← Тафсир

Тафсир · id 37458

فتح البيان في مقاصد القرآن

صديق حسن خان

Полный текст (12 043 стр.). Показаны 5076–5115 · переход к 5081.

стр. 5076

(وأما من آمن) بالله وصدق دعوتي (وعمل) عملاً (صالحاً) مما يقتضيه الإيمان (فله جزاء الحسنى) بنصب جزاء وتنوينه، قال الفراء: نصبه على التمييز وقال الزجاج: هو مصدر في موضع الحال، أي مجزياً بها جزاء، وقرئ بالإضافة أي جزاء الخصلة الحسنى عند الله أو الفعلة الحسنى وهي الجنة، قاله الفراء. وقيل: إضافة الجزاء إلى الحسنى التي هي الجنة كإضافة حق اليقين ودار الآخرة، ويجوز أن يكون هذا الجزاء من ذي القرنين أي أعطيه وأتفضل عليه. (وسنقول له) أي لمن آمن (من أمرنا يسراً) أي مما نأمر به قولاً ذا يسر ليس بالصعب الشاق أو أطلق عليه المصدر مبالغة

стр. 5077

(ثم أتبع سبباً) أي سلك طريقاً آخر غير الطريق الأولى، وهي التي رجع بها من المغرب وسار فيها إلى المشرق واستمر فيه لا يمل ولا تغلبه أمة مرَّ عليها.

стр. 5078

(حتى إذا بلغ) في مسيره ذلك (مطلع الشمس) أي الموضع الذي تطلع عليه الشمس أولاً من معمور الأرض، أو مكان طلوعها لعدم المانع شرعاً ولا عقلاً من وصوله إليه كما أوضحناه فيما سبق، قيل بلغه في اثنتي عشرة سنة، وقيل في أقل من ذلك بناء على أنه سخر له السحاب وطويت له الأسباب. (وجدها تطلع على قوم) قيل: هم الزنج وقيل: هم من نسل مؤمني قوم هود واسم مدينتهم حاحيالق واسمها بالسريانية مرقسا، وهم مجاورون يأجوج ومأجوج (لم نجعل لهم من دونها) أي الشمس (ستراً) يسترهم لا من

стр. 5079

البيوت والسقوف ولا من اللباس بل هم حفاة عراة لا يأوون إلى شيء من العمارة، قيل لأنهم بارض لا يمكن أن يستقر عليها البناء. قال كعب: أرضهم لا تمسك الأبنية لرخاوتها وبها أسراب فإذا طلعت الشمس دخلوها فإذا ارتفع النهار خرجوا إلى معايشهم. قال الزمخشري وعن بعضهم قال: خرجت حتى جاوزت الصين، فسألت عن هؤلاء القوم فقيل لي بينك وبينهم مسيرة يوم وليلة فبلغتهم وإذا أحدهم يفرش إحدى أذنيه ويلتحف الأخرى، فلما قرب طلوع الشمس سمعت صوتاً كهيئة الصلصلة فغشى عليَّ ثم أفقت فلما طلعت الشمس فإذا هي فوق الماء كهيئة الزيت، فأدخلوني سرباً لهم فلما طلع النهار جعلوا يصطادون السمك ويطرحونه في الشمس فينضج لهم. وقال مجاهد: من لا يلبس الثياب من السودان عند مطلع الشمس أكثر من جميع أهل الأرض، وفي كتب الهيئة إن أكثر حال الزنج كذلك، وكذا حال كل من سكن البلاد القريبة من خط الاستواء.

стр. 5080

(كذلك وقد أحطنا بما لديه خبراً) أي كذلك أمر ذي القرنين، اتبع هذه الأسباب حتى بلغ، وقد علمنا حين ملكناه ما عنده من الصلاحية لذلك الملك والاستقلال به أو من الآلات والجند وغيرهما. وقيل المعنى لم نجعل لهم ستراً مثل ذلك الستر الذي جعلنا لكم من الأبنية والثياب، وقيل المعنى وكذلك بلغ مطلع الشمس مثل ما بلغ من مغربها وقيل المعنى كذلك يطلع على قوم مثل ذلك القبيل الذي تغرب عليهم، فقضى في هؤلاء مثل ما قضى في أولئك من تعذيب الظالمين والإحسان إلى المؤمنين وهو الأصح ويكون تأويل الإحاطة بما لديه في هذه على ما يناسب ذلك كما قلنا في الوجه الأول، ثم حكى سبحانه سفر ذي القرنين إلى ناحية أخرى وهي ناحية القطر الشمالي بعد تهيئة أسبابه فقال:

стр. 5081

ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٩٢) حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا (٩٣) قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (٩٤) قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (٩٥) آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (٩٦) فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (٩٧)

