← Тафсир

Тафсир · id 37458

فتح البيان في مقاصد القرآن

صديق حسن خان

Полный текст (12 043 стр.). Показаны 5181–5220 · переход к 5186.

стр. 5181

أنها عطف على الصلاة، أي أوصاني بالصلاة وبأن الله، وإليه ذهب الفراء، ولم يذكر مكي غيره، وقيل على الثاني عطف على قوله إني عبد الله، وهو من البعد بمكان (ربي وربكم فاعبدوه) هذا من تمام كلام عيسى بدليل ما قلت لهم إلا ما أمرتني الآية. (هذا صراط مستقيم) أي الذي ذكرته لكم من أنه ربي وربكم، هو الطريق القيم الذي لا اعوجاج فيه ولا يضل سالكه

стр. 5182

(فاختلف الأحزاب) أي اليهود والنصارى (من بينهم) أي فاختلفت الفرق من أهل الكتاب في أمر عيسى، فأفرطت النصارى وغلت وفرطت اليهود وقصرت، ومن زائدة وقيل للتبعيض إذ بقي منهم فرقة أخرى مؤمنة يقولون إنه عبد الله كما تقدم. (فويل للذين كفروا) وهم المختلفون في أمره، عبر عنهم بالموصول إيذاناً بكفرهم جميعاً وإشعاراً بعلة الحكم (من مشهد يوم عظيم) أي من شهود يوم القيامة وما يجري فيه من الحساب والجزاء والعقاب، أو من مكان الشهود فيه، أو من شهادة ذلك اليوم عليهم. وقيل المعنى فويل لهم من حضورهم المشهد العظيم الذي اجتمعوا فيه للتشاور.

стр. 5183

(أسمع بهم وأبصر) قال أبو العباس: العرب تقول هذا في موضع التعجب فيقولون أسمع بزيد وأبصر به، أي ما أسمعه وأبصره، فعجب الله سبحانه نبيه ﷺ منهم. وقال السمين: هذا لفظ أمر ومعناه التعجب، وقيل بل هو أمر حقيقة، والمأمور هو رسول الله ﷺ ، والمعنى أسمع الناس وأبصرهم بهم وبحالهم، ماذا تصنع بهم من العذاب، وهو منقول عن أبي العالية، وقال ابن عباس: يقول الكفار يومئذ: أسمع شيء وأبصره، وهم اليوم لا يسمعون ولا يبصرون. (يوم يأتوننا) للحساب والجزاء (لكن الظالمون) الأصل لكنهم وهو من إقامة الظاهر مقام المضمر للإيذان بأنهم في ذلك ظالمون لأنفسهم

стр. 5184

(اليوم) أي في الدنيا (في ضلال) أي خطأ (مبين) أي واضح ظاهر، ولكنهم أغفلوا التفكر والاعتبار والنظر في الآثار (وأنذرهم) أي خوّف يا محمد كفار مكة (يوم الحسرة) أي يوم يتحسرون جميعاً، فالمسيء يتحسر على إساءته، والمحسن على عدم استكثاره من الخير. وعن ابن عباس قال: يوم الحسرة هو من أسماء يوم القيامة، وقرأ (أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله، وفي سنده علي ابن أبي طلحة وهو ضعيف، والآية التي استدل بها ابن عباس لا تدل على المطلوب لا بمطابقة ولا تضمن ولا التزام. (إذ قضي الأمر) من الحساب وطويت الصحف وصار أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار (وهم في غفلة) أي غافلين عما يعمل بهم وتلك الحال متضمنة للتعليل، أي أنذرهم لأنهم في حالة يحتاجون فيها إلى الإنذار، وهي الغفلة والكفر. (وهم لا يؤمنون) به، أخرج البخاري ومسلم وغيرهم، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار يجاء بالموت كأنه كبش أملح، فيوقف بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنة هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون، وينظرون إليه، فيقولون: نعم هذا الموت، وكلهم قد رآه، ثم ينادي يا أهل النار هل تعرفون هذا فيشرئبون وينظرون إليه فيقولون نعم هذا الموت، وكلهم قد رآه فيؤمن به فيذبح، ويقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت؛ ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 5185

(وأنذرهم يوم الحسرة) الآية وأشار بيده فقال أهل الدنيا في غفلة (١). وأخرج النسائي وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن أبي هريرة مرفوعاً نحوه.

