← Тафсир

Тафсир · id 37458

فتح البيان في مقاصد القرآن

صديق حسن خان

Полный текст (12 043 стр.). Показаны 5146–5185 · переход к 5151.

стр. 5146

(واذكر في الكتاب مريم) هذا شروع في ابتداء خلق عيسى، والمراد بالكتاب هذه السورة: أي اذكر يا محمد للناس في هذه السورة قصة مريم وخبرها ونبأها؛ أو المراد به جنس القرآن وهذه السورة منه (إذ انتبذت) النبذ الطرح والرمي. قال تعالى: (فنبذوه وراء ظهورهم)، والمعنى أنها تنحت وتباعدت. وقال ابن قتيبة: اعتزلت وقيل انفردت. (من أهلها) أي من قومها والمعاني متقاربة. واختلفوا في سبب انتباذها، فقيل لأجل أن تعبد الله سبحانه، وقيل للتطهر من حيضها (مكاناً شرقياً) أي من جانب الشرق، والنصب على الظرفية أو مفعول به، على أن معنى انتبذت أتت مكاناً، كما في السمين، وفي المصباح ما يؤيده. والشرق بسكون الراء المكان الذي تشرق فيه الشمس، وإنما خص المكان بالشرق لأنهم يعظمون جهة الشرق لأنها مطلع الأنوار، حكى معناه ابن جرير، وقال ابن عباس: مكاناً أظلها من الشمس أن يراها أحد منهم، وقال: إنما اتخذت النصارى المشرق قبلة. لأن مريم اتخذت من أهلها مكاناً شرقياً. فاتخذوا ميلاده قبلة، وإنما سجدت اليهود على خوف حين شق فوقهم الجبل، فجعلوا ينحرفون وهم ينظرون إليه يتخوفون أن يقع عليهم، فسجدوا سجدة رضيها الله فاتخذوها عنه. وقيل كان ذلك اليوم شاتياً شديد البرد فجلست في مشرقه تعلي رأسها.

стр. 5147

(فاتخذت) أي ضربت (من دونهم) أي من دون أهلها (حجاباً) أي حاجزاً وستراً يسترها عنهم لئلا يروها حال العبادة أو حال التطهر من الحيض. والحجاب الستر والحاجز (فأرسلنا إليها روحنا) هو جبريل ﵇ ليبشرها بالغلام ولينفخ فيها فتحمل به. وقد اختلف الناس في نبوة مريم، فقيل إنها نبية لمجرد هذا الإرسال إليها ومخاطبتها للملك، وقيل لم تكن نبية لأنه إنما كلمها الملك وهو على مثال البشر، والمتفق عليه أن المنفي وحي الرسالة لا مطلق الوحي، والوحي هنا إنما هو بشارة الولد لا بالرسالة، وقد تقدم الكلام على هذا في آل عمران،

стр. 5148

وقيل هو روح عيسى لأن الله سبحانه خلق الأرواح قبل الأجساد. والأول أولى لقوله (فتمثل) أي جبريل ﵇ (لها) بعد لبسها ثيابها (بشراً سوياً) تاماً مستوي الخلق لم يفقد من نعوت بني آدم شيئاً. وقال البيضاوي: ولعله أي التمثل ليهيج شهوتها فتنحدر نطفتها إلى رحمها، إهـ قال في الخميس في أحوال أنفس نفيس: فيه نظر، انتهى، ولم يبين أحد هذا النظر الصحيح لا هو ولا غيره من المفسرين فيما تصفحت إلا أبا السعود حيث قال: هو مع مخالفته لمقام بيان آثار القدرة الخارقة للعادة يكذبه قوله تعالى:

стр. 5149

(قالت إني أعوذ بالرحمن منك) فإنه شاهد عدل بأنه لم يخطر ببالها شائبة مثل ما إليه فضلاً عما ذكر من الحالة المرتبة على أقصى مراتب الميل والشهوة. نعم كان تمثله على ذلك الحسن الفائق والجمال الرائق لابتلائها وسبر عفتها، ولقد ظهر منها من الورع والعفاف ما لا غاية وراءه، وذكره تعالى بعنوان الرحمانية للمبالغة في العياذ به تعالى واستجلاب آثار الرحمة الخاصة التي هي العصمة مما دهمها إهـ. وقد تكلموا في كيفية تمثله، فقال إمام الحرمين: يفني الله الزائد من خلقه أو يزيله عنه ثم يعيده إليه، يعني أن له أجزاء أصلية كما في الإنسان وأجزاء زائدة، وجزم ابن عبد السلام بالإزالة دون الفناء وقال ابن حجر: إن القدر الزائد لا يزول ولا يفنى بل يخفيه الله تعالى عن الرأي فقط قاله الكرخي. وقيل إنما ظهر لها في سورة البشر لتستأنس بكلامه ولا تنفر عنه فتفهم كلامه ولو بدا لها في صورة الملائكة لنفرت ولم تقدر على استماع كلامه، وأنها لا تطيق أن تنظر إلى الملك وهو على صورته، فلما رأته في صورة إنسان حسن كامل الخلق قد خرق عليها الحجاب ظنت أنه يريدها بسوء فاستعاذت بالله منه. و (قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقياً) أي ممن يتقي الله