стр. 5082

(ثم أتبع سبباً) أي سلك طريقاً ثالثاً معترضاً بين المشرق والمغرب واستمر آخذاً فيه

стр. 5083

(حتى إذا بلغ) في مسيره ذلك (بين السدين) بفتح السين وقرئ بضمها وهما سبعيتان. وقال أبو عبيدة وابن الأنباري وأبو عمرو بن العلاء: السد إن كان بخلق الله تعالى فهو بضم السين حتى يكون بمعنى مفعول أي هو مما فعله الله وخلقه، وإن كان من عمل العباد فهو بالفتح حتى يكون حدثاً. وقال ابن الأعرابي: كل ما قابلك فَسَد ما وراءه فهو سد، وسد نحو الضعف والضعف والفقر والفقر، والسدان هما جبلان من قبل أرمينية وأذربيجان. قاله ابن عباس. وقيل موضع بين السدين هو منقطع أرض الترك مما يلي المشرق، وقيل هما جبلان عاليان جداً أملسان لا يستطاع الصعود عليهما كالسد الأتي، ويسمى كل واحد منهما سدا لأنه سد فجاج الأرض. وفي الشهاب إطلاق السد على الجبل لأنه سد في الجملة، وفي القاموس السد الجبل والحاجز أو لكونه ملاصقاً للسد فهو مجاز بعلاقة المجاورة. وحكى ابن جرير في تاريخه أن صاحب أذربيجان أيام فتحها وجه إنساناً

стр. 5084

من ناحية الجزر فشاهده ووصف أنه بنيان رفيع وراء خندق وثيق منيع. وحكى أن الواثق بعث بعض من يثق به إليه ليعاينوه فخرجوا من باب من الأبواب حتى وصلوا إليه وشاهدوه فوصفوا أنه بناء من لبن حديد مشدود بالنحاس المذاب وعليه باب مقفل، وقيل جبلان في أواخر الشمال. قال الرازي: والأظهر أن موضع السدين في ناحية الشمال سد الإسكندر ما بينهما، أي الفتحة وطولها مائة فرسخ، وليس ليأجوج ومأجوج طريق يخرجون منها إلى أرض العمارة إلا هذه الفتحة ومسكنهم وراء هذين الجبلين، وأرضهم متسعة جداً تنتهي إلى البحر المحيط. (وجد من دونهما) أي من ورائهما مجاوزاً عنهما، وقيل أمامهما أي خارجة عنهما لا داخلة بناحية يأجوج ومأجوج. وقال الخطيب بقربهما من الجانب الذي هو أدنى منهما إلى الجهة التي أتى منها ذو القرنين (قوماً) أي أمة من الناس لغتهم في غاية البعد من لغات بقية الناس لبعد بلادهم من بقية البلاد، فلذا (لا يكادون) أي لا يقربون (يفقهون) أي يفهمون (قولاً) ممن مع ذي القرنين فهماً جيداً كما يفهم غيرهم لغرابة لغتهم وقلة فطنتهم. وقرئ بضم الياء وكسر القاف من أفقه إذا أبان، أي لا يبينون لغيرهم كلاماً، وقرئ بفتح الياء والقاف أي لا يفهمون كلام غيرهم، والقراءتان صحيحتان ومعناهما لا يفهمون عن غيرهم ولا يفهمون غيرهم لأنهم لا يعرفون غير لغة أنفسهم ولسانهم غريب مجهول لشدة عجمتهم فكلامهم مغلق قال ابن جريج هم الترك.

стр. 5085

(قالوا) أي هؤلاء القوم الذين لا يفهمون قولاً (يا ذا القرنين) وهو الإسكندر الأكبر، قيل أن فهمه لكلامهم من جملة الأسباب التي أعطاه الله، وقيل إنهم قالوا ذلك لترجمانهم؛ فقال لذي القرنين بما قالوا له، وذلك لأنهم