стр. 5186

وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٩) إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (٤٠) وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٤١) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (٤٢) يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (٤٣) يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (٤٤) يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (٤٥) قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦) قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (٤٧)

стр. 5187

(إنّا نحن) تأكيد للضمير في إنا لأنه بمعناه (نرث الأرض) أي نميت سكانها فلا يبقى بها أحد يرث الأموات، فكأنه سبحانه ورث الأرض (ومن عليها) حيث أماتهم جميعاً (وإلينا يرجعون) أي يردون إلينا يوم القيامة فنجازي كلاًّ بعمله، وقد تقدم مثل هذا في سورة الحجر.

стр. 5188

(واذكر) لكفار مكة (في الكتاب إبراهيم) أي خبره والمراد بذكر الرسول إياه في الكتاب أن يتلو ذلك على الناس كقوله: (واتل عليهم نبأ إبراهيم) فالمراد ما ذكر، وإلا فالذاكر له هو الله في كتابه، وعاش إبراهيم من العمر مائة وخمساً وسبعين سنة؛ وبينه وبين آدم ألفا سنة، وبينه وبين نوح ألف سنة ذكره السيوطي (١) وفي التحبير (إنه كان صديقاً نبياً) تعليل لما تقدم من الأمر لرسول الله ﷺ بأن يذكره، وهي معترضة ما بين البدل والمبدل منه والصديق كثير الصدق بليغه أي اذكر إبراهيم الجامع لهذين الوصفين، ولا ثبت أن كل نبي يجب أن يكون صديقاً ولا يجب في كل صديق أن يكون نبياً، ظهر بهذا قرب مرتبة الصديق من مرتبة النبي، فلهذا انتقل من ذكر كونه صديقاً إلى ذكر كونه نبياً.

стр. 5189

(إذ قال لأبيه) بدل اشتمال من إبراهيم وتعليق الذكر بالوقت مع أن المقصود تذكير ما وقع فيه من الحوادث للمبالغة، وأبو إبراهيم هو آزر على ما تقدم تقريره (يا أبت) التاء عوض عن الياء ولهذا لا يجتمعان (لم تعبد) الاستفهام للإنكار والتوبيخ أي لأي شيء ولأي سبب تعبد (ما لا يسمع) ما تقوله من الثناء عليه، والدعاء له (ولا يبصر) ما تفعله من عبادته؛ ومن الأفعال التي تفعلها مريداً بها الثواب، ويجوز أن يحمل نفي السمع والإبصار على ما هو أعم من ذلك أي لا يسمع شيئاً من المسموعات ولا يبصر شيئاً من المبصرات. (ولا يغني عنك شيئاً) من الأشياء فلا يجلب لك نفعاً؛ ولا يدفع عنك ضرراً، وهي الأصنام التي كان يعبدها آزر، أورد إبراهيم ﵇ على أبيه الدلائل والنصائح وصدر كلا منها بالنداء المتضمن للرفق واللين استمالة لقلبه، وامتثالاً لأمر ربه، ووصف الأصنام بثلاثة أشياء كل واحد منها قادح في الإلهية، ورتب هذا الكلام على غاية الحسن، ثم كرر دعوته إلى الحق فقال:

стр. 5190

(يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك) أي بعض العلم وهو علم الوحي أو التوحيد أو الآخرة أقوال ثلاثة ذكرها أبو حيان فأخبر أنه قد وصل إليه من العلم نصيب لم يصل إلى أبيه، وأنه قد تجدد له حصول ما يتوصل به منه إلى الحق ويقتدر به على إرشاد الضال، ولهذا أمره باتباعه فقال: (فاتبعني) في الإيمان، والتوحيد (أهدك صراطاً سوياً) مستوياً موصلاً إلى المطلوب منجياً من المكروه ثم أكد ذلك بنصيحة أخرى زاجرة له عما هو فيه فقال:

стр. 5191

(يا أبت لا تعبد الشيطان) أي لا تطعه فإن عبادة الأصنام هي من طاعة الشيطان ثم علل ذلك بقوله: (إن الشيطان كان للرحمن عصياً) حين ترك ما أمره به من السجود لآدم. ومن أطاع من هو عاص لله سبحانه فهو عاصٍ لله، والعاصي حقيق بأن تسلب عنه النعم وتحل به النقم، قال

стр. 5192

الكسائي: العصي والعاصي واحد، ثم بين له الباعث على هذه النصائح فقال:

стр. 5193

(يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن) إن لم تتب. قال الفراء: معنى أخاف هنا أعلم وبه فسر الأقلون الآية، وإليه أشار في التقرير وقال الأكثرون: أن الخوف هنا محمول على ظاهره لأن إبراهيم غير جازم بموت أبيه على الكفر، إذ لو كان جازماً بذلك لم يشتغل بنصحه، فوجب إجراؤه على ظاهره، ومعنى الخوف على الغير، هو أن يظن وصول الضرر إلى ذلك الغير. (فتكون للشيطان ولياً) أي أنك إن أطعت الشيطان كنت معه قريناً في النار واللعنة. فتكون بهذا السبب موالياً له أو تكون بسبب موالاته في العذاب معه، وليس هناك ولاية حقيقية لقوله سبحانه: (الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو). وقيل الولي بمعنى التالي؛ وقيل بمعنى القريب. قال الشهاب: الْوَليُّ من الوَلِيْ وهو القرب، وكل من المتقاربين قريب من صاحبه أي تكون للشيطان قريباً منه في النار، تليه ويليك، فلما مرت هذه النصائح النافعة والمواعظ المقبولة بسمع آزر قابلها بالغلظة والفظاظة والقسوة المفرطة، حيث:

стр. 5194

(قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم) ناداه باسمه ولم يقابل يا أبت بيا بني وأخره وقدم الخبر على المبتدأ. وصدره بهمزة الاستفهام للتقريع والتوبيخ والتعجيب، ولإنكار نفس الرغبة كأنها مما لا يرغب عنها عاقل. والمعنى أمعرض أنت عن ذلك ومنصرف إلى غيره. ثم توعده وهدده فقال: (لئن لم تنته) عن مقالتك فيها أو الرغبة عنها، واللام للقسم (لأرجمنك) بالحجارة حتى تموت، وقيل باللسان فيكون معناه لأشتمنك. قاله ابن عباس، وقيل معناه لأضربنك وقيل لأبعدنك عني بالقول القبيح، وقيل لأظهرن أمرك فاحذرني (واهجرني ملياً) أي زماناً طويلاً. وقال ابن عباس حيناً. قال الكسائي: يقال هجرته ملياً وملوة وملاوة، بمعنى الملاوة من

стр. 5195

الزمان وهو الطويل. وقيل معناه اعتزلني سالم العرض سوياً لا تصيبك مني معرة، واختار هذا ابن جرير وعن ابن عباس قال: اجتنبني سوياً واجتنبني سالماً قبل أن تصيبك مني عقوبة وعن عكرمة: ملياً دهراً، وعن قتادة: سالماً، وعن الحسن مثله، فلما رأى إبراهيم إصرار أبيه على العناد

стр. 5196

(قال سلام عليك) أي تحية توديع ومقاطعة ومتاركة، كقوله تعالى: وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً. وقيل معناه أمنة مني لك. قاله ابن جرير. وإنما أمنه مع كفره لأنه لم يؤمر بقتاله والأول أولى وبه قال الجمهور. وقيل معناه الدعاء له بالسلامة استمالة له ورفقاً به، وهذا في مقابلة قوله: لئن لم تنته، وهذا مقابلة للسيئة بالحسنة. ثم وعده بأن يطلب له المغفرة من الله سبحانه تألفاً له وطمعاً في لينه وذهاب قسوته. والشيخ لا يترك أخلاقه حتى ... يوارى في ثرى رمسه فقال: (سأستغفر لك ربي) وكان منه هذا الوعد قبل أن يعلم أنه يموت على كفره وتحق عليه الكلمة. ولهذا قال الله سبحانه في موضع آخر: (فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه) بعد قوله: (وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها أياه) وقيل المراد باستغفاره له طلب توفيقه للإيمان الموجب للمغفرة، أي سأسأل لك ربي توبة تنال بها المغفرة، يعني الإسلام، والاستغفار للكافر بهذا الوجه جائز، كأنه يقول اللهم وفقه للإسلام أو تب عليه واهده. قاله الكرخي والصحيح هو الأول. (إنه كان بي حفياً) تعليل لما قبلها، والمعنى سأطلب لك المغفرة من الله، فإنه كان بي كثير البر واللطف. يقال حفي به وتحفى إذا بره. قال الكسائي. يقال حفي بي حفاوة وحفوة أي اعتنى بي وبالغ في إكرامي والطافي. وقال الفراء: حفياً أي عالماً لطيفاً يجيبني إذا دعوته. وبه قال ابن عباس. والحفي أيضاً المستقصي في السؤال، ومنه كأنك حفي عنها.