стр. 5150

ويخافه، ويعامل بمقتضى التقوى والإيمان، وخصت الرحمن بالذكر ليرحم ضعفها وعجزها عن دفعه. وقيل أن تقياً اسم رجل صالح فتعوذت منه تعجباً. وقيل إنه اسم رجل فاجر معروف في ذلك الوقت، والأول أولى. وتعوذها من تلك الصورة الحسنة دل على كمال عفتها وغاية ورعها، وجواب الشرط محذوف، أي فلا تتعرض لي واتركني وانئه عني، أو فتنتهي عني لتعوذي، وهذه الجملة كقول القائل: أن كنت مؤمناً فلا تظلمني.

стр. 5151

(قال) جبريل (إنما أنا رسول ربك) الذي استعذت به، ولست ممن يتوقع منه ما خطر على بالك من إرادة السوء؛ وإنما جئت (لأهب لك) جعل الهبة من قبله لكونه سبباً فيها، من جهة كون الإعلام لها من جهته أو من جهة كون النفخ الذي قام به في الظاهر، ويقويه ما في بعض المصاحف أمرني أن أهب لك، وقرئ ليَهَبَ على معنى أرسلني الله، ليهب لك (غلاماً زكياً) هو الطاهر من الذنوب، الذي ينمو على النزاهة والعفة. وقيل المراد بالزكي النبي.

стр. 5152

(قالت أنّى يكون لي غلام) والحال أنني (لم يمسسني) أي لم يقربني (بشر) زوج بنكاح (ولم أك بغياً) أي فاجرة، فجعلت المس عبارة عن النكاح الحلال لأنه كناية عنه، والزنا ليس كذلك، وإنما يقال فيه: فجر بها وحنث بها. وما أشبه ذلك. والبغيّ هي الزانية التي تبغي الرجال. قال المبرد: أصله بغوي على فعول. وقال ابن جني: إنه فعيل. وقال ابن الأنباري: أن بغياً غالب في النساء إجراء له مجرى حائض وعاقر. وقلما تقول العرب رجل بغي، وزيادة ذكر ذلك يتناول الحلال والحرام لقصد التأكيد تنزيهاً لجانبها من الفحشاء، يعني أن الولد لا يكون إلا من نكاح أو سفاح ولم يكن هنا واحد منهما. قيل وما استبعدت من قدرة الله شيئاً، ولكن أرادت كيف يكون هذا الولد، هل من قبل زوج نتزوجه في المستقبل؟ أم يخلقه الله سبحانه ابتداء.

стр. 5153

قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (٢١) فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (٢٢) فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (٢٣) فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥)

стр. 5154

(قال) جبريل (كذلك) أي الأمر هكذا من خلق غلام منك من غير أب (قال ربك هو) أي خلق ولدك بلا أب (عليّ هين) بأن ينفخ بأمري جبريل فيك فتحملي به، والجملة مستأنفة والكلام فيها كالكلام فيما تقدم من قول زكريا (و) خلقناه (لنجعله) أي هذا الغلام أو خلقه بلا أب (آية للناس) يستدلون بها على كمال القدرة على أنواع الخلق فإنه خلق آدم من غير ذكر ولا أنثى وخلق حواء من ذكر بلا أنثى، وخلق عيسى من أنثى بلا ذكر، وخلق بقية الخلق من ذكر وأنثى، قاله الكرخي. (و) لنجعله (رحمة) عظيمة كائنة (منا) لمن آمن به لما ينالونه منه من الهداية والخير الكثير، لأن كل نبي رحمة لأمته (وكان) خلقه (أمراً مقضياً) به في علمي مقدراً محكوماً مفروغاً منه لا يرد ولا يبدل ولا يتغير مسطوراً في اللوح المحفوظ قد قدره الله سبحانه وجف به القلم.