стр. 5086

من أولاد يافث بن نوح وذو القرنين من أولاد سام فلا يفهم لغتهم. (إن يأجوج ومأجوج) اسمان عجميان لا اشتقاق لهما بدليل منع صرفهما للعلمية والعجمة، وبه قال الأكثر، وقيل عربيان مشتقان من أج الظليم في مشبه إذا هرول، وتأججت النار إذا تلهبت، وقرأهما الجمهور بغير همز، وقرأ عاصم بالهمز. قال ابن الأنباري: وجه همزهما وإن لم يعرف له أصل أن العرب قد همزت حروفاً لا يعرف الهمز فيها أصل، كقولهم كَبْأَثَ وَرَثْأثَ وَاسْتَشْأَثَ الريح، ويحتمل إن تكون الهمزة أصلاً والألف بدلاً عنها أو بالعكس، لأن العرب تتلاعب بالأسماء العجمية، قال أبو علي: يجوز أن يكونا عربيين، فمن همز فهو على وزن يفعول، مثل يربوع، ومن لم يهمز أمكن أن يكون خفف الهمزة فقلبها ألفاً مثل رأس. وأما مأجوج فهو مفعول من أج والكلمتان من أصل واحد في الاشتقاق، قال وترك الصرف فيهما على تقدير كونهما عربيين للتأنيث والتعريف كأنه اسم للقبيلة. وقيل: اشتقاقهما من الأَوْجَة وهي الاختلاط أو شدة الحر، وقيل من الأوج وهو سرعة العدو، واختلف في نسبهم، فقيل: هم من ولد يافث بن نوح والترك منهم، وقيل يأجوج ومأجوج من الترك ومأجوج من الجيل والديلم. وقال كعب الأحبار: احتلم آدم فاختلط ماؤه بالتراب فخلقوا من ذلك الماء قال القرطبي: وهذا فيه نظر لأن الأنبياء لا يحتلمون، وإنما هم من ولد يافث، كذلك قال مقاتل وغيره. وقد وقع الخلاف في صفتهم، فمن الناس من يصفهم بصغر الجثث وقصر القامة، ومنهم من يصفهم بكبر الجثث وطول القامة، ومنهم من يكون لهم مخالب كمخالب السباع، وإن منهم صنفاً يفترش إحدى أذنيه ويلتحف بالأخرى، ولأهل العلم من السلف ومن بعدهم أخبار مختلفة في صفاتهم وأفعالهم.

стр. 5087

قال ابن عباس: يأجوج ومأجوج شبر وشبران وأطولهم ثلاثة أشبار وهم من ولد آدم وفيه بعد، وعن ابن عمرو عن النبي ﷺ قال: إن يأجوج ومأجوج من ولد آدم، ولو أرسلوا لأفسدوا على الناس معايشهم، ولا يموت منهم رجل إلا ترك من ذريته ألفاً فصاعداً، وإن من ورائهم ثلاث أمم تأويل وتاريس ومنسك، أخرجه الطبراني وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي وغيرهم قيل هم عشرة أجزاء وولد آدم كلهم جزء ومسافة الأرض بتمامها خمسمائة عام ثلثمائة بحار ومائة وتسعون مسكن لهم بقي عشرة سبعة للحبشة وثلاثة لجملة الخلق غيرهم وهم كفار دعاهم النبي ﵌ إلى الإيمان ليلة الإسراء فلم يجيبوا والله أعلم. (مفسدون في الأرض) بالنهب والبغي عند خروجهم، وقيل سيفسدون بعد خروجهم إلينا، واختلف في إفسادهم في الأرض فقيل هو أكل بني آدم، وقيل هو الظلم والغشم والقتل وسائر وجوه الإفساد، وقيل كانوا يخرجون إلى أرض هؤلاء القوم الذين شكوهم إلى ذي القرنين في أيام الربيع فلا يدعون فيها شيئاً أخضر إلا أكلوه ولا يابساً إلا حملوه وأدخلوه أرضهم. وأخرج أحمد والترمذي وحسنه وابن ماجة وابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي في البعث عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: " إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض يحفرون السد كل يوم حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم ارجعوا فستفتحونه غداً فيعودون إليه أشد ما كان حتى إذا بلغت مدتهم وأراد الله أن يبعثهم على الناس حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم ارجعوا فستفتحونه إن شاء الله تعالى ويستثنى فيعودون إليه وهو كهيئته حين تركوه فيحفرونه ويخرجون على الناس فيستقون المياه ويتحصن الناس منهم في حصونهم فيرمون بسهامهم إلى السماء فترجع مخضبة بالدماء فيقولون قهرنا من في الأرض وعلونا من في السماء قسراً وعلواً فيبعث الله عليهم نغفا في أقفائهم فيهلكون، قال رسول الله صلى

стр. 5088

الله عليه وسلم فوالذي نفس محمد بيده إن دواب الأرض لتسمن وتبطر وتشكر شكراً من لحومهم " (١). وقد ثبت في الصحيحين من حديث زينب بنت جحش قالت: استيقظ رسول الله ﷺ من نومه وهو محمر وجهه وهو يقول " لا إله إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه وحلق "، قلت يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: " نعم إذا كثر الخبث " (٢)، وأخرجا نحوه من حديث أبي هريرة مرفوعاً وقد ذكرنا تفصيل حالهم في حجج الكرامة فراجعه (فهل نجعل لك خرجاً) هذا الاستفهام من باب حسن الأدب مع ذي القرنين وقرئ خراجاً. قال الأزهري: الخراج يقع على الضريبة ويقع على مال الفيء ويقع على الجزية وعلى الغلة، والخراج أيضاً اسم لما يخرج من الفوائض في الأموال والخرج المصدر، وقال قطرب: الخرج الجزية والخراج في الأرض وقيل: الخرج ما يخرجه كل أحد من ماله والخراج ما يجبيه السلطان، وقيل: هما بمعنى واحد قال ابن عباس خرجاً أي أجراً عظيماً وجعلاً من الأموال. (على أن تجعل بيننا وبينهم سداً) أي ردماً حاجزاً بيننا وبينهم فلا يصلون إلينا، قال الخليل وسيبويه: الضم (٣) هو الاسم والفتح المصدر، وقال الكسائي: الضم والفتح لغتان بمعنى واحد وقد سبق قريباً ما حكيناه عن أبي عمرو بن العلاء وأبي عبيدة وابن الأنباري من الفرق بينهما. وقال ابن أبي إسحاق: ما رأته عيناك فهو سُد بالضم وما لا ترى فهو سد بالفتح وقد قدمنا بيان من قرأ بالفتح وبالضم في السدين.