стр. 5197

وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (٤٨) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلاًّ جَعَلْنَا نَبِيًّا (٤٩) وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (٥٠) وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥١) وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (٥٢) وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا (٥٣) ثم صرح الخليل بما تضمنه سلامه من التوديع والمتاركة فقال:

стр. 5198

(وأعتزلكم وما تدعون من دون الله) أي أهاجر بديني عنكم وعن معبوداتكم حيث لم تقبلوا نصحي ولا نجعت فيكم دعوتي، وهذا في مقابلة قوله: واهجرني ملياً. (وأدعو ربي) وحده (عسى أن لا أكون بدعاء ربي شقياً) أي خائباً كما شقيتم بعبادة الأوثان. وقيل عاصياً قيل: أراد بهذا الدعاء هو أن يهب الله له ولداً وأهلاً يستأنس بهم في اعتزاله ويطمئن إليهم عند وحشته، وفي تصدير الكلام بعسى التواضع وهضم النفس والتنبيه على أن الإجابة والإثابة تفضل منه تعالى غير واجبين وأن ملاك الأمر خاتمته وهو عيب. وقيل: أراد دعاءه لأبيه بالهداية، وعسى للشك لأنه كان لا يدري أيستجاب له فيه أم لا، والأول أولى لقوله:

стр. 5199

(فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله) أي بأن ذهب مهاجراً من بابل أو كوئي إلى الأرض المقدسة (وهبنا له إسحاق ويعقوب) أي جعلنا هذين الموهوبين له أهلاً وولداً بدل الأهل الذين فارقهم يأنس بهما. وهذا يقتضي أنه عاش حتى رأى يعقوب وهو كذلك، كما مرت الإشارة إليه في قوله: فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب، وخصهما لأنه سيذكر إسماعيل بفضله منفرداً قال ابن عباس: وهبنا له إسحاق ابناً ويعقوب ابن ابنه (وكُلّا) مفعول لجعلنا قدم عليه للتخصيص، لكن بالنسبة إليهم أنفسهم لا بالنسبة إلى من عداهم، أي كل واحد منهم (جعلنا نبياً) لا

стр. 5200

بعضهم دون بعض.

стр. 5201

(ووهبنا لهم من رحمتنا) أي للثلاثة بأن جعلناهم أنبياء، وذكر هذا بعد التصريح بجعلهم أنبياء لبيان أن النبوة هي من باب الرحمة. وقيل المراد بالرحمة هنا المال وسعة الرزق، وقيل كثرة الأولاد، وقيل الكتاب، ولا يبعد أن يندرج تحتها جميع هذه الأمور. ومن للتبعيض. (وجعلنا لهم لسان صدق علياً) أي الثناء الحسن قاله ابن عباس، عبر عنه باللسان لكونه يوجد به، كما عبر باليد عن العطية، وإضافته إلى الصدق ووصفه بالعلو للدلالة على أنهم أحقاء بما يقال فيهم من الثناء على ألسن العباد، ففي اللسان مجاز مرسل من إطلاق اسم الآلة وإرادة ما ينشأ منها. والمعنى وجعلنا لهم ثناء صادقاً يذكرهم الأمم كلها إلى يوم القيامة، بما لهم من الخصال المرضية، ويصلون على إبراهيم وعلى آله إلى قيام الساعة، وهذا توبيخ لكفار مكة إذ كان مقتضى ترضيهم وثنائهم على المذكورين أن يتبعوهم في الدين مع أنهم لم يفعلوا. ثم قفى الله سبحانه قصة إبراهيم بقصة موسى لأنه تلوه في الشرف، وقدمه على إسماعيل لئلا يفصل بينه وبين ذكر يعقوب فقال:

стр. 5202

(واذكر في الكتاب) أي واقرأ عليهم من القرآن قصة (موسى إنه كان مخلصاً) بفتح اللام أي جعلناه مختاراً وأخلصناه، وقرئ بكسرها أي أخلص العبادة والتوحيد لله غير مراء للعباد (و) أنه (كان رسولاً نبياً) أي أرسله الله إلى عباده فأنبأهم عن الله بشرائعه التي شرعها لهم، فهذا وجه ذكر النبي بعد الرسول مع استلزام الرسالة للنبوة، فكأنه أراد بالرسول معناه اللغوي لا الشرعي، والله أعلم. وقال النيسابوري: الرسول النبي الذي معه كتاب والنبي الذي ينبئ عن الله وإن لم يكن معه كتاب، وكان المناسب ذكر الأعم قبل الأخص إلا أن رعاية الفواصل اقتضت عكس ذلك؛ كقوله في طه: (رب هارون وموسى). قال مجاهد: النبي هو الذي يكلم وينزل عليه ولا يرسل،

стр. 5203

وفي لفظ الأنبياء الذين ليسوا برسل يوحى إلى أحدهم ولا يرسل إلى أحد، والرسل الأنبياء الذي يوحى إليهم ويرسلون.