стр. 5155

(فحملته) أي الموهوب هاهنا كلام مطوي، والتقدير فاطمأنت إلى قوله فدنا منها فنفخ في جيب درعها وهو بعيد عنها فوصلت النفخة إلى بطنها فحملته وأحست في بطنها مصوراً؛ وكان سنها ثلاث عشرة سنة، أو عشراً، أو عشرين. أو ست عشرة سنة. وقيل كانت النفخة في ذيلها أو كمها، وقيل في فمها، وليس المراد أنه نفخ في فرجها مباشرة. عن أبي بن كعب قال: تمثل روح عيسى في صورة بشر فحملته، قال:

стр. 5156

حملت الذي خاطبها دخل في فيها، قيل أن وضعها كان متصلاً بهذا الحمل من غير مضي مدة للحمل، ويدل على ذلك قوله. (فانتبذت به مكاناً قصياً) أي تنحت بالحمل مصاحبة له واعتزلت إلى مكان بعيد من أهلها مخافة اللائمة؛ قيل كان هذا المكان وراء الجبل، وقيل أبعد مكان في تلك الدار؛ وقيل أقصى الوادي، وهو وادي بيت لحم، وقيل إنها حملت به ستة أشهر، وقيل ثمانية أشهر، وذلك آية أخرى، لأنه لا يعيش من ولد لثمانية أشهر، وقيل سبعة أشهر وقيل تسعة أشهر كحمل النساء، وقيل كان الحمل والولادة في ساعة واحدة وقيل حملته في ساعة وَصُوِّر في ساعة، ووضعته في ساعة حين زالت الشمس من يومه، وكانت قد حاضت حيضتين قبل أن تحمل بعيسى. قلت: وهذا التفصيل لا دليل عليه ولا مستند له إلا أخبار الأخبار أو آراء الرجال، ولو صح من نص صحيح لوجب المصير إليه وكان آية أخرى.

стр. 5157

(فأجاءها) يقال جاء وأجاء لغتان بمعنى واحد، أي ألجأها واضطرها وجاء بها. وقرأ شبل فَاجَأَهَا من المفاجأة، وفي مصحف أبيّ (فلما أجاءها). قال في الكشاف: أن أجاءها منقول من جاء إلا أن استعماله قد تغير بعد النقل إلى معنى الإلجاء، وفيه بعد، والظاهر أن كل واحد من الفعلين موضوع بوضع مستقل (المخاض) أو وجع الولادة وهو مصدر مخضت المرأة تمخض مخضاً ومخاضاً، إذا دنا ولادها قرأ الجمهور بفتح الميم وقرئ بكسرها. (إلى جذع النخلة) الجذع ساق النخلة اليابسة التي لا رأس لها، كأنها طلبت شيئاً تستند أليه وتعتمد عليه وتتعلق به كما تتعلق الحامل لشدة وجع الطلق بشيء مما تجده عندها، والتعريف إما للجنس أو للعهد، والمستفيض المشهور أن ولادة عيسى كانت ببيت لحم، وأنها لما هربت وخافت عليه أسرعت به وجاءت به إلى بيت المقدس فوضعته على صخرة فانخفضت الصخرة له وصارت كالمهد، وهي الآن موجودة تزار بحرم بيت المقدس.

стр. 5158

ثم بعد أيام توجهت به إلى بحر الأردن فغمسته فيه، وهو اليوم الذي تتخذه النصارى عيداً ويسمونه يوم الغطاس، وهم يظنون أن المياه في ذلك اليوم تقدست فلذلك يغطسون في كل ماء. ومن زعم أنها ولدت بمصر، قال: بكورة أنهاس، ولم يثبت، انتهى من البحر لأبى حيان، وأنهاس بجانب البهنسا. (قالت) جزعاً مما أصابها (يا) للتنبيه لأن المنادى غير عاقل (ليتني مت قبل هذا) الوقت أو الأمر تمنت الموت استحياء من الناس، أو خوفاً من الفضيحة لأنها خافت أن يظن بها السوء في دينها أو لئلا يقع قوم بسببها في البهتان. (وكنت نسياً منسياً) أي شيئاً حقيراً متروكاً، والنَّسْيُ في كلام العرب الشيء الحقير الذي من شأنه أن يُنسى ولا يذكر ولا يعرف ولا يتألم لفقده كالوتد والحبل وقال الفراء: النسي ما تلقيه المرأة من خرق اعتلالها، فتقول مريم: نسياً منسياً أي حيضة ملقاة، وقد قرئ بفتح النون وكسرها وهما لغتان مثل الحجر والحجر والوتر والوتر، وقرأ القرظي: نِسأ بالهمز مع كسر النون، ونوف البكالي بالهمز مع فتح النون والمنسي المتروك الذي لا يذكر ولا يعرف ولا يخطر ببال أحد من الناس، قال ابن عباس: نسياً منسياً أي لم أخلق ولم أك دشيئاً.