стр. 5089

(قال) لهم ذو القرنين (ما مكني فيه ربي) أي ما بسطه الله لي من

стр. 5090

المال والقدرة والملك وفي قراءة سبعية بنونين من غير إدغام (خير) من خرجكم الذي تجعلونه لي فلا حاجة لي إليه وأجعل لكم السد تبرعاً ثم طلب منهم المعاونة له فقال (فأعينوني بقوة) أي برجال منكم يعملون بأيديهم أو أعينوني بآلات البناء أو بمجموعهما. قال الزجاج: بعمل تعملونه معي (أجعل بينكم وبينهم ردماً) حاجزاً حصيناً وهذا جواب الأمر، والردم ما جعل بعضه على بعض حتى يتصل. قال الهروي: يقال ردمت الثلمة أردمها بالكسر ردماً أي سددتها والردم أيضا الاسم وهو السد، وقيل: الردم أبلغ من السداد، السد كل ما يسد به والردم وضع الشيء على الشيء من حجارة أو تراب أو نحوهما حتى يقوم من ذلك حجاب منيع ومنه ردم ثوبه إذا رقعه برقاع متكائفة بعضها فوق بعض، قال ابن عباس: الردم هو أشد الحجاب.

стр. 5091

(آتوني) أي أعطوني وناولوني (زبر الحديد) جمع زبرة كغرفة وغرف وهي القطعة، قال الخليل: الزبرة من الحديد القطعة الضخمة، قال الفراء: معناه آتوني بها على قدر الحجارة التي يبنى فيها فبنى بها وجعل بينها الحطب والفحم (حتى إذا ساوى بين الصدفين) بفتح الحرفين وضمهما وضم الأول وسكون الثاني، والثاني أشهر اللغات وقرئ بفتح الصاد وضم الدال. وقال الأزهري: يقال لجانبي الجبل صدفان إذا تحاذيا لتصادفهما أي تلاقيهما وكذا قال أبو عبيدة والهروي وقد يقال لكل بناء عظيم مرتفع صدف قاله أبو عبيدة؛ وفي البيضاوي الصدفين من الصدف وهو الميل لأن كلا منهما منعزل عن الآخر ومنه التصادف للتقابل وقال ابن عباس: الصدفين الجبلين، وقال مجاهد: رؤوس الجبلين، ومعنى الآية أنهم أعطوه زبر الحديد فجعل يبني بها بين الجبلين حتى ساواهما. ثم (قال) للعملة (انفخوا) على هذه الزُّبَر بالكيران (حتى إذا

стр. 5092

جعله) أي جعل ذلك المنفوخ فيه وهو الزبر (ناراً) أي كالنار في حرها وإسناد الجعل إلى ذي القرنين مجاز لكونه الآمر بالنفخ قيل: كان يأمر بوضع طاقة من الزبر والحجارة ثم يوقد عليها الحطب والفحم بالمنافخ حتى يحمى، والحديد إذا أوقد عليه صار كالنار ثم يؤتى بالنحاس المذاب فيفرغه على تلك الطاقة وهو معنى قوله: (قال آتوني أفرغ عليه قطراً) قال أهل اللغة هو النحاس الذائب وبه قال ابن عباس: والإفراغ الصب وكذا قال أكثر المفسرين، وقالت طائفة: القطر الحديد المذاب، وقالت طائفة أخرى منهم ابن الأنباري: هو الرصاص المذاب فدخل القطر بين زُبَره فصار شيئاً واحداً قيل: وهذا السد معجزة عظيمة ظاهرة لأن الزُّبْرَة الكبيرة إذا نفخ عليها حتى صارت كالنار لم يقدر أحد على القرب منها والنفخ عليها لا يمكن إلا بالقرب منها فكأنه تعالى صرف تأثير تلك الحرارة العظيمة عن أبدان أولئك النافخين حتى تمكنوا من العمل فيه.

