئة، قال فما الحرمد؟ قال الأسود، فدعا ابن عباس غلاماً فقال اكتب ما يقول هذا الرجل. قيل ولعل ذا القرنين لما بلغ ساحل البحر المحيط رآها كذلك في نظره إذ لم يكن في مطمح بصره غير الماء. ولذلك قال (وجدها تغرب) ولم يقل كانت تغرب، قاله البيضاوي، يعني على العادة من أن الشخص إذا كان في البحر

стр. 5072

يرى الشمس كأنها تغرب فيه، قيل وتسمية البحر المحيط عيناً لا محذور فيه، خصوصاً وهو بالنسبة إلى ما هو أعظم منه في علم الله. وفي القرطبي قال بعض العلماء: ليس المراد أنه انتهى إلى الشمس مغرباً ومشرقاً حتى وصل إلى جرمها ومسها لأنها تدور مع السماء حول الأرض من غير أن تلصق بالأرض، وهي أعظم من أن تدخل في عين من عيون الأرض لأنها أكبر من الأرض أضعافاً مضاعفة، بل المراد أنه انتهى إلى آخر العمارة من جهتي المغرب والمشرق فوجدها في رأي العين تغرب في عين حمئة، كما إنا نشاهدها في الأرض الملساء كأنها تدخل في الأرض؛ ولهذا قال (وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها ستراً) ولم يرد أنها تطلع عليهم بأن تماسهم وتلاصقهم، بل أراد أنهم أول من تطلع عليه. وقال القتيبي: ويجوز أن تكون هذه العين من البحر وتكون الشمس تغيب وراءها أو عندها أو معها فيقام حرف الصفة مقام صاحبه والله أعلم. أهـ. أقول ولا يبعد أن يقال لا مانع من أن يمكنه الله من عبور البحر حتى يصل إلى تلك العين التي تغرب فيها الشمس، وما المانع من هذا بعد أن حكى الله عنه أنه بلغ مشرق الشمس ومكن له في الأرض والبحر من جملتها، ومجرد الاستبعاد لا يوجب حمل القرآن على خلاف ظاهره. قال الكرخي: فالله تعالى قادر على تصغير جرم الشمس وتوسيع العين وكرة الأرض بحيث تسع عين الماء عين الشمس، فلم لا يجوز ذلك وإن كنا لا نعلم به لقصور عقولنا عن الإحاطة بذلك، وأيضاًً الأنبياء والحكماء لا يبعد أن يقع منهم مثل ذلك. ألا ترى إلى ظن موسى فيما أنكره على الخضر. أهـ. (ووجد عندها) أي عند العين أو الشمس (قوماً) قيل هم قوم عراة

стр. 5073

لباسهم جلود الوحش وطعامهم ما لفظ البحر، وكانوا كفاراً، قاله البيضاوي. ومن المعلوم أن الكفر إنما يتحقق بعد بعثة رسول وعدم إيمانهم به، ولينظر أي رسول أرسل إلى هؤلاء حتى كفروا به. هذا والأظهر أنهم كانوا أهل فترة لم يرسل إليهم أحد، ولما جاءهم ذو القرنين دعاهم إلى ملة إبراهيم، فمنهم من آمن ومنهم من كفر؛ فخيره الله بين أن يعذبهم وبين أن يتركهم فقال: (قلنا يا ذا القرنين) يستدل بها من يزعم أنه كان نبياً فإن الله خاطبه بالوحي ومن قال إنه لم يكن نبياً أوّله بالإلهام، ويحتمل أن يكون الخطاب على لسان نبي غيره (إِما أن تعذب) إياهم بالقتل من أول الأمر (وإما أن تتخذ فيهم حُسناً) أي أمراً ذا حسن أو أمراً حسناً مبالغة بجعل المصدر صفة للأمر، والمراد دعوتهم إلى الحق وتعليمهم الشرائع، قيل: وإما للتقسيم دون التخيير، أي ليكن شأنك معهم إما التعذيب وإما الإحسان، فالأول لمن أصرّ على الكفر والثاني لمن تاب منه والأول أولى.

стр. 5074

(قال) ذو القرنين مختاراً للدعوة التي هي الشق الأخير من الترديد (أما من ظلم) نفسه بالإصرار على الشرك ولم يقبل دعوتي (فسوف نعذبه) بالقتل في الدنيا (ثم يرد إلى ربه) في الآخرة (فيعذبه) فيها (عذاباً نكراً) أي منكراً فظيعاً شديداً بالنار لأنها أنكر من القتل، قال الزجاج: خيره الله بين الأمرين. قال النحاس: وَرُدّ على ابن سليمان قوله لأنه لم يصح أن ذا القرنين نبي فيخاطب بهذا فكيف يقول لربه (ثم يرد إلى ربه) وكيف يقول فسوف نعذبه فيخاطبه بالنون، قال والتقدير قلنا يا محمد قالوا يا ذا القرنين، قال النحاس: وهذا الذي ذكره لا يلزم لجواز أن يكون الله خاطبه

стр. 5075

على لسان نبي في وقته، وكان ذو القرنين خاطب أولئك القوم، فلا يلزم ما ذكره، ويمكن أن يكون مخاطباً للنبي الذي خاطبه الله على لسانه أو خاطب قومه الذي وصل بهم إلى ذلك الموضع.