стр. 5159

(فناداها) أي خاطبها لا سمع قولها (من) قرئ بكسر الميم وفتحها وهما سبعيتان (تحتها) الضمير إما لمريم وإما للنخلة والأول أولى لتوافق الضميرين وكانت على أكمة وكان جبريل أسفل منها تحت الأكمة، قال قتادة: الذي ناداها جبريل، وبه قال ابن عباس: وزاد. ولم يتكلم عيسى حتى أتت به قومها، وقد اختلفت الروايات عن السلف، هل هذا المنادى هو جبريل؟ أو عيسى؟ فمن قرأ (من) بالفتح فهو عيسى، ومن قرأ بالكسر فهو جبريل (أن لا تحزني) تفسير للنداء أو المعنى بأن لا تحزني على أنها مصدرية ولا ناهية أو نافية (قد جعل ربك تحتك) أي قربك (سرياً).

стр. 5160

قال جمهور المفسرين: السَّرِيُّ النهر الصغير لأن الماء يسري فيه، والسري. الجدول؛ والجمع سِرْيَان والسرِي الرئيس، والجمع سُرَاة وهو عزيز لا يكاد يوجد له نظير، لأنه لا يجمع فعيل على فعلة وجمع السراة سروات وسري مفعول، وجعل بمعنى صير أو خلق. وقيل: السري من سريت الثوب أي نزعته، وسررت الحبل عن الفرس، والأول أولى، والمعنى قد جعل تحت قدمك نهراً قيل: كان هذا قد انقطع عنه الماء فأرسل الله فيه الماء لمريم وأحيى به ذلك الجذع اليابس الذي اعتمدت عليه حتى أورق وأثمر. وقيل: معنى تحتك تحت أمرك أي إن أَمَرْتِهِ أن يجري جرى، وإن أمرتِهِ بالإمساك أمسك؛ والأول أولى. وعن جماعة من التابعين أن المراد بالسري هنا عيسى، والسري العظيم من الرجال، ومنه قولهم فلان سري، أي عظيم ومن قوم سُرَاة أي عظام. أخرج الطبراني وابن النجار وابن مردويه، عن ابن عمر أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن السري الذي في الآية نهر أخرجه الله لها لتشرب منه "، وفي سنده أيوب بن نهيك الجبلي قال فيه أبو حاتم الرازي: ضعيف وقال أبو زرعة: منكر الحديث، وقال أبو الفتح الأزدي: متروك الحديث، وقال الطبراني بعد إخراجه إنه غريب جداً.

стр. 5161

(وهزي إليك بجذع النخلة) الْهَزُّ التحريك يقال هزه فاهتز والباء مزيدة للتأكيد، وقال الفراء؛ العرب تقول هزه وهز به، والجذع هو أسفل الشجرة، قال قطرب: كل خشبة في أصل شجرة فهي جذع (تساقط عليك) أصله تتساقط؛ وقرئ تسقط ويسقط، فمن قرأ بالفوقية جعل الضمير للنخلة، ومن قرأ بالتحتية جعله للجذع (رطباً جنياً) الجَنيّ المأخوذ طرياً، وقيل: هو ما طاب وصلح للجني، وهو فعيل يعني مفعول، أي رطباً طرياً طيباً، قاله ابن عباس أي استحق أن يجنى.

стр. 5162

فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦) فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (٢٧) يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨) فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١)

стр. 5163

(فكلي) من ذلك الرطب (واشربي) من ذلك الماء أو من عصير الرطب وقدم الأكل مع أن ذكر النهر مقدم على الرطب لأن احتياج النفساء إلى أكل الرطب أشد من احتياجها إلى شرب الماء. ثم قال: (وقري عيناً) قرأ الجمهور، بفتح القاف، وقرئ بكسرها، قال ابن جرير: هي لغة نجد، والمعنى طيبي نفساً وارفضي عنك الحزن وهو مأخوذ من القَرِّ والقِرَّة وهما البرد، والمسرور بارد القلب ساكن الجوارح، وذلك أن العين إذا فرح صاحبها كان دمعها قاراً أي بارداً وإذا حزن كان دمعها حاراً، ولذلك قالوا في الدعاء عليه: أسخن الله عينه. وقيل: المعنى وقري عيناً برؤية الولد الموهوب لك، وقال الشيباني: معناه نامي، قال أبو عمرو: أقر الله عينه أي أنام عينه، وأذهب سهره، وقيل مأخوذ من الاستقرار أي أعطاها الله ما يسكن عينها، فلا تطمح إلى غيره. (فإما ترين) أصله تَرْأَيِين مثل تسمعين (من البشر أحداً فقولي) أي إن طلب منك الكلام أحد من الناس فقولي، وبهذا المقدر يتخلص من إشكال وهو أن قولها فلن أكلم اليوم إنسياً، كلام فيكون ذلك تناقضاً لأنها قد