стр. 5093

(فما اسطاعوا) أصلها فما استطاعوا، قال ابن السكيت: يقال ما أستطيع وما أستطيع وما أستيع وبالتخفيف قرأ الجمهور وقرأ حمزة وحده فما اسطاعوا بتشديد الطاء وهي قراءة ضعيفة الوجه. قال أبو علي الفارسي: هي غير جائزة وقرئ على الأصل (أن يظهروه) أي يعلوه قاله ابن جريج، وقال قتادة: أن يرتقوه فما اسطاع يأجوج ومأجوج أن يعلوا على ذلك الردم لارتفاعه وملاسته فكان ارتفاعه مائتي ذراع ولملاسته لا يثبت عليه قدم ولا غيره. (وما استطاعوا له نقباً) يقال نقبت الحائط إذا خرقت فيه خرقاً فخلص ما وراءه، قال الزجاج: ما استطاعوا أن ينقبوه من أسفله لشدته وصلابته وسمكه وثخنه أي عرضه قيل: أن عرضه خمسون ذراعاً وطوله فرسخ وسعة الفتحة التي بين الجبلين مائة فرسخ.

стр. 5094

قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (٩٨) وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا (٩٩) وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا (١٠٠) الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا (١٠١) أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا (١٠٢) قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤)

стр. 5095

(قال) ذو القرنين مشيراً إلى السد (هذا) السد أي الإقدار عليه (رحمة من ربي) أي أثر من آثار رحمته لهؤلاء المجاورين للسد ولمن خلفهم ممن يخشى عليه معرتهم ولو لم يكن ذلك السد فهو نعمة لأنه مانع من خروجهم (فإذا جاء وعد ربي) أي أجله أن يخرجوا منه وقيل هو مصدر بمعنى المفعول وهو يوم القيامة (جعله) الظاهر أن الجعل هنا بمعنى التصيير وعند ابن عطية بمعنى خلق وفيه بعد لأنه إذ ذاك موجود (دكاء) أي مستوياً بالأرض ومنه (كلا إذا دكت الأرض دكاً دكاً) قاله الترمذي: أي مستوياً يقال ناقة دكاء إذا ذهب سنامها. وقال القتيبي: أي جعله مدكوكاً مبسوطاً ملصقاً بالأرض وقيل مساوياً للأرض فيغور فيها أو يذوب حتى يصير تراباً، وقال الحليمي قطعاً منكسرة ومن قرأ دكاء بالمد أراد التشبه بالناقة الدكاء وهي التي لا سنام لها أي مثل دكاء لأن السد مذكر فلا يوصف بدكاء وقرأ الباقون دكاً بالتنوين على أنه مصدر ومعناه ما تقدم ويجوز أن يكون مصدراً بمعنى الحال أي مدكوكاً، قال قتادة لا أدري آلجبلين يعني به أم بينهما؟ (وكان وعد ربي حقاً) أي بخروجهم أو وعده بالثواب والعقاب أو

стр. 5096

الوعد المعهود حقاً ثابتاً لا يتخلف، وهذا آخر قول ذي القرنين. ثم قال الله تعالى

стр. 5097

(وتركنا بعضهم) أي بعض يأجوج ومأجوج (يومئذ يموج في بعض) أي جعلنا وصيرنا بعضهم يوم مجيء الوعد أو يوم خروج يأجوج ومأجوج يختلط ويموج في بعض آخر منهم، يقال ماج الناس إذا دخل بعضهم في بعض حيارى كموج الماء، والمعنى أنهم يضطربون ويختلطون من شدة الازدحام عند خروجهم عقب موت الدجال فينحاز عيسى بالمؤمنين إلى جبل الطور فراراً منهم، ثم يسلط الله عليهم دوداً في أنوفهم فيموتون به ولا يدخلون مكة ولا المدينة ولا بيت المقدس ولا يصلون إلى من تحصن منهم بورد أو ذكر وتمام قصتهم في كتابنا حجج الكرامة. وقيل الضمير في بعضهم للخلق واليوم يوم القيامة أي وجعلنا بعض الخلق من الجن والإنس يموج في بعض، وقيل المعنى وتركنا يأجوج ومأجوج يوم كمال السد وتمام عمارته بعضهم يموج في بعض. (ونفخ في الصور) أي القرن للبعث وقد تقدم تفسيره وفيه دليل على أن خروجهم من علامات قرب الساعة، قيل هي النفخة الثانية بدليل قوله بعد (فجمعناهم جمعاً) فإن الفاء تشعر بذلك ولم يذكر النفخة الأولى لأن المقصود هنا ذكر أحوال القيامة والمعنى جمعنا الخلائق بعد تلاشي أبدانهم ومصيرها تراباً جمعاً تاماً على أكمل صفة وأبدع هيئة وأعجب أسلوب في صعيد واحد.