стр. 5204

(وناديناه) أي كلمناه كما في سورة القصص في قوله: (فلما أتاها نودي من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين) (من جانب الطور الأيمن) أي من ناحيته اليمنى، وهو جبل بين مصر ومدين اسمه زبير. ومعنى الأيمن أنه كان ذلك الجانب عن يمين موسى حين أقبل من مدين متوجهاً إلى مصر فإن الشجرة كانت في ذلك الجانب والنداء وقع منها، وليس المراد يمين الجبل نفسه، فإن الجبال لا يمين لها ولا شمال، وقيل معنى الأيمن الميمون. ومعنى النداء أنه تمثل له الكلام من ذلك الجانب. قال قتادة: جانب الجبل الأيمن. وهذا صريح في أن المراد بالطور هو الذي عند بيت المقدس، لا الطور الذي عند السويس، لأنه يكون على يسار المتوجه من مدين إلى مصر كما هو محسوس (وقربناه نجياً) أي أدنيناه بتقريب المنزلة حتى كلمناه، والنبي بمعنى المناجي كالجليس والنديم؛ فالتقريب هنا هو تقريب التشريف والإكرام، مثلت حاله بحال من قربه الملك لمناجاته. قال الزجاج: قرّبه منه في المنزلة حتى سمع مناجاته. وقيل: إن الله سبحانه رفعه حتى سمع صريف القلم، روي هذا عن بعض السلف، وبه قال أبو العالية، وروي نحوه عن جماعة من التابعين قال ابن عباس حتى سمع صريف القلم يكتب في اللوح المحفوظ وأخرجه الديلمي عنه مرفوعاً قال قتادة: في نجيا نجي بصدقه.

стр. 5205

(ووهبنا له من رحمتنا) أي من نعمتنا، وفي (من) هذه وجهان. أحدهما أنها تعليلية أي من أجل رحمتنا، والثاني أنها تبعيضية، أي بعض رحمتنا (أخاه هارون نبياً) وذلك حين سأل ربه وقال: واجعل لي وزيراً من أهلي. هارون أخي قال ابن عباس: كان هارون أكبر من موسى، أي بأربع سنين، ولكن إنما وهب له نبوته.

стр. 5206

وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (٥٢) وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا (٥٣) وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥٤) وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (٥٥) وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٥٦) وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧) أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (٥٨)

стр. 5207

(واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد) وصف الله سبحانه إسماعيل بصدق الوعد مع كون جميع الأنبياء كذلك، لأنه كان مشهوراً بذلك مبالغاً فيه، وناهيك أنه وعد الصبر من نفسه على الذبح، فوفى بذلك وكان ينتظر لمن وعده بوعد الأيام والليالي، حتى قيل: إنه انتظر لبعض من وعده حولاً؛ والمراد بإسماعيل هنا هو إسماعيل بن إبراهيم، ولم يخالف في ذلك إلا من لا يعتد به، فقال هو إسماعيل بن حزقيل بعثه الله إلى قومه فسلخوا جلدة رأسه، فخيره الله فيما شاء من عذابهم، وثوابه فاستعفاه ورضي بثوابه. (وكان رسولاً نبياً) قد استدل بهذا إلى أن الرسول لا يجب أن يكون صاحب شريعة، فإن أولاد إبراهيم كانوا على شريعته، وقيل أنه وصفه بالرسالة لكون إبراهيم أرسله إلى جرهم، وهم قبيلة من عرب اليمن نزلوا على هاجر أم إسماعيل بوادي مكة

стр. 5208

(وكان يأمر أهله) المراد به هنا أمته وقيل جرهم وقيل عشيرته، كما في قوله: (وأنذر عشيرتك الأقربين). والمراد (بالصلاة والزكاة) هنا هما العبادتان الشرعيتان، ويجوز أن يراد معناهما اللغوي (وكان عند ربه مرضياً) أي رضياً زاكياً صالحاً، والمعنى قائماً

стр. 5209

لله بطاعته. وقيل رضيه لنبوته ورسالته، وهذا نهاية في المدح لأن المرضي عند الله هو الفائز في كل طاعة بأعلى الدرجات قال الفراء والكسائي: من قال مرضي بني على رضيت، قال وأهل الحجاز يقولون مرضوي.