стр. 5164

كلمت إنسياً بهذا الكلام، وقيل قوله فقولي أي بالإشارة وليس بشيء، بل المعنى فلن أكلم اليوم إنسياً بعد هذا الكلام قاله السمين. (إني نذرت للرحمن صوماً) قيل المراد به الصوم الشرعي، وهو الإمساك عن المفطرات (١) والأول أولى، وفي قراءة أبي صوماً صمتاً بالجمع بين اللفظين، وكذا روي عن أنس وروي عنه الواو بينهما، والذي عليه جمهور المفسرين أن الصوم هنا الصمت، ويدل عليه فلن أكلم اليوم إنسياً كما سيأتي ومعنى الصوم في اللغة أوسع من المعنيين. قال أبو عبيدة: كل ممسك من طعام أو كلام أو سير فهو صائم، وقراءة أبي تدل على أن المراد بالصوم هنا الصمت، لأنه تفسير للصوم، وقراءة أنس تدل على أن الصوم هنا غير الصمت كما يفيده الواو، ومعنى (فلن أكلم اليوم إنسياً) أنها لا تكلم أحداً من الإنس بعد إخبارهم بهذا الخبر، بل إنما تكلم الملائكة وتناجي ربها. ولما اطمأنت مريم ﵍ بما رأت من الآيات

стр. 5165

(فأتت به) أي بعيسى (قومها تحمله) أي أتت مصاحبة له وكان إتيانها إليهم في المكان القصي الذي أنتبذت فيه للوضع قيل: في يوم الوضع، وقيل بعد أن طهرت، قال ابن عباس: بعد أربعين يوماً بعدما تعالت من نفاسها، فلما رأوا الولد معها حزنوا، وكانوا أهل بيت صالحين. (قالوا) منكرين لذلك (يا مريم لقد جئت) أي فعلت، وارتكبت (شيئاً فرياً) عجيباً نادراً قاله أبو عبيدة، وقال مجاهد: الْفَرِيُّ العظيم أي من الأمر يقال في الخير والشر. وقال قطرب: الْفَريّ الجديد من الأسقية أي جئت بأمر بديع جديد لم

стр. 5166

تُسبقي إليه وقيل الْفَرِيُّ القطع أي شيئاً قاطعاً وخارقاً للعادة التي هي الولادة بواسطة الأب وقال سعيد بن مسعدة: الْفَرِيُّ المختلق المفتعل، والاسم الفرية ويقال فريت الجلد وأفريت بمعنى واحد قطعته والولد من الزنا كالشيء المفتري قال تعالى: (ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن).

стр. 5167

(يا أخت هارون) هذا من كلامهم أيضاً، وقد وقع الخلاف في معنى هذه الأخوة وفي هارون المذكور، من هو؟ فقيل هو هارون أخو موسى، والمعنى أن من كانت نظنها مثل هارون في العبادة كيف تأتي بمثل هذا؟ وقيل كانت مريم من ولد هارون أخي موسى، فقيل لها يا أخت هارون كما يقال لمن كان من العرب يا أخا العرب، وقيل كان لها أخ من أبيها اسمه هارون، وقيل: هارون هذا رجل صالح في ذلك الوقت شبهت به في عفتها وصلاحها، وقيل: بل كان في ذلك الوقت رجل فاسق اسمه هارون فنسبوها إليه على جهة التعيير والتوبيخ حكاه ابن جرير ولم يسم قائله، وهو ضعيف. وأخرج أحمد ومسلم والترمذي والنسائي وعبد بن حميد وابن أبي شيبة وغيرهم عن المغيرة بن شعبة قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى أهل نجران فقالوا: أرأيت ما تقرؤون يا أخت هارون؟ وموسى قبل عيسى بكذا وكذا قال فرجعت فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: " ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمون بالأنبياء والصالحين قبلهم " (١)، وهذا التفسير النبوي يغني عن سائر ما روي عن السلف في ذلك. (ما كان أبوك) أي عمران (امرأ سوء وما كانت أمك) أي حنة (بغياً) هذا فيه تقرير لما تقدم من التعيير والتوبيخ وتنبيه على أن الفاحشة من ذرية الصالحين، مما لا ينبغي أن تكون

стр. 5168

(فأشارت) أي مريم (إليه) أي إلى عيسى أن كلموه، وإنما اكتفت بالإشارة ولم تأمره بالنطق لأنها نذرت للرحمن