стр. 5098

(وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضاً) المراد بالعرض هنا الإظهار أي أظهرنا جهنم حتى شاهدوها يوم جمعنا لهم، وفي ذلك وعيد للكفار عظيم لما يحصل معهم عند مشاهدتها من الفزع والروعة. ثم وصف الكافرين المذكورين بقوله

стр. 5099

(الذين كانت أعينهم) في الدنيا أي أعين قلوبهم أي بصائرهم (في غطاء) أي غشاء وستر وهو ما غطى الشيء وستره من جميع الجوانب (عن) سبب (ذكري) وهي الآيات التي

стр. 5100

يشاهدها من له تفكر واعتبار فيذكر الله بالتوحيد والتمجيد فأطلق المسبب على السبب أو عن القرآن العظيم وتأمل معانيه وتدبر فوائده فهم عمي لا يهتدون به. ثم لما وصفهم سبحانه بالعمى عن الدلائل التكوينية أو التزيلية أو مجموعهما أراد أن يصفهم بالصم عن استماع الحق فقال: (وكانوا لا يستطيعون) أي لا يعقلون (سمعاً) قاله مجاهد، وقيل: لا يقدرون على الاستماع لا فيه الحق من كلام الله وكلام رسوله ﷺ لغلبة الشقاوة عليهم ولشدة عداوتهم لله ولرسوله ﵌، وهذا أبلغ مما لو قال: وكانوا صماً لأن الأصم قد يستطيع السمع إذا صيح به وهؤلاء لا استطاعة لهم بالكلية، وفي ذكر غطاء الأعين وعدم استطاعة السماع تمثيل لتعاميهم عن المشاهدة بالأبصار وإعراضهم عن الأدلة السمعية.

стр. 5101

(أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء) الحسبان هنا بمعنى الظن والاستفهام للتقريع والتوبيخ والفاء للعطف على مقدر كنظائره، والمعنى أفظنوا أنهم ينتفعون بما عبدوه مع إعراضهم عن تدبر آيات الله وتمردهم عن قبول الحق، وعن عليّ أنه قرأ أفَحَسْبُ بجزم السين وضم الباء. وعن عكرمة أنه قرأ كذلك ومعناه أَكَافِئُهُم وَمُحْسِبُهم أن يتخذوا عيسى وعزيراً والملائكة أرباباً من دونه تعالى بل هم لهم أعداء يتبرأون منهم، وقيل يعني الشياطين أطاعوهم من دون الله. والمعنى أظنوا أن الاتخاذ المذكور لا يغضبني ولا أعاقبهم عليه، قال الزجاج: المعنى أيحسبون أن ينفعهم ذلك يريد أن ذلك لا يكفيهم ولا ينفعهم عند الله كما حسبوا كلا (إنا اعتدنا) هيأنا (جهنم للكافرين نزلاً) يتمتعون به عند ورودهم قال الزجاج: النزل المأوى والمنزل، وفي القاموس ما يقتضي أن كل منزل يقال له نُزُل، ففي تقييد النزل بمكان الضيف نظر كما قال بعضهم إنه الذي يعد للضيف؛ وعلى هذا فيكون تهكماً بهم كقوله (فبشرهم

стр. 5102

بعذاب أليم) والمعنى أن جهنم معدة لهم عندنا كما يعد المنزل للضيف.

стр. 5103

(قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً) جمع أخسر أي أشد خسراناً من غيرهم أو بمعنى خاسر، وجمع العمل للدلالة على إرادة الأنواع منه، عن مصعب بن سعد قال: سألت أبي أَهُمُ الحرورية؟ قَال: لا، هم اليهود والنصارى، أما اليهود فكذبوا محمداً ﵌، وأما النصارى فكفروا بالجنة وقالوا لا طعام فيها ولا شراب، والحرورية الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه وكان سعد يسميهم الفاسقين، وعنه قال: لا ولكنهم أصحاب الصوامع، والحرورية قوم زاغوا فأزاغ الله قلوبهم. وعن عليّ قال: إنهم الرهبان الذين حبسوا أنفسهم في السواري، وعنه قال هم فجرة قريش، وعنه قال: لا أظن إلا أن الخوارج منهم

стр. 5104

(الذين ضل) أي بطل وضاع (سعيهم) كالعتق والوقف وإغاثة الملهوف لأن الكفر لا تنفع معه طاعة (في الحياة الدنيا وهم يحسبون) أي والحال أنهم يظنون (أنهم يحسنون صنعاً) عملاً يجازون عليه وأنهم منتفعون بآثاره.