стр. 5076

(وأما من آمن) بالله وصدق دعوتي (وعمل) عملاً (صالحاً) مما يقتضيه الإيمان (فله جزاء الحسنى) بنصب جزاء وتنوينه، قال الفراء: نصبه على التمييز وقال الزجاج: هو مصدر في موضع الحال، أي مجزياً بها جزاء، وقرئ بالإضافة أي جزاء الخصلة الحسنى عند الله أو الفعلة الحسنى وهي الجنة، قاله الفراء. وقيل: إضافة الجزاء إلى الحسنى التي هي الجنة كإضافة حق اليقين ودار الآخرة، ويجوز أن يكون هذا الجزاء من ذي القرنين أي أعطيه وأتفضل عليه. (وسنقول له) أي لمن آمن (من أمرنا يسراً) أي مما نأمر به قولاً ذا يسر ليس بالصعب الشاق أو أطلق عليه المصدر مبالغة

стр. 5077

(ثم أتبع سبباً) أي سلك طريقاً آخر غير الطريق الأولى، وهي التي رجع بها من المغرب وسار فيها إلى المشرق واستمر فيه لا يمل ولا تغلبه أمة مرَّ عليها.

стр. 5078

(حتى إذا بلغ) في مسيره ذلك (مطلع الشمس) أي الموضع الذي تطلع عليه الشمس أولاً من معمور الأرض، أو مكان طلوعها لعدم المانع شرعاً ولا عقلاً من وصوله إليه كما أوضحناه فيما سبق، قيل بلغه في اثنتي عشرة سنة، وقيل في أقل من ذلك بناء على أنه سخر له السحاب وطويت له الأسباب. (وجدها تطلع على قوم) قيل: هم الزنج وقيل: هم من نسل مؤمني قوم هود واسم مدينتهم حاحيالق واسمها بالسريانية مرقسا، وهم مجاورون يأجوج ومأجوج (لم نجعل لهم من دونها) أي الشمس (ستراً) يسترهم لا من

стр. 5079

البيوت والسقوف ولا من اللباس بل هم حفاة عراة لا يأوون إلى شيء من العمارة، قيل لأنهم بارض لا يمكن أن يستقر عليها البناء. قال كعب: أرضهم لا تمسك الأبنية لرخاوتها وبها أسراب فإذا طلعت الشمس دخلوها فإذا ارتفع النهار خرجوا إلى معايشهم. قال الزمخشري وعن بعضهم قال: خرجت حتى جاوزت الصين، فسألت عن هؤلاء القوم فقيل لي بينك وبينهم مسيرة يوم وليلة فبلغتهم وإذا أحدهم يفرش إحدى أذنيه ويلتحف الأخرى، فلما قرب طلوع الشمس سمعت صوتاً كهيئة الصلصلة فغشى عليَّ ثم أفقت فلما طلعت الشمس فإذا هي فوق الماء كهيئة الزيت، فأدخلوني سرباً لهم فلما طلع النهار جعلوا يصطادون السمك ويطرحونه في الشمس فينضج لهم. وقال مجاهد: من لا يلبس الثياب من السودان عند مطلع الشمس أكثر من جميع أهل الأرض، وفي كتب الهيئة إن أكثر حال الزنج كذلك، وكذا حال كل من سكن البلاد القريبة من خط الاستواء.

стр. 5080

(كذلك وقد أحطنا بما لديه خبراً) أي كذلك أمر ذي القرنين، اتبع هذه الأسباب حتى بلغ، وقد علمنا حين ملكناه ما عنده من الصلاحية لذلك الملك والاستقلال به أو من الآلات والجند وغيرهما. وقيل المعنى لم نجعل لهم ستراً مثل ذلك الستر الذي جعلنا لكم من الأبنية والثياب، وقيل المعنى وكذلك بلغ مطلع الشمس مثل ما بلغ من مغربها وقيل المعنى كذلك يطلع على قوم مثل ذلك القبيل الذي تغرب عليهم، فقضى في هؤلاء مثل ما قضى في أولئك من تعذيب الظالمين والإحسان إلى المؤمنين وهو الأصح ويكون تأويل الإحاطة بما لديه في هذه على ما يناسب ذلك كما قلنا في الوجه الأول، ثم حكى سبحانه سفر ذي القرنين إلى ناحية أخرى وهي ناحية القطر الشمالي بعد تهيئة أسبابه فقال:
следующие страницы →