стр. 5169

صوماً عن الكلام، كما تقدم هذا على تقدير أنها كانت إذ ذاك في أيام نذرها، وعلى تقدير أنها قد خرجت منها فيمكن أن يقال إن اقتصارها على الإشارة للمبالغة في إظهار الآية العظيمة، وأن هذا المولود يفهم الإشارة ويقدر على العبارة. (قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبياً) هذا الاستفهام للإنكار والتعجب من إشارتها إلى ذلك المولود بأن يكلمهم، قال أبو عبيدة: في الكلام حشو زائد والمعنى كيف نكلم صبياً في المهد. وقال الزجاج: الأجود أن يكون (مَنْ) في معنى الشرط والجزاء والمعنى من يكون في المهد صبياً فكيف نكلمه، ورجحه ابن الأنباري، وقيل إن كان هنا التامة التي هي بمعني الحدوث والوجود، وَرُدَّ بأنها لو كانت تامة لاستغنت عن الخبر، وقيل: أنها بمعنى صار. وقيل: إنها الناقصة على بابها من دلالتها على اقتران مضمون الجملة بالزمان الماضي من غير تعرض للانقطاع، ولذلك يعبر عنها بأنها ترادف لم يزل، والمهد هو شيء معروف يتخذ لتنويم الصبي، ولفظ القاموس المهد الموضع يهيأ للصبي ويوطأ، والأرض كالمهاد، والجمع مهود انتهى، وقيل: هو هنا جحر الأم؛ وقيل سرير كالمهد. والمعنى كيف نكلم من سبيله أن يُنَوَّم في المهد لصغره. فلما سمع عيسى كلامهم ترك الرضاع وأقبل عليهم

стр. 5170

(قال إني عبد الله) فكان أول ما نطق به الاعتراف بالعبودية لله، لئلا يتخذوه إلهاً وفيه إزالة التهمة عن الأم لأن الله لم يختص بهذه المرتبة العظيمة من ولد في الزنا، ووصف نفسه بصفات ثمانية، أولها العبودية وآخرها تأمين الله له في أخوف المقامات (آتاني الكتاب) أي الإنجيل (وجعلني نبياً) أي حكم لي بإيتاء الكتاب، والنبوة في الأزل وإن لم يكن قد نزل عليه في تلك الحال ولا قد صار نبياً، وقيل إنه آتاه الكتاب وجعله نبياً في تلك الحال وهو بعيد جداً.

стр. 5171

وعن أنس قال: كان عيسى قد درس الإنجيل وأحكامها في بطن أمه فذلك قوله آتاني الكتاب، وهو أبعد، وقال عكرمة: قضى أن أكون كذلك، ومثله قوله ﷺ " كنت نبياً وآدم بين الروح والجسد " (١).

стр. 5172

(وجعلني مباركاً) البركة أصلها من بروك البعير والمعنى جعلني ثابتاً في دين الله (أينما كنت) وقيل البركة الزيادة والعلو فكأنه قال: جعلني في جميع الأشياء زائدا عالياً محجاً، وقيل معنى المبارك النفاع للعباد لأنه كان يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص ويرشد ويهدي وقيل: المعلم للخير وقيل: الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر. وعن أبي هريرة عنه ﷺ قال: جعلني نفاعاً للناس أينما اتجهت أخرجه الإسماعيلي في معجمه وأبو نعيم في الحلية. وعن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: معلماً ومؤدباً، أخرجه ابن عدي وابن عساكر، وأينما شرطية لا استفهامية وجوابها إما محذوف وإما هو المتقدم عند من يرى ذلك. (وأوصاني) أي أمرني (بالصلاة والزكاة) أي بزكاة المال إذا ملكته، أو تطهير النفس عن الرذائل في الوقت المعين لهما وهو البلوغ أو الآن، قولان للمفسرين والأول أولى (ما دمت حياً) أي مدة دوام حياتي، وهذه الأفعال الماضية هي من باب تنزيل ما لم يقع منزلة الواقع تنبيهاً على تحقق وقوعه لكونه قد سبق في القضاء المبرم. وقيل: المراد إن الله صيره حين انفصل عن أمه بالغاً عاقلاً. قال الخازن: وهذا القول أظهر (قلت) بل أبعد ويحتاج إلى مستند صحيح ثابت.

стр. 5173

وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣) ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤) مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٣٥) وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٣٦) فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٣٧) أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٨) وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٩)

стр. 5174

(وبراً بوالدتي) اقتصر على البر بوالدته لأنه قد علم في تلك الحال أنه لم يكن له أب وقرئ برأ بكسر الباء إما على حذف مضاف وإما على أنه مصدر وصف به مبالغة (ولم يجعلني جباراً شقياً) الجبار المتعظم الذي لا يرى لأحد عليه حقاً والشقي العاصي لربه. وقيل الخائب وقيل العاق. وقال ابن عباس: شقياً عصياً، أي بل أنا خاضع متواضع، ومن تواضعه أنه كان يأكل ورق الشجر ويجلس على التراب ولم يتخذ له مسكناً. روي أنه قال قلبي لين وأنا صغير في نفسي.