стр. 5105

أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (١٠٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (١٠٨) قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩) قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)

стр. 5106

(أولئك الذين كفروا بآيات ربهم) مستأنفة مسوقة لبيان تكميل الخسران وسببه، وهذا أولى الوجوه ومعنى كفرهم بالآيات كفرهم بدلائل توحيده من الآيات التكوينية والتنزيلية (ولقائه) أي كفروا بالبعث والحساب والثواب والعقاب وما بعده من أمور الآخرة ثم رتب على ذلك قوله (فحبطت أعمالهم) التي عملوها مما يظنونه حسناً وهو خسران وضلال ثم حكم عليهم بقوله (فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً) أي لا يكون لهم عندنا قدر ولا نعبأ بهم بل نزدريهم ونستذلهم. وقيل لا يقام لهم ميزان توزن به أعمالهم لأن ذلك إنما يكون لأهل الحسنات والسيئات من الموحدين وهؤلاء لا حسنات لهم. قال ابن الأعرابي: العرب تقول ما لفلان عندنا وزن أي قدر لخسته ويوصف الرجل بأنه لا وزن له لخفته وسرعة طيشه وقلة تثبته، والمعنى على هذا أنهم لا يعتد بهم ولا يكون لهم عند الله قدر ولا منزلة. وقرأ مجاهد يقيم أي فلا يقيم الله وقرأ الباقون بالنون وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﵌ قال: " إنه ليأتي

стр. 5107

الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة، وقال اقرأوا إن شئتم: فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً (١). ثم بيّنَ سبحانه عاقبة هؤلاء وما يؤول إليه أمرهم فقال

стр. 5108

(ذلك) أي الذي ذكرناه من أنواع الوعيد وحبوط أعمالهم وخسة قدرهم (جزاؤهم جهنم) عطف بيان للجزاء والسبب في ذلك أنهم ضموا إلى الكفر اتخاذهم آيات الله واتخاذ رسله هزواً، والباء في (بما كفروا) للسببية (واتخذوا آياتي ورسلي هزوا) أي مهزوءاً بهم. ثم ذكر سبحانه بعد هذا الوعيد لهؤلاء الكفار الوعد للمؤمنين فقال

стр. 5109

(إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات) أي جمعوا بينهما حتى كانوا على ضد صفة من قبلهم (كانت لهم) فيما سبق من علم الله لأهل طاعته قاله ابن الأنباري (جنات الفردوس نزلاً) قال المبرد: الفردوس فيما سمعت من كلام العرب الشجر الملتف والأغلب عليه العنب، واختار الزجاج ما قاله مجاهد أن الفردوس البستان باللغة الرومية، وقيل كل ما حوط فهو فردوس والجمع فراديس. وحكى الزجاج: أنها الأودية التي تنبت ضروباً من النبت فقيل هو عربي وقيل أعجمي وقيل فارسي وقيل سرياني، وقد تقدم بيان النزل، والمعنى كانت لهم ثمار جنة الفرودس نزلاً معداً لهم مبالغة في إكرامهم. أخرج الطبراني والحاكم وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وغيرهم عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﵌: " سلوا الله الفردوس فإنها سُرَّةُ الجنة وإن أهل الفردوس يسمعون أطيط العرش " (١). وفي الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله

стр. 5110

صلى الله عليه وسلم: " إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه وسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة " (١) وأخرج الترمذي وأحمد والحاكم والبيهقي وعبد بن حميد عن عبادة بن الصامت أن النبي ﷺ قال: " إن في الجنة مائة درجة كل درجة منها ما بين السماء والأرض، الفردوس أعلاها درجة ومن فوقها يكون العرش ومنه تفجر أنهار الجنة الأربعة فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس " (٢). وعن السدي هو الكرم بالنبطية، وقال كعب: هي جنات الأعناب بالسريانية وعنه ليس في الجنان جنة أعلى من جنة الفردوس فيها الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر. وقال قتادة: الفردوس ربوة الجنة وأوسطها وأوسعها وأفضلها وأرفعها وقيل: هي الجنة الملتفة بالأشجار التي تنبت ضروباً من النبات، والأحاديث بهذا المعنى كثيرة وقد أوضحنا ما جاء في الجنان كلها ونعيمها من الأحاديث والآثار في كتاب سميناه مثير ساكن الغرام إلى روضات دار السلام.

стр. 5111

(خالدين فيها لا يبغون عنها حولاً) قال مجاهد: متحولاً أي لا يطلبون تحولاً عنها إلى غيرها إذ هي أعز من أن يطلبوا غيرها أو تشتاق أنفسهم إلى سواها قال ابن الأعرابي وابن قتيبة والأزهري: الحول اسم بمعنى التحول يقوم مقام المصدر، وقال أبو عبيدة والفراء: أن الحول التحويل. ولما ذكر سبحانه أنواع الدلائل نبه على كمال القرآن فقال

стр. 5112

(قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي) قال ابن الأنباري: سمي المداد مداداً لإمداده الكاتب وأصله من الزيادة ومجيء الشىء، بعد الشيء، ويقال للزيت الذي يوقد به السراج مداداً، والمراد بالبحر هنا الجنس، والمعنى لو كتبت كلمات علم الله