стр. 5210

(واذكر في الكتاب إدريس) هو ابن شيث بن آدم لصلبه، أفاده السيوطي في التحبير واسمه أخنوخ. قيل هو جد نوح، فإن نوحاً هو ابن لمك ابن متوشلخ ابن أخنوخ، وعلى هذا فيكون جد أبي نوح، ذكره الثعلبي وغيره، وقد قيل أن هذا خطأ، وامتناع إدريس للعجمة والعلمية. وقولهم سمي به لكثرة دراسته الكتب لا يصح، لأنه لو كان إفعيلاً من الدرس لم يكن فيه إلا سبب واحد وهو العلمية وكان منصرفاً، وهو أول مرسل بعد آدم ﵇ وأول من أعطى النبوة من بني آدم وأول من خط بالقلم، ونظر في النجوم والحساب وأول من خاط الثياب وأول من اتخذ السلاح. وقاتل الكفار. (إنه كان صديقاً نبياً) وذلك إن الله شرفه بالنبوة، وأنزل عليه ثلاثين صحيفة. وقد اختلف في معنى قوله:

стр. 5211

(ورفعناه مكاناً علياً) فقيل إن الله رفعه إلى السماء الرابعة. وقيل إلى السادسة وقيل إلى الثانية. وقد روى البخاري في صحيحه من حديث الإسراء، وفيه: " ومنهم إدريس في الثانية " (١) وهو غلط من رواية شريك بن عبد الله بن أبي نمر، والصحيح: " أنه في السماء الرابعة " كما رواه مسلم في صحيحه من حديث أنس بن مالك عن النبي ﷺ (٢).

стр. 5212

وقيل إن المراد برفعه ما أعطيه من شرف النبوة والزلفى عند الله، وقيل إنه رفع إلى الجنة. وقيل هو الرفعة بعلو المرتبة في الدنيا والأول أصح؛ عن ابن عباس قال: كان إدريس خياطاً، وكان لا يغرز غرزة إلا قال سبحان الله؛ وكان يمسي حين يمسي وليس على الأرض أفضل عملاً منه، فاستأذن ملك من الملائكة ربه فقال يا رب ائذن لي فأهبط إلى إدريس، فأذن له، فأتى إدريس فقال: إني جئتك لأخدمك، قال كيف تخدمني وأنت ملك وأنا إنسان، ثم قال إدريس هل بينك وبين ملك الموت شيء؟ قال الملك: ذاك أخي من الملائكة، قال هل تستطيع أن تنفعني؟ قال أما نؤخر شيئاً أو نقدمه فلا، ولكن سأكلمه لك فيرفق بك عند الموت، فقال اركب بين جناحي، فركب إدريس فصعد إلى السماء العليا فلقي ملك الموت وإدريس بين جناحيه، فقال له الملك: إن لي إليك حاجة قال علمت حاجتك، تكلمني في إدريس وقد محي اسمه من الصحيفة فلم يبق من أجله إلا نصف طرفة عين، فمات إدريس بين جناحي ملك أخرجه ابن أبي حاتم، وعنه سألت كعباً فذكر نحوه فهذا هو من الإسرائيليات التي يرويها كعب. وعنه قال رفع إدريس إلى السماء السادسة. وأخرج الترمذي وصححه وابن المنذر وابن مردويه قال: حدثنا أنس بن مالك عن النبي ( ﷺ ) قال: لما عرج بي رأيت إدريس في السماء الرابعة (١). وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً نحوه، وعن مجاهد قال: رفع إدريس كما رفع عيسى ولم يمت. وعن ابن مسعود قال: إدريس هو إلياس، وحسنه السيوطي

стр. 5213

(أولئك) خطاب لمحمد ﷺ والإشارة إلى الأنبياء المذكورين من أول السورة إلى هنا، وهم عشرة أولهم في الذكر زكريا وآخرهم فيه إدريس، وهو مبتدأ وقوله: (الذين أنعم الله عليهم) صفته و (من النبيين) بيان للموصول من بيان العام بالخاص