стр. 5175

(والسلام) قال المفسرون: هو هنا بمعنى السلامة أي الأمان من الله (عليّ) والألف واللام فيه للعهد لأنه قد تقدم لفظه في قوله وسلام عليه أي ذلك السلام الموجه إلى يحيى موجه إليّ. وقال الزمخشري: والصحيح أن يكون هذا التعريف تعريضاً باللعنة على متهمي مريم وأعدائها من اليهود وتحقيقه أن اللام للجنس، أي جنس السلام عليّ خاصة، فقد عَرض بأن ضده عليكم. ونظيره والسلام على من اتبع الهدى. (يوم وُلدت) فلم يضرني الشيطان في ذلك الوقت بالطعن ولا أغواني

стр. 5176

(ويوم أموت) أي ولا عند الموت (ويوم أبعث حياً) أي ولا عند البعث وإنما خص هذه المواضع لكونها أخوف من غيرها. وهذا آخر كلامه فعلموا به براءة أمه، ولم يتكلم بعد هذا الكلام، حتى بلغ المدة التي يتكلم فيها الصبيان في العادة.

стр. 5177

(ذلك) أي المتصف بالأوصاف الثمانية السابقة. وقال الزجاج: ذلك الذي قال: إني عبد الله (عيسى بن مريم) لا ما تقوله النصارى من أنه ابن الله وأنه إله. (قول الحق) قرئ بالنصب على المدح أو على أنه مصدر مؤكد لقال إني عبد الله، قاله الزجاج. وقرئ بالرفع على أنه نعت لعيسى. قاله الكسائي. وسمي قول الحق كما سمي كلمة الله. والحق هو الله قاله قتادة. وقال أبو حاتم: المعنى هو قول الحق. وقيل التقدير هذا الكلام قول الحق، وهو من باب إضافة الموصوف إلى الصفة مثل حق اليقين. وقيل الإضافة للبيان. وقرئ قال الحق، وروي ذلك عن ابن مسعود،. وقرأ الحسن قول الحق بضم القاف، والقَوْل والقُول والقال والمقال بمعنى واحد. (الذي فيه يمترون) أي ذلك عيسى ابن مريم الذي فيه يمترون، ومعناه يختلفون على أنه من المماراة أو يشكون على أنه من المرية، وقد وقع الاختلاف في عيسى، فقالت اليهود: هو ساحر وأنه ابن يوسف النجار، وقالت النصارى: هو ابن الله أو إله. وعن قتادة في الآية قال: اجتمع بنو إسرائيل فأخرجوا منهم أربعة نفر، أخرج كل قوم عالمهم، فامتروا في عيسى حين رفع، فقال أحدهم: هو الله هبط إلى الأرض فأحيى من أحيى وأمات من أمات ثم صعد إلى السماء. وهم اليعقوبية فقالت الثلاثة كذبت، ثم قال اثنان منهم للثالث قل فيه، فقال هو

стр. 5178

ابن الله، وهم النسطورية، فقال الاثنان كذبت، ثم قال أحد الاثنين للآخر قل فيه، فقال هو ثالث ثلاثة: الله إله وعيسى إله وأمه إله. وهم الإسرائيلية وهم ملوك النصارى فقال. الرابع كذبت هو عبد الله ورسوله وروحه من كلمته، وهم المسلمون فكان لكل رجل منهم أتباع على ما قال، فاقتتلوا وظهروا على المسلمين، فذلك قول الله سبحانه (ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس). قال قتادة: وهم الذين قال الله فيهم: فاختلف الأحزاب من بينهم، فاختلفوا فيه فصاروا أحزاباً، فاختصم القوم فقال المرء المسلم أنشدكم بالله هل تعلمون أن عيسى كان يطعم الطعام وأن الله لا يطعم؟ قالوا اللهم نعم. قال فهل تعلمون أن عيسى كان ينام وأن الله لا ينام؟ قالوا اللهم نعم، فخصمهم المسلمون فاقتتل القوم فذكر لنا أن اليعقوبية ظهرت يومئذ وأصيب المسلمون، فأنزل الله (فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم).

стр. 5179

(ما كان لله أن يتخذ من ولد) أي ما صح ولا استقام ذلك. قال الزجاج: (من) مؤكدة تدل على نفي الواحد والجماعة، والمعنى ما كان من صفته اتخاذ الولد أي ثبوت الولد له محال. ثم نزه الله نفسه فقال (سبحانه) أي تنزه وتقدس عن مقالتهم هذه. ثم صرح سبحانه بما هو شأنه، تعالى سلطانه فقال: (إذا قضى أمراً) من الأمور وهذا بمنزلة التعليل لما قبله (فإنما يقول له كن فيكون) أي فيكون حينئذ بلا تأخير لا يتعذر عليه إيجاده على الوجه الذي أراده، وفي إيراده في هذا الموضع تبكيت عظيم وإلزام بالحجة للنصارى، أي من كان هذا شأنه كيف يتوهم أن يكون له ولد، وقد سبق الكلام على هذا مستوفى في البقرة.