стр. 5113

وحكمته وعجائبه وفرض أن جنس البحر مداد لها (لنفد البحر) أي لفنى ماؤه (قبل أن تنفد كلمات ربي) أي قبل نفود الكلمات، وقيل المعنى لو كان البحر مداداً للقلم والقلم يكتب لنفد البحر قبل نفود كلمات ربي أي علمه. قاله مجاهد. وقال قتادة: ينفد ماء البحر قبل أن ينفد كلام الله وحكمته، وقيل المراد بها معلوماته، قرئ تنفد بالتاء والياء وهما سبعيتان وذكر في الكشاف أن قبل هنا بمعنى غير أو بمعنى دون، وقيل عنى سبحانه بالكلمات الكلام القديم الذي لا غاية له ولا منتهى، وهو إن كان واحداً فيجوز أن يعبر عنه بلفظ الجمع لما فيه من الفوائد، وقد عبرت العرب عن الفرد بلفظ الجمع قال الأعشى: ووجه نقي اللون صاف يزينه ... مع الجيد لبات لها ومعاصم فعبر باللبات عن اللبة قال الجبائي: أن قوله (قبل أن تنفد كلمات ربي) يدل على أن كلماته قد تنفد في الجملة، وما ثبت عدمه امتنع قدمه، وأجيب بأن المراد الألفاظ الدالة على متعلقات تلك الصفة الأزلية، وقيل في الجواب إن نفاد شيء قبل نفاد شيء آخر لا يدل على نفاد الشيء الآخر ولا على عدم نفاده، فلا يستفاد من الآية إلا كثرة كلمات الله بحيث لا تضبطها عقول البشر، أما أنها متناهية أو غير متناهية فلا دليل على ذلك في هذه الآية، والحق أن كلمات الله تابعة لمعلوماته وهي غير متناهية فالكلمات غير متناهية. (ولو جئنا بمثله مدداً) كلام من جهته سبحانه غير داخل تحت قوله (قل لو كان البحر) وفيه زيادة مبالغة وتأكيد، والواو لعطف ما بعده على جملة مقدرة مدلول عليها بما قبلها أي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات الله لو لم يجيء بمثله مدداً (ولو جئنا بمثله) أي البحر (مدداً لنفد) أيضاً والمدد الزيادة وقرئ مداداً وهي كذلك في مصحف أبيّ.

стр. 5114

ثم أمر سبحانه نبيه ﵌ أن يسلك مسلك التواضع فقال

стр. 5115

(قل إنما أنا بشر مثلكم) أي آدمي حالي مقصور على البشرية لا يتخطاها إلى الملكية ومن كان هكذا فهو لا يدعي الإحاطة بكلمات الله إلا أنه امتاز عنهم بالوحي إليه من الله سبحانه فقال (يوحى إلي) وكفى بهذا الوصف فارقاً بينه وبين سائر أنواع البشر. ثم بيَّن أن الذي أوحي إليه هو قوله (إنما إلهكم إله واحد) لا شريك له في الألوهية والملك وفي هذا إرشاد إلى التوحيد ثم أمرهم بالعمل الصالح والتوحيد فقال (فمن كان يرجو لقاء ربه) الرجاء توقع وصول الخير في المستقبل، والمعنى من كان له هذا الرجاء الذي هو شأن المؤمنين ويخاف المصير إليه، وقيل يؤمل رؤية ربه والبعث والجزاء (فليعمل عملاً صالحا) هو ما دل الشرع على أنه عمل خير يثاب عليه فاعله أي مستوفياً لمعتبر أنه شرعٌ عن ابن عباس قال: أنزلت في المشركين الذين عبدوا مع الله إلهاً آخر غيره وليست هذه في المؤمنين. (ولا يشرك بعبادة ربه أحداً) من خلقه سواء كان صالحاً أو طالحاً، حيواناً أو جماداً، قال الماوردي: قال جميع أهل التأويل في تفسير هذه الآية إن المعنى لا يرائي بعمله أحداً. وأقول إن دخول الشرك الجلي الذي كان يفعله المشركون تحت هذه الآية هو المقدم على دخول الشرك الخفي الذي هو الرياء. ولا مانع من دخول هذا الخفي تحتها إنما المانع من كونه هو المراد بهذه الآية. عن ابن عباس قال: قال رجل يا نبيِّ الله إني أقف المواقف أبتغي وجه الله وأحب أن يرى موطني فلم يرد عليه شيئاً حتى نزلت هذه الآية. وعنه قال: كان جندب بن زهير إذا صلى أو صام أو تصدق فذكر بخير ارتاح له فزاد في ذلك لقالة الناس فلا يريد به الله فنزل في ذلك (فمن كان يرجو لقاء ربه) الآية.
следующие страницы →