стр. 5214

و (من ذرية آدم) بدل منه بإعادة الخافض، وقيل (من) فيه للتبعيض، يعني إدريس ونوحاً. (وممن حملنا مع نوح) أي من ذرية من حملنا معه في السفينة، وهم من عدا إدريس، فإن إدريس من ذرية آدم لقربه منه، وإبراهيم من ذرية من حمل مع نوح لأنه من ذرية سام بن نوح، فإن إبراهيم بن آزر وبينه وبين نوح عشرة قرون كما في التحبير. (ومن ذرية إبراهيم) وهم الباقون (و) من ذرية (إسرائيل) وهو يعقوب؛ وكان منهم موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى، وفيه دليل على أن أولاد البنات من الذرية. وقيل إنه أراد بقوله من ذرية آدم إدريس وحده، وبقوله ممن حملنا مع نوح إبراهيم وحده، وبقوله ومن ذرية إبراهيم، إسماعيل وإسحاق ويعقوب، وبقوله إسرائيل موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى، قال السدي: هذه تسمية الأنبياء الذين ذكرهم، أما من ذرية آدم فإدريس ونوح وأما من ذرية من حمل مع نوح فإبراهيم، وأما ذرية إبراهيم فإسماعيل وإسحاق ويعقوب، وأما ذرية إسرائيل فموسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى، لأن مريم من ذريته. (وممن هدينا) أي من جملة من هدينا إلى الإسلام (واجتبينا) بالإيمان وقيل على الأنام وهذا آخر الصفات، والتقدير والكائنين ممن هدينا الخ، واعلم أنه تعالى أثنى على كل واحد ممن تقدم ذكره من الأنبياء بما يخصه من الثناء، ثم جمعهم آخراً فقال أولئك الخ، فرتب تعالى أحوال الأنبياء الذين ذكرهم على هذا الترتيب منبهاً بذلك على أنهم كما فضلوا بأعمالهم فلهم منزلة في الفضل بولادتهم من هؤلاء الأنبياء، ثم بين أنهم ممن هدينا واجتبينا منبهاً بذلك على أنهم خصوا بهذه المنازل لهداية الله لهم، ولأنه اختارهم للرسالة. (إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجداً وبكياً) وهذا خير

стр. 5215

لأولئك، ويجوز أن يكون الخبر هو الذين أنعم الله عليهم، وهذا استئناف لبيان خشوعهم لله وخشيتهم منه، والسجد والبُكِيّ جمع ساجد قياساً وباك على غير قياس، وقياسه بكاة، كقاض وقضاة، وقد تقدم في سبحان بيان معنى خروا سجداً، يقال بكى يبكي بكاء وبكياً؛ قال الخليل: إذا قصرت البكاء فهو مثل الحزن، أي ليس معه صوت، ومنه قول الشاعر: بكت عيني وحق لها بكاها ... وما يغني البكاء ولا العويل قال الزجاج: قد بين الله أن الأنبياء كانوا إذا سمعوا آيات الله بكوا وسجدوا خضوعاً وخشوعاً وخوفاً وحذراً، والمراد من الآيات ما خصهم به من الكتب المنزلة عليهم، وقيل المراد بها ذكر الجنة والنار والوعد والوعيد؛ وفيه استحباب البكاء وخشوع القلب عند سماع القرآن. قال صالح المري: قرأت القرآن على رسول الله ﷺ في المنام فقال لي يا صالح هذه القراءة فأين البكاء؟ وفي الحديث: " اتلوا القرآن وابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا " (١). وعن ابن عباس: إذا قرأتم سجدة سبحان فلا تعجلوا بالسجود حتى تبكوا، فإن لم تبك عين أحدكم فليبك قلبه، وقد استدل بهذه على مشروعية سجود التلاوة، وهذه السجدة من عزائم سجود القرآن، فيسن للقارئ والمستمع أن يسجد عند تلاوة هذه الآية، وقال بعضهم: إنه الصلاة. وقال الرازي: يحتمل أنهم عند الخوف كانوا قد تعبدوا بالسجود فيفعلوا ذلك لأجل ذكر السجود في الآية. ولما مدح الله سبحانه هؤلاء الأنبياء بهذه الصفات ترغيباً لغيرهم في الاقتداء بهم وسلوك طريقتهم، ذكر أضدادهم تنفيراً للناس على طريقتهم فقال:

стр. 5216

فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا (٦٠) جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا (٦١) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (٦٢) تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا (٦٣) وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤)