стр. 5180

(وإن الله) بفتح أن بتقدير اذكر أو لأن، وإليه ذهب الزمخشري تابعاً للخليل وسيبويه، وبكسرها بتقدير قل، أو على الاستئناف، وقيل على الأول

стр. 5181

أنها عطف على الصلاة، أي أوصاني بالصلاة وبأن الله، وإليه ذهب الفراء، ولم يذكر مكي غيره، وقيل على الثاني عطف على قوله إني عبد الله، وهو من البعد بمكان (ربي وربكم فاعبدوه) هذا من تمام كلام عيسى بدليل ما قلت لهم إلا ما أمرتني الآية. (هذا صراط مستقيم) أي الذي ذكرته لكم من أنه ربي وربكم، هو الطريق القيم الذي لا اعوجاج فيه ولا يضل سالكه

стр. 5182

(فاختلف الأحزاب) أي اليهود والنصارى (من بينهم) أي فاختلفت الفرق من أهل الكتاب في أمر عيسى، فأفرطت النصارى وغلت وفرطت اليهود وقصرت، ومن زائدة وقيل للتبعيض إذ بقي منهم فرقة أخرى مؤمنة يقولون إنه عبد الله كما تقدم. (فويل للذين كفروا) وهم المختلفون في أمره، عبر عنهم بالموصول إيذاناً بكفرهم جميعاً وإشعاراً بعلة الحكم (من مشهد يوم عظيم) أي من شهود يوم القيامة وما يجري فيه من الحساب والجزاء والعقاب، أو من مكان الشهود فيه، أو من شهادة ذلك اليوم عليهم. وقيل المعنى فويل لهم من حضورهم المشهد العظيم الذي اجتمعوا فيه للتشاور.

стр. 5183

(أسمع بهم وأبصر) قال أبو العباس: العرب تقول هذا في موضع التعجب فيقولون أسمع بزيد وأبصر به، أي ما أسمعه وأبصره، فعجب الله سبحانه نبيه ﷺ منهم. وقال السمين: هذا لفظ أمر ومعناه التعجب، وقيل بل هو أمر حقيقة، والمأمور هو رسول الله ﷺ ، والمعنى أسمع الناس وأبصرهم بهم وبحالهم، ماذا تصنع بهم من العذاب، وهو منقول عن أبي العالية، وقال ابن عباس: يقول الكفار يومئذ: أسمع شيء وأبصره، وهم اليوم لا يسمعون ولا يبصرون. (يوم يأتوننا) للحساب والجزاء (لكن الظالمون) الأصل لكنهم وهو من إقامة الظاهر مقام المضمر للإيذان بأنهم في ذلك ظالمون لأنفسهم

стр. 5184

(اليوم) أي في الدنيا (في ضلال) أي خطأ (مبين) أي واضح ظاهر، ولكنهم أغفلوا التفكر والاعتبار والنظر في الآثار (وأنذرهم) أي خوّف يا محمد كفار مكة (يوم الحسرة) أي يوم يتحسرون جميعاً، فالمسيء يتحسر على إساءته، والمحسن على عدم استكثاره من الخير. وعن ابن عباس قال: يوم الحسرة هو من أسماء يوم القيامة، وقرأ (أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله، وفي سنده علي ابن أبي طلحة وهو ضعيف، والآية التي استدل بها ابن عباس لا تدل على المطلوب لا بمطابقة ولا تضمن ولا التزام. (إذ قضي الأمر) من الحساب وطويت الصحف وصار أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار (وهم في غفلة) أي غافلين عما يعمل بهم وتلك الحال متضمنة للتعليل، أي أنذرهم لأنهم في حالة يحتاجون فيها إلى الإنذار، وهي الغفلة والكفر. (وهم لا يؤمنون) به، أخرج البخاري ومسلم وغيرهم، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار يجاء بالموت كأنه كبش أملح، فيوقف بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنة هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون، وينظرون إليه، فيقولون: نعم هذا الموت، وكلهم قد رآه، ثم ينادي يا أهل النار هل تعرفون هذا فيشرئبون وينظرون إليه فيقولون نعم هذا الموت، وكلهم قد رآه فيؤمن به فيذبح، ويقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت؛ ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 5185

(وأنذرهم يوم الحسرة) الآية وأشار بيده فقال أهل الدنيا في غفلة (١). وأخرج النسائي وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن أبي هريرة مرفوعاً نحوه.
следующие страницы →