стр. 5217

(فخلف) أي وجد وحدث (من بعدهم) أي من بعد النبيين المذكورين (خلف) أي عقب سوء. قال أهل اللغة: يقال لعقب الخير والصدق خلف بفتح اللام، ولعقب الشر والسوء خلف بسكون اللام، وقد قدمنا الكلام على هذا في آخر الأعراف. (أضاعوا الصلاة) أي أخروها عن وقتها، قاله الأكثر، وهو أن لا يصلي الظهر حتى يأتي العصر ولا العصر حتى يأتي المغرب، وقيل أضاعوا الوقت، وقيل كفروا بها وجحدوا وجوبها، وقيل لم يأتوا بها على الوجه المشروع. وقيل تركوها كاليهود والنصارى، والظاهر أن من أخر الصلاة عن وقتها أو ترك فرضاً من فروضها أو شرطاً من شروطها أو ركناً من أركانها فقد أضاعها، ويدخل تحت الإضاعة من تركها بالمرة أو جحدها دخولاً أولياً. واختلفوا فيمن نزلت هذه الآية، فقيل في اليهود وقيل في النصارى وقيل في قوم من أمة محمد ﷺ يأتون في آخر الزمان. وقال بالأولين السدي. وقال بالثالث مجاهد، ولفظه هم من هذه الأمة يتراكبون في الطرق كما تراكب الأنعام لا يستحيون من الناس ولا يخافون من الله في السماء، وعن ابن مسعود قال: ليس إضاعتها تركها، قد يضيع الإنسان الشيء ولا يتركه. ولكن إضاعتها إذا لم يصلها لوقتها.

стр. 5218

(واتبعوا الشهوات) أي فعلوا ما تشتهيه أنفسهم وترغب إليه من المحرمات كشرب الخمر والزنا (فسوف يلقون غياً) هو الشر عند أهل اللغة كما أن الخير هو الرشاد. والمعنى أنهم سيلقون شراً لا خيراً. وقيل الغي الضلال. وقيل الخيبة وقيل الخسران وقيل الهلاك وقيل العذاب وقيل هو اسم واد في جهنم تستعيذ من حره أوديتها أعد للزناة وشربة الخمر وشهاد الزور وأكلة الربا والعاقين لوالديهم. وقيل في الكلام حذف. والتقدير سيلقون جزاء الغي. قاله الزجاج. ومثله قوله سبحانه: يلق أثاماً. أي جزاء أثام. أخرج أحمد وابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي وغيرهم، عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله ﷺ وتلا هذه الآية قال: " يكون خلف من بعد ستين سنة؛ أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات، فسوف يلقون غياً، ثم يكون خلف يقرأون القرآن لا يعدو تراقيهم، ويقرأ القرآن ثلاثة؛ مؤمن ومنافق وفاجر " (١). وأخرج أحمد والحاكم وصححه عن عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله ﷺ " سيهلك من أمتي أهل الكتاب وأهل اللبن " قلت: يا رسول الله ما أهل الكتاب؟ قال " قوم يتعلمون الكتاب يجادلون به الذين آمنوا "، قلت: ما أهل اللبن؟ قال " قوم يتبعون الشهوات ويضيعون الصلوات " (٢). وعن عائشة أنها كانت ترسل بالصدقة لأهل الصدقة وتقول: لا تعطوا منها بربرياً، ولا بربرية، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول:

стр. 5219

" هم الخلف الذين قال الله فخلف من بعدهم خلف " (١)، أخرجه ابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه. وعن ابن مسعود قال: الغي نهر أو واد في جهنم من قيح بعيد القعر خبيث الطعم يقذف فيه الذين يتبعون الشهوات، وقد قال بأنه واد في جهنم، البراء بن عازب، وأخرج ابن جرير والطبراني وابن مردويه والبيهقي عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : " لو أن صخرة زنة عشر أواق قذف بها من شفير جهنم ما بلغت قعرها سبعين خريفاً، ثم ينتهي إلى غي، وأثام "؛ قلت: وما غي؟ وأثام؟ قال " نهران في أسفل جهنم يسيل فيهما صديد أهل النار، وهما اللذان ذكر الله في كتابه فسوف يلقون غياً "، ومن يفعل ذلك يلق أثاماً. وأخرج ابن مردويه؛ عن ابن عباس عن النبي ﷺ ، قال: " الغي واد في جهنم ".

стр. 5220

(إلا من تاب) مما فرط منه من تضييع الصلاة واتباع الشهوات فرجع إلى طاعة الله (وآمن) به (وعمل) عملاً (صالحاً) الاستثناء منقطع قاله الزجاج وجرى أبو حيان وغيره على أنه متصل، وهو ظاهر الآية، لما روي عن قتادة أنها في حق هذه الأمة، ويجوز أن يحمل على التغليظ، كما قال تعالى: (من استطاع إليه سبيلاً) وبهذا التأويل يحسن قول قتادة. إن هذا الكلام نازل في شأن أمة محمد ﷺ ، وقيل في هذا الاستثناء دليل على أن الآية في الكفرة لا في المسلمين. (فأولئك يدخلون الجنة) بفتح الياء وضم الخاء، وقرئ بضم الياء
следующие страницы →